النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (١٥) كتاب النكاح - (١٦) باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها وفي لفظ آخر: ((إذَا بَاتتِ المرأةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِها، لَعَنَتْهَا الملائكةُ حتَّی تُصْبِحَ)). رواه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦)، وأبو داود (٢١٤١)، والنسائي (٨٤) في عشرة النساء. [١٤٩٤] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَتِ: ((إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القِيَامةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إلى امرأتِهِ وتُفْضِي إلیه، ثم ینشرُ سِرَّهَا)). إجابتها، إلا أن يقصدَ بالامتناع مضارَّتها، فيحرمُ عليه ذلك. والفرقُ بينهما: أنَّ الرَّجلَ هو الذي ابتغى بماله، فهو المالكُ للبُضع. والدرجةُ التي له عليها هي السلطنةُ التي له بسبب مُلكه. وأيضاً: فقد لا ينشطُ الرَّجلُ في وقت تدعوه، فلا ينتشر، ولا يتهيَّأْ له ذلك. بخلاف المرأة. و (قوله: ((الذي في السَّماء))) ظاهره: أنَّ المرادَ به: الله تعالى. ويكون معناه بمعنى قوله تعالى: ﴿َأَمِنِثُم مَّن فِ السَّمَآِ﴾ [الملك: ١٦] وقد تكلَّمنا عليه في كتاب: الصلاة. ويحتملُ أن يُراد به هنا: الملائكة. كما جاء في الرواية الأخرى: ((إلا لعنتها الملائكةُ حتی تصبح». و (قوله: ((إنَّ من شرِّ النَّاس منزلةً الرجل يفضي إلى امرأته ثمَّ ينشر سرَّها))) وقد تقدَّم الكلامُ على لفظي (شر) و (خير) وأنهما يكونان للمفاضلة، وغيرها. و (شر) هنا للمفاضلة. بمعنى (أشرّ) وهو أصلها. و (من) هنا: زائدةٌ على (شر). و (يفضي): يصل. وهو كنايةٌ عن الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] و(سرّها) نكاحها، كما قال(١): (١) هو الأعشى. ١٦٢ (١٥) كتاب النكاح - (١٦) باب: تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها وفي لفظٍ آخر: ((إنَّ مِن أعظم الأمانةِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، الرَّجلُ ... )) ثم ذكره. وفي روايةٍ: ((إنَّ أعظمَ)) بإسقاط من. رواه مسلم (١٤٣٧) (١٢٣) و (١٢٤)، وأبو داود (٤٨٧٠). وَلاَ تَنظرَنَّ جارَةً إِنَّ سِرَّها عليك حرامٌ فَانْكِحَنْ أَوْ تَأْبَّدَا وكنِّي به عن النكاح لأنَّه يُفعل في السرِّ. خلوة الرجل مع أهله ومقصودُ هذا الحديث هو: أنَّ الرَّجلَ له مع أهله خلوةٌ، وحالةٌ يقبحُ ذكرها، والتحدُّث بها، وتحمل الغَيْرة على سترها، ويلزمُ من كشفها عارٌ عند أهل المروءة والحياء. فإن تكلم بشيءٍ من ذلك، وأبداه، كان قد كشف عورة نفسه وزوجته؛ إذ لا فرقَ بين كشفها للعيان، وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما يحصلُ به الاطلاع على العورة، ولذلك قال ◌َله: ((لا تعمد المرأةُ فتصف المرأةَ لزوجها، حتى كأنَّه ينظر إليها)) (١)، فإن دعتْ حاجةٌ إلى ذكر شيءٍ من ذلك، فليذكره مبهماً، غير معيَّنٍ، بحسب الحاجة والضرورة، كما قال ◌َّهِ: ((فعلته أنا وهذه))(٢)، وكقوله: ((هلِ أعرستم الليلة؟))(٣) وكقوله: ((كيف وجدت أهلك))؟ والتصريحُ بذلك وتفصيلُه ليس من مكارم الأخلاق، ولا من خصال أهل الدِّين. و (قوله: ((إنَّ أعظمَ الأمانة))) أي: أوكد، وأكبر في مقصود الشَّرع. و (الأمانة) للجنس. أي: الأمانات. وقد تقدَّم: أنَّ الأمانةَ ما يُوكل إلى حفظ (١) رواه أحمد (٣٨٠/١ و٤٦٠). (٢) رواه البخاري تعليقاً (٣٤٤/٩)، ومسلم (٢٣/٢١٤٤). (٣) رواه البخاري (٥٤٧٠) ومسلم (٢١٤٤) (٣). ١٦٣ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة (١٧) باب في العزل عن المرأة [١٤٩٥] عن أبي سعيد الخدريٍّ، قال: غزونا مع رسول الله وَيه غزوة بَلْمُصْطَلِقٍ. الإنسان، وقيامه به. وقد سقطتْ (من) في إحدى الروايتين. والصواب: إثباتها؛ فإنَّها تفيدُ: أن هذه الأمانةَ من جنس الأمانات العظيمة. وهو صحيح. وإسقاطها يشعر: بأن هذه الأمانةَ أعظمُ الأمانات كلِّها، وليس بصحيح، فإنَّ الأمانةَ على صحيح الإيمان أعظم. وكذلك على الطهارة وغيرها مما يُؤتمن عليه الإنسان من خفيّ الأعمال. (١٧) ومن باب: العزل (قوله: بلمصطلق) أي: بنو المصطلق، كما قالوا: بلعنبر. قال أبو عمر: بنو المُصْطَلِقِ: قومٌ من خزاعة، كانت الوقعةُ بهم في موضع يقال له: المُريسيع من نحو قُديد، في سنة ستّ من الهجرة. وتُعرف هذه الغزوة بـ (غزوة بني المصطلق) وبـ (غزوة المريسيع). قال: