النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(١٦) كتاب الطلاق - (١٠) باب: ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها
فأخبرهم: أنَّ أمَّ سلمة قالت: إن سُبَيْعَة الأسلميةَ نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها
بليالٍ. وأنَّها ذكرتْ ذلك لرسول الله بَّر، فأمرَها أن تتزوج.
رواه البخاريُّ (٥٣١٨ و٥٣١٩)، ومسلم (١٤٨٥)، والترمذيُّ
(١١٩٣)، والنسائي (٦/ ١٩١).
[١٥٥٧] ومن حديث عمرَ بنِ عبدِ الله بنِ الأرقم: أنَّ سُبيعة سألتْ
رسولَ الله ◌َلّ عن ذلك. قالت: فأفتاني بأنِّي قد حلَلْتُ حين وضعتُ
حملي، وأمرني بالتزوُّج إنْ بدا لي. قال ابن شهاب: فلا أرى بأساً أن
تتزوج حين وضَعَتْ. وإنْ كانتْ في دمها، غير أنَّه لا يقربها زوجها حتى
تطهر .
عمومه في المطلَّقات والمتوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ، وأنَّ عدَّةَ الوفاة مختصَّةٌ بالحامل
من الصِّنفين. ويعتضدُ هذا بقول ابن مسعودٍ: إنَّ آيةَ سورة النساء القصرى(١) نزلت
بعد آية عدَّة الوفاة. وظاهرُ كلامه: أنها ناسخةٌ لها. وليس مرادُه - والله أعلم -
وإنما يعني: أنَّها مخصِّصةٌ لها؛ فإنها أخرجتْ منها بعض متناولاتها. وكذلك
حديثُ سُبيعة متأخرٌ عن عدَّة الوفاة؛ لأنَّ قصةَ سُبيعة كانت بعد حَجة الوداع،
وزوجُها هو سعد بن خولة، توفي بمكة حينئذٍ. وهو الذي رثى له رسولُ اللهِ وَله
[أن مات](٢) بمكة. والله تعالى أعلم.
وقد تقدَّم القولُ في الطهارة على (قوله: نُفِسَتْ).
و (قولُ ابن شهاب: فلا بأس أن تتزوَّج حين وضعتْ وإن كانت في دمها، حكم نكاح
غير أنَّه لا يقربُها زوجُها حتى تطهر) هذا مذهبُ الجمهور. وقد شذَّ الحسنُ، المعتدة إذا
وضعت، ولم
تطھر بعدُ
(١) هي سورة الطلاق.
(٢) في (ل ١) و(ج ٢): من أن توفي.

٢٨٢
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
رواه مسلم (١٤٨٤) (٥٦)، وأبو داود (٢٣٠٦)، والنسائيُّ
(١٩٦/٦)، وابن ماجه (٢٠٢٧).
(١١) باب
في الإحداد على الميت في العدة
[١٥٥٨] عن حُمَيْدٍ بن نافع: أنَّ زينب ابنة أبي سلمة أخبرته هذه
الأحاديث الثلاثة قال: قالت زينبُ: دخلتُ على أم حبيبة زوج النَّبِيِّ وَّه
حين توفي أبوها أبو سفيان. فدعتْ أم حبيبة بطيبٍ فيه صفرةٌ - خَلُوقٌ أو
والشَّعْبي، والنخعي، وحمَّادٌ فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نِفَاسها. والحديثُ
حجَّةٌ عليهم، ولا حَّةَ لهم في قوله في الأمّ: فلمَّا تَعَلَّتْ من نِفَاسها تجمَّلَتْ
للخطَّاب (١). لأن (تَعَلَّتْ) وإن كان أصله: طَهُرتْ من دم نِفَاسها، على ما حكاه
الخليل، فيحتملُ أن يكون المرادُ به ها هنا: تعلَّت من آلام نِفَاسها. أي: اسْتَقَلَّتْ
من أوجاعها وتغييراته. ولو سُلُّم أنَّ معناه ما قاله الخليل، فلا حُجَّةَ فيه، وإنَّما
الحجَّةُ في قوله ◌ِ لهَ لِسُبيعة: ((قد حللتِ حين وضَعْتِ)) فأوقع الحِلَّ حين الوضع،
وعلَّقه عليه، ولم يقلْ: إذا انقطعَ دمُكِ. ولا: إذا طهرت. فصحَّ ما قاله الجمهورُ.
وفي حديث سُبيعة هذه دليلٌ: على جواز المنازعة، والمناظرة في المسائل
الشرعية، وعلى قبول أخبار الآحاد، وعلى الرُّجوع في الوقائع إلى من يُظَنُّ علمُ
ذلك عنده، وإن كان امرأةً. إلى غير ذلك.
(١١) ومن باب: الإحداد على الميِّت
(الخَلوق) - بفتح الخاء المنقوطة -: أنواع من الطيب تُخْلط بالزّعفران.
(١) الحديث في صحيح مسلم (٥٦/١٤٨٤).

٢٨٣
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
غيره - فدَهَنَتْ منه جاريةً، ثم مسَّتْ بِعَارِضِيْهَا، ثم قالت: والله ما لي
بالطيب حاجةٌ، غير أنِّي سمعتُ رسول الله وَ لا يقول: ((لا يحل لامرأةٍ تؤمن
بالله واليوم الآخر، تُحِدُّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهر
وعشراً)). قالت زينبُ: ثم دخلتُ على زينبَ بنتٍ جحشٍ حين توفي أخوها،
فدعت بطيبٍ، فمسَّت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجةٍ، غير
أني سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول على المنبر: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله
وهو: العبيرُ أيضاً. وأصل العوارض: الأسنان. وسُمِّيت الخدود: عوارض لأنها
عليها، من باب: تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسببٍ.
والعارضان ها هنا هما: الخذَّان. والإحداد: مصدر: أحدَّت المرأةُ على زوجها
فهي مُحِدٌّ: إذا امتنعت من الزينة. ويقال: حدَّت فهي حادٌّ. وكلُّ ما يصاغ من
(ح. د) كيفما تصرف فهو راجعٌ إلى معنى المنع.
و (قوله: ((لا يَحِلُّ لامرأة تؤمنُ بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميِّتٍ فوق هل على المرأة
ثلاث))) فاعل ((لا يَحِلُّ)) المصدر الذي يمكن صياغتُه من: (تحد) مع (أن) المرادة. الكتابية إحداد؟
فكأنّه قال: الإحداد. ووَصْفُ المرأةِ بالإيمان يدلُّ: على صحة أحد القولين عندنا
في الكتابية المتوفَّى عنها زوجُها المسلم: أنها لا إحداد عليها. وبه قال أبو حنيفة،
والكوفيّون، وابن كنانة، وابن نافع، وأشهب من أصحابنا. وقال الشافعي وعامة
أصحابنا: عليها الإحداد.
و (قوله: ((فوق ثلاثٍ))) يعني به: الليالي، ولذلك (أنث العدد)(١). ويستفاد
منه: أنَّ المرأةَ إذا مات حميمُها فلها أن تمتنعَ من الزِّينة ثلاث ليالٍ متتابعة، تبدأ
(١) الحقيقة: أنه ذكَّر العدد، فقال ثلاث، ولكن تذكيره يدلُّ على أن المعدود مؤنث، وهو
الليالي التي واحدها: ليلة.

