النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
(٥) باب
تحريم الجمع بين المرأة وعمَّتِها وخالتِها،
وما جاء في نكاح المُخْرِم
[١٤٦٠] عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يُجمعُ بينَ
المرأةِ وعَمَّتِهَا، ولا بينَ المرأةِ وخَالَتِهَا)).
ابن عباس، وعائشة، وبعض السّلف إباحةُ ذلك. أعني: الحُمر. وقد اختلفَ عنهم
في ذلكَ. واختلف عن مالك، هل ذلك النهيُ محمولٌ على التَّحريم، أو على
الكراهية؟ وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في كتاب: الأطعمة، إن شاء الله تعالى.
و (الأَنَسيّة) جمهور الرواة على فتح الهمزة والنون، ورواه جماعة: بكسر
الهمزة وسكون النون. قال القاضي: والأنس - بفتح الهمزة -: الناس، وكذلك
بکسرها.
قلتُ: وعلى هذا فتكون النسبتان قیاسیتین، ودلَّ على ذلك قولُ الجوهري:
الإنس: البشر، الواحد: إنسي، وأنسي. وهذا هو الصَّحیحُ.
(٥) ومن باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها
(قوله: ((لا يُجمعُ بين المرأةِ وعمَّتها، ولا بين المرأة وخالتها») لا يُجمعُ
- برفع العين - هي الروايةُ على الخبر عن المشروعية، فيتضمَّن النهي عن ذلك.
وهذا الحديثُ مجمعٌ على العمل به في تحريم الجمع بين مَن ذكر فيه بالنكاح.
وكذلك: أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين بالنكاح؛ لقوله تعالى:
﴿﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ اَلْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وأمَّا بملك اليمين؛ فروي عن بعض
السّلف جوازُه، وهو خلافٌ شادِّ استقرَّ الإجماعُ بعده على خلافه. وأجاز الخوارجُ
الجمعَ بين الأختين، وبين المرأة وعمَّتها، وخالتها. ولا يُعتدُّ بخلافهم؛ لأنهم

١٠٢
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
قال ابنُ شهاب: فنرى خالةً أبيها وعَمَّةَ أبيها بتلك المنزلة.
رواه أحمد (٤٦٢/٢)، والبخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨)
(٣٣) و (٣٦)، والنسائي (٩٦/٦).
مرقوا من الدِّين، وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسُّنَّةِ الثَّابتةِ.
و (قول ابن شهاب: فنرى خالة أبيها، وعمَّة أبيها في تلك المنزلة) إنَّما صار
ابنُ شهابٍ إلى ذلك لأنَّه حمل الخالة، والعمَّة على العموم، وتمَّ له ذلك؛ لأنَّ
العمَّة: اسمٌ لكلِّ امرأةٍ شاركتْ أباك في أصلَّيْهِ، أو في أحدهما. والخالة: اسمٌ
لكلِّ أنثى شاركتْ أمَّك في أصلَيْها، أو في أحدهما.
وقد عقد علماؤنا فيمن يحرمُ الجمعُ بينهما عقداً حسناً، فقالوا: كلُّ امرأتين
من يحرمُ
من النساء
الجمعُ بينهما بينهما نَسَب؛ بحيث لو كانت إحداهما ذكراً؛ لحرمتْ عليه الأخرى؛ فلا يجمعُ
بينهما. وإن شئت أسقطت: [بينهما نسب](١). وقلت بعد قولك: (كانت إحداهما
ذكراً لحرمتْ عليه الأخرى): من الطرفين. وفائدة هذا الاحتراز مسألةُ نكاح المرأة
وربيبتها؛ فإنَّ الجمعَ بينهما جائز، ولو قدرتَ امرأةً الأب رجلاً لحلَّت له الأخرى.
وهذا التحرِّي هو على مذهب الجمهور المجيزين للجمع بين المرأة وربيبتها، وقد
منعه الحسن، وابنُ أبي ليلى، وعكرمة.
الحكمة من
وعلَّل الجمهورُ مَنْعَ الجمع بين مَن ذكرناه لما يفضي إليه الجمعُ مِن قَطْع
تحريم الجمعِ الأرحام القريبة بما يقعُ بين الضرائر من الشَّنآن والشرور بسبب الغَيْرة. وقد شهد
بين المرأة
و قرابتها
لصحة هذا التعليل ما ذكره أبو محمَّد الأصيلي(٢) في فوائده، وأبو عمر بن عبد البرِّ
عن ابن عبّاسٍ قال: نهى رسول الله وَ﴿ أن يتزوج الرجل المرأة على العمَّة، أو على
(١) ساقط من (ع).
(٢) هو عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأموي: عالم بالحديث والفقه، من أهل أصيلة في
المغرب، له كتاب: ((الدلائل على أمهات المسائل))، مات في قرطبة (٣٩٢ هـ).

