النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٢) باب: فيمن خلع بداً من طاعة
وفي رواية: ((ومَنْ قاتلَ تحتَ رايةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ للعَصَبةُ، ويُقاتلُ
للعصبةِ فليس مِنِّي)). وفيها: ((ولا يَتَحاشَ مُؤْمِنَهَا)).
رواه أحمد (٢٩٦/٢)، ومسلم (١٨٤٨) (٥٣ و٥٤)، والنسائي
(١٢٣/٧)، وابن ماجه (٣٩٤٨).
[١٤٢٨] وعن ابن عبّاس، عن رسول الله وَ﴿ل قال: ((مَنْ كَرِهَ مِن
أميرِه شيئاً فليصبرْ عليه، فإنَّه ليس أحدٌ مِن النَّاس يخرجُ مِن السُّلطانِ شِبْراً،
فماتَ عليه، إلا ماتَ مِيْتَةً جاهِليةَ)).
رواه أحمد (٢٧٥/١)، والبخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩) (٥٦).
[١٤٢٩] وعن نافع، قال: جاءَ عبد الله بن عمر إلى عبدِ الله بن
مُطيع، حين كانَ مِن أمرِ الحَرَّةِ ما كانَ مِن يزيدَ بن مُعاويةَ، فقال: اطرَحُوا
لأبي عبدِ الرحمن وِسادةً. فقال: إنِّي لم آتِكَ لأجلسَ، أتيتُكَ لُحَدِّثَكَ
وعبد الله بن مطيع كان أميراً على المدينة عند قيام ابن الزبير على يزيد بن وقعة الحرّة
معاوية في جماعةٍ من أبناء المهاجرين والأنصار، وبقيةٍ من مشيختهم، وجمع من
الصَّحابة، وعلى يديه كانت وقعةُ الحرَّة في الجيش الَّذي وجّه به یزید بن معاوية
الحربهم، فهزموا أهلَ المدينة، وقتلوهم، واستباحوها ثلاثة أيام، وقُتِل فيها عدةٌ
من بقية الصَّحابة من أبناء المهاجرين والأنصار، وعُطِّلتِ الصلاةُ، والأذانُ في
مسجد النبي ﴿ تلك الأيام. قاله القاضي عياض. وقال غيرُه مِن أهل التّاريخ: إنَّ
الذي وجَّهه يزيد بن معاوية إلى المدينة، وكانت على يديه وقعةُ الحرة هو مسلم بن
عقبة المرِّيّ. والله تعالى أعلم.
وتحديثُ ابن عمر ابنَ مطيع بالحديث الذي سمعه من النبيِّ وَ﴿ إنَّما كان
ليبيِّن له: أنَّه لم ينكث بيعة يزيد، ولم يخلعها من عنقه مخافةً هذا الوعيد، الذي
تضمَّنه هذا الحديث. والله تعالى أعلم.

٦٢
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٣) باب: في حُكّم من فرّق أمر هذه الأمة
حَديثاً سمعتُ رسولَ اللهَِّهِ يقولُه، سمعتُهُ يقول: ((مَنْ خلعَ يَدَاً مِن طَاعَةٍ،
لقيَ اللَّهَ يومَ القيامةِ لا حُجَّةَ له، ومَنْ ماتَ وليس في عُنقِه بَيْعَةٌ؛ ماتَ مِيْتَةً
جاهلیةً».
رواه أحمد (٩٧/٢)، ومسلم (١٨٥١).
#
(١٣) باب
في حُكْمٍ مَنْ فََّقَ أمرَ هذه الأُمَّة وهي جميعٌ
[١٤٣٠] عن عرفجةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَلِ يقولُ: ((إنَّه
ستكونَ هَنَاتٌ وهَنَاتٌ؛ فمن أرادَ أنْ يُفرِّقَ أمرَ هذه الأُمَّةِ، وهي جميعٌ،
و (قوله: ((لا حَّة له))(١)) أي: لا يجد حَّةً يحتجُّ بها عند السؤال،
فيستحقُّ العذاب، والنَّكال؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَله قد أبلغه ما أمره اللَّهُ بإبلاغه من
وجوب السَّمع والطّاعة لأولي الأمر، في الكتاب، والسُّنَّة.
(١٣) ومن باب: حُكْم من فرَّق أَمْرَ هذه الأمَّةِ
(هناتٌ): جمع هنةٍ، وهي كنايةٌ عن نكرة، أي شيءٍ كان كما تقدم، ويعني
به: أنَّه سيكون أمورٌ منكرةٌ، وفتنٌ عظيمة، كما قد ظهر، ووُجِد. وقد بيَّنه في
اللفظ الذي بعد هذا.
[و (قوله: ((فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمَّة وهي جميع))) أي: مجتمعةٌ
على إمامٍ واحد](٢).
((١) ساقط من (ع).
((٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٦٣
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٣) باب: في حُكّم من فرّق أمر هذه الأمة
فاضربُوه بالسَّيفِ، كائناً مَنْ كانَ)).
وفي رواية: ((مَنْ أَتَاكُم، وأمرُكم جميعٌ، على رجلٍ واحدٍ مِنْكم،
يُرِيدُ أنْ يَشُقَّ عَصَاكُم، أو يُفَرِّقَ جماعتكم، فاقتلُوه)).
رواه أحمد (٢٤/٥)، ومسلم (١٨٥٢) (٥٩ و٦٠)، وأبو داود
(٤٧٦٢)، والنسائي (٩٣/٧).
[١٤٣١] وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: قال رسول الله وَله: ((إذَا
بُويعَ لخليفتينٍ، فاقتلُوا الْآَخَرَ منهما)).
رواه مسلم (١٨٥٣).
و (قوله: ((فاضربوه بالسَّيف كائناً من كان))) أي: لا يحترم لشرفه، ونسبه،
ولا يُهاب لعشيرته ونشبه، بل يُبادر بقتله قبل شرارة شرِّه، واستحكام فساده،
وعدوى عُرِّه(١).
و (قوله: ((إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))) فيه من الفقه تسميةٌ لا يجوز نصب
الملوك بالخلفاء، وإن كانت الخلافةُ الحقيقيةُ إنَّما صحَّت للخلفاءُ الأربعة خليفتين
- رضي الله عنهم -. وفيه: أنَّه لا يجوزُ نَصْبُ خليفتين، كما تقدَّم.
(١) ((العُرُّ»: الجرب.