٢٨٤
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
واليوم الآخر، تُحِدُّ على ميِّتِ فوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ
وعشراً). قالت زينبُ: سمعتُ أمِّي، أُمَّ سلمة تقول: جاءت امرأةٌ إلى
بالعدد من الليلة التي تسقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميعُها في بقية(١) يومٍ أو
ليلةٍ ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة(٢) المستأنفة.
و (قوله: ((إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشراً))) (أربعةَ) منصوبٌ على الظرف،
والعامل فيه (تُحِدُّ) و (عشراً) معطوفٌ عليه.
حكم الإحداد
على المطلقة
وهذا الحديثُ بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهنَّ، المتوفى عنهنَّ
أزواجهنَّ. فيدخل فيه الحرائر، والإماء، والكبار، والصغار. وهو مذهبُ
الجمهور. وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا إحدادَ على أمةٍ، ولا صغيرة. والحديثُ(٣)
حُجَّةٌ عليه. ولا خلافَ أعلمه: أنهما لا بدَّ لهما من العِدَّة. فبالطريق التي تلزمهما
به العدَّةُ يلزمهما الإحدادُ. و (إلا على زوجٍ) إيجابٌ بعد نفيٍ. فيقتضي حصر
الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقةُ فيه من جهة لفظه بوجهٍ. فلا
إحدادَ على مطلَّقةٍ عندنا، رجعيةً كانت أو بائنةً واحدة، أو أكثر. وهو مذهبُ
مالكِ، والشافعيِّ، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر. وقال قومٌ: إنَّ المطلقةَ ثلاثاً
عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثورٍ، وأبو عبيد. وقال
الشَّافعيُّ، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتَّقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن
فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قولٌ يدلُّ على إبطاله
نصُّ الحديث المتقدِّم.
وأمَّا من رأى أنَّ الإحداد على المطلَّقة فمستنده: إلحاقُها بالمتوفى عنها
زوجها. وليس بصحيح؛ وللحصر الذي في الحديث، لوجود الفرق بينهما.
(١) ساقطة من (ع).
(٢) من (ج ٢).
(٣) في (ج ٢): والعموم.

٢٨٥
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
رسول الله وَل﴿، فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابنتي توفي عنها زوجُها، وقد
اشتكتْ عينُها، أفنكَحُلُهَا؟ فقال رسول الله وَطِّ: ((لا)) - مرتين أو ثلاثاً - كلُّ
وذلك: أنَّ الإحداد إنّما هو مبالغةٌ في التحرُّز من تعرُّضِها لأسباب النُّكاح في حقٌّ
المتوفى عنها، لعدم الزَّوجِ؛ إذ ليس من جهته من يقومُ مقامه في البحث عنها
والتحرُّز بها، بخلاف المطلِّق؛ فإنَّه حيٌّ متمكِّنُ من البحث عن أحوالها، فافترقا.
هذا إن قلنا: إنَّ الإحدادَ معقولُ المعنى. فإنْ قلنا: إنّه تعبُّدٌ؛ انقطعَ الإلحاقُ
القياسيُّ. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسيِّ؛ لكان التمشُّكُ بظاهر اللفظ أولى. وقد
بيَّنَّا: أنه يدلُّ على الحصر. والله تعالى أعلم.
وإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّةَ الوفاة بأربعة أشهرٍ وعشرٍ؛ لأنَّ غالب الحمل يَبِينُ حكمة تحديد
تحرُّكُهُ في تلك المذَّة؛ لأنَّ النطفةَ تبقى في الرَّحم أربعين، ثمَّ تصيرُ علقةً أربعين، عدة الوفاة
ثمَّ مُضْغَةً أربعين، فتلك أربعةُ أشهرٍ، ثمَّ ينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركتُه بأربعة أشهر
في العشر الزائد على الأربعة الأشهر. وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعودٍ
وعشر
- رضي الله عنه - وأنَّث عشراً لأنَّه أراد به مُدَّة العشر. قاله المبرِّدُ. وقيل: لأنَّه أراد
الأيامَ بلياليها. وإلى هذا ذهب كافَّةُ العلماء. فقالوا: إنَّها عشرةُ أيام بعد الأربعة
الأشهر. وقال الأوزاعيُّ: إنَّما أنَّث العشرَ؛ لأنَّه أراد الليالي. فعلى قوّل الجمهور:
تحلُّ باليوم العاشر بآخره. وعلى قول الأوزاعي: تحلُّ بانقضاء الليلة العاشرة. وقد
احتجَّ قومٌ بقوله: أربعة أشهرٍ وعشراً: على أنَّ ما زاد على هذا العدد إذا كانت
حاملاً لم يلزمْ فيه الإحداد. وقال أصحابُنا: عليها الإحدادُ إلى أن تَضَع؛ نظراً إلى
المعنى؛ إذ كلُّ ذلك عدّةٌ من وفاة، وإنما خصَّ ذلك العدد بالذكر لأنَّ الخُيَّلَ من
النساء(١)، أغلب، وهنَّ الأصلُ، والحمل طارىء. والله تعالى أعلم.
ومَنْعُهُ وَِّ الكُحْلَ للمرأة التي تُخُوَّفَ على عينها يدلُّ: على التشديد في منع منع المعتدة مما
المحدِّ من الاكتحال بما فيه زينةٌ، أو طيبٌ إذا وجدت منه بدّاً، إثمداً كان أو فيه زينةٌ
(١) أي: النساء غير الحوامل.