وقد روى هذا الحديثَ موسى بن عقبة، عن ابن محيريز، عن أبي سعيدٍ، قال: أصبنا سَبْياً من سبي أوطاس. قال: وهو سبيُّ هوازن. وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمانٍ من الهجرة. قال: فوهم ابنُ عقبة في ذلك. والله تعالى أعلم. قال: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الوذَّاك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنينٍ سألنا رسول الله وُ لّ عن العزل. فقال: ((ليس من كلّ الماء يكون الولد ... )) الحديث. قلتُ: الذي ذكره مسلم في كتابه عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن أبي الوذَّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سُئِل رسولُ اللهِ وَ ﴿ عن العزل فقال: ((ليس من كلِّ ١٦٤ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة فسَبَيْنَا كرائمَ العَرَبِ، فطالتْ علينا العُزْبَةُ، ورغبنا في الفِدَاءِ، الماء يكون الولد)). ولم يذكر فيه سبي(١) حنين، ولا غيره. وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة عن ابن محيريز ذكره مسلم أيضاً، ولم يذكر فيه: من سبي أوطاس، ولا غيره. وإنَّما ذكر مسلم يوم أوطاس في حديث أبي علقمة الهاشميِّ، عن أبي سعيد في قضية تحرُّج أصحابه من وطء المسبيَّات، من أجل أزواجهنَّ على ما يأتي، وهي قصّةٌ أخرى، في زمانٍ آخر غير زمان بني المصطلق. والصَّحيحُ في الحديث الأول روايةٌ من رواه: بني المصطلق. والله تعالى أعلم. و (قوله: فسبينا كرائمَ العرب) أي: كبراءهم، وخيارهم. جمع كريمة. وبنو المصطلق وثنیون بلا شكٍّ. و (قوله: فطالت علينا العزبة) أي: لتعدُّر النكاح عليهم عند تعذُّر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكنْ طويلة. حكم وطء المسبیات الوثنيَّات بالملك و (قوله: ورغبنا في الفداء) أي: في أخذ المال عوضاً عنهنَّ. يقال: (فدى أسيره): إذا دفع فيه مالاً، وأخذه. و (فاداه): إذا دفع فيه رجلاً. على ما حكاه أبو عمر. وظاهر هذا: جوازُ إقدامهم على وطء المسبيات الوثنيَّات من غير أن يُسْلِمْن. وإنَّما توقفوا في وطئهنَّ مخافةَ أن يحملن منهم. فيتعذَّر فداؤهن لأجل حملهنَّ، فسألوا: هل يجوزُ لهم العزل؟ فأُجيبوا في العزل. وسكت لهم عن وطئهن في حال شركهنَّ. وبهذا الظاهر اغترَّ قومٌ فقالوا بجواز وطء الوثنيات، والمجوسيات بالمِلْك، وإن لم يُسْلِمْنَ. وإليه ذهب طاووس وسعيد بن المسيب. واختلف في ذلك عن عطاء، ومجاهد. ويرد هذا القولَ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾ [البقرة: ٢٢١] وإلى التمشُّك بعموم هذه الآية صار جمهورُ العلماء. ولم يُعوِّلوا على ما ظهر من هذا الحديث. ورأوا: أن ذلك محمولٌ على جواز وطء مَن أسلم (١) ساقط من (ع). ١٦٥ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة فأردنا أنْ نستمتعَ ونعزلَ فقلنا: نفعل ورسولُ الله وَ له بين أظهرنالا نسأله؟ منهنَّ، وأنَّ الفداءَ المتخوَّفَ من فوته بوطئهنَّ إنَّما هو أثمانهنَّ. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل نصُّ ما جاء في رواية الزُّهري عن ابن محيريز، عن أبي سعيدٍ قال: جاء رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله! إنَّا نصيبُ سبياً، ونحبُّ الأثمان، فكيف بالعزل؟ ووَجْهُ تخوّفهم من فوات الثمن بالوطء: أنهنَّ إذا حملن لم يصحَّ لهم بيعهن لكونهنَّ حوامل من ساداتهن. وأمَّا بعد انفصال حملهن فلكونهنَّ أمهات أولادٍ، على ما صار إليه الجمهور، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثمّ إنَّا نقول: لو سَلَّمْنَا أنَّ ظاهرَ ذلك الحديث جوازُ الإقدام على وَطْء المسبيَّات من غير إسلام، لزم منه جوازُ الإقدام على وطئهنَّ من غير استبراء ومع وجود الحمل البيِّن، وَهو ممنوعٌ اتفاقاً، فيلزم المنعُ من الوطء الاستوائهما في الظهور. وأيضاً: فكما نعلمُ قطعاً أنهم كانوا لا يقدمون على وطء فرجٍ لا تتحقَّقُ حلِّيته، فكذلك نعلم: أنهم لا بُدَّ لهم من استبراءٍ وإسلام. وإن كان الراوي قد سكت عنه. وسكوتُ الراوي: إما للعلم بها. وإمَّا لأن الكلامَ يُجْمَلُ في غير مقصودٍ، ويفصّلُ في مقصوده. والذي يزيحُ الإشكال ويرفعُه جملةً واحدةً ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال: كنّا نغزو مع أصحاب رسول الله وَ ل﴿، فإذا أراد أحدهم أن يصيبَ الجاريةَ من الفيء أمرها فغسلتْ ثيابها، واغتسلتْ، ثمَّ علَّمَها