النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
الوجه الثالث: لو سلَّمنا كلَّ ما تقدَّم لما كان فيه حُجَّةٌ للاضطراب
والاختلاف الذي في سنده، ومتنه. وذلك: أن أبا الصَّهباء رواه عن ابن عباس اضطراب
بتلك الألفاظ المختلفة؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها. وقد روىّ الرواية في
حدیث
أبو داود من حديث أيوب عن غير واحدٍ عن طاووس: أنَّ رجلاً يقال له: ابن عباس سنداً
أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلَّق ومتناً
امرأته ثلاثاً قبل أن يدخلَ بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله وَلقر وأبي بكرٍ،
وصدراً من خلافة عُمَر. فقال ابن عبّاس: بل كان الرَّجل إذا طلَّق امرأته ثلاثاً قبّل
أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله بِ لتر وأبي بكر، وصدراً من خلافة
عمر، فلمَّا رأى الناسَ تتايعوا فيها قال: أجيزوهنَّ عليهم(١). فقد اضطرب فيه أبو
الصهباء عن ابن عباس في لفظه كما ترى. وقد اضطرب فيه طاووس. فمرةً رواه
عن أبي الصهباء، وَمرةً عن ابن عباس نفسه. ومهما كثر الاختلافُ والتناقضُ
ارتفعتِ الثَّةُ، لا سيما عند المعارضة على ما يأتي. ثم العجب: أنَّ مَعْمَراً روى
عن ابن طاووس عن أبيه: أنَّ ابنَ عباسٍ سُئِل عن رجلٍ طَلَّق امرأته ثلاثاً. فقال له:
لو اتقيت الله لجعل لك مخرجاً(٢). وظاهر هذا: أنَّه لا مخرجَ له من ذلك، وأنَّها
ثلاثٌ. وهذه كرواية الجماعة الكثيرة عن ابن عباس؛ كسعيد بن جبير، ومجاهد،
وعطاء، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إلياس بن البكير، والنعمان بن أبي عياش،
كلُّهم روى عنه: أنَّه ثلاث، وأنها لا تحلُّ له إلاَّ مِن بعد زوجٍ.
الوجهُ الرابع: لو سلَّمنا سلامته من الاضطراب لما صحَّ أن يُحتجَّ به؛ لأنه إثبات خيرية
يلزم منه ما يدلُّ: على أنَّ أهلَ ذلك العصر الكريم كانوا يكثرُ فيهم إيقاع المحرَّمات عصر الصحابة
والتساهل فيها، وترك الإنكار على من يرتكبُها. وبيان اللزوم: أنَّ ظاهرَه أنَّ
(١) رواه أبو داود (٢١٩٩).
(٢) انظر سنن أبي داود (٦٤٩/٢).

٢٤٢
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
أصحابَ رسول الله ◌َ لو كان يقع الطلاق الثلاث كثيراً منهم في عصر النبيِّ وَّلـ
وعصر أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، أو ثلاث، ويستفتون علماءهم فيُفتونهم
بأنَّه واحدةٌ، ولا يُنكرون عليهم. مع أنَّ الطَّلاق ثلاثاً في كلمةٍ واحدةٍ محرَّمٌ بدليل
قولِ ابن عمر؛ وابنِ عباس، للمطلِّق ثلاثاً: بانت منك، وعَصَيْتَ رَبَّكَ(١). وبدليل
ما رواه ابن عباس، عن محمود بن لبيد - قال البخاريُّ: له صحبة - قال: أُخْبِر
رسولُ اللهِ وَّه عن رجلٍ طلَّق امرأته ثلاثَ تطليقاتٍ جميعاً، فقام غضبان، ثمَّ قال:
((أيْلعَبُ بكتاب الله؛ وأنّا بين أظهركم؟))(٢) هذا يدلُّ: على أنَّه محرَّم، ومنكرٌ. فكيف
يكثر فيهم العمل بمثل هذا، ولا يُنكرونه؟! هذا محالٌ على قوم وصفَهم الله تعالى
بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيّرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
[آل عمران: ١١٠] إلى غير ذلك مما وصفَهم الله تعالى به. لا يُقال: هذا يبطل بما
وقع عندهم من الزِّنى، والسَّرقة، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبت عليها
الأحكام؛ لأنا نقول: هذه لما وقعت أنكروا تلك الأمورَ، وأقاموا الحدودَ فيها،
ولم يفعلوا ذلك فيما ذكرناه، فافترقا، وصحَّ ما أبديناه. فإن قيل: لعلَّ تحريمَ ذلك
لم يكن معلوماً عندهم. قلنا: هذا باطلٌ. فإنَّهم أعرفُ بالأحاديث ممن بعدهم.
وقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عبّاسٍ وابن عمر. والله تعالى أعلم.
الوجه الخامس: إنَّ ظاهرَ ذلك الحديث خبرٌ عن جميعهم أو عن معظمهم،
والعادة تقتضي - فيما كان هذا سبيله - أن يفشو، وينتشر، ويتواتر نقله، وتُحيلُ أن
ينفردَ به الواحد. ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس، ولا عنه إلا أبو الصهباء. وما رواه
طاووس عن ابن عباس في الأصل قد رواه أبو داود عن طاووس عن أبي الصهباء
عن ابن عباس. ولو رواه عنه لم يخرج بروايته عنه عن كونه خبر واحدٍ غير
انفراد أبي
الصهباء
بالرواية عن ابن
عباس دليل
الريبة فيه
(١) في (ل ١): الله.
(٢) رواه النسائي (٦/ ١٤٢).