٢٨٦
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
ذلك يقول: ((لا))، ثم قال: ((إنما هي أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، وقد كانتْ إحداكنَّ
في الجاهلية ترمي بالبَعَرَةِ على رأس الحول)). قال حُمَيْدٌ: فقلت لزينب:
وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينبُ: كانت المرأة، إذا توفي
غيره. وهو مذهبُ الجمهور. فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا. فمنهم من قال:
تجعله بالليل، وتمسحه بالنَّهار. وبه قال الكوفيون، والنَّخَعيُّ، وعطاءُ،
والشَّافعيُّ، أخذاً بما في الموطَّأ من حديث أمِّ سلمة، من قوله: ((اجعلیه بالليل،
وامسحيه بالنهار))(١). ومنهم من قال: تستعمله ليلاً ونهاراً، بحسب ضرورتها. وبه
قال سالم، وسليمان بن يَسار، ومالك، حكاه عنه الباجيُّ وغيره. وتأوَّل هؤلاء
قوله في هذا الحديث: تخوفوا عليها: إنَّ هذا الخوف لم يكن محقّقاً، ولو كان
الضَّرر مُحقَّقاً حاصلاً بلا بدِّ لأباحه لها؛ لأنَّ المنعَ إذ ذاك كان يكون حرجاً في
الدِّين، وهو مرفوعٌ بقاعدة الشرع.
و (قوله: ((إنّما هي أربعة أشهر وعشر))) (إنَّما) تفيد التقليل والحصر.
يتمسّك بها من يرى: أنَّ الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهرٍ والعشرِ. وقد
تقدَّم.
و (قوله: ((قد كانت إحداكنَّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول)))
هذا منه وَّهُ إخبارٌ عن حالة المتوفى عنهن أزواجهنَّ قبل ورود الشَّرع. وحاصله:
أنهنَّ كنَّ يُقمن في بيوتهنَّ حولاً ملازماتٍ لحالة الشَّعث، والبَذَاذة، والتَّفَل،
ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس، إلى أن ينقضيّ الحول، وعند
ذلك تخرجُ، فترمي ببعرةٍ مُشعرةً بأنَّ أمرَ العِدَّة المذكورة - وإن كان شديداً - قد هانَ
عليها في حقٌّ من مات عنها كرمي البعرة. وقيل: إنَّ معنى ذلك: أنَّها رمت بالعِدَّة
وراءَ ظهرها كما رمت بالبعرة. فلما جاء الإسلامُ أمرهنَّ الله تعالى بملازمة البيوت
(١) رواه مالك في الموطأ (٥٩٨/٢).

٢٨٧
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
عنها زوجُها، دخلت حِفْشاً، ولَبِسَتْ شرَّ ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً
حتى تمرَّبهاسنة. ثم تُؤتَى بدابةٍ: حمارٍ ، أو شاةٍ، أو طيرٍ، فتفتض به.
فقلما تفتض بشيءٍ إلا مات. ثم تخرج فتُعطى بعرةً فترمي بها، ثم تُرَاجِعُ
بَعْدُ ما شاءت من طيبٍ أو غيره.
حولاً. وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً
لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وأشهرُ قول المفسرين فيها،
وأحسنُه: أنَّ المتوفى عنها زوجها كانت تجلسُ في بيت المتوفى حولاً، ويُنفَقُ
عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناحٌ في
قطع النفقة عنها. ثم نُسخَ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر. ونُسخت النفقة بالربع،
أو الثمن. قاله ابن عباس وقتادة، والضحَّاك، وعطاء، وغيرهم. وفي هذه الآية
مباحث كثيرةٌ لذكرها موضعٌ آخر.
قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحولَ منسوخٌ، وأنَّ عِدَّتَها
أربعةُ أشهر وعشرٌ. يعني: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَجًا يَتَّرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
و (الحِفْش) هنا: الخصُّ الصغير. وهو أيضاً الدُّرج. وجمعه: أحفاش.
و (الأحلاس): الثياب الخشنة، وأصلها للدَّوابِّ، وهي: المسوحُ التي تُجعل على
ظهورها .
و (قولها: ثم تؤتى بدابَّةٍ: حمارٍ، أو شاةٍ، أو طيرٍ) سميت هذه كلُّها دوابَ
لأنَّها تدبُّ. أي: تمشي. وهذه تسميةُ لغويَّةٌ أصليةٌ. كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا
مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
و (قوله: فتفتضُّ به، فقلَّ ما تفتضُّ ... ) الرِّواية الصحيحة بالفاء والضاد
المعجمة. قال القتبي: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا: أنَّ المعتدَّة