٦٤
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٤) باب: في الإنكار على الأمراء
(١٤) باب
في الإنكار على الأمراء،
وبیانٍ خِیارِهم وشِرارِهم
[١٤٣٢] عن أمِّ سَلمةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((ستكونُ أُمراءُ،
فتَعرفونَ وتُنكرونَ، فمن عَرَفَ بَرِىء، ومَنْ أنكرَ سَلِمَ، ولكنْ مَنْ رضيَ
وتابعَ))، قالوا: أفلا نقاتلُهم؟ قال: ((لا. ما صَلَّوْ)).
(١٤) ومن باب: الإنكار على الأمراء وبيان خيارهم
(قوله: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون))) أي: يعملُ الأمراءُ أعمالاً منها ما
تعرفون کونه معروفاً، ومنها ما تعرفون کونه منكراً، فتنكرونه.
و (قوله: ((فمن عرف برىء))) أي: من عرف المنكر، وكرهه بقلبه، بدلیل
الرواية الأخرى، فتُقيَّد إحداهما بالأخرى. يعني: أنَّ من كان كذلك فقد برىء.
أي تبرأ من فعل المنکر، ومِن فاعله.
أضعف الإيمان
و (قوله: ((ومن أنكر فقد سلم))) أي: بقلبه، بدليل تقييده بذلك(١) في
الرواية الأخرى. أي: اعتقد الإنكار بقلبه، وجزم علیه بحيث لو تمگَّن من إظهار
الإنكار لأنكره. ومَن كان كذلك فقد سلم من مُؤاخذة الله تعالى على الإقرار على
المنكر. وهذه المرتبةُ هي رتبةُ مَن لم يقدر على تغيير المنكر لا باللسان، ولا
باليد، وهي التي قال فيها وَله: ((وذلك أضعف الإيمان))(٢) وليس وراء ذلك من
الإيمان حبّة خردل.
و (قوله: ((ولكن من رضي وتابع))) أي: من رضي المنكر وتابعَ عليه هو
المؤاخَذ، والمعاقَب عليه، وإن لم يفعله.
الرِّضا بالمنكر
(١) من (ج ٢).
(٢) رواه أحمد (٥٤/٣)، ومسلم (٤٩)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي (١١٢/٨).

٦٥
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٤) باب: في الإنكار على الأمراء
وفي رواية: ((فَمَنْ كرهَ فقد بَرِىءَ، ومَنْ أنكرَ فقد سَلِمَ))، وذكرَ
نحوه.
وفي أخرى: ((مَنْ كَرِهَ بقلبِهِ وأنكرَ بقلِه)).
رواه أحمد (٣٩٥/٦)، ومسلم (١٨٥٤) (٦٢ و ٦٣).
[١٤٣٣] وعن عوفٍ بن مَالكِ، عن رسول اللهِ وَ ◌ّه قال: ((خِيَارُ
أئِمَّتِكُم الذينَ تُحبُّونَهم ويُحبُّونَكم، ويُصَلُّونَ عليكم، وتُصَلُّون عليهم،
وشِرارُ أَئِمِتِكُم الذينَ تُبغضُونهم ويُبغضونكم، وتَلعنُونهم ويلْعَنُونكُم))، قيل:
يا رسولَ الله! أفلا نُنَابِذُهُم بالسَّيف؟ قال: ((لا، ما أقامُوا فيكم الصَّلاةَ، وإذَا
و (قوله: ((خيارُ أئمتكم الذين تحبُّنهم ويحبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون خيار الأئمة
عليكم))) أي: تدعون لهم في المعونة على القيام بالحقِّ والعدل، ويدعون لكم في وشرارهم
الهداية والإرشاد، وإعانتكم على الخير، وكلُّ فريق يحبُّ الآخر لما بينهم من
المواصلة، والتَّراحم، والشَّفقة، والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء
الأربعة، وفي زمان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهم - ونقيض ذلك في الشرار؛
لترك كل فريقٍ منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتِباع الأهواء،
والجَوْر، والبُخل، والإساءة. فينشأ عن ذلك التباغضُ، والتلاعنُ، وسائر
المفاسد.
و (قوله: ((أفلا ننابذهم بالسَّيف؟))) أي: أفلا ننبذ إليهم عهدهم. أي:
نَنَّقُضُه؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَنَِّذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ونخرج عليهم
بالسَّيف، فيكون المجرورُ متعلقاً بمحذوف دلَّ عليه المعنى، وحُذف إيجازاً
واختصاراً.
و (قوله: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة))) ظاهره: ما حافظُوا على الصَّلوات