١٠٣
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
[١٤٦١] وعنه، عن النبيِّينَ ﴿ قال: ((لا يخْطَبُ الرَّجلُ على خِطْبَةٍ
أخيهِ، ولا يسومُ على سَوْم أخيهِ، ولا تُنكحُ المرأةُ على عَمَّتِهَا ولا على
الخالة. وقال: ((إنَّكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم))(١). ومن مراسيل أبي داود
عن حسين قال: نهى رسول الله و ﴿ أن تُنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة(٢).
وقد طرد بعضُ السلف هذه العلَّة، فمنع الجمعَ بين بنتي العمَّتين والخالتين،
وبنتي الخالين والعمَّين. وجمهورُ السَّلف، وأئمةُ الفتوى (٣) على خلافه، وقصر
التحريم على ما ينطلق عليه لفظ العمَّات والخالات. وقد روى الترمذيُّ حديث
أبي هريرة هذا وقال فيه: إنَّ رسولَ اللهِ﴿ه نهى أن تُنْكَحَ المرأةُ على عمَّتها، أو
العمَّةُ على ابنة أخيها، والمرأةُ على خالتها، أو الخالةُ على ابنة أختها، ولا تُنكح
الصُّغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصغرى(٤). وقال: حديث حسنٌ
صحيح. وهو مساقٌ حسنٌ بَيِّنٌّ، غير أنَّ فيه واواً اقتضت إشكالاً، وهي التي في
قوله: ولا، وذلك: أنَّه قد ذكر العمَّة وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى،
والخالة وهي الكبرى، وابنة أخيها وهي الصغرى، ثم أتى بالنهي عن إدخال
إحداهن على الأخرى، طرداً وعكساً. ويرتفعُ الإشكالُ بأن تُقدَّر الواو زائدةً.
ويكون الكلامُ الذي بعدها مؤكّداً لما قبلها، ومؤيّداً له.
وفي كتاب أبي داود من حديث ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - مرفوعاً: نهى
أن يُجمع بين العمّة والخالة، وبين العمتين والخالتين(٥). قال ابنُ النَّحاس:
الواجبُ على لفظ هذا الحديث: ألاَّ يُجمع بين امرأتين، إحداهما عمة الأخرى،
(١) رواه أحمد (٣٧٢/١)، وأبو داود (٢٠٦٧)، والترمذي (١١٢٥).
(٢) رواه أبو داود في المراسيل رقم (٢٠٨).
(٣) في (ج ٢): الفتيا.
(٤) رواه الترمذي (١١٢٦).
(٥) رواه أبو داود (٢٠٦٦).

١٠٤
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
خَالِها. ولا تَسْأَلُ المرأةُ طلَاقَ أُختِها لِتَكْتَفِىءَ صَحْفَتَها، ولتَنْكِحْ، فإنَّما لهَا
ما كتب الله لهَا».
رواه البخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٤١٣) (٥١) و (٥٤)، وأبو داود
(٢٠٨٠)، والترمذي (١١٣٤)، والنسائي (٢٥٨/٧)، وابن ماجه (١٢٧٢).
[١٤٦٢] وعن عثمانَ بن عفَّان، أنَّ رسولَ الله وَّ قالَ: ((لا یَنكِحُ
المُخْرِمُ ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ)).
والأخرى خالة الأخرى. وهذا يخرجُ على وجهٍ صحيحٍ. وهو: أن يكونَ رجلٌ
وابنُه تزوَّجا امرأةً وابنتها، تزوج الأبُ البنت والابن الأمّ، فولدت كلُّ واحدةٍ منهما
بنتاً، فابنة الأب عمَّةُ ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأمَّا الخالتان: فأن
يتزوج رجلٌ ابنة رجلٍ، ويتزوَّج الثاني ابنة الأول، فيولدُ لكلِّ منهما ابنةٌ، فابنة كلِّ
واحدٍ منهما خالةُ الأخرى. وأمَّا العمَّتان: فأن يتزوَّج رجلٌ أم رجلٍ ويتزوج الآخرُ
أمَّ الآخر، ثمَّ يولدُ لكلِّ واحدٍ منهما ابنة، فبنت كلِّ واحدٍ منهما عمَّةُ الأخرى.
و (قوله: ((ولا تسأل المرأةُ طلاقَ أختها لتكتفى صَحفتها))) قال الهروي:
تكتفىء: تفتعل، من: كفأت القدر: إذا فرَّغتها. وهذا مثلٌ لإمالة الضَّرَّة حقَّ
صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: أكفأت الإناء: كبيته. وكفأته:
أملته. وقيل: هو كنايةٌ عن الجماع، والرغبة في كثرة الولد. والأول أولى.
و (قوله: ((ولتنكح، فإنّما لها ما كتب اللَّهُ لها)) يعني أنها تنكح ولا تشترط
طلاقَ الضَّرَّة، فإنَّ اللَّهَ تعالى إن كان قدْ قدَّر أن ينفردَ بذلك الزَّوجُ وصلت إلى
ذلك، وإن لم يقدِّره لم ينفعها الشَّرط. فقد يطلِّق الضَّرَّة، ثمّ يردُّها، فلا يحصلُ
للمشترطة مقصودُها.
و (قوله: ((ولا يَنْكِح المحرم، ولا يُنْكَح، ولا يَخْطَب))) لا خلافَ في منع
حكم نكاح
المُخرِم

١٠٥
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
رواه مسلم (١٤٠٩)، وأبو داود (١٨٤١)، والترمذي (٨٤٠)،
والنسائي (١٩٢/٥).
[١٤٦٣] وعن ابن عباس، أنَّه قال: تزوَّج رسولُ الله ◌ِوَّل ميمونةَ
وهو مُحرمٌ.
رواه البخاري (٤٢٥٨)، ومسلم (١٤١٠) (٤٧)، وأبو داود (١٨٤٤)،
والترمذي (٨٤٢)، والنسائي (١٩١/٥).
المُخْرِمِ من الوطء. والجمهورُ على مَنْعِه من العَقْد لنفسه، ولغيره، ومن الخطبة
كما هو ظاهِرُ هذا الحديث، وكما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الَْجَّ فَلَ
رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] على أحد التأويلات المتقدمة في كتاب: الحجِّ. وذهب
بعضُهم: إلى أنَّه يجوزُ للمحرم ذلك تمشُّكاً بحديث ابن عباسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ تزوَّج
ميمونةً وهو محرم. وهذا لا حُبَّةَ فیه لأوجهٍ:
أحدها: إنَّ هذا الحديثَ مما انفرد به ابنُ عباس دون غيره من كبراء الصَّحابة
ومعظم الرواة.
وثانيها: إنكار ميمونة لهذا، وإخبارها بأنَّه ◌ِ ﴿ تزوَّج بها وهو حلالٌ، وهي
أعلمُ بقصَّتها منه.
وثالثها: أن بعضَ أهل النقل والسِّيَر ذكر(١): أنَّ النبيََّ ◌ّ بعث مولاه أبا رافع
من المدينة، فعقد نكاحها بمكَّة بوكالة النبي ◌ّ﴿ له على ذلك، ثمَّ وافى النبيَّ وَّ
محرماً، فبنى بها بِسَرِفَ حلالاً، وأشهر تزويجها بمكة عند وصوله إليها .
(١) في (ج): حكوا.