٢٨٨
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
رواه أحمد (٣٢٤/٦ و٣٢٥)، والبخاريُّ (٥٣٣٤ - ٥٣٣٦)،
ومسلم (١٤٨٦ - ١٤٨٩)، وأبو داود (٢٢٩٩)، والترمذيُّ (١١٩٥ -
١١٩٧)، والنسائيُّ (٢٠٢/٦).
[١٥٥٩] وعن أمّ سلمة: أنَّ امرأةً توفي زوجُها، فخافوا على عينها.
فأتوا النبي 18 فاستأذنوه في الكحل. فقال رسول الله وَله: ((قد كانت
إحداكنَّ تكون في شرِّ بيتها في أحلاسها (أو في شر أحلاسها في بيتها)
حولاً. فإذا مر كلبٌ رَمَتْ ببعرة فخرجت. أفلا أربعة أشهرٍ وعشراً؟ .
رواه البخاريُّ (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) (٦١).
[١٥٦٠] وعن أمّ عطيَّةَ: أَنَّ رسولَ الله وَلّهِ قالَ: ((لا تُحِدُّ امرأةٌ على
ميِّتٍ فوق ثلاثٍ، إلا على زوجٍ، أربعةَ أشهرٍ وعشراً، ولا تلبَسُ ثوباً
مصبوغاً إلا ثوبَ عَصْبٍ،
كانت لا تغتسلُ، ولا تمسُّّ ماءً، ولا تُقُلِّمُ ظفراً، وتخرجُ بعد الحول بأقبح منظرٍ،
ثم تفتضُّ. أي: تكسرُ ما هي فيه من العِدَّة بطائرٍ تمسحُ به قُبُلَها، وتنبذُه، فلا يكادُ
يعيشُ. وقال مالكٌ: تفتضُ: تمسحُ به جلدَها كالنُّشْرَةِ(١). وقال ابن وَهْب: تمسحُ
بيدها عليه، أو على ظهره. وقيل: معناه: تمسحُ به ثم تَفتض. أي: تغتسل بالماء
العَذْب حتى تصيرَ كالفِضَّة. وقيل: تفتض: تُفارق ما كانت عليه. قال الأزهريُّ:
رواه الشَّافعي: (فتقبص) بالقاف، وبالباء بواحدة، وبالصاد المهملة. والقبص:
الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ الحسن: (فقبصتُ قَبْصَةً من أثر الرسول) ذكره
الهرويُّ.
و (قوله: ((ولا تلبسْ ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْبٍ)))) قال ابن المنذر:
(١) النُّشْرَةُ: الرُّقيا.
ما تمتنع
المعتدة عنه من
الثياب والزينة

٢٨٩
(١٦) كتاب الطلاق - (١١) باب: في الإحداد على الميت في العِدّة
ولا تكتحلُ، ولا تمسُّ طيباً، إلا إذا طهُرتْ، نُبذةً من قُسْطِ، أو أظفارٍ)).
وفي روايةٍ: ((من قُسْطٍ وأظفارٍ)).
رواه مسلم (٩٣٨) (٦٦)، وأبو داود (٢٣٠٢)، والنسائيُّ
(٢٠٢/٦)، وابن ماجه (٢٠٨٧).
أجمعوا على أنه لا يجوزُ لها لباسُ المُصبَّغة، والمعصفرة، إلا ما صُبِغ بالسَّواد.
ورخَّص فيه مالكٌ، والشَّافعيُّ، وعروة. وكرهه الزهريُّ، وكره عروةُ، والشافعيُّ
العَصْبَ. وهي: برود اليمن يُعصب غَزْلُها، ثم يُصبغ معصوباً، ثم يُنسج، فيوشَى.
وأجازَه الزهريُّ. وأجاز غليظَه مالكٌ. قال ابن المنذر: رخّص كلُّ من يحفظ عنه
من أهل العلم في البَياض. قال القاضي: ذهبَ الشافعيّ إلى أنَّ كلَّ صبغ كان زينةً،
فلا تمسُّه الحادُّ غليظاً كانَ أو رقيقاً. ونحوه للقاضي عبد الوهاب. قال: كلُّ ما كان
من الألوان تتزيَّنُ به النِّساء لأزواجهنَّ فتُمنع منه الحادُّ. ومنعَ بعضُ شيوخنا
المتأخرين جيَِّ البياض الذي يُتْزيَّن به. وكذلك الرفيعُ من السَّواد.
و (قوله: ((ولا تمسُّ طِيباً إلا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةً من قُسْطِ، أو أظْفَارٍ))) قال
القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة.
وإنَّما رْخِّص لها في هذا لقَطْع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التَّطيُّب
مع أنَّ القُسْط، والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه في ذلك.
وظاهره: أنها تتبخر بذلك. وقال الداودي: تسحق القُسْط والأظفارَ وتلقيه في
الماء آخر غُسْلها. والأول أظهر؛ لأنَّ القُسْط والأظفار لا يحصلُ منهما شيءٌ إلا
من بخورهما. ويقال: قُشْط - بالقاف والكاف ــ وأكثر ما يُستعمل القُسط،
والأظفار مع غيرهما فيما يُتبخّر به، لا بمجردهما.
ووقع في كتاب البخاري: (قُسط أظفارٍ) وهو خطأ؛ إذ لا يُضاف أحدُهما

٢٩٠
(١٦) كتاب الطلاق - (١٢) باب: ما جاء في اللعان
(١٢) باب
ما جاء في اللِّعان
[١٥٦١] عن سهل بن سعدٍ: أنَّ عُوَيْمراَ العَجْلانِيَّ جاء إلى
عَاصمِ بنِ عديِّ الأنصاريِّ فقال له: أرأيتَ يا عاصمُ لو أنَّ رجلاً وجد مع
امرأتهَ رجلاً، أيقتلُه فتقْتُلُونَه، أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصمُ عن ذلك
للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: (قُسْطِ ظَفَار) وهذا له وجه؛ فإنَّ
ظَفَار مدينة باليمن نُسِبَ إليها القُسْط. وما في مسلم أحسن. والله تعالى أعلم.
وعلى هذا: فينبغي(١) ألا يُصرف للتعريف والتأنيث. ويكون كـ (حَذَامٍ) و (قَطَام)،
أو يكون مبنياً [على القول الثاني في ((حذامٍ)) و ((قطام)) - أعني - مَبَنياً](٢) عَلى
الكسر.
(١٢) ومن باب: اللِّعَان
وهو موضوعٌ لحفظ الأنساب، ودفع المضرَّةِ عن الأزواج.
( قوله: أرأيت رجلاً وَجَد مع امرأته رجلاً أيقتلُه فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟)
هذا سؤالُ غيرانَ متحرٍِّ من الحدِّ، متشوِّفٍ لمعرفة الحكم، ولو صرَّح لَلَزِمَه الحدُّ،
أو يُبَيِّنَ، أو يَلْتَعِنَ، كما جاء في الحديث(٣) الآخر لمن صرَّح: ((البيّنة وإلا حدٍّ في
ظهرك))(٤). وكونه وَلجه لم ينكر على السَّائل قوله: أيقتله؟ تقريرٌ منه على ذلك.
(١) في (ل ١) و (ع): فيتعين.
(٢) ما بين حاصرتين استدرك من (ل ١).
(٣) في (ج ٢) كما قد قال في الحديث.
(٤) رواه البخاري (٢٦٧١)، وأبو داود (٢٢٥٤)، والترمذي (٣١٧٨).