٦٦
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٥) باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار
رأيتُم مِن وُلاتِكم شيئاً تكرهونَه، فاكرهُوا عملَه، ولا تَنْزِعُوا يَداً مِن طَاعِةٍ».
رواه أحمد (٢٤/٦)، ومسلم (١٨٥٥) (٦٥).
(١٥) باب
مُبايعة الإمام على عدم الفِرار وعلى الموت
[١٤٣٤] عن جابرٍ، قال: كنَّا يومَ الحُدَيْنِيَةِ ألفاً وأربعمئةٍ، فبايعنَاه،
المعهودة بحدودها، وأحكامها، وداموا (١) على ذلك، وأظهروه. وقيل معناه:
ما داموا على كلمة الإسلام، كما قد عبَّر عن المصلِين بالمسلمين، كما قال ◌َله:
(نُهيت عن قَتْل المصلِين))(٢) أي: المسلمين. والأول أظهر. وقد تقدَّم التنبيهُ على
ما في هذا الحديث من الأحكام والخلاف.
(١٥) ومن باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار
بيعة الرضوان
(الحديبية): ماءٌ قريبٌ من مكة، نزله النبيُّ ◌َ ﴿ حين أراد العُمرة، فصدَّته
قريش، فوجَّه إليهم عثمانَ بنَ عفان ليخبرهم: بأنَّه جاء مُعتمراً، ولم يجيءْ لقتال،
فأبطأ عليه، فأُرْجِف بأنَّه قُتِل، فبايع النبيَّ وََّ أصحابُه هذه البيعة المسماة ببيعة
الرِّضوان. وقد تقدم ذكرها.
و (قول جابرٍ: كنّا في الحديبية ألفاً وأربعمئةٍ) قد روي: أنهم كانوا ألفاً
وخمسمئةٍ، وإنما اختلف قولُه لأنَّ ذلك العددَ كان عنده تخميناً، لا تحقيقاً، إن لم
يكن غلطاً من بعض الرواة.
عدد المسلمين
في الحديبية
(١) في (م): داوموا.
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٦/١).

٦٧
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٥) باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار
وعمرُ آخذٌ بيدِه تحتَ الشَّجرةِ - وهي سَمُرةٌ - وقد بَايَعْنَاهُ على أنْ لا نَفِرَّ،
ولم نُبَايعْه على المَوْتِ.
رواه أحمد (٣٩٦/٣)، والبخاريُّ (٤١٥٤)، ومسلم (١٨٥٦) (٦٧)
والترمذيُّ (١٥٩١ و١٥٩٤)، والنّسائيُّ (١٤٠/٧ و١٤١).
و (قوله: بايعناه على ألا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت) مخالفٌ لما قاله ما بايع عليه
سلمةُ: أنهم بايعوه في ذلك اليوم على الموت. وكذلك قال عبدُ الله بن زيدٍ: وهذا أهل الحديبية
خلافٌ لفظيٍّ، وأمَّا المعنى فمتَّفقٌ عليه؛ لأنَّ مَن بايعَ على ألاَّ يفرّ حتى يفتحَ اللَّهُ
عليه، أو يُقتل؛ فقد بايع على الموت، فكأنَّ جابراً لم يسمع لفظَ الموت، وأخذ
غيرُه الموتَ من المعنى، فعبَّر عنه. ويشهد لما ذكرته: أنَّه قد روي عن ابن عمر في
غير كتاب مسلم: أنَّ البيعةَ كانت على الصبر(١). وكان هذا الحكمُ خاصّاً بأهل
الحديبية، فإنَّه مخالفٌ لما في كتاب الله تعالى من إباحة الفرار عند مِثْلَي العدد،
كما نصَّ عليه في سورة الأنفال(٢). وعلى مقتضى بيعة الحديبية: لا فرار أصلاً،
فهذا حكمٌ خاصٍّ بهم. والله تعالى أعلم. ولذلك قال عبد الله بن زيدٍ: (لا أبايعُ
على هذا أحداً بعد رسول الله(وَلِيمٍ)(٣).
ثمَّ: إنَّ النَّاسَ اختلفوا في العدد المذكور في آيتي الأنفال(٤). فحمله جمهورُ المقصود
بالعدد المذكور
في آيتي الأنفال
(١) رواه البخاري (٢٩٥٨).
(٢) يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِيُواْ مِتَنَّيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفُ
يَغْلِيُوَ أْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُ وَاللَّهُ مَعَ الصَِّرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
(٣) أشار المصنف - رحمه الله - بهذه العبارة إلى ما جاء في صحيح مسلم رقم (١٨٦١).
ولم نجده في الأصول التي بين أيدينا.
(٤) يشير إلى قول الله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا مِأَتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِنكُم
مِنْتَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ... ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُم
مِّأْتَّةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦].

٦٨
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٥) باب: مبايعة الإمام على عدم الفرار
[١٤٣٥] وعن أبي الزُّبير، أنَّه سمعَ جابراً يُسْأَلُ: هل بايعَ النَّبِيُّ ◌َّـ
بذي الحُلَيْفَةِ؟ فقال: لا، ولكنْ صَلَّى بها، ولم يُبايعْ عندَ شجرةٍ، إلا
الشجرة التي بالحديبية .
رواه مسلم (١٨٥٦) (٧٠).
[١٤٣٦] وعن مَعْقِلِ بن يَسار، قال: لقد رأيتُني يومَ الشَّجرةِ،
والنبيُّ وَّهِ يُبايعُ النَّاسَ، وأنا رافعٌ غُصْناً مِن أغصانِها عن رأسِه، ونحن أرْبَعَ
عشرةَ مئةً. قال: لم نُبايعْه على الموتِ، ولكنْ بايعنَاه على ألّ نَفِرَّ.
رواه مسلم (١٨٥٨).
[١٤٣٧] وعن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، قال: قلتُ لسلمةَ: على أيٍّ شَيءٍ
بايعتُمْ رسولَ الله وَّهِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قالَ: على الموت.
رواه البخاريُّ (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠)، والترمذيُّ (١٩٥٢)،
والنسائيّ (١٤١/٧).
العلماء على ظاهره من غير اعتبار القوة والضعف، والشجاعة والجبن. وحكى
ابنُ حبيبٍ عن مالكِ وعبد الملك: أنَّ المرادَ بذلك: القوةُ، والتكافؤ، دون
تعيين(١) العدد. وقال ابنُ حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرُّ المئة من المئتين؛
وإن كانوا أشدَّ جَلَداً [وأكثر سلاحاً](٢).
قلتُ: وهو الظاهرُ من الآية. قال عِياض: ولم يختلفْ: أنَّه متى جُهِل منزلةُ
بعضهم على بعضٍ في مراعاة العدد لم يجز الفِرار.
(١) في (ج ٢): لفظ.
(٢) ساقط من (ع).

