النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٨) باب: جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار فقال له، وذكر ما بينهما. وقال: إنَّ هذا الرجلَ قد أراد صدقةً، وقد عنَّانا. فلمّا سمعه قال: وأيضاً، والله لتملُّنَّه. قال: إنَّا قد اتَّبَعْناه الآن ونكرَهُ أن ندَعَهُ حتى نَنْظُرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ أمرُهُ. قال: وقد أردتُ أن تُسْلِفَنِي سَلَفاً. قال: فما تَرْهَنُنِي؟ ترهني نساءكم. قال: أنت أجملُ العرب! أَنَرْهَنُك نساءنا؟ قال: تَرْهُنُوني أولادكم. قال: يُسَبُّ ابنُ أحدِنَا. فيقال: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، ولكن نرهنك اللأمَةَ - يعني: السلاح - قال: نعم. وواعده أن يأتيَهُ بالحارث، وأبي عبسٍ بنِ جبرٍ، وعبادِ بنِ بشرٍ. قال: فجاؤوا، فدعوه ليلاً فنزل إليهم. وفي رواية: قالت امرأته: إنِّي لأسمع صوتاً كأنه صوتُ دَم، قال: و (قوله: إنَّ هذا الرَّجلَ قد أراد صدقةً، وقد عنَّانا) هذا الكلامُ ليس فيه تصريحٌ بأمانٍ، بل هو كلامٌ ظهرَ لكعبٍ منه: أنَّ محمَّد بن مسلمة ليس محقّقاً، ولا مخلصاً في اتِّباع النبيِّ ◌َ ﴿ ولا في الكون معه، ولذلك أجابه بقوله: وأيضاً والله لتمَلُنَّه. وكلام محمّد من باب المعاريض، وليس فيه من الكذب، ولا من باب استعمال الباطل شيءٌ، بل هو كلامُ حقٌّ؛ فإن محمَّداً ، ﴿ رجلٌ؛ لكن أيُّ رجل، وقد أراد المعاريض صدقةً من أمَّته، وأوجبها عليهم، وقد عنَّهم بالتكاليف. أي: أتعبهم، لكن تعباً حصل لهم به خير الدُّنيا والآخرة. وإذا تأمَّلت كلامَ محمَّدٍ هذا؛ علمتَ أنَّ محمد بن مسلمة من أقدر النَّاس على البلاغة، واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة، وأنه مِن أكمل النَّاس عقلاً ورأياً. و (قوله: يُسَبُّ ابنُ أحدنا) من السَّبِّ، وهو الصوابُ، وصحيحُ الرواية، وقد قيَّده الطبري (يشُبُّ) من الشباب، بالشين المعجمة، وهو تصحيفٌ. وإنما عيَّن السلاح للرَّهن لئلا ينكرها إذا جاؤوا بها. امرأة كعب بن الأشرف من و (قول امرأة كعب: إنِّي لأسمعُ صوتاً كأنَّه صوتُ دم) أي: صوت طالب شياطين الإنس ٦٦٢ (١٣) كتاب الجهاد والشّير - (٢٨) باب: جواز إعمال الحيلة في قتل الكفار إنَّما هذا محمدٌ، ورضيعُه، وأبو نَائِلة، إنَّ الكريمَ لو دُعِيَ إلى طعنةٍ ليلاً لأجابَ. قال محمدٌ: إنِّي إذا جاءَ فسوفَ أمدُ يَدِي إلى رأسِهِ، فإذا استمكَنْتُ منه فدُونَكُم. قال: فلما نزل، نزل وهو مُتَّوَشِّحُ فقال: نجدُ دم. كانت هذه المرأةُ من شياطين الإنس، أو تكلّم على لسانها شيطان، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآَيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] وإلا فمن أين أدركتْ هذا؟ بل هذا من نوع ما وقع للزَّباء في قصَّتها مع قصير حين جاءها بالصَّناديق فيها الرِّجال، فأوهمها أنَّ فيها تجارةً، فلما رأتها أنشدتْ: مَا لِلْجِمالِ مَشْيُهَا وَفِيْدا؟ أَجَنْدَلاً (١) يَخِلْنَ أَمْ حَدِيْدا؟ أمِ صَرَفَانَاً (٢) بَارِداً شَدِيْدا؟ أمِ الرِّجَالُ جُثَّماً قُعُودا؟ وكذلك كان. و (قوله: إنما هو محمَّد ورضيعه وأبو نائلة) هكذا صحَّتِ الرّوايةُ فيه؛ على أنَّ أبا نائلة غير رضيع محمدٍ. وقد رواه أهلُ السير بإسقاط الواو على أنه بدلٌ من (رضيعه). وفي البخاري: ورضيعي أبو نائلة. على أن يكون أبو نائلة رضيعَ كعب. والمعروفُ بأنه رضيعُ محمَّد. والله تعالى أعلم. و (قوله: نزل وهو متوشحٌ) أي: بثوبٍ جعله على أحد منكبيه، وأخرج الآخر. و (دونكم) منصوبٌ على الإغراء. أي: بادروا إلى قتله، ولازموه. (١) ((الجندل)): الحجارة والصخر. (٢) ((الصرفان)): هو ضرب من أجود أنواع التمر، وهو أيضاً: الرصاص القلعي، وهو كذلك: الموت. ٦٦٣ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر مِنْكَ ريحَ الطَّيبِ، فقال: نعم تحتي فلانةٌ، هي أعطرُ نساءِ العربِ. قال: فتأذنُ لي أن أشمَّ مِنْهُ. قال: نعم، فَشُمَّ. فتناول، فشمَّ، ثم قال: أتأذنُ لي أنْ أعودَ؟ فاستمكنَ مِنْ رأسِه، ثم قال: دونكم! قال: فقتلوه. رواه البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١)، وأبو داود (٢٧٦٨). * * (٢٩) باب في غزوة خيبر وما اشتملت عليه من الأحكام [١٣١٨] عن سلمةَ بنِ الأكوع، قال: خَرَجْنَا مع رسولِ الله وَّ إلى خيبرَ، فسِرْنَا ليلاً فقالَ رجلٌ مِنَ الَقَومِ لعامرِ بنِ الأكوع: ألا تُسْمِعُنا من هُنیھاتِك؟ ۔ وکان عامرٌ رجلاً شاعراً - فنزل يحدو بالقوم يقول: اللهُمَّ لولا أَنَّتَ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنا (٢٩) ومن باب: غزوة خيبر (قوله: ((أَلا تُسْمِعُنا من هُنَيْهاتك؟))) أي: من أراجيزك، وهو تصغير: (هنةٍ). و (هن): كناية عن النكرات. وفيه ما يدلُّ: على استنشاد الشِّعر وإنشاده على جهة استشادُ الشِّعر التنشيط على الأعمال الشاقة والأسفار، وترويح النّفوس مِنَ الغمِّ، لكن إذا سلمَ وإنشاد، من الآفات التي قدَّمنا ذكرها، ثمَّ على القلَّة، والنُّدور. و (الحدو) أصله: السّوق. ولما كان إنشادُ الشِّعر في السفر يسوقُ الإبل سُمِّي: حدواً. و (قوله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا) كذا الروايةُ هنا مجزوماً(١) - بالزاي - (١) أي: بسكون اللام الأولى من اللهم. ٦٦٤ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر وثَبِّتِ الأقدامَ إِنْ لاقَيْنا فاغفرْ فداءٌ لكَ، ما اقْتَفَيْنا إِنَّا إذا صِيحَ بنا أَتَيْنا وأَلْقِيَنْ سکینةًعلینا أي: زائداً فيه حرف. وصوابُه من جهة الوزن: لا همَّ، تالله، أو: والله، كما جاء في الحديث الآخر: والله لولا اللَّهُ ما اهتدينا. و (قوله: فاغفر فِداءٌ لك ما اقتفينا) الرواية هنا بكسر الفاء من (فداءً) وبالمدِّ. وقد رواه بعضهم بفتح الفاء والمدُّ، وقد حكاه الأصمعيّ. وحكى الفرَّاء: فَدى - مفتوحاً مقصوراً- وهو - أعني في