٢٩١
(١٦) كتاب الطلاق - (١٢) باب: ما جاء في اللعان
رسولَ اللهَ ﴿. فسألَ عاصمُ رسولَ الله ◌َ ◌ّه فكره رسولُ اللهِوَّهِ المسائلَ
وعابَها، حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسولِ الله ◌َِّ، فلمَّا رجع عاصمٌ
إلى أهلِه جاءه عُوَيْمِرٌ فقال: يا عاصمُ! ماذا قال لك رسولُ الله ◌َظِ؟ قال
عاصم لعويمر: لم تأتني بخيرٍ، قد كره رسولُ الله ◌َ﴿ المسألةَ التي سألتُه
عنها! قال عويمر: فوالله لا أنتهي حتى أسأله عنها. فأقبلَ عويمرٌ حتى أتى
رسولَ الله ◌َ له وسط النَّاس. فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع
ويلزم منه إنْ قتله لم يكن فيه قِصاصٌ، ولا غيرُه. وقد عضده قولُ سعدٍ: لو رأيته
ضربته بالسَّيف. ولم ينكر عليه. بل صوَّبه بقوله: ((تعجبون من غيرة سعدٍ!))(١)
ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهدر دمه إذا جاء القاتلُ بشاهدین.
واختلف أصحابُنا بذلك. فقال ابنُ القاسم: يُهدَر دمه إن قتله إذا قامت هل يُهدرُ دُ
البيّنة؛ مُحصَناً كان أو غير مُخْصَن، واستحبَّ الدِّيّة في غير المحصن. وقال الزاني؟
ابنُ حبيب: إن كان مُخْصَناً فهذا الذي ينجي قاتلَه البيّنةُ. وقد اختلف عن عمر
- رضي الله عنه - في هذْرِ دم مثل هذا. وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه -: يُقاد
منه. فأمَّا لو لم يأتِ ببيِّنَةٍ فإنَّه يُقتلُ به، ولا يقبلُ قولُه عند الجمهور. وقال
الشَّافعيُّ، وأبو ثور: وَسِعَهُ فيما بينه وبين الله تعالى قتلُه. يعنيان: إذا كان محصناً.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: كره رسولُ اللهِوَ ◌ّ المسائلَ وعابها) يحتملُ أن تكونَ هذه الكراهةُ النهي عن كثرة
لكثرة المسائل، كما قد جاء النهي عنها نصّاً. ويحتمل أن تكون لقبح هذه المسألة. المسائل
ويدلُّ على هذا قولُ عاصم: وقد كره رسولُ اللهِ وَ ي المسألةَ التي سألتُه عنها.
(١) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩).

٢٩٢
(١٦) كتاب الطلاق - (١٢) باب: ما جاء في اللعان
امرأته رجلاً؛ أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟! فقال رسول الله وَّله: ((قَدْ
نَزَلَ فيك وفي صاحبتِكَ، فاذهبْ فَأْت بها)). قال سهلٌ: فتلاعَنَا. (في
روايةٍ: في المسجد) وأنا مع النَّاس، عند رسول الله وَّهِ. فلمَّا فرغا قال
عويمرٌ: كذبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمْسَكْتُهَا! فطلَّقها ثلاثاً قبل أنْ يأمره
رسولُ اللهِ وَه ـ
و (قوله: ((قد أُنزل فيك وفي صاحبتك))) يدلُّ: على أنه وَِّ عرفَ أنه
صاحبُ المسألة؛ فإمَّا بقرائن الأحوال، وإمَّا بالوحي.
أين يتمُّ اللِّمان؟
و (قوله: فتلاعنا في المسجد) [فيه بيانُ: أنَّ سنةَ اللعان كونه في
المسجد](١)، ولم يختلف في ذلك إلا ما روي عن عبد الملك: أنَّه يكون في
المسجد أو عند الإمام، وفيه: أنه يكون بحضرة الإمام. والقياس، والإجماع على
أنه لا یکون إلا بسلطان.
و (قوله: كذبتُ عليها إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره
رسولُ اللهِوَلِ) هذا حُجَّةٌ للشَّافعي على جواز إيقاع الطلاق الثلاث في كلمةٍ
واحدةٍ. ووجهُ احتجاجه: أنَّه وَّ أقرَّه على ذلك. وقد انفصل أصحابُنا عن ذلك؛
بأن قالوا: إنَّه إنما أقرَّه لأنَّ الطلاقَ لم يقعْ؛ إذ لم يصادفْ محلّ؛ فإنَّها قد بانتْ منه
بفراغهما من اللعان؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: ((لا سبيلَ لك عليها))(٢).
وقد تقدَّم القولُ في هذه المسألة. وقوله ◌ِ له للذي سَمِعَهُ يطلِّق ثلاثاً في كلمة
واحدةٍ: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) (٣) إنكارٌ محقَّق.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) رواه البخاري (٥٣١٢)، ومسلم (١٤٩٣) (٥).
(٣) رواه النسائي (٦/ ١٤٢).