٦٩
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٦) باب: لا هجرة بعد الفتح
(١٦) باب
لا هجرة بعد الفتح،
ولكن جهادٌ ونيّةٌ وعملٌ صالحٌ
[١٤٣٨] عن ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ الفَتْح - فتح
مكةَ -: ((لا هجرةَ .
(١٦) ومن باب: لا هجرة بعد الفتح
(قوله: ((لا هجرة))) أي: لا وجوبَ هجرة بعد فتح مكة، وإنّما سقط فرضُها
إذ ذاك لقوّة المسلمين وظهورهم على عدوّهم، ولعدم فتنة أهل مكة لمن كان بها
من المسلمين، بخلاف ما كان قبل الفتح؛ فإنَّ الهجرة كانت واجبةً لأمورٍ: سلامة
دين المهاجرين من الفتنة، ونُصرة النبيّ وَ﴿ه، وتعلّم الدِّين وإظهاره. وقد تقدَّم: أنَّه
لم يختلفْ في وجوب الهجرة على أهل مكة من المسلمين، واختلفَ في وجوبها
على من كان بغيرها. فقيل: كانت(١) واجبةً على كلٍّ من أسلم، تمشُّكاً بمطلق
الأمر بالهجرة، وذمّ من لم يهاجر، وببيعة النبيِّ ◌َ ﴿﴿ على الهجرة، كما جاء في
حديث مجاشع. وقيل: بل كانت مندوباً إليها في حقِّ غير أهل مكة. حكاه
أبو عبيد: ويستدلُّ لهذا القول بقول النبيِّ وَّلغيره للأعرابيِّ الذي استشاره في الهجرة:
((إنَّ شأنها لشدیدٌ)) ولم يأمره بها، بل أذن له في ملازمة مكانه، كما يأتي. وبدليل:
أنَّه لم يأمر الوفودَ عليه قبل الفتح بالهجرة. وقيل: إنّما كانت واجبةً على من لم
يسلمْ جميعُ أهلِ بلده، لئلا يبقى تحت أحكام الشِّرك، ويخاف الفتنة على دينه.
قلتُ: ولا يختلفُ في أنَّه لا يحلُّ لمسلم المقامُ في بلاد الكفر مع التمكّن من المقام في بلاد
الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفر عليه؛ ولخوف الفتنة على نفسه. وهذا حكمٌ الكفر
ثابتٌ مؤبَّدٌ إلى يوم القيامة. وعلى هذا: فلا يجوزُ لمسلم دخولُ بلاد الكفر
(١) في (ج ٢): هي.

٧٠
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٦) باب: لا هجرة بعد الفتح
ولكنْ جهادٌ ونِيّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا)).
رواه أحمد (٢٢٦/١)، والبخاريُّ (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣) في
الإمارة (٨٥)، وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائيُّ (١٤٦/٧).
[١٤٣٩] وعن مجاشع بن مسعودٍ السُّلمِيِّ قال: أتيتُ النَّبيَّ لَه
أبايِعُه على الهجرةِ. فقال: ((إنَّ الهجرةَ قد مَضَتْ لأهلِها، ولكنْ على
الإسلامِ والجهادِ والخیر)).
لتجارةٍ (١)، أو غيرها مما لا يكون ضرورياً في الدِّين، كالرّسل، وكافتكاك المسلم.
وقد أبطل مالكٌ - رحمه الله تعالى - شهادة من دخل بلاد الهند (٢) للتجارة.
الجهاد ماضٍ
إلى يوم القيامة
و (قوله: ((ولكن جهادٌ ونيّةٌ))) [أي: ولكن يبقى جهاد ونية. أو جهادٌ
ونيةٌ](٣)، باقيان. أي: نيَّةٌ في الجهاد، أو في فعل الخيرات. وهذا يدلُّ: على أنَّ
استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة، وأنَّه لم يُنْسَخْ، لكنه يجبُ على الكفاية،
وإنما يتعيَّن إذا دهم العدوُّ بلداً من بلاد المسلمين فيتعيَّن على كلٍّ من تمكَّن من
نصرتهم، وإذا استنفرهم الإمامُ تعيَّن على كلِّ من استنفره؛ لنصِّ هذا الحديث على
ذلك، وهو أمرٌ مجمعٌ عليه.
و (قوله: ((إنَّ الهجرةَ قد مضتْ لأهلها))) أي: ثبتتْ لمن هاجر قبل الفتح،
وفازوا بها، وسقطت عن غيرهم؛ لرفع وجوبها عنهم.
و (قوله: ((ولكن على الإسلام والجهاد والخير))) أي: ولكن بَايعْ على
ملازمة الإسلام، والجهاد، وفعل الخير أبداً دائماً.
(١) هذا الكلام فيه نظر، ومن المعلوم أن أكثر بلاد المسلمين دخلها الإسلام عن طريق
التجار المسلمين.
(٢) في إكمال إكمال المعلم: الحرب.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٧١
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٦) باب: لا هجرة بعد الفتح
رواه أحمد (٤٣٨/٣)، والبخاري (٤٣٠٥ و٤٣٠٦)، ومسلم
(١٨٦٣) (٨٣).
[١٤٤٠] وعن سلمةَ بن الأكوع: أنَّه دخل على الحجّاج فقال: يابن
الأكوع! ارتددت على عقبيك؟ تعربت؟ قال: لا. ولكنْ رسولُ الله ◌ِ ◌ّ أذِنَ
لي في البدو.
رواه البخاريُّ (٧٠٨٧)، ومسلم (١٨٦٢).
و (قول الحجّاج لسلمة بن الأكوع: أَرْتَدَدْتَ؟ تَعَرَّبْتَ؟) استفهامٌ على جهة بحرم على
الإنكار عليه؛ لأنَّه خرج من محلٌ هجرته؛ التي هي المدينةُ إلى البادية؛ التي هي المهاجر
موطنُ الأعراب، لِما كان المعلومُ من حال المهاجر أنّه يحرمُ عليه الانتقالُ منها إلى المدينة
غيرها، لا سيَّما إن رجع إلى وطنه؛ فإنّ ذلك محرَّمٌ بإجماع الأمَّة، على ما حكاه
القاضي عياض. وربما أطلق على ذلك رِدَّة، كما أطلقه الحجّاج هنا، فأجابه سلمةُ
بأنَّ النبيَّ : ﴿ أذنَ له في ذلك، فكان ذلك خصوصاً في حقُّه. و (تعرّبت) أي:
سكنتَ مع أعراب البادية. والبدو: البادية. وسمّيت بذلك: لأنها يبدو ما فيها ومَن
فيها. أي: يظهر. أو: لأنَّ مَن خرج إليها مِن الحاضرة بدا. أي: ظهر. والحاضر؛
أصله: النازلُ على الماء، كما قال(١):
يَبْنُونَ مِنْ دُوْنِ سَيْلِه(٢) العَرِمَا
مِنْ سَبَأَ الحَاضِرِيْنَ مَأْرِبَ إِذْ
الانتقال من
وسُمِّي به أهل القرى والحصون لأنّهم لا يرحلون(٣) عن ماءٍ يجتمعون
عليها .
وسؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنّما كان عن وجوبها عليه، فأجابه النبيُّ وَّ
(١) هو الجعدي.
(٢) في اللسان: سيلها.
(٣) في الأصول: لا يخلون، والمثبت من اللسان مادة: (حضر).

٧٢
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٦) باب: لا هجرة بعد الفتح
[١٤٤١] وعن أبي سعيد الخدريٍّ: أنَّ أعرابياً سأل رسولَ الله ◌ِّه
عن الهجرة. فقال: ((ويحك! إنَّ شأنَ الهجرة لشديدٌ، فهلْ لك مِنْ إبلٍ؟»
قال: نعم. قال: ((فهل تؤدِّي صدَقتَها؟)) قال: نعم. قال: ((فاعمل من وراء
البحار، فإنَّ الله لن يَتِرَكَ من عَمَلِكَ شيئاً».
زاد في روايةٍ: فقال: ((هل تحلبها يوم وِزْدِها؟)) قال: نعم.
رواه أحمد (١٤/٣)، والبخاريُّ (١٤٥٢)، ومسلم (١٨٦٥)، وأبو
داود (٢٤٧٧)، والنَّسائيُّ (١٤٣/٧).
بقوله: ((إنَّ شأنها لشديدٌ)) أي: إنَّ أمرها صعبٌ؛ وشروطها عظيمةٌ. ثم أخبره بعد
ذلك بما يدلُّ: على أنَّها ليست واجبةً عليه.
قلتُ: ويحتملُ أن يكونَ ذلك خاصّاً بذلك الأعرابيِّ، لِما علم من حاله،
وضَعْفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورَحِمه ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾
[الأحزاب: ٤٣].
رحمتهێ بأمته
وصدقةُ الإبل: زكاتُها.
حلب الماشية
یوم ور دها
و (قوله: ((هل تحلبها يومَ وِزْدها))) يعني: أنَّهم كانوا إذا اجتمعوا عند وُرود
المياه حَلَبُوا مواشيهم، فسقوا المحتاجين والفقراء المجتمعين على المياه. وقد
تقدَّم في كتاب الزَّكاة. و (البحار) هنا يراد بها: القُرى. وقد تقدَّم ◌ِذِكْرُ ذلك.
و (قوله: ((لن يَتِرَكَ))) أي: ينقصك. ومعنى ذلك: أنَّه إذا قام بما يتعيَّن عليه
من الحقوق، وبما يفعله من الخير؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يُتيبه على ذلك، ولا يُضَيِّح شيئاً
من عمله أينما كان من الأرض. ولا بُعْدَ في أن يُحصِّل اللَّهُ له ثوابَ مهاجرٍ بِحُسْنِ
نيَّته، وفِعْله الخير. والله تعالى أعلم.

٧٣
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٧) باب: في بيعة النساء
(١٧) باب
في بيعة النساء والمجذوم وكيفيتها
[١٤٤٢] عن عائشةَ قالتْ: كانتِ المؤمناتُ، إذا هاجَرْنَ إلى
رسولِ الله وَّهِ، يُمْتَحِنَّ بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ
عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية [الممتحنة: ١٢].
قالت عائشةُ: فمن أقرَّ بهذا من المؤمناتِ؛ فقد أقرَّ بالمحنة. وكانَ
رسولُ الله ◌َ﴿ إذا أقررن بذلك من قولهن؛ قال لهن رسولُ اللهِ وَالينا:
(١٧) ومن باب: بيعة النساء والمجذوم
(يُمْتَحَنَّ): يُخْتَبَرْنَ. والامتحان: الاختبار.
و (قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾(١) [الممتحنة: ١٢]). قال بعض المفسرين:
بالوأد والإزلاق(٢).
قلت: واللفظ أعُّ مما ذكره؛ إذ يتناوله وغيره.
و (قوله: ﴿ وَلَا يَأْتِيْنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِيِنَّهُ بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ﴾ [الممتحنة: ١٢]) ما هو البهتان؟
قيل في البهتان هذا: إنَّه السِّحر. وقيل: النميمة. وقيل: الولد من غير الزوج
بالالتقاط، أو الزِّنى، فتنسبُه إلى الزوج. وقيل: النِّياحة، وخَمْشُ الوجه، وشقُّ
الجيب، والدُّعاء بالويل. قال الكلبيُّ: هو عام في كلِّ أمرٍ .
قلت: وهو الصحيح؛ لعموم لفظ البهتان فإنّه نكرة في سياق النهي. ونسبته
إلى ما بين الأيدي والأرجل كنايةً عما يفعل بجميع الأعضاء والجوارح من البُهتان
بين الأيدي والأرجل؛ لأنهما الأصلُ في أعمال الجوارح.
(١) هي تتمة الآية رقم (١٢) من سورة الممتحنة.
(٢) الإزلاق: الإسقاط والإجهاض.