١٠٦
(١٥) كتاب النكاح - (٥) باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها
[١٤٦٤] وعن يزيد بن الأصمِّ قالَ: حدَّثتني ميمونةُ بنتُ الحَارث أنّ
رسول الله وَ﴿ه تَزْوَّجَها وهو حَلالٌ. قال: وكانتْ خَالِي وخالةَ ابنِ عبَّاس.
رواه أحمد (٣٣٣/٦)، ومسلم (١٤١١)، وأبو داود (١٨٤٣)،
والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤).
ورابعها: أنَّ قولَ ابن عبَّاسِ: (وهو محرمٌ) يحتملُ أن يكون: دخل في
الحرم. فإنَّه يقال: أحرم؛ إذا دخل في الحرم. واسمُ الفاعل منه: مُخْرِم. كما
يقال: أنجدَ، وأَتْهَمَ. وهو مُنْجِد، ومُتْهِم: إذا دخل ذلك.
وخامسها: تسليم ذلك كلِّه، وادِّعاء الخصوصية بالنبيِّ نَّهِ، فقد ظهرتْ
تخصيصاتُّه في باب: النكاح بأمورٍ كثيرةٍ، كما خُصَّ بالموهوبة، وينكاح تسعٍ.
وبالنِّكاح من غير وليٍّ، ولا إذن الزَّوجة، كما فعل مع زينب. إلى غير ذلك.
وسادسها: أنَّ هذه حكايةُ حالٍ واقعةٍ معيَّنةٍ، تحتملُ أنواعاً من الاحتمالات
المتقدِّمة.
والحديثُ المقتضي للمنع ابتداءً تقعيدُ قاعدةٍ، وتقريرُها، فهو أولى على كلِّ
حالٍ. والله الموفّق.

١٠٧
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
(٦) باب
النهي عن خِطْبَةِ الرجل على خطبة أخيه
وعن الشِّغار وعَنِ الشَّرطِ في النكاح
[١٤٦٥] عن نافع، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّ ◌ِ لّ قال: ((لا يَبِعْ
بعضُكم على بَيْع بعضٍ، وَلا يَخْطَبْ بعضُكم على خِطبة بعضٍ)).
رواه أحمد (١٥٣/٢)، والبخاريُّ (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢)،
وأبو داود (٢٠٨٠)، والترمذيُّ (١٢٩٢)، والنسائيُّ (٧٢/٦ - ٧٣)،
وابن ماجه (٢١٧١).
(٦) ومن باب: النهي عن خطبة الرجل على خِطْبة أخيه
الخِطبة - بالكسر -: هي استدعاء التزويج والكلام فيه، [يقال منه: خطبت
المرأة خِطبة، بالكسر: طلبتها منه](١). والخُطبة - بالضم -: هي كلام الخطباء.
ومن كلام علمائنا: تستحبُّ الخُطبة - بالضم - عند الخطبة - بالكسر -. وهذه
الأحاديثُ التي جاء فيها النهي عن [خِطبة الرجل على] (٢) خطبة أخيه ظاهرها
العموم، لکن قد خصَّصها أصحابنا بحديث فاطمة بنت قيس الذي يأتي ذکرُه في
الطلاق. وذلك: أنَّها لما انقضت عدَّتُها أتتِ النبيَّ وَّ فقالت: إنَّ أبا جهم بن
حُذيفة ومُعاوية خطباني. فقال لها رسول الله وَ ل﴿ ما سيأتي ذكره. وهذا يدل: على
جواز الخطبة [على الخطبة](٣) لكن جمعَ أئمتنا بين الحديثين بأن حملوا النهي على
ما إذا تقاربا وتراكنا. وحملوا حديث الجواز على ما قبلَ ذلك. وهي طريقة حسنةٌ؛
(١) ساقط من (ع) و(ج).
(٢) ساقط من (ع) و (ج).
(٣) ساقط من (ع) و(ج).

١٠٨
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
[١٤٦٦] وعن عبدِ الرَّحمن بن شُماسَةَ: أنَّه سمع عُقْبةَ بنَ عامٍ على
فإنَّ فيها إعمال كلٌّ من الحديثين، ومراعاةً للمعنى. فإنَّ المفسدةَ إنَّما تحصلُ بتأكد
التراكن.
معنى التراكُنْ
في الزواج
واختلفَ أصحابُنا في التراكن. فقيل: هو مجرَّد الرِّضا بالزوج، والميل إليه،
وقيل: بتسمية الصَّداق. وهذا عند أصحابنا محمولٌ على ما إذا كانا شكلين. قال
ابن القاسم: لا أرى الحديث إلا في الرجلين المتقاربين، فأمَّا صالح وفاسقٌ فلا.
قال ابن العربي: لا ينبغي أن يُختلف في هذا. وقال الشَّافعيُّ: إنَّما النهي فيما إذا
أذنت المرأة لوليها أن يُنكحَها من رجلٍ معيَّنِ.
قلت: وهذا فيه بعدٌ، فإنَّه حملُ العموم الذي قُصِدَ به تقعيدُ قاعدة على
صورة نادرةٍ. وهذا مثل ما أنكره الشَّافعيُّ على أبي حنيفة؛ إذ حمل قوله وَّه:
((لا نكاح إلا بوليّ))(١) على المكاتبة. وتحقيقه في الأصول.
حکم البيع على
البيع
والقول في قوله وَلفيه: ((لا يبع أحدُكم على بيع أخيه)) محمولٌ على مثل
ما تقدَّم في قوله: ((لا يخطُب أحدُكم على خطبة أخيه)). وقد حمله بعض العلماء
على ظاهره، وعمومه، حتى كره بيعَ المزايدة خوفاً من الوقوع في ذلك. وهذا ليس
بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى قد أحلَّ البيعَ مطلقاً، وقد باعَ النبيُّ لَاه بنفسِه بيع المزايدة
[على ما في كتاب](٢) أبي داود(٣): فأخذ في يده حِلْساً وقدَحاً كانا لرجلٍ سألَه
صدقةً، فقال ﴿: (مَنْ يَشتري منّي هذا بدرهم؟)). وقال رجلٌ: هو لي بدرهم.
فقال: ((من يشتري مني هذا بدرهمين؟)) فقال آخر: هو لي بدرهمين. فباعَه منه،
ثم دفعَهما لصاحب الحِلْس والقدح. وسيأتي الحديثُ في كتاب البيوع إن شاء
(١) رواه الترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١)، والحاكم (١٦٩/٢) عن أبي موسى.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه أبو داود (١٦٤١)، وابن ماجه (٢١٩٨).