البيت - مرفوع بالابتداء، [خبره: ما اقتفينا، ومفعول (اغفر) محذوف، أي: ذنوبنا. ويجوز أن يكون (ما اقتفينا) مفعول (اغفر)](١) وخبر المبتدأ محذوف. [أي: فداء لك نفوسنا](٢). ومعنى (اقتفينا) أي: اكتسبنا. وأصله: من القفا. وكأن المكتسبَ للشيء يجري خلفه، حتى يصلَ إليه. وهذا الكلامُ إنما يقالُ لمن تجوَّز عليه لحوقُ المكاره والمشقَّات، فإذا قاله أحدنا لجنسه، كان معناه: إنَّ نفسي وقاية لك من المكاره. أي: تصيبني ولا تصيبك. وهذا المعنى لا يليقُ بالله تعالى، فيحتملُ أن يكونَ إطلاقُه هذا اللفظ على الله تعالى بحكم جريان ذلك على ألسنتهم من غير قَصْدٍ، كما قالوا: قاتله اللَّهُ. وتربت يمينك. كما قدَّمناه في كتاب: الطهارة. ويحتملُ: أن يحملَ على الاستعارة. ووجهها: أنَّه لما كان الفداءُ مبالغةً في رضا المفدى عبَّر بالفِداء عن الرضا. أو يريدُ بذلك: فداءً لدينك. أو: لطاعتك. أي: نجعل نفوسنا فداءً لإظهارهما. و (قوله: إنا إذا صيح بنا أبينا) من الإباء. و (أتينا) من الإتيان. الروايتان صحيحتان، ومعناهما: إذا صاح بنا أعداؤنا أبينا الفرار، وبتنا لا يهولنا صياحُهم. وعلى الأخرى: إذا صُرِخ بنا أتينا للنُّصرة، وإذا صاح بنا أعداؤنا أتيناهم مسرعين غير متربصين ولا متوقفين. و (قوله: وألقين سكينةً علينا) أي: سكوناً وتثبيتاً في أوقات الحروب، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ). (٢) ساقط من (هـ). ٦٦٥ (١٣) کتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر وبِالصِّياحِ عَوَّلُوا علينا فقال رسولُ اللهِ وَله: ((من هذا السائقُ؟)) قالوا: عامرٌ. قال: ((رحمه الله)). فقال رجلٌ مِنَ القوم: وَجَبَتْ يا رسول الله! لولا أمتعتنا به. قال: فأتينا خيبرَ فحاصرناهُمْ حتى أصابتْنَا مَخْمصةٌ شديدةٌ. ثم قال: ((إن الله فتحها عليكم)). فلما أمسى الناس مساءَ اليوم الذي فُتِحَتْ عليهم، أوقدوا نيراناً كثيرةً. فقال رسول الله مَ له: ((ما هذه النيران؟ على أيّ شيءٍ توقدون؟)) فالوا: على لحم. قال: ((أيُّ لحم؟)) قالوا: لحم حُمُرٍ إنسيَّةٍ. وصبراً في مواطن المشقَّات. و (قوله: وبالصِّياح عوَّلوا علينا) أي: ليس عندهم إلا الصياح، فلا نُبالي بهم. و (قول الرَّجل: وجبت) أي: الرحمة التي دعا له بها النبيُّ ◌َ﴿، وكان هذا الرجلُ من أهل العلم بحال رسول الله ◌ِ ﴿؛ وذلك: أنَّه علم أنَّ دعوتَه مستجابةٌ لمكانته عند ربِّه تعالى. وفهم: أن تلك الرحمةَ التي تُعَجَّل للمدعو له، فقال: لولا متعتنا به، أي: هلا دعوتَ الله في أنْ يمتعنا ببقائه. و (المخمصة): الجوع الشَّدید. و (قوله وَله: ((إنَّ الله فتحها عليكم))) أي: يفتحها عليكم. فوضع الماضي موضعَ المستقبل لمَّا كان أمراً مُحقَّقاً عنده. أو يكون أخبر عمَّا علم اللَّهُ من فتحها. و (أَنَسِيَّة) روي بفتح الهمزة والنون. قال البخاريُّ: كان ابن أبي أويس يقول: الأَنَسيّة - بفتح الألف والنون - وأكثر روايات الشيوخ فيه: الإنْسِيَّة - بكسر ٦٦٦ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر فقال رسول الله ﴿ٍ: ((أَهْرِيقُوها، واكْسروها)). فقال رجلٌ من القوم: أو يُهرِيقُونها ويغسلونها؟ فقال: ((أو ذَاك))، قال: فلما تصافَّ القومُ كان سيفُ عامرٍ فيه قِصَرٌ. فتناول به ساق يهوديٍّ ليضربَهُ، ورَجَع ذُباب سيفه فأصاب رُكْبَةَ عامٍ. فمات منه. قال: فلما قفلوا؛ قال سلمةُ: وهو آخذ بيدي. قال: لما رآني رسول الله وَّهِ شاحباً، قال: ((ما لك؟)) قلت له: فدَاكَ أبي وأمِّي، زعموا أنَّ عامراً حَبِط عملُهُ. قال: ((من قاله؟)) قلت: فلانٌ، وفلانٌ، وأُسيدُ بنُ حُضيرِ الأنصاري. فقال: ((كذب من قاله، إنَّ له لأجرين الهمزة وسكون النون - وكلاهما صحيحٌ. والأُنس - بالفتح -: التأنُس. قلتُ: وهو بالفتحُ منسوبٌ إلى الأنس، [بمعنى التأنس، وبالكسر إلى الإِنس الذي هو نوع الإنسان. وقيل: إنَّ كليهما منسوبٌ إلى الإنس](١) لكن الأول على غير قياس، والأول أولى. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((أهريقوها واكسروها))) الضمير في (أهريقوها) للحوم. وفي (اكسروها) للقدور، وإن لم يَجْرِ لهما ذكر، لكنهما تدلُّ عليهما الحال. والهاء الأول في (أهريقوها) زائدة؛ لأن أصله: أراق، يريق. وقد يُبدلون من هذه الهمزة (هاءً) فيقولون: هَرَاق الماءَ، وحَرقَ ماءكَ، كما تقول: أراق، وأرق. وفيه: دلالةٌ على تحريم لحوم الحمر الإنسيَّةِ. وسيأتي في الأطعمة إن تحريم لحوم الحُمر الإنسية شاء الله. تخییره ﴾ بین الحكم بالرأي والاجتهاد و (قوله: ((أَوْ ذاك))) ساكنة الواو، إشارةٌ إلى إجازة غسل القدور، وتخييرٌ بينه وبين الكسر المأمور به أولاً. وهذا يدلُّ لمن قال: إنَّ النبيَّ وَ﴿ كان أبيحَ له الحكمُ بالرأي والاجتهاد. و (قفلوا): رجعوا. و(شاحباً): متغيراً. و (حَبِط): بطل. وكذا: أخطأ . (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦٦٧ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر - وجمع بين إصبعيه - إنَّه لجاهِدٌ مُجَاهِدٌ قلَّ عربيٍّ مشى بها مثله)). رواه أحمد (٤٧/٤ و٤٨)، والبخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٨٠٢) (١٢٣)؛ وابن ماجه (٣١٩٥). [١٣١٩] وعنه قال: لما كان يومُ خيبرَ قاتل أخي قتالاً شديداً مع و (قوله: لما كان خيبر قاتل أخي قتالاً شديداً) القصة مخالفةٌ لما ذكره في الرِّواية المتقدِّمة، ولما يأتي بعدُ من أنَّ هذه القضية إنَّما وقعتْ لعمَّه عامر بن الأكوع. وهو الصحيحُ فلعلَّ سلمة أطلق على عمِّه اسمَ الأخوة لرضاعٍ كان بينهما، أو المؤاخاةٍ، وإلا فهو وهمٌّ من بعض الرواة، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إنّه لجاهِدٌ مجاهِدٌ))) الروايةُ الصَّحيحةُ المشهورة: بكسر الهاء فيهما، وضم الدَّال وتنوينها فيهما، وضمِّ الميم. وعند ابن أبي جعفر: الجَاهَدَ مَجَاهِدَ)، بفتحها كلها إلا هاء (مجاهد) فإنها بالكسر. على أن