٧٤
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٧) باب: في بيعة النساء
((انْطَلِقْنَ، فقد بايَعْتُكُنَّ))، ولا والله! ما مسَّتْ يدُ رسولِ الله ◌ِوَّه يَدَ امرأةٍ
قطُّ. غير أنَّه يبايعُهُنَّ بالكلام. قالت عائشة: والله! ما أخذَ رسولُ الله وَه
على النساء قطُّ، إلا بما أمره الله تعالى.
رواه البخاري (٤٨٩١)، ومسلم (١٨٦٦) (٨٨)، والترمذيُّ (٣٣٠٣).
بيعة النساء
وحكى أهلُ التفسير: أنَّ النبيَّ وَّهِ لما فتح مكَّةَ جلسَ على الصَّفا، وبايعَ
النِّساء، فتلا عليهنَّ الآيةَ، فجاءت هندٌ - امرأةُ أبي سفيان - متنكرةً، فلمَّا سمعت:
﴿ولا يسرقن﴾ قالت: قد سرقتُ من مال هذا الشيخ. قال أبو سفيان: ما أصبت
فهو لك. ولما سمعت: ﴿ولا يزنين﴾ قالت: وهل تزني الحُرَّةُ؟ فقال عمر: لو
كانت قلوبُ نساء العرب على قلبٍ هندٍ ما زنت امرأةٌ منهنَّ. ولمَّا سمعت: ﴿ولا
يقتلنَ أولادهنَّ﴾ قالت: ربَيْنَاهم صِغَاراً فقتلتموهم كباراً. ولمّا سمعت: ﴿ولا
يأتين [بيهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهنَّ﴾ قالت: واللهِ إنَّ البُهتان لأمرٌ قبيح،
ما تأمرُ إلا بالرُّشد ومكارم الأخلاق! ولما سمعتْ: ﴿ولا يعصيَك](١) في
معروفٍ﴾ قالت: ما جلسنا هنا وفي أنفسنا أن نعصيَك في شيء.
والمعروف هنا: الواجبات الشرعية التي يُعَصَّى من تركها.
و (قوله تعالى: ﴿فبايعهن﴾) أي: بالكلام، كما فعل. و ﴿استغفر لهنَّ اللَّهَ﴾
أي: سلِ اللَّهَ لهنَّ المغفرةَ، فإنه ﴿غفورٌ﴾ بتمحيق ما سلف. ﴿رحيم﴾ بتوفيق
ما ائتُنِفَ.
مبايعته الخ
وما قالته عائشة - رضي الله عنها - من أن النبيَّ ◌َِّ ما مسَّت يدُه يدَ امرأة (إلا
النساء بالكلام امرأة يملكها)(٢) وإنما يُبايعُ النساء بالكلام. هو الحقُّ، والصِّدق. وإذا كان
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصول واستُدرك من الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
(١٨/ ٧٢) .
(٢) ما بين حاصرتين ورد في صحيح البخاري حديث رقم (٧٢١٤).

٧٥
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٧) باب: في بيعة النساء
[١٤٤٣] وعن عمرو بن الشَّرِيدِ عن أبيه قال: كانَ في وَفْدٍ ثقیفٍ رجلٌ
مجذومٌ فأرسل إليه النبيُّ رَله: ((إنا قد بايعناك فارجع)).
رواه مسلمٌ (٢٢٣١)، والنَّسائيُّ (١٠٥/٧)، وابن ماجه (٣٥٤٤).
النبيُّ ◌َ﴿ يمتنع من ذلك كان غيرُه أحرى وأولى بالامتناع منه، فيبطلُ قول من قال:
إنَّ عمر كان يأخذ بأيدي النِّساء عند هذه المبايعة. وليس بصحيح لا نقلاً،
ولا عقلاً.
وفيه: التباعد من النِّساء ما أمكنَ، وإنَّ كلامَ المرأة فيما يُحتاج إليه من غير حكم كلام المرأة
تزيُّنٍ؛ ولا تصنُّع، ولا رفع صوتٍ ليس بحرامٍ، ولا مكروه.
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: ما أخذَ رسول الله وَّهِ على النِّساء قطُّ إلا
بما أمرَه الله تعالى) تعني به: آية المبايعة المذكورة، يتلوها عليهن، ولا يزيدُ شيئاً
آخرَ من قِبَلِهِ.
و(قوله ﴿ للمجذوم: ((اذهبْ فقد بايعناك))) ولم يأخذ بيدِه عند المبايعة، مبايعته ال
تخفيفٌ عن المجذوم والناس؛ لئلا يشقَّ عليه الاقتحام معهم، فيتأذى هو في المجذوم
نفسه، ویتأذَّی به النَّاس.
وقد روى الترمذيُّ عن النبيِّ وَّرِ: أنَّه أكلَ مع مجذوم فقال: ((بسم اللّهِ، الحجر على أهل
تَوَكُّلاً على اللَّهِ))(١). وقد جاء عنه في الصحيح أنه قال: ((فِرَّ مِن المجذوم كَما تَفِرُّ الأسقام
الفادحة
مِن الأسدِ))(٢). وهذا الخطابُ إنّما هو لمن يجدُ في نفسِهِ نفرةً طبيعيةً لا يقدر على
الانتزاع منها، فأمرَه بالفِرار لئلا يَتَشْوَّشَ عليه ويغلبَه وهمُه. وليس ذلك خوفاً
(١) رواه الترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢).
(٢) رواه أحمد (٤٤٣/٢)، والبخاري (٥٧٠٧).