الإسلام، وأمرها بالصَّلاة، واستبرأها بحيضةٍ، ثم أصابها(١). وكذلك روى عبد الرزاق أيضاً عن سفيان الثوري: أنه قال: السُّنَّة ألا يقع أحدٌ على مشركةٍ حتى تصلِّي ويستبرئها، وتغتسل. وهذه أدلَّةٌ تدلُ: على صحة ما اخترناه، والموفّق الإله. و (قوله: فأردنا أن نستمتعَ ونعزل) وفي الرواية الأخرى: (فكنّا نعزل) (١) رواه عبد الرزاق (١٥٨/٧). ١٦٦ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة فسألنا رسولَ الله ◌َ ﴿ فقال: ((لا عليكم ألاَّ تفعلُوا، ما كتبَ اللَّهُ خَلْقَ نَسمَةٍ هي كائنةٌ إلى يومِ القيامةِ إلا ستكونُ)). وفي رواية: ((لا عليكم ألاَّ تفعلُوا، فإنَّما هو القَدَرُ)). قال محمد بن المثنى: ((لا عليكم)) أقربُ إلى النهي. رواه أحمد (٦٨/٣)، والبخاريُّ (٢٥٤٢)، ومسلم (١٤٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (٢١٧٢). يعني: أنَّ منهم مَن وقع سؤالُه قبل أن يعزل، ومنهم من وقع سؤالُه بعد أن عزل. ويحتملُ أن يكون معنى: (كنا نعزل): أي: عزمنا على ذلك. فيرجعُ معناها إلى الأولى. معنى العزل وحکمه و (قوله: وقد سُئِلِ عن العَزْل: ((لا عليكم ألاَّ تفعلوا))) العزل: هو أن يُنَخِّي الرَّجلُ ماءه عند الجماع عن الرَّحم، فيلقيه خارجه. والذي حرَّكهُم للسؤال عنه: أنهم خافوا أن يكون محرَّماً؛ لأنَّه قَطْعٌ للنّسل، ولذلك أُطلِقٍ عليه: الوأد الخفي. واختلف في قوله: ((لا عليكم ألَّ تفعلوا)) ففهمتْ طائفةٌ منه النهيَ والزَّجْر عن العزل. كما حُكي عن الحسن، ومحمَّد بن المثنى. وكأنَّ هؤلاء فهموا من (لا) النهي عما سُئِل عنه، وحذف بعد قوله: (لا) فكأنَّه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألّ تفعلوا. تأكيداً لذلك النهي. وفهمتْ طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنَّها جعلت جواب السؤال قوله: ((لا عليكم ألا تفعلوا)) أي: ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا. وهذا التأويلُ أولى بدليل قوله: ((ما من نَسَمةٍ كائنةٍ إلا ستكون)). وبقوله: (لا عليكم ألاَّ تفعلوا فإنَّما هو القَدَر))، وبقوله: ((إذا أراد اللَّهُ خَلْق الشيء لم يمنعه شيء)) وهذه الألفاظُ كلُّها مصرِّحةٌ: بأن العَزْلَ لا يردُّ القَدَر، ولا يضرُّه. فكأنَّه قال: لا بأس به. وبهذا تمسَّكَ مَن رأى إباحةَ العَزْل مطلقاً عن الزوجة والسُّرِّيَّةِ. وبه قال كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصَّحابة وغيرهم ١٦٧ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة [١٤٩٦] وعنه، قال: أصبنَا سبَايَا، فكنّا نعزلُ، ثم سألنَا رسولَ الله ◌َّجُ عن ذلكَ. فقالَ لنا: ((وإنَّكم لتفعلونَ؟ وإنَّكم لتفعلونَ؟ (ثلاثاً) ما مِن نَسَمَةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلا هي كائنةٌ)). رواه مسلم (١٤٣٨) (١٢٧). مُتمسّكين بالطريقة المتقدمة. وبقوله مَّه: ((ذلك الوادُ الخفيّ))(١). قلتُ: وتشبيهُ العزلِ بالوأد المحرَّم يقتضي أن يكون محرَّماً. ووجهُ التشبيه تشبيهُ العزل بينهما: أنهم كانوا في الجاهلية يدفنون البنات أحياءً، يقتلونهنَّ بذلك؛ خشية بالواد المعرَّة. ومنهم مَن كان يفعل ذلك بالإناث والذكور خشيةً الفقر. كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] والإملاق: الفقر. على أنَّه قد قيل: إنَّ الأولادَ هنا هم البنات. فإذاَ: الوأد: رفعُ الموجود والنسل. والعزل: مَنْعُ أصل النَّسل. فتشابها، إلا أن قتلَ النفس أعظمُ وزراً، وأقبحُ فعلاً؛ ولذلك قال بعضُ علمائنا: إنَّه يفهم من قوله و له في العزل: ((إنه الوأد الخفيّ)): الكراهة، لا التحريم. وذهب مالكٌ، والشَّافعيُّ: إلى أنَّ العزل عن الحرَّة لا يجوزُ إلا بإذنها. استئذان المرأة وكأنهم رأوا: أنَّ الإنزالَ من تمام لذَّتها، ومن حقُّها في الولد، ولم يريا ذلك في الحرّة في العزل الموطوءة بالمِلْك، فله أن يعزلَ عنها بغير إذنها؛ إذ لا حقَّ لها في شيءٍ ممَّا ذكر. قلتُ: ويمكنُ على هذا المذهب الثالث أن يجمعَ بين الأحاديث المتعارضة في ذلك. فتصيرُ الأحاديثُ التي يفهمُ منها المنعُ إلى الزوجة الحرَّة إذا لم تأذن، والتي يُفهم منها الإباحةُ إلى الأمة والزوجة إذا أذنت. فيصحُ الجَميعُ، ويرتفعُ التعارض. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((وإنكم لتفعلون - ثلاثاً -))) ظاهره: الإنكار، والزَّجر. غير أنَّه (١) رواه أحمد (٣٦١/٦ و٤٣٤)، ومسلم (١٤٤٢)، وابن ماجه (٢٠١١). ١٦٨ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة [١٤٩٧] وعنه، قال: ذُكر العزلُ عندَ رسولِ الله وَّهِ، قالَ: ((وما ذاكُم؟)» قالوا: الرجل تكونُ له المرأةُ تُرضعُ له، فيُصيبُ منها، ويكرهُ أنْ تحملَ منه، والرَّجلُ تكونُ له الأَمَةُ فيُصيبُ منها، ويكرهُ أنْ تحملَ منه. قال: ((فلا عليكم ألَّ تفعلُوا؛ فإنَّما هو القَدَرُ)). قال الحسنُ: والله لكأنَّ هذا زجرٌ. رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣١). [١٤٩٨] وعنه، قال: ذُكرَ العَزْلُ لرسولِ اللهِ وَ لَه فقالَ: ((ولمَ يفعلُ ذلكَ أحدُكم؟ - ولم يقل: فلا يفعلْ ذلكَ أحدُكم - فإنَّه ليستْ نفسٌ مخلوقٌ إلا اللَّهُ خالقُها)). رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٢). يُضعِّفُه قوله: ((ما من نَسَمةِ كائنةٍ إلا هي كائنٌ)) على ما قرَّرناه آنفاً، فإذاً: معناه الاستبعاد لفعلهم له؛ بدليل ما جاء في الرِّواية الأخرى: ((ولِمَ يفعل ذلك أحدكم)). قال الراوي: ولم يقل: فلا يفعلْ ذلك أحدكم. ففهم: أنَّه ليس بنهي. وهو أعلمُ بالمقال، وأقعدُ بالحال. وقولُهم: الرَّجلُ تكون له المرأةُ تُرضعُ فيصيبُ منها، ويكره أن تحمل منه، [والرَّجل تكونُ له الأمة فيصيبُ منها، ويكره أن تحملَ منه)](١) دليلٌ على أنَّ قوله: ((فلا عليكم ألَّ تفعلوا)» إنما خرجَ جواباً عن سؤالين: العزل عن الحرة، وعن الأمة. فلا بُعْدَ أن يذكر الراوي في وقتٍ أحدَ السؤالين، ويسكتَ عن الآخر، ويذكرهما جميعاً في وقتٍ آخر، كما قد جاء في هذه الروايات. ولا يُعَدُّ مثلُ هذا اضطراباً. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١). ١٦٩ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة [١٤٩٩] وعنه، قال: سُئلَ رسولُ اللهِ له عن العَزْلِ. فقال: ((ما مِن كُلِّ المَاءِ يكونُ الولدُ، وإذا أرادَ اللَّهُ خَلْقَ شيءٍ لم يمنعْه شيءٌ». رواه مسلم (١٤٣٨) (١٣٣). [١٥٠٠] وعن جابر: أنَّ رجلاً أتى رسولَ اللهِ وَّهِ فقالَ: إنَّ لي جاريةً هي خَادِمُنَا وسَانِيَتْنَا، وأنا أطوفُ عليهَا. وأنَا أكرهُ أنْ تحملَ. فقال: ((اعزلْ عنهَا إنْ شِئْتَ، فإنَّه سيأتيهَا ما قُدِّرَ لهَا)). فلبثَ الرجلُ. ثم أتاه فقالَ: إنَّ الجاريةَ قد حَمَلَتْ. فقال: ((قد أخبرتُكَ أنَّه سيأتيها ما قُدِّرَ لهَا)). و (قوله: ((ما من كلِّ الماء يكونُ الولد))) يعني أنَّه ينعقدُ الولد في الرَّحم [من جزءٍ من الماء لا يشعر العازلُ بخروجه فيظنُّ: أنه قد عزل كلَّ الماء، وهو إنما عزلَ بعضه، [فيخلق الله الولد](١) من ذلك الجزء اللطيف الذي بادر بالخروج](٢). و (قوله في حديث جابرٍ - رضي الله عنه -: إنَّ لي جاريةً هي خادمُنا، وسانِيَتُنا) هكذا مشهورُ الرواية عند كافَّة الرُّواة. ويعني بالسَّانية: المستقية للماء. يقال: سنت الدَّابة، فهي سانية: إذا استقي عليها. وعند ابن الحذَّاء: (سايستنا): اسم فاعل من: ساس الفرس، يسوسه: إذا خدمه. و (قوله: ((اعزلْ عنها إن شئت))) نصٌّ في إباحة العزل. وهو حُجَّةٌ لمالكِ، ولمن قال بقوله على ما تقدَّم. و(قوله وَّهُ عندما قيل له: إنَّ الجارية قد حَمَلَتْ: ((قد أخبرتك أنَّه سيأتيها ما قُدِّرَ لها))) دليلٌ على إلحاق الولد بمن اعترفَ بالوطء، وادَّعى العزلَ في الحرائر والإماء. وسَبَبُه انفلاتُ الماء، ولا يشعر به العازل. ولم يختلفْ عندنا في ذلك إذا (١) في (ل ١): فيُخْلَقُ الولدُ. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ١٧٠ (١٥) كتاب النكاح - (١٧) باب: في العزل عن المرأة وفي روايةٍ: فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أنا عبدُ اللَّهِ ورسولُه)). رواه مسلم (١٤٣٩)، وأبو داود (٢١٧٣). [١٥٠١] وعنه، قالَ: كثَّا نَعْزِلُ على عهدِ رسولِ اللهِوَهُ فبلغَ ذلكَ نبيَّ الله ◌َِّ فلم ينهنا . رواه أحمد (٣٧٧/٣)، والبخاريُّ (٥٢٠٧)، ومسلم (١٤٤٠) (١٣٨)، والترمذي (١١٣٧). كان الوطءُ في الفرج، فإن كان في غير الفرج ممَّا يقاربه، أو كان العزلُ البيِّنُ الذي لا شكَّ فيه لم يلحق. وفيه حُبَّةٌ: على كون الأمةِ فراشاً إذا كان الوطء. و (قوله: (أنا عبدُ الله ورسوله))) تنبيهٌ منه على صدقه وصحَّة رسالته، كما قال عند تكثير الطَّعام: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله))(١). و (قول جابرٍ - رضي الله عنه - كنَّا نعزلُ على عهد رسول الله وَّهِ، فبلغ ذلك نبيَّ الله وَ ه فلم ينهنا) حُجَّةٌ واضحةٌ على إباحة العزل مُطلقاً، ولكن محمله على ما إذا لم يعارضه حقُّ الزَّوجة كما ذكرنا. والله تعالى أعلم. (١) رواه مسلم (٤٤). ١٧١ (١٥) كتاب النكاح - (١٨) باب: تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع (١٨) باب تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضعَ، وذكر الغَيْل [١٥٠٢] عن أبي الدرداء، عن النبيِّ وَّهِ، أنه أتى بامرأةٍ، مُجِحٌّ على بابٍ فُسْطَاطِ. فقالَ: لعلَّهِ يُريد أنْ يُلِمَّ بها، فقالوا: نعم. فقالَ رسول الله ◌َ﴾: ((لقد هَمَمْتُ أنْ ألعنَه لَعْناً يدخلُ معَه قبرَه، (١٨) ومن باب: تحريم وطء الحامل المسبِيَّة (قوله: أنَّه ◌َ﴿ أتى بامرأةٌ مُجِحٍّ) روايتنا فيه: (أَتَّى) - بفتح الهمزة والتاء - على أنَّه فعلٌ ماضٍ، بمعنى: جَازَ، ومرَّ. و (مُجِحِّ) - بضم الميم، وكسر الجيم، وتشديد الحاء المهملة - وهي: المرأة (١) التي قربتْ ولادتها. و (الفسطاط): خِباءٌ صغيرٌ. وفيه لُغتان: فَسطاط وغُسطاط. و (قوله: ((لعلَّه يريد أن يُلِمَّ بها؟))) كنايةٌ عن إصابتها. وأصلُ الإلمام: النزول. كما قال: مَتَى تأتنا تُلْمِمْ بِنا في دِیَارِنَا تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَهَا خيرُ مُؤْقِدٍ (٢) و (قوله: ((لقد هممتُ أن ألعنه لعناً يدخلُ معه قبره))) هذا وعيدٌ شديدٌ على وطء الحامل وطء الحبالى حتى يَضَعْنَ. وهو دليلٌ: على تحريم ذلك مطلقاً. سواءٌ كان الحمل من وطٍ صحيح، أو فاسدٍ، أو زِنىّ. فإنه وَله لم يستفصلْ عن سبب الحمل، ولا ذكر أنَّه يختلف حكمه. وهذا موضعٌ لا يصحُ فيه تأخيرُ البيان. وإلى الأخذ بظاهر هذا ذهبَ جماهيرُ العلماء. غير أنَّ القاضي عياض قال في المرأة تزني (١) في (ج ٢): الحامل. (٢) البيت في اللسان للحطيئة، وصدره: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره. ١٧٢ (١٥) كتاب النكاح - (١٨) باب: تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع كيفَ يُوَرِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟ كيف يستخدمُه وهُو لا يَحِلُّ له؟)). رواه أحمد (٤٤٦/٦)، ومسلم (١٤٤١). فتحمل، ويتبيَّنُ حملُها: أن أشهب أجاز لزوجها وطأها. قال: وكرهه مالك وغيره من أصحابه. قال: فاتفقوا على كراهته، ومَنْعه من وطئها في ماء الزِّنى ما لم يتبيَّن الحمل. وهذا الذي حكاه عن أشهب يردُّه هذا الحديث. ومعناه على ما يأتي، وكراهة مالك لذلك بمعنى: التحريم. والله تعالى أعلم. وإنَّما لم يوقع النبيُّ وَلـ ما همَّ به من اللَّعن؛ لأنه ما كان بعدُ تقدَّم في ذلك بشيءٍ. وأمَّا بعد أنَ تقدَّم هذا الوعيد وما في معناه: ففاعل ذلك مُتَعرِّضٌ للَّعنِ يدخلُ معه قبره، ويُدخلُهُ جهنّم. واطىء الحامل له و (قوله: «كيف يورِّته وهو لا يحلُّ له؟! كيف يستخدمه وهو لا يحلُّ له؟!») مشاركة في الولد هذا تنبيهُ منه ◌َ ﴿ على أنَّ واطىءَ الحامل له مشاركةٌ في الولد. وبيانُه: أنَّ ماءَ الوطء يُنمِّي الولد، ويزيد في أجزائه، ويُنْعِّمُه، فتحصل مشاركة هذا الواطىء للأب. ولذلك قال رسولُ الله ◌ِوَ ﴿ه: ((مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يسقِ ماءه زرعَ غيره))(١). فإذا وطىء الأمة الحامل لم يصحَّ أن يحكمَ لولدها بأنه ابنٌ لهذا الواطىء؛ لأنه من ماء غيره نشأ. وعلى هذا: فلا يحلُّ له أن يرثه، ولا يصحّ أيضاً أن يحكمَ لذلك الولد بأنَّه عبدٌ للواطىء لما حصل في الولد من أجزاء مائه، فلا يحلُّ له أن يستخدمَه استخدامَ العبيد؛ إذ ليس له بعبدٍ، لما خالطه من أجزاء الحرِّ. وفيه من الفِقْه: ما يتبيَّن به استحالةَ اجتماع أحكام الحرية، والرِّقُ في شخص واحدٍ وأنَّ [من فيه شائبةُ بنوة لا يُمْلَك، و](٢) أن من فيه شائبةُ رقِّ لا يكونُ حُكمه حكم الحرِّ. على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وفيه: أنَّ السِّباء يهدمُ النكاح. وهو مشهورُ مذهبنا، سواء سُبيا مجتمعين أو مفترقين. على ما يأتي إن شاء الله تعالى. (١) رواه أحمد (١٠٨/٤ -١٠٩)، وأبو داود (٢١٥٨ و٢١٥٩)، والدارمي (٢٣٠/٢). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ١٧٣ (١٥) كتاب النكاح - (١٨) باب: تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع [١٥٠٣] وعن عائشة، عن جُدامة بنتِ وَهْبِ الأَسَدِيَّةَ، أنَّها سمعتْ رسول الله ﴾ يقولُ: ((لقد هَمَمْتُ أنْ أنهى عَن الغِيْلةِ، حتَّى ذكرتُ أنَّ الرومَ وفارسَ يصنعونَ ذلكَ، فلا يضرُّ أولادهم». وفي روايةٍ: ثم سألوه عن العَزْل. فقالَ رسول الله وَّهِ: ((ذلكَ الوَأْدُ الخفِئُّ». رواه مسلم (١٤٤٢)(١٤٠) و(١٤١)، وأبو داود (٣٨٨٢)، والترمذي (٢٠٧٨)، والنسائي (١٠٦/٦ - ١٠٧). وقد ذكر أبو داود في المنع من وطء الحامل حديثاً نصّاً، هو أصلٌ في هذا الباب من حديث أبي الودَّاك، جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري، رفعه، قال في سَبايا أوطاس: ((لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا غير حاملٍ حتى تحيضَ حيضةً))(١). [تفرد أبو الوذَّاك بقوله: ((حتى تحيض حيضةً))](٢) وأبو الوذَّاك وثَّقه ابن معین. وقد خرَّج عنه مسلم في صحيحه. و (جُدَامة الأَسَديَّة) رويناه بالدَّال المهملة. وهكذا قاله مالك. وهو الصواب. قال أبو حاتم: الجُدامة: ما لم يندقَّ من السُّنبل. قال غيره: هو ما يبقى في الغِرْبال من نصيَّةٍ (٣). وقال غيرُ مالك بالذال المنقوطة. وهو من: الجذم؛ الذي هو القطع. وهي: جُدامة بنت وهب بن محصن الأسدية، تكنَّى: أم قيس. وهي ابنةُ أخي عُكَّاشة بن محصن. أسلمت عام الفتح. و (قوله: ((لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلَة))) - بكسر الغين لا غير - وهي معنى الغِيلة وحكمها (١) رواه أبو داود (٢١٥٧). (٢) ساقط من (م). (٣) ((النصية)): البقيّة. ١٧٤ (١٥) كتاب النكاح - (١٨) باب: تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع [١٥٠٤] وعن سعد بن أبي وقَّاص؛ أنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّي وَلـ فقالَ: إني أعزلُ عن امرأتي. فقالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((لَمَ تفعلُ ذلكَ؟)) فقالَ الاسمُ من الغيل. وإذا دخلت عليه الهاء فليس إلا الكسر، وإذا حُذفت الهاء فليس إلا الفتح في الغين. وقال بعضُهم: يُقال: الغَيلة - بالفتح - للمرة الواحدة من الغيل. وللغويين في تفسيرها قولان: أحدهما: أن الغِيلة هي: أن يُجامعَ الرَّجل امرأتَه وهي ترضع. حُكي معناه عن الأصمعي. يُقال منه: غال الرَّجلُ المرأة، وأغالها، وأغيلها. وثانيهما: أنَّها أن ترضعَ المرأةُ وهي حاملٌ. يقال [منه: غالت، وأغالت، وأغيلت. قاله ابن السكيت. قلتُ: والحاصل: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما](١) يقال عليه: (غيلةً) في اللغة. وذلك: أن هذا اللفظ كيفما دار إنما يرجعُ إلى الضّرر، والهلاك. ومنه تقولُ العرب: غالني أمرُ كذا. أي: أضرَّ بي. وغالته الغول: أي: أهلكته. وكلُّ واحدةٍ من الحالتين المذكورتين مُضِرَّة بالولد. ولذلك يصحُّ أن تحملَ الغِيلة في الحديث على كلِّ واحدٍ منهما. فأمَّا ضَرَرُ المعنى الأول: فقالوا: إنَّ الماءَ - يعني: المنيّ - يغيل اللَّبن. أي: يُفْسِده. ويُسأل عن تعليله أهلُ الطِّبُّ. وأمَّا الثاني: فضرره بيِّنٌ محسوسٌ. فإنَّ لبنَ الحامل داءٌ، وعلَّةٌ في جوف الصبيِّ، يظهرُ أثره عليه. ومرادُهُ وَّ بالحديث: المعنى الأول، دون الثاني؛ لأنه هو الذي يحتاجُ إلى نظرٍ في كونه يضرُّ الولد؛ حتى احتاج النبيُّ ◌َ ﴿ إلى أن ينظر إلى أحوال غير العرب؛ الذين يصنعون ذلك. فلمَّا رأى أنَّه لا يضرُّ أولادهم لم يَنْهَ عنه. وأمَّا الثاني: فضرره معلومٌ للعرب وغيرهم، بحيث لا يحتاجُ إلى نظرٍ، ولا فكرٍ . وإنَّما همَّ النبيُّ ◌َ﴿ بالنهي عن الغِيلة لمَّا أكثرت العربُ من اتقاء ذلك، (١) ساقط من (ع). ١٧٥ (١٥) كتاب النكاح - (١٨) باب: تحريم وطء الحامل من غيره حتى تضع الرَّجلُ: إني أُشْفِقُ على وَلَدِهَا، أو عَلى أولادِهَا. فقال رسول الله وَّن: ((لو كانَ ذلكَ ضَارّاً ضرَّ فارسَ والرُّومَ)). رواه مسلم (١٤٤٣). والتحدّث بضرره، حتى قالوا: إنَّه ليدرك الفارسَ فيدعثره عن فرسه. وقد رُوي ذلك مرفوعاً من حديث أسماء بنة يزيد، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: (لا تقتلوا أولادكم سرّاً فإن الغيلَ يدركُ الفارسَ فيدعثره عن فرسه))(١). ذكره ابن أبي شيبة. ثمَّ لمَّا حصل عند النبيِّ وَِّ أنه لا يضرُّ أولادَ العجم سوَّى بينهم وبين العرب في هذا المعنى، فسوَّغه. فيكون حُجَّةً لمن قال من الأصوليين: إنَّ النبيَّ ◌َّ كان يحكمُ بالرأي والاجتهاد. وقد تقدَّم ذلك. و (قول السَّائل عن العَزْل: أُشْفِقُ على ولدها) يعني: أخافُ إن لم أعزلْ أن تَحْمِلَ فيضرَّ ذلك ولدُها، على ما تقدَّم. ويحتملُ: أنَّه يُخافُ فسادُ اللَّبن بالوطء. على ما ذكرناه آنفاً . و (قوله: ((لو كان ذلك ضارّاً ضرَّ فارسَ والرُّوم))) دليلٌ: على أنَّ الأصلَ في نوع الإنسان المساواةُ في الجِبِلاَّتِ والخلق، وإن جاز اختلافُ العادات والمناشىء. وفيه حُبَّةٌ على إباحةِ العَزْل، كما تقدَّم. واللَّهُ تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (٤٥٨/٦)، وأبو داود (٣٨٨١)، وابن ماجه (٢٠١٢). ١٧٦ (١٥) كتاب النكاح - (١٩) باب: يحرمُ من الرضاعة ما يحرم من الولادة أبواب الرَّضاع (١٩) باب يحرمُ من الرَّضَاعةِ ما يَحرُمُ من الولادة [١٥٠٥] عن عائشةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ كَانَ عِنْدها، وإنَّها سَمِعَتْ صوت رجلٍ يستأذنُ في بيت حَفْصةَ. قالتْ عائشةُ: فقلت: يا رسول الله! هذا رجلٌ يستأذن في بيتك. فقال رسول الله وَ له: ((أراهُ فلاناً - لعمِّ حفصةَ من الرَّضَاعَةِ -)) فقالت عائشة: يا رسول الله! لو كانَ فلانٌ حيّاً - لعَمِّها من الرَّضاعة - دخل عليَّ؟ أبوابُ الرَّضاع (١٩) ومن باب: يحرم مِن الرضاعة ما يحرمُ مِن الولادة(١) (قولُ عائشة - رضي الله عنها -: لو كان فلانٌ حيّاً - لعمِّها من الرَّضاعة - دخل عليَّ؟) نصٍّ في: أنَّ هذا السؤالَ إنَّما كان بعد موت عمِّها، وهو يُخالفُ قولها: إنَّ عمَّها من الرَّضاعة - يُسمَّى: أفلحَ - استأذنَ عليها. وهذا نصٌّ في أنَّ سؤالَها كان وهو حيٌّ، فاختلفَ المُتَأْوِّلُون لذلك. هل هما عمَّان أو عمّ واحد؟ فقال أبو الحسن القابسي: هما عمَّانِ. أحدُهما: أخو أبيها، أبي بكرٍ - رضي الله عنه - من الرَّضاعة، أرضعْتُهما امرأةٌ واحدةٌ. والثاني: أخو أبيها، أبي القُعَيْس من (١) هذا العنوان لم يرد في الأصول واستدرك من التلخيص. ١٧٧ (١٥) كتاب النكاح - (١٩) باب: يحرمُ من الرضاعة ما يحرم من الولادة فقال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((نعم، إنَّ الرَّضاعة تُحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الوِلاَدَةُ)). رواه البخاريُّ (٢٦٤٦ و٥٠٩٩)، ومسلم (١٤٤٤) (١)، وأبو داود (٢٠٥٥)، والترمذي (١١٤٧)، والنسائي (٩٩١٦)، وابن ماجه (١٩٣٧). [١٥٠٦] وعن عائشة: أنَّ عمَّها من الرَّضاعة يسمى: أفلح، استأذنَ عليها فحَجَبَتْهُ. فأخبرتْ رسولَ اللهِ وَلَيهِ، فقال لها: ((لا تحتجبي منه؛ فإنَّه يَحْرُمُ من الرَّضاعة ما يَحْرُمُ من النَّسب)). رواه مسلم (١٤٤٥) (٩). الرَّضاعة. وقال ابن حازم: هما واحدٌ. قال القاضي أبو الفضل: والأشبهُ قولُ أبي الحسن. قلت: وتتميم ما قاله: أنهما عمَّان، وأنَّ سؤالَها للنبي و لإ كان مرتين في زمانين، وتكرَّرَ منها ذلك. إمَّا لأنَّها نسيت القضية(١) الأولى، فاستجدَّت سؤالاً آخرَ. وإمَّا لأنَّها جَوَّزت تبدُّل الحكم. فسألت مرةً أخرى. والله تعالى أعلم. و (قوله وَله: ((إنَّ الرَّضاعة تُحَرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادة))، وفي الأخرى: ((يحرم من الرَّضاعة ما يحرمُ من النسب))) دليلٌ على جواز نقلهم بالمعنى، إن كانت القضية واحدةٌ. ويُحتمل أن يكون تكرَّر ذلك المعنى منه باللفظين المختلفين. وقد صرَّح الرواةُ عن عائشة برفع هذه الألفاظ للنبي وَِّ، فهي مسندةٌ، مرفوعةٌ، ولا يضرُّها وقفُ من وقفَها على عائشة، كما جاء في الرواية الأخرى. ويُفيد هذا الحديث: أنَّ الرَّضاع ينشر الحرمة بين الرضيع والمرضعة وزوجها الرّضاع ينشرُ صاحب اللَّبَن، أو سيِّدها. فإذا أرضعت المرأةُ صبيّاً حرمت عليه لأنها أمّه، وأُّها الحرمة (١) في (ل ١): القِصَّة. ١٧٨ (١٥) كتاب النكاح - (٢٠) باب: التحريم من قِبَل الفحل (٢٠) بابُ التَّحريم مِنْ قِبَلِ الفَحْلِ [١٥٠٧] عن عائشةَ قالت: جاء أفلحُ أخو أبي القُعَيْس يستأذن عليها بعد ما نزل الحجابُ. وكان أبو القُعَيْس أبا عائشة من الَرَّضاعة. قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن لأفلح، حتى أستأذنَ رسولَ اللهِوَّهِ. فإنَّ أبا القُعَيْس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته. قالت عائشة: فلمَّا لأنَّها جدَّته، وأختُها لأنَّها خالتُه، وبنتها لأنَّها أختُه. وكذلك بنتُ صاحب اللََّن لأنها أخته، وأُّه لأنَّها جدته، وأخته لأنَّها عمته. وهكذا. غير أن التحريم لا يتعدَّى الرضيعَ إلى أحدٍ من قرابته. فليس أختُه من الرَّضاعة أختاً لأخيه، ولا بنتاً لأبيه، إذ لا رضاع بينهم. وحكمة ما ذكرناه: أنَّ الشَّرع اعتبرَ في