٢٩٣
(١٦) كتاب الطلاق - (١٢) باب: ما جاء في اللعان
قال ابن شهاب: فكانت تلك سُنَّهُ المتلاعِنَيْنِ.
وفي روايةٍ: ففارقها عِنْد النبي ◌َّهِ. فقال النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ذاكمُ التَّفريقُ
بين كلِّ مُتَلاعِنَّيْنِ)).
رواه البخاريُّ (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٤٥)،
والنسائيُّ (١٤٤/٦)، وابن ماجه (٢٠٦٦).
و (قول ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعِنَيْنِ) ظاهره: أنَّها إشارةٌ إلى التفريق
كونه طلَّقها ثلاثاً. وكذلك (قوله وَّهِ: ((ذاكم التفريقُ بين كل متلاعِنَيْنِ))) وبه تمسّك المؤَّد بین
والتحريم
مَن شذَّ من العلماء فقال: هو ثلاثٌ، والجمهورُ: على أنَّه ليس بثلاثٍ. لكن المتلاعنين
اختلفوا. فأكثرهم: على أنه بفراغها من اللعان يقعُ التحريمُ المؤبَّد، ولا تحلُّ له
أبداً؛ وإن أكذب نفسه، متمسِّكين في ذلك بقوله: ((لا سبيلَ لك عليها)). وبما جاء
في حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب: فمضت سُنَّهُ المتلاعِنَيْنِ أن يفرَّق
بينهما، ولا يجتمعا. وقال أبو حنيفة، ومحمَّد بن الحسن، وعبيد الله بن
الحسن(١)، هو واحدةٌ بائنةٌ، وإنْ أكذب نفسه بعد اللعان حُدَّ، وحلَّت له. وغيرهم
يَحُدُّونه، ويلحقون به الولد، ولا يُحلُّونها له، وأشدُّ الخلاف في هذه المسألة قولُ
عثمان البَِّّي: إنَّه لا يُفرَّقُ بينهما. وحكاه الطبري عن جابر بن زيدٍ. وهذا القولُ
مردودٌ بالنصوص المتقدِّمة.
قلتُ: وهذه الروايةُ ظاهِرُها: أنَّه لاعَنَها لمجرَّد القذف، فإنَّه لم ينصَّ فيها لا تتم الملاعنة
لا على رؤية الزِّنى، ولا على نفي الحمل، فيمكن أن يحتجّ بها من رأى اللِّعان لمجرد لمجرد القذف
القذف، وهو الشَّافعيُّ، والأوزاعيُّ، وفقهاء المحدثين، والكوفيون. وهو أحدُ
(١) في (ع): عبد الله بن الحسين.

٢٩٤
(١٦) كتاب الطلاق - (١٣) باب: كيفية اللعان، ووعظ المتلاعنين
(١٣) بابُ
كيفيةِ اللِّعان ووعظِ المتلاعِنَيْنِ
[١٥٦٢] عن سعيدِ بنِ جُبَيْرِ قال: سُئِلْتُ عن المتلاعِنَيْنِ في إمرة
مصعبٍ؛ أيفرَّق بينهما؟ قال: فما دَرَيْتُ ما أقول. فمضيتُ إلى منزل ابنِ
عمرَ بمكةَ. فقلتُ للغلام: استأذنْ لي. قال: إنَّه قائلٌ؛ فسمع صوتي،
فقال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فوالله ما جاء بك في هذه
الساعة إلا حاجةٌ! فدخلتُ. فإذا هو مفترشٌ بَرْذعةً. متوسدٌ وسادةً حشوها
ليفٌ. قلت: أبا عبد الرحمن! المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله!
قولي مالك. ويتمسَّكون أيضاً بمطلق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ ... ) الآية
[النور: ٦]. ومشهورُ مذهب مالكِ: أنَّه لا لعان في القذف المجرد، ويحدُّ حتى
يَنْصَ على الزِّنى. وهو قولُ الليث، وأبي الزِّناد، والبتيٍّ، ويحيى بن إسماعيل.
والصحيح: أنَّه لا مُتمسَّك في هذا الحديث على أنَّ مطلقَ الرمي موجبٌ لِلُّعان؛
لأنَّه وإن كان قد سكت في هذه الطَّريق عن صفة (١) الرَّمي، فقد ذكره في روايةٍ
أخرى مفصّلاً، وأنَّه نفى حملها. وأمَّا الآيةُ فمتمسّكهم بها واضحٌ. ولا خلافَ في
صحة اللِّعان في ادِّعاء رؤية الزُّنى، وفي نفي الحمل على الجملة، والله تعالى
أعلم.
(١٣) ومن باب: كيفية اللِّعان
(قوله: إنّه قائِل) هو اسمُ فاعل مِنْ: قال، يقيل: إذا نام(٢) في كِنِّه وقت
القائلة .
(١) في (ع): موجب.
(٢) في (ج ٢): قام.

٢٩٥
(١٦) كتاب الطلاق - (١٣) باب: كيفية اللعان، ووعظ المتلاعنين
نعم، إنَّ أول من سأل عن ذلك فلانُ بنُ فلان. قال: يا رسول الله! أرأيتَ
لو وجد أحدنا امرأته على فاحشةٍ، كيف يصنع؟ إن تكلّم تكلّم بأمرٍ عظيم،
وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النَّبيُّ وَّ، فلم يجبْه. فلمَّا
كان بعد ذلك، أتاه فقال: إن الذي سألتُكَ عنه قد ابتليتُ به. فأنزل الله
عز وجل هؤلاءِ الآيات في سورة النُّور: ﴿ وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦ -
٩] فتلاهُنَّ عليه، ووعظه، وذكَّرَهُ، وأخبره: أنَّ عذاب الدنيا أهونُ من
و (قوله: أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) هو - والله أعلم -: عويمر
العجلاني المتقدِّم الذكر.
و (قوله: إنَّ الذي سألتك عنه قد ابتليتُ به) ظاهِرُ هذا: أنَّه خطابٌ من
السَّائل للنبيِّ وَّهِ لمَّا لم يُجِبه، فأخبره بوقوع ذلك له، ليحقُّق عنده: أنه مضطرٍّ إلى
المسألة فيجيبه كما فعل النبيُّ نَّهِ. وقد جاء في الأمّ من حديث ابن عبّاس(١) قال:
ذُكِرَ التلاعنُ عند رسول اللهِ وَّ﴿ فقال عاصمُ بن عَدِيٍّ في ذلك قولاً، ثمّ انصرف،
فأتاه رجلٌ من قومه يشكو إليه: أنه وجد مع امرأته رجلاً. فقال عاصم: ما ابتليتُ
بهذا إلا لقولي. فذهب(٢) به إلى رسول اللهِوَ ﴿ وذكر الحديث. وهذا نصٌّ في أنَّ
المبتلى به عاصمٌ من جهة: أنه امْتُحِن بوقوع ذلك برجلٍ من قومه، فعظم عليه
ذلك، وشقَّ عليه، حتى تكلّف سؤالَ النبيِّ وَ ﴿ عن تلك المسألة القبيحة، ورأى أنَّ
ذلك كالعقوبة له؛ لما تكلِّم في اللِّعان قبل وقوعه، والله تعالى أعلم. وأمَّا ابتلاءُ
السَّائل الذي سأل النبيَّ وَّرِ فإنَّما هو: وُجُودُه الرَّجل مع أهله. فهو ابتلاءٌ آخر (٣)
غير ابتلاء عاصم.
و (قوله: ووعظهُ، وذكَّرَهُ) هذا الوعظُ، والتذكيرُ كان منه وَّهِ قبل اللُّعان. وعظُ
المتلاعنین قبل
الشروع بالملاعنة
(١) صحيح مسلم (١٤٩٧) (١٢).
(٢) في (ل ١) و(ج ٢): فذهبت.
(٣) في (ج ٢): فهي قضية أخرى.