٢٤٣
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
مشهورٍ. وهذا الوجه يقتضي القطع ببطلان هذا الخبر. فإن لم يقتض ذلك؛ فلا
أقلّ من أن يفيدنا الرِّيبة فيه، والتوقف. والله تعالى أعلم.
الوجه السادس: تطرُّق التأويل إليه. ولعلمائنا فيه تأويلان. أحدُهما: ما قاله تأويل خبر
بعض البغداديين: إنَّ معناه الإنكار على من يخرج عن سنَّة الطلاق بإيقاع الثلاث، ابن عباس
والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السُّنَّة في الزَّمان المتأخِّر عن العصرين
السابقين، فكأنه قال: كان الطَّلاق الموقّع الآن ثلاثاً في ذينك العصرين واحدةً،
كما يقال: كان الشجاع الآن جباناً في عصر الصحابة. وكان الكريمُ الآن بخيلاً في
ذلك الوقت. فيُفيد تغير الحال بالناس. وثانيهما: قال غير البغداديين: المراد
بذلك الحديث مَنْ تكرّرَ الطّلاقُ منه، فقال: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق.
فإنها كانت عندهم محمولةً في القِدَم على التأكيد. فكانت واحدة. وصار الناس
بعد ذلك يحملونها على التجديد، فألزموا ذلك لما ظهر قصدهم إليه. ويشهد
بصحة هذا التأويل قول عمر - رضي الله عنه -: إن النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ
كانت لهم فيه أناة. وقد تأوَّله غير علمائنا، على أن ذلك كان في المطلقة قبل
الدُّخول، كما دلَّ عليه حديث أبي داود؛ الذي تقدَّم ذكره، وأبدى بين المدخول
بها [وغيرها فرقاً. فقال: إنما جعلوه في غير المدخول بها] (١) واحدة؛ لأنها تبين
بها، وكأنَّ هؤلاء أشاروا إلى أن قوله لغير المدخول بها: أنت طالق. قد أبانها،
وبقي قوله: ثلاثاً. لم يصادف محلاً، فأجروا المتصل مجرى المنفصل. وهذا ليس
بشيءٍ؛ فإنَّ قوله: أنتِ طالق ثلاثاً. كلامٌ واحدٌ متصلٌ غير منفصلٍ. ومن المحال
البيِّن إعطاءُ الشيء حكم نقيضه، وإلغاء بعض الكلام الواحد. وأشبه هذه التأويلات رواية أن ابن
عمر طلَّق امرأته
الثاني على ما قرَّرناه. والله تعالى أعلم. هذا الكلام على حديث ابن عبّاسٍ.
ثلاثاً غير
وأمَّا حديث ابن عمر - أنَّه طلَّق امرأته ثلاثاً -: فغير صحيح، كما قد ذكرَه صحيحة
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٤٤
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
مسلم عن ابن سيرين، كما قدَّمناه. وأيضاً: فإنَّ الدَّارقطني روى عن أحمد بن
صُبيح، عن طريف بن ناصح، عن معاوية بن عمَّار الدُّهْنِيّ، عن أبي الزبير قال:
سألتُ ابن عمر عن رجلٍ طلَّقَ امرأته ثلاثاً وهي حائضٌ، فقال لي: أتعرفُ
ابن عمر؟ قلت: نعم. قال: طلَّقتُ امرأتي ثلاثاً على عهد رسول الله وَلِّ فردَّها
رسولُ اللهِ وََّ إلى السُّنَّة. قال الدارقطني: كلُّهم شيعةٌ(١). وقال غيره: ما فيهم من
يُحتُ به.
اضطراب
وأمَّا حديث أبي رُكانة فحديث مضطربٌ، منقطع، لا يُسْنَدُ من وجهٍ يُحتج
حديث أبي به، رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيه من
ر كانة وانقطاعه
يُحتجُّ به، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، وقال فيه: إنَّ عبْدَ يزيد بن رُكانة طلَّقَ امرأته
ثلاثاً؛ فقال له رسول الله وَله: ((أرَجعها))(٢). وقد رواه أيضاً من طريق نافع بن
عُجَيْر: أنَّ ركانة بن عبد يزيد طلَّق امرأته البتة، فاستحلفَه رسولُ اللهِ وَله: ما أراد
بها؟ فحلفَ: ما أرادَ إلا واحدة. فردَها إليه(٣)، فهذا اضطراب في الاسم والفعل.
ولا يحتجُّ بشيءٍ من مثل هذا، فقد ظهرَ وتبيَّن: أنَّهم لا حجَّة لهم في شيءٍ ممَّا
حجة الجمهور تمسَّكوا به. فأمَّا حجة الجمهور: فالتمسُّك بالقاعدة المقررة: أنَّ المطلقة ثلاثاً،
لا تحِلُّ لمطلِّقها حتى تنكحَ زوجاً غيره. ولا فرق بين مفرَّقها ومجموعها؛ إذ
معناهما واحدٌ لغةً وشرعاً. وما يتخيل من الفرق بينهما فَصُوْرِيٌّ ألغاه الشرعُ قطعاً
في النكاح، والعتق، والإقرار. فلو قال الوليُّ للخاطب في كلمة واحدةٍ: أنكحتك
[هؤلاء الثلاث، فقال: قبلت. لزمَ النكاح، كما إذا قال: أنكحتُك](٤) هذه،
في حکم
المطلقة ثلاثاً
(١) رواه الدار قطني (٤/ ٧).
(٢) رواه أبو داود (٢١٩٦).
(٣) رواه أبو داود (٢٢٠٦).
(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٤٥
(١٦) كتاب الطلاق - (٣) باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
عمر بن الخطاب: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو
أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم.
رواه مسلم (١٤٧٢) (١٥).
[١٥٤٢] وعن أبي الصَّهْبَاء: أنه قال لابن عباس: أتعلم أنَّما كانت
الثلاث تُجْعَلُ واحدةً على عهد رسول الله وَّ وأبي بكر، وثلاثاً من إمارة
عمر؟ فقال ابن عباس: نعم.
رواه مسلم (١٤٧٢) (١٦).
[١٥٤٣] وعنه: أنَّه قال لابن عباس: هات من هَنَاتِكَ! ألم يكنْ
طلاقُ الثلاثِ على عهدِ رسولِ الله وَلِهِ وأَبّي بكرٍ واحدة؟ فقال: قَدْ كان
وهذه، وهذه. وكذلك في العتق، والإقرار. فكذلك الطلاق. وقد ذكرَ الدارقطني
جملةً من الأحاديث المرفوعة عن عليٍّ، وعبادةَ بن الصامت، وحفص بن المغيرة،
وابن عمر كلُّها تقتضي البينونة، وأنها لا تحلُّ له حتى تنكحَ زوجاً غيره. ولم يُفْرَّق
فيها بين المدخول بها وغيرها. رأينا ألا نطوّل بذكرها، ولا بذكر أسانيدها. وفيما
ذكرناه كفايةٌ. والله تعالى الموفق للهداية، وإنَّما أطنبنا في الكلام على حديث
ابن عبّاس لأنَّ كثيراً من الجھَّال اغترُوا به، فأحلُّوا ما حرَّم الله، فافتروا على الله،
وعلى كتابه ورسوله ومن أظلم ممَّن افترى على الله كذباً، وعدل عن سبيله.
و (قول عمر: إنَّ النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ) أي: مهلة،
وسعةٌ بانتظار الرجعة. وهذا يدلُّ على صحة التأويل الثاني كما ذكرناه.
و (قول أبي الصَّهباء لابن عبّاس: هات من هَنَاتِكَ) هي: جمع هنة.
وأصلها: أنها كناية عن نكرة، غير أنَّ مقصوده هنا: هات فتيا من فتاويك المستغربة.
أو خبراً من أخبارك المستكرهة. وهو إشعارٌ باستشناع تلك المقالة عندهم.