٧٦
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٨) باب: وفاء الإمام بما عقده غيره
(١٨) باب
وفاء الإمام بما عقده غيره
إذا كان العقد جائزاً
ومتابعة سيد القوم عنهم
[١٤٤٤] عَنْ حُذَيفَة بن اليمانِ قال: ما مَنَعَنِي أن أشْهَدَ بَدْراً إلا أنِّي
خَرَجْتُ أنا وأبي حُسَيْلٌ، قالَ: فأخذَنَا كفَّارُ قُريْشٍ فقالوا: إنكم تُريدون
لعدوى، فقد قال ◌َا﴾: ((لا يُعدي شيءٌ شيئاً))(١). وقال: ((لا عدوى))(٢). وقال
للأعرابيّ: ((فمن أعدى الأول))(٣).
ويُقيد هذا الحديثُ: إباحةً مباعدة أهل الأسقام الفادحة، المستكرهة إذا لم
يؤدّ ذلك إلى إضاعتهم، وإهمالهم. والله تعالى أعلم.
(١٨) ومن باب: وفاء الإمام بما عقده غيره
نسب حذيفة
(قول حذيفة: خرجت أنا وأبي - حُسَيْلٌ -) رُوي بالتصغير، والتكبير. أي:
حسلاً. وهو اسمٌ لوالد حذيفة. واليمان لقبٌ له، غالبٌ عليه. وقيل: هو اسمٌ
لأحد أجداد حذيفة، وهو: حذيفةُ بن حسل بن عامر بن ربيعة بن عمرو بن جروة
وهو (٤) اليمان. وكان جروةُ هذا قد أصاب دماً في قومه، فهرب إلى المدينة،
فحالف بني عبد الأشهل، فسمَّاه قومُه اليماني؛ لأنه حالف اليمانية.
(١) رواه الترمذي (٢١٤٤) عن ابن مسعود.
(٢) رواه أحمد (٥٠٧/٢)، والبخاري (٥٧٥٧). ومسلم (٢٢٢٤) (١١٤).
(٣) رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠).
(٤) في (ع): بن.

٧٧
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٨) باب: وفاء الإمام بما عقده غيره
محمَّداً؟ فقلنا: ما نريدُ إلا المدينة، فأخذوا منَّا عَهْدَ الله وميثاقَهُ لَنَنْصَرِ فنَّ
إلى المدينة، ولا نقاتلُ معه، فأتَّيْنَا رسولَ اللهِ وَ ﴿ِ فأخْبَرْنَاهُ الخبرَ فقال:
(انْصرفا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهم، ونستَعِيْنُ الله عَلَيْهِمْ)).
رواه مسلم (١٧٨٧).
[١٤٤٥] وعَن ابْن عبّاس: أنَّ ضِماداً قَدِم مكَّةَ، وكان من أزْدِ
شَئُوءَةَ، وكانَ يرقي مِنْ هُذِهِ الرِّيَح، فسَمِعَ سُفَهَاءَ من أهل مكَّةَ يقولون: إنَّ
محمَّداً مَجْنُونٌ. فقال: لو أنِّي رأيتُ هذا الرَّجُلَ، لعلَّ الله يَشْفِيْهِ على يَدَيَّ.
قال: فَلَقِيَهُ، فقال: يا محمَّد! إنِّي أرقي من هذِهِ الرِّيح، وإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي
على يَدِيْ مَنْ يَشاءُ؛ فهل لك؟! فقالَ رسول الله وَيهِ: ((إنَّ الحَمْدَ لله
نَحْمَدُه، ونَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادي له،
وأشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، أما بعد)) قال: فقال: أَعِدْ
و (قوله: «انصرفا، نَفِيْ لهم بعهدهم))) هكذا وقع ها هنا «نفي» بنونٍ في أول
الفعل. وعلى هذا فيكون هو ﴿ الَّذي وفى بما عهده حذيفة وأبوه للمشركين. وقد
وقع في ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي: ((تَفِيًّا)) باثنتين من فوقها، والألف
للاثنين بعد الياء المفتوحة. وعليه فيكون هما اللذان وفيا بما عقداه، إلا أنَّ
النبيَّ ◌َّ أمضاه.
و (قوله ﴿ل بعد خُطبته لِضِماد: ((أما بعد))، ولم يذكر جواب أمَّا) سكت إسلام ضمادٍ
عنه لأنَّ ضِماداً قَطعَ عليه ما أراد أن يقول حين قال له: أعِدْ عليَّ كلماتك هذه. وقومه
فاشتغل بإعادته عن الجواب. ثمّ إنَّ ضماداً لما (١) كان عالماً بأصناف الكلام
البليغ، ووجد عنده ما حصل له من العلم بذلك، قطع بأنَّه لا يصدرُ مثل ذلك إلا
(١) ساقط من (ج ٢).