١٠٩
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
المنبرِ. يقول: إنّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((المؤمنُ أخو المؤمن. فلا يحلُّ
للمؤمنِ أنْ يبتاعَ على بَيْع أخيه، ولا يَخْطُبَ على خِطْبَةِ أخيه حتى يذَرَ)).
رواه مسلم (١٤١٤).
الله تعالى. فإذا طرحَ بيعُ المزايدة عن المنع، فلم يبقَ إلا أن يُحمل على ما إذا
تقاربا، وتراکنا.
واختلف فيما إذا وقعت الخِطبة على الخِطبة، والبيعُ على البيع. فذهبَ جلُّ حكم وقوع
أصحابنا، والكوفيون إلى إمضاء العقد. وذهبَ داود، وبعضُ أصحابنا إلى فسخه. الخطبة على
الخِطبة
وقد رُوي القولان لمالك والشافعي على ما شرحَ من مذهبه. وقول ثالث في
النكاح: الفسخُ فيه قبل البناء، والإمضاء بعده. وهو لأصحابنا. ولا خلاف في أنَّ
فاعلَ ذلك عاصٍ، آئمٌ.
و (قوله: ((لا يبعْ)) و((لا يَسُمْ))(١)) قد يصحُّ أن يُحملا على معنىّ واحدٍ.
فيُقال: سُمْتُ، بمعنى: بعت، ويصح أن يُحملَ: سُمْتُ على اشتريت، فيكونان
متغايرين. أعني: بعتُ وسمتُ. على أنَّ: بعت واشتريت يدخل كلُّ واحدٍ منهما
على الآخر، فيُقال: بعته. بمعنى: اشتريته، وشريته: بمعنى: بعته. وكذلك:
سُمْت. وسيأتي لهذا مزيد بيانٍ في البيوع إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلُّ له أن يبتاع على بيع أخيه))) تنبيه
على صحة هذا المعنى الذي أبديناه، فإنَّه أتى فيه بالأخوة الإيمانية، ثمَّ علَّق فاء
التعليل بها .
و (يذر) أي: يترك. وهو من الأفعال التي لم يُستعمل منها إلا لفظ المضارع
والأمر. فلا يُقال: وذَرَ، ولا: وذرا، ولا: واذرٌ. اكتفوا عن ذلك بـ (تَرَكَ) وفيه
(١) هذه الكلمة لم ترد في التلخيص، وإنما وردت في صحيح مسلم في الحديث رقم
(١٤١٣) (٥١).

١١٠
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
[١٤٦٧] وعن عبيد الله بن نافع، عن ابنٍ عُمَرَ: أنَّ رسولَ الله ێے نھی
عن الشِّغَار. قال عبيدُ الله: قلتُ لناَفع ما الشِّغار؟ قال: أن يُزُوِّجَ الرَّجلُ
ابْتَتَهُ على أَنْ يُزَوِّجَه ابْنَتَهُ وليس بينهما صداقٌ.
رواه البخاريُّ (٥١١٢)، ومسلم (١٤١٥) (٥٧ و ٥٨)، وأبو داود
(٢٠٧٤)، والترمذيُّ (١١٢٤)، والنَّسائيُّ (١١٢/٦)، وابن ماجه
(١٨٨٣).
إشعارٌ بصحة ما قلناه من التعليل بالرُّكون. فإنَّه لا يترك الشيءَ إلا من تشبّث به.
وأولُ التشبث بهذه العقود التراكنُ من المتعاقديْن، أو أحدهما.
النهي عن
الشّغار
و (قوله: نهى عن الشِّغار) الشِّغار: مصدر: شاغر، يُشاغر، شغاراً. وهو
مفاعلةٌ مما لا يكون إلا بين اثنين. قال بعض علمائنا: إنَّ الشّغارَ كان من أنكحة
الجاهلية، يقول: شاغرْني وَلِيَّتِي بِوَلِيَّتِكَ. أي: عاوضني جِمَاعاً بجماع. وقال
أبو زيد: شغرت المرأةُ: رفعتْ رجليها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كلُّ واحدٍ
منهما: يشغر: إذا نكح (١). وأصله: الكلب إذا رفع رجلَه ليبولَ. وقيل: إنه مأخوذ
من: شغرَ البلدُ: إذا بَعُدَ. وقيل: من: شغرَ البلدُ، بمعنى: إذا خلا.
قلت: وتصح ملاحظة هذه المعاني في الحديث، وحملُه عليها: لكن منها
ما يبعد عن صناعة الاشتقاق. ومنها ما يقرب. وأقربها: القول الأول.
حكم الشِّغار إذا
وقعَ
ولا خلاف بين العلماء في منع الإقدام عليه، لكن اختلفوا فيما إذا وقع، هل
يُفسخ أبداً وإن دخلَ؟ فحكى ابن المنذر ذلك عن الشَّافعيِّ، وأحمد، وإسحاق،
وأبي ثور، وهو أحد قولي مالكٍ. أو هل يصحُّ وإن لم يدخل؟ وهو قول عطاء،
وعمرو بن دينار، ومكحول، والثوري، والزُّهريِّ، وأصحاب الرأي قالوا: يصحُّ
(١) في (ج ٢): إذا لَقَحَ.