٢٤٦
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
ذلك. فلمَّا كان عمر تتابع النَّاس في الطلاق، فأجازه عليهم.
رواه مسلم (١٤٧٢) (١٧).
*
(٤) باب
في قوله تعالى:
يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللّهُ لَكَ﴾
[١٥٤٤] عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَلَ﴿ كان يمكثُ عند زينب بنت
جحشٍ فيشربُ عندها عسلاً. قالت: فتواطأتُ أنا وحفصةُ، أنَّ أيََّنَا ما دخل
عليها النَّبِيُّ وَِّ فلتقل إنِّي أجدُ منك ريحَ مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على
و (قوله: فلما تتابع النَّاس في الطلاق أجازَه عليهم) رويناه بالياء - باثنتين -
وبالباء - بواحدةٍ - وهما بمعنىّ واحدٍ. غير أنَّ الياء - باثنتين - أكثر ما تُستعمل في
الشَّرِّ. وهو أليقُ بهذا المعنى. والله تعالى أعلم. وكذلك القول في الرِّواية في
(تتابعوا)(١).
(٤) ومن باب: في قوله تعالى:
﴿وَأَُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ الَهُلَّكَ﴾
(المغافير): جمع (مُغْفُور) وهو: صمغٌ حلوٌ له رائحةٌ كريهةٌ؛ يخرجه شجرُ
العُرْفُط، وهو بالحجاز. و (العُرْفُط) من شجر العِضاه، وهو: كلُّ شجرٍ له شوكٌ.
وقيل: تشبه رائحتُه رائحةَ النبيذ. وقيل: إذا رعته الإبلُ خبثت رائحة(٢) ألبانها حتى
(١) هي في رواية أبي داود (٢١٩٩).
(٢) سقطت من (١ ١).

٢٤٧
(١٦) كتاب الطلاق - (٢٠) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
إحداهما فقالت ذلك له. فقال: ((بل شربتُ عسلاً عند زينب بنت جحشٍ
ولن أعودَ له)).
يتأذى بها الناس(١). و (جرست): أكلت. يقال: جرست النحل، تجرُس جَرْساً:
إذا أكلتْ لِتُعَسِّل. ويقال للنحل: جوارس. أي: أواكل. و (العُكَّةُ): أصغر من
القِرْبَةِ.
و (قول سودة: لقد كدتُ أبادئه فَرَقاً منكِ) بالباء - بواحدةٍ - أي: أبتدئه
بالكلام خوفاً من لومِك. وفي رواية ابن الحذَّاء: (أناديه) من النِّداء. وليس بشيءٍ.
و (قولها: كان يحبُّ الحلواء والعسل) الحلواء: هي الشيء المُسْتَحْلَى.
وهو دليلٌ على استعمال مُباحات لذائذ الأطعمة، والميل إليها، خلافاً لما يذهب
إليه أهل التعمُّق والغلوِّ في الدِّين.
و (قوله: ((بل شربتُ عسلاً عند زينب ولن أعودَ له))) زاد البخاريُّ هنا:
((وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحداً»، [وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبرُ، وأنه فعله
ابتغاء مرضاة أزواجه، فيتغير قلبُها. وقيل: كان ذلك في قصة مارية،
واستكتامه و لم حفصة: ألا تخبري بذلك عائشة. وقيل: أسرَّ إلى حفصة أن الخليفة
بعده أبو بكر ثم عمر. والصحيح: أنه في العسل](٢). ويعني بقوله: ((لن أعودَ
له)): على جهة التحريم. وبقوله: ((حلفتُ)) أي: بالله تعالى. بدليل: أنَّ اللهَ تعالى
(١) زاد في (ج ٢):
تتميم: المغافير، ويقال: المغاثير - بالثاء المثلثة -: واحدها: مُفعول - بضم
الميم -. واختلف في الميم هل هي زائدة أو أصلية؟ وقيل: ليس في الكلام مُفعول
- بضم الميم - إلا: مُغفور ومُغرود؛ لضربٍ من الكمأة، ومُنخور: للمنخر.
وهو صمغ حلوٌ كالناطف، وله رائحة كريهة، وقيل: له رائحة تشبه رائحة النبيذ.
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).