التحريم ما ينفصلُ من أجزاء المرأة وهو اللَّبَن، ويتَّصلُ بالرضيع، فيغتذي به، فتصير أجزاؤها أجزاءَه، فينتشر التحريم بينهما. واعتُبر في حقِّ صاحب اللبن: أنَّ وجودَ اللَّبَن بسبب مائه، وغذائه. فأمّا قَرَابات الرَّضيع فليس بينهم ولا بين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سَبَبٌ. فتدبره . (٢٠) ومن باب: التحريم من قِبَلِ الفحل (قولها: جاء أفلح أخو أبي القُعَيْس) هكذا هو الصحيح. و (أفلح) هو الذي كنِّي عنه في روايةٍ أخرى: بأبي الجُعَيد، وهو: عُّ عائشة من الرَّضاعة؛ لأنَّه أخو أبي القعيس نسباً. وأبو القعيس: أبو عائشة رضاعة. وما سوى ما ذكرناه من الروايات وَهَمّ. فقد وقعَ في الأمّ(١): (جاء أفلح بن أبي قعيس) و (أنَّ أبا القعيس استأذن عليها) وكلُّ ذلك وهمٌ من بعض الرواة. (١) انظر: صحيح مسلم (١٠٦٩/٢ - ١٠٧١). ١٧٩ (١٥) كتاب النكاح - (٢٠) التحريم من قبل الفحل دخل رسول الله وَ﴿. قلت: يا رسول الله! إنَّ أَفْلَحَ أخا أبي القُعَيْس جاءني يستأذنُ عليَّ، فكرهتُ أنْ آذنَ له حتى أستأذنَك. قالت: فقال رسول الله وَل﴿: ((ائذني له)). قال عروةُ: فبذلك كانت عائشةُ تقول: حَرِّموا من الرَّضاعة ما تُحرِّمون من النَّسبٍ)). وفي روايةٍ: فقال رسول الله وَله: ((فَلْيَلِجْ عليك)). قلتُ: إنَّما أرضعتني المرأةُ ولم يرضعْني الرَّجلُ! قال: ((إنَّه عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عليكِ)). وفي أخرى: ((إنَّه عمُّك تَرِبَتْ يمينُك!)). رواه أحمد (٣٣/٦)، والبخاريُّ (٦١٥٦)، ومسلم (١٤٤٥) (٥ - ٧ -٨). وهذا الحديثُ حجَّةٌ لمن يرى: أنَّ لبن الفحل يُحرِّم. وهم الجمهورُ من حرمة لبن الصَّحابة وغيرهم. قال القاضي أبو الفضل: لم يقلْ أحدٌ من أئمةِ الفقهاء، وأهل الفحل الفتيا بإسقاط حُزْمة لبن الفحل إلا أهل الظاهر، وابن عليّة. قال أبو محمد عبد الوهاب: ويتصوّر مع افتراق الأمَّيْن، كرجلٍ له امرأتان ترضعُ إحداهما صبيّاً، والأخرى صبيّة، فيحرم أحدُهما على الآخر؛ لأنهما أخوان لأبٍ. قلتُ: ووجهُ الاستدلال من حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا على أنَّ لبنَ الفحل يحرم: أنَّ النبيَّ وَّرِ أثبتَ لأفلح عمومةَ عائشة، وإنَّما ارتضعتْ عائشةُ لبنَ امرأة أبي القعيس؛ لأنَّ أبا القعيس قد صار لها أباً، فينتشر التحريمُ كما تقدَّم. وعلى هذا فلو تزوجت المرأةُ أزواجاً، وأصابوها على الوجه المسوَّغ؛ واللبن الأول باقٍ انتشرتِ الحرمةُ بين الرضعاء وبين الأزواج؛ لأنّهم أصحابُ ذلك اللبن ما دام متصلاً، فإن انقطع اللبنُ فلكلِّ زوجٍ حُكْم نفسه. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول على: ((تربت يمينك))) في كتاب: الطهارة. ١٨٠ (١٥) كتاب النكاح - (٢١) باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة (٢١) باب تحريم الأخت وبنت الأخ من الرَّضاعة [١٥٠٨] عَنْ عليٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! ما لك تَنَوَّقُ في قريشٍ وتدعُنَا؟ فقال: ((وعندكم شيء؟)) قلت: نعم، ابنةُ حمزةَ. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنها لا تحلُّ لي، إنَّها ابنةُ أخي مِنَ الرَّضاعة)). رواه أحمد (٨٢/١)، ومسلم (١٤٤٦)، والنسائيّ (٩٩/٦). [١٥٠٩] وبَعْدَهُ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاس: ((ويَخْرُمُ مِنَ الرَّضاعةِ ما يحرمُ من الرَّحم)). رواه البخاريُّ (٥١٠٠)، ومسلم (١٤٤٧)، والنسائيّ (١٠٠/٦)، وابن ماجه (١٩٣٨) وهذا الحديث لم يرد في النسخة (ش). (٢١) ومن باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة (قوله: ما لك تَنَوَّقُ في قريشٍ وتدعنا؟) هذا الحرفُ عند أكثر الرواة بفتح النون والواو وتشديدها. وهو فعلٌ مضارعٌ محذوفُ إحدى التائين، وماضيه: تنوَّقَ، ومصدره: تنوّقاً. أي: بالَغَ في اختيار الشيء، وانتقائه. وعند العذري، والهوزني، وابن الحذَّاء: تتُوق - بتاء مضمومةٍ من: تاق، يتوق، توقاً وتوقاناً: إذا اشتاق . وعرضُ عليٍّ - رضي الله عنه - على النبيِّ وَّهِ ابنة حمزة ليتزوَّجها: كأنّه لم يعلمْ بأخوَّة حمزة له من الرَّضاعة؛ لأنَّ النبيَّ ◌َل﴿ وحمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - عمَّ النبيِّ وَّرِ أرضعتهما ثويبةُ مولاةُ أبي لهبٍ، حكاه ابنُ الأثير. وبعيدٌ أن يقال: إنَّه لم يعلمْ بتحريم ذلك. وأمَّا أمُّ حبيبة فالأمران في حقِّها مسوغان.