١١١
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
[١٤٦٨] وعن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ◌َ ◌ّ قال: ((لا شِغارَ في الإسلام)).
رواه مسلم (١٤١٥) (٦٠).
[١٤٦٩] وعن أبي هريرة قال: نهى رسولُ الله وَّر عن الشِّغار.
والشِّغارُ: أن يقولَ الرَّجل للرَّجلِ: زوَّجْنِي ابْنَتَك وأزوِّجُك ابنتي. وزوِّجْنِي
أخْتَك وأزوَّجُك أخْتِي.
رواه مسلم (١٤١٦)، والنسائيُّ (١١٢/٦).
ويُرجع فيه إلى صداق المثل. وهل يُفسخ قبلُ ويفوت بالدخول ويثبت بعدُ؟ وهو
قولُ الأوزاعي، وأحدُ قولي مالك.
وموجب هذا الخلاف: اختلافهم في: هل هذا النهي راجعٌ لعين العقد؟
فيكون فاسداً أبداً، لأنَّ كلَّ واحدٍ من الزَّوجين معقودٌ عليه، ومعقودٌ به. وهما
متناقضان. أو هو راجع إلى إخلاء العقد من الصداق. وهو أمرٌ يُتداركُ بفرض
صداق المثل، كنكاح التفويض. وأمَّا وجه الفرق فهو: أن إيقاعَ العقد على غير
الوجه المنهي عنه ممكن قبل الدخول فيفسخُ، فيستأنفان عقداً جائزاً. فأما إذا
دخل، فقد فات، فيُرجع فيه إلى صداق المثل.
و (قوله: ((لا شِغارَ في الإسلام))) أي: لا صحة لعقد الشِّغار في الإسلام،
وهو حجَّةٌ لمن قال بفساده على كلِّ حالٍ. وهو ظاهر هذه الصيغة كقوله: ((لا صِيامَ
لمن لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ)(١) و((لا عملَ إلا بنية))(٢) و: لا رجل في الدَّار. فإنَّ الظاهر
[من هذه الصيغة](٣) نفي الأصل، والصحة. ونفي الكمال محتمل فلا يُصار إليه إلا
بدليل، كما بيَّنَّه في قوله: ((لا صَلاةَ لجار المسجد إلا في المسجد)) (٤).
(١) رواه النسائي (٤/ ١٩٧).
(٢) رواه البيهقي (٤١/١).
(٣) سافطة من (ع).
(٤) رواه البيهقي (٧٥/٣ و١١١).

١١٢
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
[١٤٧٠] وعن عقبة بن عامر قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ أحقَّ
الشُّروطِ أنْ يُوَنّى به، ما استحللتُم به الفروجَ)).
تفسير الشغار
وقد جاء تفسیرُ الشِّغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاءَ في حديث
أبي هريرة من كلام رسول الله وَ ه وفي مساقه. وظاهره: الرُّفع إلى النبيِّ وَّ.
ويحتملُ أن يكونَ من تفسير أبي هريرة، أو غيره من الرواة، أعني: في حديث
أبي هريرة. وكيفما كان فهو تفسيرٌ صحيحٌ موافقٌ لما حكاه أهلُ اللسان. فإن كان
من قول رسول الله ◌َ ﴿﴿ فهو المقصود، وإن كان من قول صحابيِّ فمقبول؛ لأنهم
أعلمُ بالمقال وأقعدُ بالحال.
الوفاء بالشروط
النكاح
و (قوله: ((إنَّ أحقَّ الشروط أن يُوفَّى به ما استحللتُم به الفروج))) لا تدخلُ
الجائزة في فى هذا الشروطُ الفاسدةُ؛ لأنَّها لا يستحلُّ بها شيءٌ. ولقوله وَليهِ: ((كلُّ شرطٍ ليس
في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط)) (١) فإذاً: المرادُ من الشروط ما كان
جائزاً، ثمَّ هُم على ضربين: ما يرجعُ إلى الصّداق، وما يكون خارجاً عنه. فالأولُ
لا بُدَّ من الوفاء به، كشورةٍ، ووصيفٍ، وغير ذلك. والثاني: وهو: ما يكون
خارجاً عنه، مثل: ألا يُخرجها من بلدها، أو لا يتزوَّج عليها، أو لا يفرِّق بينها
وبين أولادها، وما أشبه ذلك. فهذا النوعُ إنْ علَّقه على طلاقٍ أو عتقٍ لزم اتفاقاً
عند من يقول بتنفيذ الطلاق والعتق المعلّقَيْن على التزويج والمِلْك. وهو مشهورُ
مذهب مالك. فإن لم يُعلَّق عليه ذلك؛ فقيل هو لازمٌ يُجْبَرُ عليه مَن أباه للحديث.
وقيل: يُستحبُّ الوفاءُ به، ولا يُجبر عليه. وهو مذهب مالك.
واختلفوا فيما إذا اشترط المنكح حِباءً(٢) لنفسه غير الصداق، وهو المسمَّى
عند العرب: الحلوان. فقال قومٌ: هو للمرأة مطلقاً. وبه قال عطاء، وطاووس،
لمن یکون
الحِباء
(الحلوان) في
النكاح؟
(١) رواه أحمد (٢١٣/٦)، وابن ماجه (٢٥٢١).
(٢) ((الحِباء)): ما يحبو به الرجل صاحبه، ويكرمه.