٢٤٨
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
فنزل: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا لَهَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة.
أنزلَ عليه معاتبتَه على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا
النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَّكَ﴾ يعني: العسل المحرَّم بقوله: ((لن أعودَ له)) ﴿تَبْنَّغِى
مَرْضَاتَ أَزْوَهِكَ﴾ أي: تفعلُ ذلك طلباً لرضاهنَّ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفور لما
أوجبَ المعاتبة، رحيمٌ برفع المؤاخذة: ﴿قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَئِكُمْ وَهُوَ
اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ -٢] أي: قدَّر وبيَّن. والفرض: التقدير. وتحلّة اليمين:
ما يستحلّ به الخروج عن اليمين. وهي التي قال اللَّهُ تعالى فيها: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ
بِلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَِكِينَ ... ﴾
[المائدة: ٨٩] الآية. والأيمان: جمع يمين. واليمينُ التي حَلَفَ النبيُّ وَ لَّهبها
هي: قوله: ((وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحداً). وهذا أصحُ ما قيل في هذه الآية،
وأجودُه. وقد روى النسائي من حديث أنس: أنَّ رسول الله وَ له كانت له أمةٌ
يطؤها، فلم تزلْ به عائشةُ وحفصةُ حتى حرَّمها، فأنزل الله تعالى: ﴿ يَّأَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ
تُحُرِّعُ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَكَ ... ﴾ الآيات(١). وكأنَّ ابنَ عباس أشار إلى هذا الحديث
حيث قال: إِنَّ الرَّجل إذا حرَّم عليه امرأته فهي يمينٌ يكفِّرها. وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد اختلف السَّلفُ ومَن بعدهم في تحريم الزَّوجة اختلافاً كثيراً. مجموعه
فيما بلغنا أربعة عشر قولاً :
حكم تحريم
الزوج زوجته
على نفسه
أحدها: لا شيء عليه. وبه قال الشعبي، ومسروق، وأبو سلمة، وأصبغ.
وهو عندهم كتحريم الماء والطعام.
وثانيها: هي ظهار، ففيها كفَّارة ظهار. قاله إسحاق.
وثالثها: كفَّارة يمين. قاله ابنُ عبّاس، وبعضُ التابعين.
ورابعها: إن نوى الطَّلاق؛ فواحدة بائنة، إلا أن ينويَ ثلاثاً، فإن نوى اثنتين
(١) رواه النسائي في الكبرى (١١٦٠٧).

٢٤٩
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
فواحدة، فإن لم ينوِ شيئاً؛ فهي يمين. وهو قولٌ قاله أبو حنيفة، وأصحابُه. وبمثله
قال زفر؛ إلا أنَّه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه.
وخامسها: إن نوى الطَّلاق؛ فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة؛ فهي
رجعية. وهو قولُ الشَّافعي. ورُوي مثلُه عن أبي بكرٍ، وعمر، وغيرهما من
الصَّحابة والتابعين.
وسادسها: إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى واحدةً فواحدةً، وإن نوى يميناً
فهي يمين، وإن لم ينوِ شيئاً؛ فلا شيء عليه. وهو قولُ سفيان. وبمثله قال
الأوزاعيُّ، وأبو ثور، إلا أنَّهما قالا: إن لم ينوِ شيئاً؛ فهي واحدةٌ.
وسابعها: له نيَّتُه، ولا يكون أقلّ من واحدة. قاله ابنُ شهاب.
وثامنها: هي في المدخول بها ثلاث، ويُنْوى في غير المدخول بها. وهو
قولُ عليٍّ بن زيد، والحكم، والحسن. وهو مشهورُ مذهب مالك.
وتاسعها: لا يُنْوى في أقل وإن لم يدخل بها. قاله عبدُ الملك في
((المبسوط)). وبه قال ابنُ أبي ليلى.
وعاشرها: هي لمن لم يدخلْ بها واحدةٌ، وفي المدخول بها ثلاثٌ. قاله
أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم.
وحادي عشرها: هي واحدةُ بائنةٌ وإن كانت مدخولاً بها. حكاه ابنُ
خويز منداد عن مالك.
وثاني عشرها: هي واحدةٌ رجعيةٌ. حكاه ابنُ سحنون عن عبد العزيز بن
سلمة(١). وقد تداخل في العدد الذي ذكرنا قولا زُفَرَ والأوزاعيِّ. فالأقوال أربعة
عشر.
(١) في (ع) و(ل ١): عبد العزيز بن أبي سلمة، والمثبت من (ج ٢) وسير أعلام النبلاء
(٣٢١/٨).

٢٥٠
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِيثًا﴾ لقوله: ((بل شربتُ عسلاً)). [التحريم:
١ - ٤].
رواه أحمد (٢٢١/٦)، والبخاري (٦٦٩١)، ومسلم (١٤٧٤)
(٢٠)، وأبو داود (٣٧١٤).
سبب
وسببُ هذا الاختلاف العظيم: أنَّه ليس في كتاب الله الكريم، ولا سُنَّة
الاختلاف في رسوله وَ ل﴿ نصٌّ، ولا ظاهرٌ صحيحٌ يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها الفقهاءُ
حكم تحريم
الزوجة
لذلك. فمن متمسّكِ بالبراءة الأصلية، فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيءٌ. ومن
ملحقٍ لهذه الكلمة بأصلٍ يعتمده. فواحدٌ يلحقها بالظهار، وآخر يلحقها بالنذر
المطلق. وآخر يرى أنها قابلةٌ للنيّة مطلقاً، أو في غير المدخول بها. وأصحابنا
يحتجُّون لمشهور مذهبهم بعرفٍ ثبت عندهم صيَّرها من كنايات الطلاق الظاهرة.
والله تعالى أعلم. وهذا كلُّه في الزوجة.
وأما في الأمة: فلا يلزم فيها شيءٌ من ذلك كلُّه إلا أن ينويَ به العتق عند
مالكِ. وذهب عامَّةُ العلماء: إلى أنَّ عليه كفَّارةَ يمينٍ، وكأنهم تمسَّكُوا بحديث
أنس المتقدِّم. وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حَرُمَ عليه كلُّ ما حرَّم على نفسه من
طعام، أو شرابٍ، أو أمَّةٍ. ولا شيء عليه حتى إذا تناوله لزمه كفَّارة يمينٍ. وأم
الولدَ كالأمة على ما تقدَّم.
و (قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِينًا﴾ هو قولُه لحفصة:
((بل شربتُ عسلاً، وقد حلفت: لا تخبري أحداً ... ))) على ما تقدَّم في حديث
البخاريٍّ. وقيل: هو تحريمُه مارية على ما تقدَّم في حديث النَّسائي. وقيل غير
ذلك. وهذان القولان أحسنُ ما قيل في ذلك.
و (قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اَللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ
بَعْضٍ﴾ أي: حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبيُّقَّهِ و ﴿وَأَظْهَرَهُ اَللَّهُ
عَلَيْهِ﴾ أي: أطلع اللَّهُ تعالى نبيَّه على ذلك الحديث. ﴿عَرَّفَ بَعْضٌَ﴾ مشدّداً، وهي