٢٩٦
(١٦) كتاب الطلاق - (١٣) باب: كيفية اللعان، ووعظ المتلاعنين
عذاب الآخرة. قال: لا، والذي بعثك بالحقِّ ما كذبتُ عليها. ثمّ دعاها
فوعظها، وذكَّرَها، وأخبرها: أنَّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة.
قالت: لا. والذي بعثك بالحقِّ إنَّه لكاذبٌ. فبدأ بالرجل فشَهِدَ أربع
شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصادقين، والخامسةَ أنَّ لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين. ثمّ ثنَّى بالمرأة فشهدتْ أربع شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الكاذبين،
وينبغي أن يُتَّخَذَ سُنَّةً في وَعْظ المتلاعِنَيْنِ قبلَ الشُّروع في اللعان. ولذلك [قال
الطبريُّ: إنه يجب على الإمام أن يعظ كلَّ من يحلِّفه، وذهب الشافعي: إلى أنه
يعظ](١) كلَّ واحدٍ بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة؛ تمشُّكاً منه بما في البخاريٍّ من
حديث ابن عبّاسٍ في لعان هلال بن أميّة: أنَّهِ وَلِّ وعظها عند الخامسة(٢).
و (قوله: فبدأ بالرَّجل) إنَّما بدأ به لأنَّه القاذف؛ فيدرأ الحدَّ عن نفسه، ولأنَّه
هو الذي بدأ اللَّهُ تعالى به. فإذا فرغ من أيمانه تعيَّن عليها: أن تُقابِلَ أيمانَه بأيمانِها
النافيةِ لما أثبته عليها، أو الحدُّ. وهذا مما أجمع عليه العلماء.
و (قوله: فشَهِدَ أربعَ شهاداتٍ) أي: حلف أربع أيمانٍ. وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ﴾ [النور: ٦] أي: يحلف أربع أيمانٍ. والعرب
تقول: أشهدُ بالله. أي: أحلفُ. وكما قال شاعرهم:
فهذا لَها عِنْدِي فَمَا عِنْدَها لِیًا؟
فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أُحِبُّهَا
وهذا مذهبُ الجمهور. وقال أبو حنيفة: هي شهاداتٌ محقَّقةٌ من المتلاعنين
على أنفسهما. وانبنى على هذا: الخلاف في لعان الفاسقين والعبدين. فعند
الجمهور يصحُّ، وعند أبي حنيفة لا يصحُّ. وربما استُدِلَّ لأبي حنيفة بما رواه
حکم لعان
الفاسقیْن
والعبدین
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) انظر صحيح البخاري (٤٧٤٧).

٢٩٧
(١٦) كتاب الطلاق - (١٣) باب: كيفية اللعان، ووعظ المتلاعنين
والخامسةَ أنَّ غضب الله عليها إنْ كان من الصادقين. ثم فرَّقَ بينهما.
وفي روايةٍ: قال رسول الله وَّر للمتلاعِنَيْنِ: ((حسابُكما على الله،
أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعاً: ((لا لعانَ بين مملوكين ولا
كافرين))(١)؛ وبما رواه الدارقطني من هذا المعنى، ولا يصحُّ منها كلِّها شيءٌ عند
المحدِّثين.
واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان. وأولى ذلك كلِّه ما دلَّ عليه ألفاظ اللِّعان
كتابُ الله تعالى. وهو: أن يقول الرجلُ: أَشْهَدُ بالله لقد زنيتٍ. أو: لقد رأيتها
تزني، أو أنَّ هذا الحملَ ليس منّي، أو هذا الولد - أربع مرات - [ثمَّ يخمِّسُ
فيقول](٢): لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تقوم هي فتقول: أَشْهَدُ بالله لقد
كذبَ عليَّ فيما رماني به. أو: إنَّ هذا الحمل منه، أو: هذا الولد ولده، ثمَّ
تخمِّسُ بأن تقول: غَضَبُ الله عليها إن كان من الصادقين. وقد زاد بعضُ علمائنا
في اليمين: بالله الذي لا إله إلا هو. ومشهورُ مذهبنا: أنَّ إِنْ لاعنها على رؤية
الزِّنى نصَّ على ذلك، كما ينصُّه شهود الزِّنى، فيقول كالمِزْوَد(٣) في المكحلة.
و کلُّ ذلك منهما وهما قائمان.
و (قوله: ثم فرَّق بينهما) دليلٌ لمالكِ ولمن قال بقوله: على أنَّ الفُرقةَ تقعُ
بنفس فراغهما من التعانهما. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٧١)، والدارقطني (١٦٣/٣ و١٦٤)، والبيهقي (٣٩٦/٧، ٣٩٧)
بنحوه .
وقال الإمام الغماري في: ((الهداية في تخريج أحاديث البداية» (٧/ ١٣٧): لم
أجده بهذا اللفظ .
(٢) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من عندنا لتمام المعنى.
(٣) المِزْود: الميل من الزجاج أو المعدن يُکتحل به.