١١٣
(١٥) كتاب النكاح - (٦) باب: النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه
رواه البخاريُّ (٢٧٢١)، ومسلم (١٤١٨)، وأبو داود (٢١٣٩)،
والترمذي (١١٢٧)، والنسائيُّ (٩٢/٦ - ٩٣).
*
وعكرمة، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأبو عبيد. وقال آخرون: هو
المشترطه. وبه قال عليُّ بن الحسين، ومسروق، وشرطَ عشرة آلافٍ، جعلها في
الحجِّ، والمساكين لمَّا زوَّج ابنته. وقيل: هذا مقصورٌ على الأب خاصَّةً للتبسُط في
مال ولده. وقال الشَّافعيُّ: لها مَهْرُ مثلها. وقال مالك: إن كان هذا الاشتراطُ في
حال العقد، فهو للمرأة لاحقٌ بصداقها. وإن كان بعده فهو لمن وُهِب له. وفيه
تفريعٌ يُعْرَفُ في كُتُب أصحابنا. ويشهدُ لمذهب مالك ما خرَّجه أبو داود عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النبيَّ وَّ قال: ((أيُّما امرأة نكحت على
صداقٍ، وحباءٍ، أو عدةٍ، قبل عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحقُّ ما أكرم عليه
الرَّجل ابنته أو أخته))(١) يعني (لمن أعطيه): المرأة، بدليل قوله: ((على صداق)» فإنَّ
الصَّداقَ لا يكونُ إلا للمرأة، وكذلك ما ذكر معه من الحِباء والعِدةِ. وقوله: «أحقُّ
ما أكرم عليه الرَّجل ابنته ... )) استئناف كلام يقتضي الحضَّ على إكرام الولي تطبيباً
لنفسه. والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود (٢١٢٩)، والنسائي (٦/ ١٢٠)، وابن ماجه (١٩٥٥).

١١٤
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب،، واستئذان البكر
(٧) باب
استثمارِ الثَّیُّبِ واستِئْذَانِ البِکْرِ
والصغيرةُ يزوِّجُها أبوها
[١٤٧١] عن أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((لا تُنْكَحُ الأيِّمُ
حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البكر حتى تُسْتَأْذَنَ)). قالوا: يا رسول الله! وكيف
إِذْنُها؟ قال: ((أَنْ تَسْكُتَ)).
رواه البخاريُّ (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩)، وأبو داود (٢٠٩٢)،
والترمذيُّ (١١٠٧)، والنّسائي (٨٥/٦).
[١٤٧٢] وعن ابنِ عبَّاس: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قال: ((الثّيِّب أحقُّ بِنَفْسِها
من وليِّها. والبِكرُ تُسْتَأذن، وإذنُها سكوتُها)).
(٧) ومن باب: استثمار الثيِّب
(قوله: ((الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليِّها))) اتفق أهلُ اللغة على أنَّ الأيِّمَ [في
الأصل)(١) هي المرأةُ التي لا زوجَ لها بكراً كانت أو ثيّاً. ومنه قوله تعالى:
﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرُ﴾ [النور: ٣٢] تقول العربُ: تأيَّمتِ المرأة: إذا أقامتْ
لا تتزوَّج. ويقال: أيُّمٌ بَيِّنةُ الأئمة، وقد آمتْ هي، وإمتُ أنا. قال الشَّاعر:
رَجَاءٌ بسَلْمى أنْ تَنِيمَ كما إمْتُ
لَقَدْ إِمْتُ حتَّى لامَنِي كلُّ صَاحِبٍ
قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أيِّمٌ. وامرأةٌ أيِّمٌ. وأكثرُ ما يكونُ في النِّساء، وهو
کالمستعار في الرِّجال.
قلتُ: والأيِّمُ في هذا الحديث هي: الثَّيِّبُ. بدليل الرِّواية المفسِّرة التي جعل
(١) ساقط من (ع).

١١٥
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
فيها الثيِّب مكان الأيِّم. وبدليل: أنها قوبل بها البكر، وفُصِل بينهما، فأعطيت كلُّ
واحدة منهما حكمهما. وهذا واضحٌ جداً. وعليه: فلا مبالاةَ فيما يقوله الكوفُّون
وزفر والشَّعبي(١) في هذا الحديث؛ من أنَّ المرادَ بالأيِّم: التي لا زَوْجَ لها بكراً
كانت أو ثيّاً. مستدلّين به على أنَّ الوليَّ ليس بشرطٍ في النكاح، بل للمرأة أن
تنكحَ نفسها بغير وليٍّ، بكراً كانت أو ثيّاً إذا بلغتْ. وحملوا قوله {وَله: ((أحقُّ))
على ((العقد)). أي: أحقُّ من وليها بالعَقْد عليها. وهذا لا يصح لما ذكرناه، ولأنَّ
مقصودَ الحديث بيانُ حُكْم النُّيُّب والأبكار بالنسبة إلى سماع الإذن. فالثيبُ تُعْرِب
عن نفسها. أي: تنطقُ بنفسها مرادها، ولا يكتفى منها بالسكوت. والبكر يُكتفى
منها بالسُّكوت. فقوله: ((أحق بنفسها)) أي تنطقُ بنفسها، ولا ينطق الوليُّ عنها. ثم
نقولُ: بل هذا الحديثُ حجةٌ للجمهور في اشتراط الوليِّ بدليل صحة ما وقعتْ فيه
المفاضلةُ. وبيانُ ذلك: أنَّ (أفعلَ من كذا) لا بُدَّ فيها من اشتراكِ في شيءٍ مما وقع اشتراط الوليّ
فيه التفاضل. فإنَّك إذا قلت: فلانٌ أعلمُ من فلان. اقتضى ذلك اشتراكهما في في صحة
أصل العلم، وانفرد أحدهما بمزية(٢) فيه. وكذلك قوله: ((أحقُّ)) لا بُدَّ فيه أن
النكاح
يشاركها الوليُّ في حقَّةٍ ما، فإذاً له مدخل. ثمَّ وجدنا في الشَّريعة مواضعَ كثيرةً
تدلُّ: على أنَّ ذلك المدخلَ هو شرطٌ في صحة النكاح.
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَمَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
ووجهُ الاستدلال بها: أنه خطابٌ للأولياء والسَّادة بالعقد على مَن يكونُ عليهم.
وقد سوَّى بينهما بالخطاب. فكما أنه لا ينعقدُ النكاحُ على أمةِ الغير إلا بولاية
سيِّدها، فكذلك لا ينعقدُ نكاحُ الحرّة إلَّ بإذن وليِّها. ضرورة التسوية بين النَّوعين
في حُكْم الخطاب. وهو واضحٌ جدّاً.
(١) في (م): الشافعي.
(٢) في (ع) و (ج): بمزيد.
.

١١٦
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَضَوْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[البقرة: ٢٣٢] والاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: نهيه عن العضل. فلولا أنَّ له مدخلاً في الولاية لما صحَّ له
العضلُ.
وثانيهما: تعليق النّهي عن العضل على تراضي الأزواج بالمعروف. فإن لم
يتراضوا به فللولي العضل.
وسيأتي الكلامُ على هذه الآية عند ذكر حديث معقل بن يسار - رضي الله
عنه - وفيه: لما أنزل اللَّهُ الآيَةَ قال معقل: الآن أفعل. فزوَّجها إِيَّاه، مع أنَّها كانت
مدخولاً بها(١).
ومنها: الحديث الذي ذكره الدارقطني، وصحَّحه من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: ((لا تزوَّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تزوُّجُ المرأةُ نفسها، فإنَّ الزانيةَ هي التي
تزوّجُ نفسها))(٢) قال: هذا صحيح.
ومنها: ما خرَّجه أبو داود من حديث أبي موسى مرفوعاً، قال: ((لا نكاحَ إلا
بوليٍّ))(٣). وفيه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَله: ((أيُّما امرأة نكحتْ بغير إذن
وليِّها؛ فنكاحُها باطلٌ (ثلاث مرَّات)، فإن دخل بها فالمهرُ لها بما أصاب منها،
فإن اشتجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له)) (٤).
وهذه الأحاديثُ مشهورةٌ صحيحةٌ عند تحقيق النَّظر فيها. ولا يُلتفتْ إلى
(١) رواه البخاري (٤٥٢٩)، وأبو داود (٢٠٨٧)، والترمذي (٢٩٨٥).
(٢) رواه الدار قطني (٢٢٧/٣).
(٣) رواه أبو داود (٢٠٨٥).
(٤) رواه أبو داود (٢٠٨٣).

١١٧
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
شيءٍ مما ذكر فيها، كما ذكر: من أنَّ حديث عائشة تفرَّد به سليمان بن موسى. فإنَّه
إمامٌ ثقةٌ. وهو الأشدق، ولم يكن في أصحاب مكحول أحفظ منه. قال البزَّار: هو
أحفظُ من مكحول. وقال: هو أجلُّ من ابن جريج. وكما قيل عن ابن جريج: أنه
سأل ابن شهاب عن هذا الحديث فأنكره. وهذا لا يلتفت إليه؛ لأنَّ هذه الحكاية
أنکرت على ابن عليّة، وهو الذي أوردها؛ ولو صحّت، فلم ینکر ابن شهابٍ
الحديثَ إنكار قطع بتكذيبه، بل إنكار ناس، والرَّاوي عنه ثقةٌ جازمٌ في الرواية،
فينبغي للزهري أن يقول: حدَّثني فلان عنِّي بكذا، كما قد حكي عنه: أنه قال في
مثل هذا: حدثني مالك عنِّي. وكلُّ هذا نسيان، وليس بدعاً في الإنسان. وبسط
الكلام فيه في کتب الخلاف.
وكلُّ ما ذكر أيضاً حُبَّةٌ على مَن قال: إنَّ صحةً عقد النكاح موقوفةٌ على
إجازة القاضي. وبه قال الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف. وأنصُّ ما
في الردّ على هؤلاء حديث معقل.
و (قوله: ((والبكر تُستأمر))) هكذا وقع في حديث ابن عبّاس. [وفي حديث البكر تُستأذن
أبي هريرة: ((الأيِّمُ تُستأمر، والبكر تُستأذن)) وهو أتقنُ مساقاً من حديث والأيُّم تُستأمر
ابن عباس](١) لأنَّ ((تستأمر)) معناه: يُستدعى أمرُها. وهذا يظهرُ منه أن يصدرَ منها
بالقول ما يُسمَّى: أمراً. وهذا ممكنٌ من الثيِّب؛ لأنها لا يلحقها من الخجل،
والانقباض ما يلحق البكر. فلا يُكتفى منها إلا بنطقٍ يدلُّ على مرادها صريحاً. وأمَّا
«تُستأذن» فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلُّ على رضاها. وإذنها بأي وجه كان، من
سكوتٍ، أو غيره، ولا تُكلَّف النُّطْقَ؛ ولذلك لما قال في حديث ابن عباس:
(لا تُنكح البكر حتى تُستأذن)) أشكلَ عليهم كيفيةُ إذنها، فسألوا، فأجيبوا: بأنَّ إذنها
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