٢٥١
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
القراءةُ المشهورة. أي: عاتبها على ذلك، وأعرض عن بعضه، فلم يبالغ في
المعاتبة عملاً بمكارم الأخلاق، وحُسْن المصاحبة. وقرأه الكسائي: بتخفيف
الراء، مِنْ (عَرَفَ)، ومعناه: جازى عليه؛ بأن غضب. يقال: عرفت حقَّك. أي:
جازيتك عليه. و (لأعرفنّ حقّك) بمعناه. وقال الضخَّاك: إنَّ الذي أعرضَ عنه
حديثُ الخلافة لئلا ينتشر. وهذا بَنَاهُ: على أنَّه هو الحديثُ الذي أسرَّه لحفصة.
وهذا القولُ ليس بشيءٍ؛ إذ لم يثبتْ بذلك نَقْلٌ، ولم يدلَّ عليه عقلٌ. بل النقلُ
الصَّحیحُ ما ذكرناه.
و (قوله: ﴿فَلَمَّا نَبََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَكَ هَذَا قَالَ نَبَنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
يعني: أنَّ النبيَّ وَّرِ أعلم حفصةَ بالخبر الذي أفشته، فقالت مستفهمةً عمَّن أعلمه
بذلك: ﴿ مَنْ أَبْبَكَ هَذَا﴾ وكأنَّها خطر ببالها أنَّ أحداً من أزواجه أو غيرهنَّ
أخبره. فأجابها بأن قال: ﴿نَبََّنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ أي: العليم بالسرائر، الخبير بما
تجنُّه الضمائر. ثم قال تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى الَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ يخاطب
عائشةَ وحفصة [وهذا يدلُّ: على أن الصحيح من الروايات رواية مَن روى أنَّ هذه
القصة إنَّما جرتْ لعائشة وحفصة](١) لأجل العسل الذي شرب عند زينب. أو
لأجل مارية، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه، كما جاء نصّاً من حديث ابن عبّاسٍ
عن عمر على ما يأتي. وهو روايةُ حجَّاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء،
عن عبيد بن عمر، عن عائشة. [وأمَّا رواية أبي أسامة التي ذكر فيها: أن
المتظاهرات عليه: عائشة](٢)، وسودة، وصفية(٣)؛ فليست بصحيحة؛ لأنها
مخالفةٌ للتلاوة؛ فإنَّها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين. ولو كان كذلك لجاءت بخطاب
جماعة المؤنث. قال أبو محمَّد الأصيلي: حديثُ الحجّاج أصحُ طرقه. وهو أولى
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م).
(٣) في (ع): حفصة.

٢٥٢
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
بظاهر الكتاب. قال غيرُه: انقلبتِ الأسماءُ في حديث أبي أسامة. والله تعالى
أعلم.
و﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالتْ عن الحقِّ. وأراد قلبَ عائشة وحفصة. وعدل
إلى لفظ الجمع استثقالاً للجمع بين تَثْنِيَتَيْن، وقد جمع بينهما مَن قال: ظهراهما
مثل ظهور التّرسین.
و (قوله: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي: تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل
أو في مارية؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ﴾ أي: وليُّه، ومعينه، وكافيه، فلا يضرُّه من
كاده، أو من تعاون عليه. والوقفُ على ﴿مَوْلَئُهُ﴾ حسنٌ، ويبتدىء: ﴿وَجِبْرِيلُ
وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَّكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [أي: بعد تولِّي الله له](١) ﴿ظَهِيرُ﴾ أي:
معينون له على ما يصلحه، ويحفظه، ويوافقه. و(ظهير) وإن كان واحداً؛ فمعناه
الجمع. وقيل: كلُّ واحدٍ ظهيرٌ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]
أي: كلَّ واحدٍ منكم طفلاً. و ﴿ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أحسن ما قيل فيه: أبو بكر،
وعمر - رضي الله عنهما - ومن جرى مجراهما ممَّن سبق إسلامُه، وظهر غَناؤه.
وقيل: كان حقُّ ﴿وَصَِحُ﴾ أن يكتب بالواو، ولكنهم حذفوها، ليوافق الخطُّ
اللفظ. ويحتملُ أن يقالَ: ﴿وَصَلِحُ﴾ مفردٌ، لكنه سلك به مسلك الجنس.
والله تعالى أعلم.
ثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبيِّ نَ ﴿ وتهديدهنَّ بقوله: ﴿ عَسَى
رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَجَا خَيْرًا مِنَكُنَّ مُسْلِمَتٍ﴾ أي: منقاداتٍ بالإسلام
والاستسلام. ﴿مُؤْمِنَتٍ﴾ أي: مصدِّقاتٍ بما جاء به النبيُّ وَّهِ ملازماتٍ أحوال
المؤمنين به من التعظيم، والاحترام. ﴿قَئِنَتِ﴾: خاضعاتٍ لله بالعبودية، ولرسوله
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٥٣
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
[١٥٤٥] وعنها، قالت: كان رسولُ الله والله يحب الحلواء والعسل:
فكان إذا صلى العصر دار على نسائه. فيدنو منهن. فدخل على حفصة
فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألتُ عن ذلك، فقيل لي: أهدت
لها امرأة من قومها عُكَّةً من عسلٍ، فسقت رسول الله وَ ◌ّهِ منه شَرْبَةً. فقلت:
أما والله لنحتالن له! فذكرتُ ذلك لسودة. وقلت: إذا دخل عليك فإنَّه
سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله! أكلت مغافير؟ فإنَّه سيقول لك: لا.
فقولي له: ما هذه الريح؟ وكان رسول الله وَ له يشتدُّ عليه أن توجد منه
بإيثار الطَّواعية على الغَيْرة النفسيّة. ﴿عَنِدَاتٍ﴾: يقمن الله بما له عليهن من
العبادة، وبما لك عليهنَّ من الحرمة والخدمة. ﴿سَِّحَتٍ ﴾: ابن عباس
صائمات، زيد بن أسلم: مهاجرات، من السياحة في الأرض. ويمكن أن يقال:
مسرعاتٍ إلى ما يرضيك، ذاهباتٍ فيه، فلا يشتغلن(١) بسوى ذلك؛ لأنَّ مَن ساح
في الأرض فقد ذهب فيها، وانقطع إلى غيرها. ﴿ثَيِبَتٍ﴾: جمع ثِيِّب. قيل: يعني
بذلك: آسية امرأة فرعون. ﴿ وَأَبْكَارًا﴾: جمع بكرٍ. قيل: يعني بذلك: مريم. وفيه
نظرٌ، وبُعْدٌ. وما ذكرناه في هذه الآية إشارةٌ إلى المختار. والأقوالُ فيها أكثر ممّا
ذكرناه. فلنقتصرْ على ذلك [القَدْر. والله تعالى الموفِّق](٢).
و (قول عائشة: كان رسولُ الله ◌َّ إذا صلَّى العصر دار على نسائه فيدنو حكم قَسْم
منهنَّ) يُسْتَدَلُّ بهذا لأحد القولين المتقدِّمين. وهو: أنَّ النبيَّ وَهَ لم يكن القَسْمُ النبيُّ ◌َيُّ بين
أزواجه
عليه واجباً. ويمكن أن يصرفَ عن ذلك؛ بأن يقال: إنَّ ذلك إنَّما كان يفعلُه لأنهنَّ
كُنَّ قد أذِنَّ له في ذلك؛ بدليل ما جاء في الأمّ (٣): أنَّه كان ◌َله يستأذنهنَّ إذا كان في
(١) في (ج ٢): يستعجلن.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
(٣) انظر صحيح مسلم، الحديث رقم (١٤٧٦).