٢٩٨
(١٦) كتاب الطلاق - (١٣) باب: كيفية اللعان، ووعظ المتلاعنين
أحدُكما كاذبٌ! لا سبيلَ لك عليها!)). قال: يا رسول الله! مالي؟ قال:
((لا مال لك إنْ كنت صدقْتَ عليها فهو بما استحللتَ مِنْ فرجها. وإن كنت
كذبتَ عليها فذاك أبعدُ لك منها)).
رواه أحمد (١١/٢ و٤٢)، والبخاريُّ (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٣)
(٤ و٥)، وأبو داود (٢٢٥٧)، والترمذيُّ (١٢٠٢)، والنسائيُّ (١٧٧/٦).
[و (قوله في حديث ابن عمر: ((أحدكما كاذب))) ظاهره أنه بعد الملاعنة،
وحينئذ يحقق الكذب عليهما جميعاً. وقال بعضهم: إنما قاله قبل اللعان تحذيراً
لهما، ووَعْظاً. ورجّح بعضهم الأول](١).
و (قوله: لا سبيلَ لك عليها) دليلٌ لمالك ولمن قال بقوله في تأبيد التحریم،
فإنَّ ظاهره النفي العامّ. وقد ذكر الدار قطنيُّ زيادةً في حديث سهلٍ بعد قوله: ففرَّق
رسول الله وَ﴿ بينهما؛ وقال: ((لا يجتمعان أبداً)(٢). [وقال أبو داود عن سهلٍ:
مضت سنة المتلاعِنَيْنِ: أن يفرَّقَ بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً](٣) قال مالك: وهي
السُّنَّةُ التي لا اختلاف فيها عندنا.
(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
(٢) رواه الدار قطني (٢٧٥/٣).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٩٩
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
(١٤) باب
ما يتبعُ اللعان إذا كَمُلَ مِنَ الأحكام
[١٥٦٣] عن ابن عمرَ: أنَّ رجلاً لاعن امرأته على عهدٍ
رسولِ اللهِ وَّهِ، فَفرَّق رسولُ اللهِ وَ لَه بينهما، وألحق الولدَ بأمِّه.
رواه أحمد (٧/٢)، والبخاريُّ (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤) (٨)،
وأبو داود (٢٢٥٩)، والترمذيُّ (١٢٠٣)، والنسائيُّ (١٧٨/٦)، وابن ماجه
(٢٠٦٩).
(١٤) ومن باب: ما يَتْبَعُ اللِّعانَ
إذا كَمُلَ مِنَ الأحكام
قد تقدَّم: أنَّه يتبعه الفراقُ المؤبَّد.
و (قوله: وألْحَقَ الولد بأمه) أي: إنما يُدعى ويُنسب لأمه، ولقومها، أو ما يتبع اللُّعان
لمواليها - إن كانت مولاةً - ويرثها وترثُ هي منه فَرْضها في كتاب الله تعالى. ويرثه من الإلحاق
إخوتُه لأمِّه ميراث الإخوة للأمّ. وتوأما الملاعنة يتوارثان توارث الأشقاء والإرث
الاستوائهما في النفي باللِّعان. وما بقي من ميراث ولد الملاعنة بعد أصحاب السِّهام
فلموالي أمِّه - إن كانت مولاةً - أو لجماعة المسلمين إنْ كانت عربيةً [هذا قول
مالك، والزُّهريِّ، والشَّافعيِّ، وأبي ثورٍ. وقال الحكم، وحمادٌ: يرثه](١) ورثة
أمه. وقال آخرون: عصبتُهُ عصبة أمُّه. وبه قال أحمدُ بن حنبل. وروي عن عليٍّ،
وابن مسعودٍ، وعطاء، وابن عمر - رضي الله عنهم - وقالت طائفة: أمُّه عصبتُه،
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٣٠٠
(١٦) كتاب الطلاق - (١٤) باب: ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام
[١٥٦٤] وعن أنس: أنَّ هلال بنَ أميَّة قذف امرأته بشَرِيكِ بن
سَحْمَاء. وكان أخا البراء بن مالك لأمّه، وكان أوَّل رجلٍ لاعَنَ في
الإسلام. قال: فلاعنها، فقال النَّبِيُّ ◌َله: ((أبصروها فإن جاءت به أبيض
فما بقي عن أهل السِّهام فلها. وقال أبو حنيفة: يُرَدُّ ما فضل على ورثته إن كانوا
ذوي أرحامٍ. وهذا على أصله في الردِّ.
من بسببه نزلت
آية اللِّعان
و (قوله في هلالِ بن أُمَّيّة: إنَّه كان أول مَنْ لاعن في الإسلام) هذا يقتضي :
أنَّ آيَةَ اللعان نزلتْ بسبب هلالٍ بن أميَّة، وكذلك ذكره البخاريُّ. وهو مخالفٌ لما
تقدَّم: أنها نزلتْ بسبب عويمر العجلاني. وهذا يحتملُ: أن تكونَ القضيتان
متقارِبَتَّيْ الزَّمان فنزلت بسببهما معاً. ويحتمل: أن تكون الآيةُ أنزلت على النبيِّ وَيول
مرَّتين. أي: كرَّر نزولها عليه، كما قال بعضُ العلماء في سورة الفاتحة: إنها نزلتْ
بمكة، وتكرَّر نزولُها بالمدينة. وهذه الاحتمالاتُ - وإن بعدثْ - فهي أولى من أن
يُطرَّق الوهمُ للرواة الأئمة الحفّاظ. وقد أنكر أبو عبد الله أخو المهلب في هذه
الأحاديث هلال بن أمية، وقال: هو خطأ، والصَّحيحُ: أنه عُويمر. ونحواً منه قاله
الطَّبريّ. وقال: إنما هو عُويمر، وهو الذي قذفها بشَرِيك بن سَخْماء(١).
والله تعالى أعلم.
وظاهِرُ هذا الحديث: أنَّ هلالاً لمّا صرَّح بذكر شريك؛ أنَّه قذفه؛ ومع ذلك
هل بحد من سمَّی
من رمى به زوجته؟ فلم يَحُذَّه النبيُّ وَل﴿ له. وبهذا قال الشَّافعي: إنه لا حدَّ على الرَّامي لزوجته إذاً
سمَّى الذي رماها (٢) به؛ ثمَّ التعن، ورأى أنه التعن لهما. وعند مالك: أنَّه يُحَدُّ،
(١) زاد في (ج ٢): تتميم: وهو شريك بن عبدة بن مغيث - بضم الميم، وكسر الغين المعجمة،
وسكون الياء تحتها نقطتان، ثم ثاء مثلثة - وقد قيل بفتح العين المهملة، وتشديد التاء
فوقها نقطتان، وبالباء الواحدة - والأول أصح. ابن الجد بن عجلان البلويّ، حليف
الأنصار، وهو شريك بن سحماء، وهي أَمَةٌ عُرِف بها، شهد مع أبيه أُحُداً، وهو أخو
البراء بن مالك لأمه.
(٢) في (ع): زنى.