١١٨
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
وفي رواية: ((والبِكْرُ يستأذنُها أبوها)).
رواه مسلم (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٨)، والترمذي (١١٠٨)،
والنسائي (٨٤/٦).
((أن تسكت)). وهذا منه وَ﴿ مراعاةٌ لتمام صيانتها، ولإبقاء حالة الاستحياء،
والانقباض عليها، بأن ينظرَ لها في ذلك المحلِّ ما هو أصونُ لها، وأليقُ بها، فإنَّها
لو تكلمت تصريحاً لظنَّ: أنَّ ذلك رغبةٌ منها في الرِّجال. وهذا غيرُ لائقٌ بالبكر،
بل هو مُنقِصٌ لها، ومُزهِّدٌ فيها، بخلاف الثَّيب.
وقد استحب علماؤنا أن تعرَّف البكر أنَّ سكوتها محمولٌ منها على الإذن،
ليكون ذلك زيادةً في تعريفها، وتنبيهاً لها على ما يُخافُ أن تجهله. وقد كان بعضُ
مَن لقيناه من الفقهاء يقولُ لها بعد عرض الزَّوج والمهر عليها: إن كنت راضيةً
فاصمتي، وإن كنتِ كارهةً فتكلَّمي. وهو تنبيهٌ حسنٌ.
و (قوله في الرِّواية الأخرى: ((والبكر يستأذنها أبوها))) هذه الزِّيادة من رواية
ابن أبي عمر. قال أبو داود: وليست بمحفوظةٍ. وعلى تقدير صحة هذه الزيادة
فمحملُها على الاستحباب، لا على الإيجاب، بدليل الإجماع المنعقد على أنَّ للأب
فائدة استئذان إنكاح ابنته الصغيرة وإجبارها عليه بغير إذنها. وكذلك السيِّد في أَمَته. وقد أبدى
البكر
بعضُ أصحابنا لاستئذان الأب لابنته البكر فائدةً، وهي: تطييب قلبها، واستعلام
حالها، فقد تكون موصوفةً بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح، فإذا استأذنها
أعلمته.
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة من طريق صحيحةٍ قال: قال
رسولُ اللهِوَ﴿: ((تُستأمر اليتيمةُ في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا
جواز عليها)) (١)، وفي رواية: ((فإن بكت أو سكتت)). قال: وليس ذلك بمحفوظ.
(١) رواه أبو داود (٢٠٩٣)، والترمذي (١١٠٩)، والنسائي (٨٥/٦).

١١٩
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
قلتُ: وتفسيرُ حديث أبي داود مقيدٌ لمطلق البكر؛ الذي جاء في حديث
مسلم وغيره، ومبيِّنٌ: أن استئذانَ الأب البكر ليس بواجب، وإنّما يجبُ ذلك في
اليتيمة باتفاق.
ثُمَّ اختلف القائلون باشتراط الوليٍّ، هل يكتفى في صحة العقد بوجود وليٍّ، تقديم ولاية
أيِّ وليِّ كان، من غير مراعاةٍ لولايةٍ خاصةٍ ولا عامةٍ؟ أو لا بدَّ من مراعاة الخاصَّة القرابة
على مَراتبها، فإن فقدت رجع للعامة. قولان. وللأول ذهب أبو ثور. وقال: كلَّ نالأقرب
ء والأقرب
مَن وقع عليه اسمُ وليٍّ فله أن ينكح. وقاله بعضُ علمائنا. وحكاه ابنُ المنذر عن
مالك. والجمهورُ على القول الثاني؛ لقول النبيِّ وَّهِ: ((أيُّما امرأةٍ نكحتْ بغير إذن
وليها فنكاحها باطلٌ)) ثمّ قال بعد ذلك: ((فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ
له)) (١). فاقتضى: أنَّ ولايةَ القرابة مقدَّمةٌ على ولاية السلطان. وإذا كان كذلك كان
أحرى أن تكونَ مقدَّمةً على ولاية الدِّين. وهو واضحٌ. ويقول عمرُ بن الخطاب
- رضي الله عنه -: لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو
السلطان.
ثمَّ اختلف المرتِّبون فيما إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد(٢) في الولاية
الخاصة فيمن يستأذن؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه يفسخ على كلِّ حالٍ. وبه قال المغيرةُ.
وثانيها: أنَّ الأقعدَ مخيَّر في فسخه أو إجازته. وعليه جماعةٌ من أصحابنا .
ومأخذ خلافهما: أنَّ الفسخَ لحقِّ الله فلا بُدَّ منه، أو لحقُّ الوليِّ فله إجازته
وفسخه.
(١) سبق تخريجه (ص ١١٦).
(٢) ((الأقعد)): الأقرب.

١٢٠
(١٥) كتاب النكاح - (٧) باب: استثمار الثيب، واستئذان البكر
[١٤٧٣] وعن عائشة قالت: تزوَّجني رسولُ اللهِ وَّه لستُ سنين،
وثالثها: أنَّه ماضٍ، ولا مقال للولي الخاصِّ. وهو قولُ مالكِ. وهو بناءً
على: أنَّ مراعاةَ المراتب من باب الأولى، والأحسن. والله تعالى أعلم.
وقولُ عائشة - رضي الله عنها -: تزوَّجني رسولُ اللهِ وَّرِ لستٌ سنين. وفي
الرواية الأخرى: وهي بنتُ سبع سنين. ظاهِرُ هاتين الرِّوايتين الاختلاف. فيمكن
[أن يقال: إنَّ ذلك تقديرٌ لا تحقيق، ويمكن أن يقال: إنَّ ذلك كان في أوائل السنة
السابعة. فيكون](١) معنى قولها: لستّ سنين، انقضتْ. وقولها: وهي بنت سبع
سنين؛ أي: هي فيها. والله تعالى أعلم.
وهذا الحديثُ مستندُ الإجماع على أنَّ الأبَ يُجبر البكر الصغيرة على
النّكاح. وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملكُ حلَّ العقد عن نفسها، فلأن يجوزَ
في الصَّغير؛ الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى، وأولى.
وما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك، والشَّافعي، وفقهاء أهل الحجاز. وأمَّا
أهلُ العراق فقالوا: لها الخيارُ إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فإنَّه قال: لا خيارَ لها.
حکم ولاية غير
الأب
ثمَّ اختلفوا في غير الأب، من وليٍّ أو وصيٍّ، هل له أن يُجبرَ أم لا؟ فمنع
الجمهورُ ذلك. غير أنَّ الشَّافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب، وغير ما روي عن مالكٍ
[في الوصي على الإنكاح: أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي حكاه الخطّابي عن
مالك](٢) وعن حمّاد بن أبي سلمة، وقاله شريح، وعروة بن الزبير. والمشهورُ عن
مالك المنعُ من ذلك. وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وجماعةٌ من السلف
بجواز ذلك. وليس بصحيح؛ لما يختصُ به الأب من فرط الشَّفقة، والاجتهاد في
ابتغاء المصلحةِ، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجدُ في غيره غالباً. ويكفي هذا
فارقاً مانعاً من الإلحاق.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).