٢٥٤
(١٦) كتاب الطلاق - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ لم تحرّم ... ﴾
الريح. فإنَّه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جَرَسَتْ
نحلُه العُرْفُطَ! وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفية! فلما دخل على
سودة. قالت: تقول سودة: والذي لا إله إلا هو لقد كِدتُ أن أبادئه بالذي
قلتٍ لي، وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا رسول الله وَله قالت:
يا رسول الله! أكلت مَغافيرَ؟ قال: ((لا))، قلت: ما هذه الريح؟! قال:
((سقتني حفصة شَرْبةَ عسلٍ))، قالت: جَرَسَتْ نحلُه العُرْفُطَ. فلمَّا دخل
عليَّ. قلت له مثل ذلك، ثم دخل على صفية فقالت له مثل ذلك. فلما
دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله! ألا أسقيك منه؟ قال: ((لا حاجة
لي به!)) قالت: تقول سودة: سبحان الله! والله لقد حَرَمْنَاه! قالت: قلت
لها: اسكتي !.
رواه البخاريُّ (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١)، وأبو داود (٣٧١٥)،
والنسائيُّ (١٥١/٦)، وابن ماجه (٣٣٢٣).
[١٥٤٦] وعن ابن عباس أنَّه قال: إذا حَرَّمَ الرجل عليه امرأته فهي
يمينٌ یکفِّرها.
وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
رواه البخاريُّ (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) (١٨)، والنسائي (١٥١/٦).
يوم المرأة منهنَّ. وقد يَسْتَدِلُّ من يرى القَسْمَ واجباً؛ لكنه بالليل دون النَّهار. وقال
الداودي: كأنَّ النبيَّ وَّ جعل ما بعد العصر ملغّى. أي: جعله وقتاً مشتركاً لجميعهنَّ.
وقولها: (فيدنو منهنَّ) أي: من غير مسيس. وقد جاء كذلك في بعض الروايات،
وإنما كان يفعلُ ذلك تأنيساً لهنَّ، وتطييباً لقلوبهنَّ؛ حتى ينفصل عنهنَّ إلى التي هو
في يومها، ويتركها طيبة القلب. والله تعالى أعلم.

٢٥٥
(١٦) كتاب الطلاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ... ﴾
(٥) باب
في قوله تعالى:
يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِذِنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ... ) الآية
[١٥٤٧] وعن جابرِ بنِ عبد الله، قال: دخلَ أبو بكرٍ يستأذنُ على
رسولِ اللهِ وَّ، فوجد النَّاس جلوساً ببابه، لم يُؤْذَنْ لأحدٍ منهم. قال: فَأُذِنَ
لأبي بكرٍ فدخل. ثم أقبل عمر فاستأذن فأُذِنَ له. فوجد النَّبِيَّ وَِّ جالساً،
حوله نساؤه، واجماً ساكتاً. قال: فقال: واللَّهِ لأقولنَّ شيئاً أُضْحِكُ
النبيَّ ◌َّ. فقال: يا رسول الله! لو رأيتَ بنت خارجة سألتني النفقة فقمت
إليها فَوَجَأْتُ عنقها. فضحك رسول الله بَّه وقال: ((هنَّ حولي كما ترى،
(٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]
(قوله: واجماً، ساكتاً) أي: مطرقاً إطراق المغضب. و (قوله: وجأت
عنقَها) أي: طعنتُ فيه ودققت. وأصل الوجء: الدَُّّ، والطعن. يقال: وجأت
البعير: إذا طعنتُ في منحره. ووجأتُ الوتِد: ضربته. ووجأته بالسكين: طعنتُه
بها .
وهذا الفعلُ من أبي بكرٍ وعمر بابنتيهما مبالغةٌ في تأديبهما، وكذلك غَضَبُ هجرُ النبيِّ
رسول الله ◌َ ﴿ عليهنَّ، وهجرانُه لهنَّ إنما كان مبالغةً في أدبهنَّ، فإنهنَّ كنَّ كثَرن لنسائه تأديباً
لھنَّ
عليه، وتبسّطن(١) عليه تبشُّطاً(٢) تعدین فيه ما يليق بالنبيِّ ێے من احترامه،
وإعظامه. وكان ذلك منهنَّ بسبب حسن معاشرته، وليْن خُلُقه، وربما امتدت أعينُ
(١) في (م): تسلّطْن.
(٢) في (م): تسلُّطاً.