٧٨
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٨) باب: وفاء الإمام بما عقده غيره
عليَّ كَلماتِك هؤلاء! فأعادَهنَّ عليه رسول الله ◌ِ ◌ّهِ - ثلاث مرَّاتٍ - قالَ:
فقال: لقد سَمِعْتُ قول الكهنة وقول السَّحَرَة، وقول الشُّعراء، فما سمعتُ
مِثْلَ كلماتك هُؤُلاءِ، ولَقَدْ بَلَغْنَ قاموس البحر. قَالَ: فَقَالَ: هاتٍ يَدَك
أُبَايِعْكَ على الإِسْلامِ. قال: فَبَايَعَهُ. فقال رسول الله نَّهِ: ((وَعَلَى قَوْمِكَ)).
فقال: وَعَلى قَوْمِي. قال: فَبَعَثَ رسولُ الله ◌ِوَ سَرِيَّةً، فمرُوا بِقَوْمِه، فقال
صاحب السَّريَّةِ لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصبْتُم من هُؤُلاءِ شَيئاً؟ فقال رجُلٌ مِنَ القَوْم:
أَصَبْتُ مِنْهُم مِطْهَرَةً. فقال: رُدُّوها؛ فإنَّ هؤلاء قَوْمُ ضِمَادٍ.
رواه مسلم (٨٦٨).
عن نبيٍّ، وأنَّه محقٌّ في قوله، فأسلم وحَسُنَ إسلامُه، وضمن عن قومه الإسلام،
حتى قدم عليهم فأسلموا، فلم يحتج النبيُّ وَلقر بعد خطبته لإنشاء كلام يكون جواباً
لـ (أمَّا).
و (قاموس البحر): قَعْرُه. وقد مضى تفسيره وتفسير ما شابه هذه الصِّيغَةَ.
وهذا القولُ من ضِماد يحتملُ أن يكون على الإغياء. يعني: أنَّه لو كان في قعر
البحر أحدٌ لبلغتْ ووصلتْ إليه، ويكون الماضي بمعنى المستقبل. ويحتملُ أن
يتجوَّزَ بالبحر ويعبّر به عن قلبه؛ لأنَّه كثير المعارف والفضائل، ولسعته لكلِّ ذلك.
فكأنَّه قال: بلغت كلماتك قعر قلبي. وتكون هذه الاستعارة، كما قال ◌َله في
الفرس: ((وإن وجدناه لبحراً)(١).
(١) رواه أحمد (٢٠٢/٣).

٧٩
(١٤) كتاب الإمارة والبيعة - (١٩) باب: جواز أمان المرأة
(١٩) باب
جواز أمانِ المرأة
[١٤٤٦] عَنْ أمِّ هَانىء بنت أبي طالبٍ: أنَّها قالت: يا رسول الله!
زَعَمَ ابنُ أمِّي عليٍّ: أنَّه قاتِلٌ رجلاً أَجَرْتُهُ - فلانُ ابن هُبَيْرة - فقال
رسولُ الله وَلِّ: ((قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ يا أمَّ هانىء)»، قال: وذلِكَ ضُحّى.
رواه أحمد (٣٤٣/٦)، والبخاريُّ (٢٨٠)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة
المسافرين (٨٢) والترمذيُّ (٢٧٣٥)، والنّسائيُّ (١٢٦/١).
(١٩) ومن باب: جواز أمان المرأة
(قول أمّ هانىء: زعم ابنُ أمِّي عليٍّ) ولم تقلْ: ابن أبي، مع أنه شقيقُها؛ لما
يقتضيه رحمُ الأمُّ من الشَّفقة، والحنان، والتعطُّف، كما قال الشاعر(١):
يَابْنَ أَمِّي ويَا شُقَيِّقَ نَفْسِي أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدٍ
فكأنها قالت: عليٌّ مع شفقته ورحمته أراد أن يخفرَ ذمَّتي، فيقتل فلاناً
الكافر؛ الذي أجرتُه.
و (قوله وَّ: ((قد أجرنا مَن أجرتٍ))) دليلٌ: على جواز أمان المرأة، على حكم أمان
ما ذهب إليه مالكٌ وغيره. وقد تقدَّم. وقد دفع الاستدلالَ بهذا الحديث مَنْ منع المرأة
أمان المرأة إلا بإذن الإمام؛ بأن قالوا: لو لم يُجِزِ النبيُّ وَ لَ أمانَها لما جاز. ولا
يُسمع هذا؛ لأنَّ موضعَ احتجاجِنا به إنَّما هو قولُه: ((مَن أجرتِ)) فسمَّى جوارها
جواراً حقيقياً. وهذا يقتضي نفوذه منفرداً أو مضموماً إليه غيرُه. ثم قوله وَلخير: ((قد
أَجَرْنَا)) ليس هو إنشاءُ جوار، إنما هو موافقةٌ لها على ما أجارتْ، وعملٌ بمقتضى
ما عَقَدَتْ. والله تعالى أعلم.
(١) هو: زبيدٌ الطائي.

٨٠
(١٥) كتاب النكاح ۔ (١) باب: الترغيب في النكاح
(١٥)
كتاب النكاح
(١) باب
الترغيب في النكاح وكراهية التَُّّل
[١٤٤٧] عَنْ عَلْقَمَة، قال: كنتُ أَمْشِي مَعَ عبدِ الله بمنىَ، فلقيَه
عثمانُ، فقامَ سعدٌ يتحدَّثُ. فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن! ألا
نُزَوِّجُكَ جارِيةً شابةً؟
(١٥)
كتاب النكاح
معنى النكاح
حقيقةُ النكاح: الوطء، وأصله: الإيلاج. وهو: الإدخال. وقد اشتهر
إطلاقُه على العقد. كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُربَ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أي: إذا عقدتم عليهن. وقد يُطلق
النِّكاحُ ويُرادُ به العقد والوطء. كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢١] أي: لا تعقدوا عليهن، ولا تطؤوهنَّ.
[(١) باب: الترغيب في النكاح](١)
(قوله: ألا نزوَّجك جارية شابةً) ألاّ: عرضٌ وتحضيض. و (الجارية) هنا:
(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدركناه من التلخيص.