٢٥٦
(١٦) كتاب الطلاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ... ﴾
يَسْأَلْنَنِي النفقة)). فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة
يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألْنَ رسول الله وَ له ما ليس عنده! فقلن: والله
لا نسأل رسول الله وَّه شيئاً أبداً ليس عنده. ثم اعتزلهنَّ شهراً، أو تسعاً
وعشرين. ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ﴾ حتى بلغ:
﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ -٢٩]. قال: فبدأ بعائشة.
فقال: ((يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمراً أُحِبُّ ألا تعجلي فيه حتى
تستشيري أبويك)). قالت: وما هو يا رسول الله! فتلا عليها الآية. قالت:
أفيك يا رسولَ الله أستشير أبويَّ؟! بل أختار الله ورسوله والدارَ الآخرة،
وأسألك ألا تخبر امرأةً من نسائكَ بالذي قلتُ. قال: ((لا تسألني امرأة
بعضهنَّ إلى شيءٍ من متاع الدنيا. ولذلك أمر اللَّهُ تعالى نبيَّهِ ﴿ ﴿ بأن يخيرهنَّ بين
إرادة زينة الدنيا، وإرادة الله تعالى، وما عنده، فاخترن اللَّهَ ورسوله، والدَّار
الآخرة. ولم يكن فيهن مَن توقَّف في شيءٍ من ذلك، ولا تردّد فيه، لأنهنَّ
مختارات لمختار، وطيِّاتٌ لطيِّبٍ. سلام الله تعالى عليهم أجمعين.
و (قوله في هذه الرواية: اعتزلهنَّ شهراً، أو تسعاً وعشرين) ظاهِرُه شكّ من
الراوي(١). وسيأتي حديثُ ابن عبّاس: أنَّه إنما اعتزلهن تسعاً وعشرين. وهو
الصَّحیحُ.
و (قولُ عائشة للنبيِّ وَّهِ: لا تخبر امرأةً من نسائك بالذي قلتُ) هو قولٌ
أخرجته غَيْرَتُها، وحِرْصُها على انفرادها بالنبيِّ ◌َّهِ.
بُعث
و (قولُه لها: ((إنَّ اللَّهَ لم يبعثني معنتاً، ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً،
الرسول ( ﴿ ومُيسِّراً)) أصل العَنَتِ: المشقّة. والمُعنتُ: هو الذي يوقعُ العَنَتَ بغيره.
مُيَسِّراً
والمُتَعَنِّتُ: هو الذي يحملُ غيره على العمل بها. ويحتملُ أن يقال: المعنَّت: هو
(١) زاد في (ج ٢): وكأنه إنما سُمِّي شهراً بثلاثين.

٢٥٧
(١٦) كتاب الطلاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ... ﴾
منهنَّ إلا أخبرتها إنَّ الله لم يبعثني مُعَنّاً ولا مُتَعنِّاً، ولكن بعثني معلماً
میسراً)).
رواه مسلم (١٤٧٨).
[١٥٤٨] وعنها(١)، قالت: خيَّرنا رسولُ اللهِ وَّهِ، فاخترناه. فلم
يعدَّه علينا طلاقاً.
رواه أحمد (٢٠٢/٦)، والبخاريُّ (٥٢٦٣)، ومسلم (١٤٧٧)
(٢٧)، والترمذيُّ (١١٧٩)، والنسائيُّ (٥٦/٦)، وابن ماجه (٢٠٥٢).
المجبولُ على ذلك. والمتعنِّت: هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جِبَّته.
وكأنَّ عائشةَ - رضي الله عنها - توقَّعت: أنَّه إذا لم يخبر أحداً من زوجاته يكون
فيهنَّ من يختار الدنيا، فيفارقها النبيُّ وَ﴿ِ، وأنهنَّ إذا سَمِعْن باختيارها هي له اقْتَدَيْنَ
بها فيخترنه. وكذلك فعلن. ووقع للنبيِّ وَّهِ: أنَّه إنْ سألته واحدةٌ منهنَّ عن فِعْل
عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعاً من العَنَت، وإدخال الضَّرر عليهنَّ بسبب إخفاء
ما يُسْألُ عنه، فقال مُجيباً: ((إنَّ اللَّهَ لم يبعثني معنتاً، ولكن بعثني مُعلِّماً ميسراً))
ووجهُ التيسير في هذا: أنَّه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرُها من أزواجه، وسهل
عليها اختيارُ الله ورسوله، والدار الآخرة.
و (قولها: خيَّرنا رسولُ اللهِوَّهِ فاخترناه، فلم يعدَّه علينا طلاقاً) حُجَّةُ المُخَيَّرة إذا
لجمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: على أنَّ المخيَّرة إذا اختارتْ اختارتْ
زوجَها أنَّه لا يلزمُه طلاقٌ، لا واحدةٌ، ولا أكثر. [وحكي عن علي وزيد بن ثابت لا يلزمُه طلاقٌ
زوجهـا
- رضي الله عنهما - روايتان، إحداهما كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى: إنه
لا يقع بذلك طلقة رجعية](٢). وروي عن عليٍّ، وزيد بن ثابت، والحسن،
(١) أي: عن عائشة، وقول المؤلف - رحمه الله -: وعنها؛ لورود اسمها في حديث جابر
السابق .
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).

٢٥٨
(١٦) كتاب الطلاق - (٥) باب: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك ... ﴾
والليث: أنَّ نفسَ الخيار طلقةٌ واحدةٌ بائنةٌ؛ وإن اختارت زوجها. وحكاه
الخطَّابيُّ، والنَّقَّاش عن مالك. ولا يصح عنه. وروي عن ربيعة نحوه في
التمليك(١). وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم. وأمَّا إذا اختارتْ نفسَها فاختلف العلماءُ
فيها قديماً وحديثاً على أقوال. فقالت فرقةٌ: ليس للمخيَّرة ولا للمملَّكة شيءٌ من
الطَّلاق. وقالت فرقةٌ أخرى: هو ما قضتْ به من واحدةٍ أو أكثر. وقيل: هو على
ما نواه الزَّوج، وله مناكرتها في الخيار، والتمليك. وهو قولُ ابن جهم من
أصحابنا وغيره. وقال بعضُهم: تكون رجعية. وهو قولُ عبد العزيز، والشَّافعي،
والثوريٍّ، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف. وحكى ابنُ سحنون عن أبيه نحوه. وروي
عن عمر، [وابن مسعود](٢). وقيل: إنه واحدةٌ بائنة. وهو قولُ أبي حنيفة، وحكي
عن مالك، وروي عن عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -. والمشهورُ من مذهب
مالك: أنَّ المخيَّرة إذا اختارتْ نفسها كان ثلاثاً، وليس له المناكرةُ بخلاف
التمليك؛ فإنَّ له المناكرةَ إذا قضتْ بالثلاث، إذا نوى أقلَّ من ذلك، ولم يكن عن
عوضٍ.
ثمَّ اختلفَ عندنا في المخيَّرة إذا قضتْ بأقلّ من ثلاث. فقال مالكٌ مرةً:
لا يلزمه، وسقط ما بيدها. وقال أشهب: ترجعُ على خيارها. وقال عبد الملك:
هي ثلاثٌ بكلِّ حالٍ.
وفي قول عائشة هذا: دليلٌ: على أنَّ المخيَّرة إذا اختارت نفسها أنَّ نفسَ
ذلك الخيار يكونُ طلاقاً، من غير احتياج إلى النطق بلفظِ(٣) يدلُّ على الطَّلاق
حكم المُخيَّة سوى الخيار، ويُقْتَبسُ ذلك من مفهوم لفظها، فتأمَّلْه.
إذا اختارت
نفسها
(١) أي: جَعْل أمر طلاق المرأة بيدها.
(٢) ليس في (ع).
(٣) سقط من (ع).

٢٥٩
(١٦) كتاب الطلاق - (٦) باب: إيلاء الرجل من نسائه
(٦) بابُ
إيلاء الرَّجل من نسائه
وتأديبهِنَّ باعتزالهنَّ مدةً
[١٥٤٩] عن ابن عباس، قال: لم أزلْ حريصاً أنْ أسألَ عمر عن
المرأتين من أزواج النبيِّ بَّرِ اللَّتينِ قال الله: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] حتى حجَّ عمر وحججت معه. فلما كنا ببعض الطريق عَدَلَ
عمر وعدلت معه بالإداوة. فتبرَّز. ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ. فقلت:
يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النبي ◌َ ◌ّ اللتان قال الله: ﴿إِن نَّنُوبَآ إِلَى
اَللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ [التحريم: ٤] قال عمر: واعجباً لك يا بن عباس!
(٦) ومن باب: إيلاء الرَّجل من نسائه
الإيلاءُ في اللغة هو: الحلف. يقال: آلى، يؤلي، إيلاءً. أي: حلف.
ويقال: تألَّى، تألِيّاً. و: انتلى، يأتلي، انتلاءً. وهو في الشرع: الحلفُ على
الامتناع من وطء الزَّوجة بيمينٍ يلزمُ بها حكمٌ أكثرَ من أربعة أشهرٍ بمدَّةٍ مُؤَثِّرَة.
وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه.
و (قول عمر: واعجباً لك يا بنَ عباس!) فهم الزُّهريُّ من هذا الشَّعجبِ
الإنكارَ لما سأله عنه. وفيه بُعْدٌ. ويمكنُ أن يقالَ: إنَّ تَعُّبَه إنما كان لأنه استبعدَ
أن يخفى مثلُ هذا على مثل ابن عباسٍ مع مداخلته لأزواج النبيِّ بَطِّ، وشهرة هذه
القضية، وشدَّة حرصه هو على سماع الأحاديث، وكثرة حفظه، وغزارة علمه،
ولما كان في نفس عمر من ابن عبّاس فإنه كان يُعظُّمه، ويقدّمه على كثير من مشايخ
الصحابة، كما اتفق له معه إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[النصر: ١ - ٣]. والقصة مشهورة(١).
(١) انظر: فتح الباري، الحديث رقم (٤٩٧٠) وشرحه.

٢٦٠
(١٦) كتاب الطلاق - (٦) باب: إيلاء الرجل من نسائه
قال الزهريُّ: كره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه. قال: هي حفصة وعائشة، ثم
أخذ يسوق الحديث. قال: كنا معشر قريش قوماً نغلب نساءنا، فلما قَدِمنَا
المدينة وجدنا قوماً تَغْلِبُهُمْ نساؤهم. فطَفِقَ نساؤنا يتعلَّمِنَ من نسائِهِمْ.
قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يوماً على
امرأتي، فإذا هي تراجعني. فأنكرتُ أن تُرَاجِعَنِي. فقالت: ما تنكر أن
أراجعَك؟ فوالله إنَّ أزواج النبيِّ وَ﴿ لَيُراجِعْنَهُ، وتهجره إحداهنَّ اليوم إلى
الليل. فانطلقت، فدخلت على حفصة. فقلت: أتراجعين رسول الله وَل﴾؟
قالت: نعم. فقلت: أتهجرُه إحداكنَّ اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم. فقلت:
قد خاب من فعل ذلك منكنَّ وخَسِرَ! أفتأمن إحداكنَّ أن يغضب الله عليها
لغضبٍ رسولِ الله ◌َ﴿ فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله وَل، ولا
تسأليه شيئاً، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانتْ جارتُك هي أوسمُ
وأحبُّ إلى رسول الله منك - يريد عائشة - قال: وكان لي جارٌ من الأنصار:
فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله وصله، فينزل يوماً وأنزل يوماً. فيأتيني
و (قوله: فلا يغرَّنَّكِ أن كانت جارتكِ هي أوسمُ، وأحبُّ) أراد بالجارة:
الضَّرَّة، وكنّ بها عنها مُراعاةً للأدب، واجتناباً لِلَفْظِ الضرر أن يُضاف لمثل أزواج
النبيِّ ◌ََّ، ورضي عنهنَّ - ويعني بذلك: عائشة - رضي الله عنها - والله تعالى
أعلم. و (أوسم): أجمل، والوسيمُ: الجميل، فكأنَّ الحسنَ وَسَمَهُ. أي: علَّمه
بعلامةٍ يُعْرَفُ بها. و (المشربة): الغرفة. يقال بضم الراء وفتحها، لغتان.
و (أُسكُّفة المشربة) بضم الهمزة والكاف: عتبة الباب السفلى. و (الفقير) - بتقديم
الفاء - فسَّره في الحديث بجذع يُرْقى عليه، وهو الذي جُعِلت فيه فِقَرٌ كالدرج
يُصْعَدُ عليها. أخذ من فقار الظهر. وفي الأم: يرتقي إليها بعجلة. كذا صحيحُ
الرواية. و (العجلة) درج من النخل، قاله القتبي. وفي الأم: قالت عائشة لعمر:
ما لي ولك يابنَ الخطاب؟! عليك بعيبتك. أي: بخاصَّتك، وموضع سرِّك. ومنه