يكون الأولُ: فعلاً ماضياً، والثاني: جَمْعاً لا نظير له في الآحاد؛ فلم يصرفه. وكذلك رواه بعضُ رواة البخاريٍّ. والصواب الأول. ومعناه: جاهِدٌ جادًّ في أمره. قاله ابنُ دريد. والثاني: تكرارٌ على جهة التأكيد. قال ابنُ الأنباري: العربُ إذا بالغتْ في الكلام اشتقتْ من اللفظة الأولى لفظةً على غير بنائها، زيادةً في التوكيد. فقالوا: جادًّ مجدٍّ، [وليل لائل، وشعر شاعر. قال غيره: وقد يكون (جاهد) أي: مبالغٌ في سبيل الخير](١). و (مجاهد) لأعدائه. قلتُ: ويظهر لي: أنَّ هذا القولَ أحسنُ بدليل قوله في الرواية الأخرى: (مات جاهِداً مجاهِداً، فله أَجْرُه مرتين)) فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يُؤْجَرُ منهما، وهما: جاهِدٌ مجاهدٌ. فمعنى أحدهما غير الآخر. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((قَلَّ عربيٌّ مَشى بها مثله))) أكثرُ الروايات على أنَّ (مَشى) مفتوح (١) ساقط من (ع). ٦٦٨ (١٣) کتاب الجهاد والسير - (٢٩) باب: في غزوة خيبر رسولِ اللهِ وَ ﴿ فارتدَ عليهِ سيفُه فقتله. فقال أصحابُ رسولِ الله بَّير في ذلك وشكُّوا فيه: رجل مات في سلاحه. وشكُّوا في بعض أمره، قال سلمةُ: فَقَفَل رسولُ اللهِوَ﴿ من خيبر. فقلت: يا رسولَ اللَّهِ! ائذنْ لِي أنْ أرجُزَ بك! فأذن الرسولُ ﴿. فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول: قال: فقلت: واللَّهِ لولا اللَّهُ ما اهْتَدَيْنا ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّيْنا فقال رسول الله ويلقى: ((صدقت)). فأنْزِلَنْ سكينةً علينا والمشرِكُونَ قد بَغَوْا عَلَيْنا فلما قضيتُ رَجْزِي قال رسول الله وَله: ((من قال هذا؟)) قلتُ: قالَهُ أخي. فقال رسول الله وَله: (يَرْحَمُهُ الله)). قال: فقلت: يا رسول الله! والله إنَّ ناساً ليهابُون الصلاة عليه، يقولونَ: رجلٌ ماتَ بسلاحه، فقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((مات جاهداً مُجاهداً)). الميم على أنه فعلٌ ماضٍ، و(بها) بغير تنوين الهاء، [على أنه جار ومجرور. وللفارسيِّ وحده (مُشابهاً) بضم الميم، وتنوين الهاء](١)، من المشابهة. وفي البخاري لبعض الرُّواة: (نشأ بها) من النشء(٢). وكلٌّ بعيدٌ في المعنى والعربية، والصوابُ رواية الجماعة، والضمير في (بها) عائد على الأرض، وقيل: على الحرب. قلتُ: ويحتملُ أن يعودَ على الشَّهادة والحالة الحسنة التي مضى بها إلى الله تعالى. وهذا يعضده المعنى، ومساق الكلام. واللَّهُ تعالى أعلم. (١) ساقط من (ز). (٢) نشأ: شبَّ ونما، فهو ناشِىء. ٦٦٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد وفي رواية: فقال رسول الله وَ له: ((كذبوا، مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرَّتین - وأشار بإصبعیه ـ)). رواه مسلم (١٨٠٢) (١٢٤). (٣٠) باب في غزوة ذي قَرَد وما تضمَّنته من الأحكام [١٣٢٠] عن سلمةً بن الأكوع، قال: قَدِمْنَا الحديبيةَ مع رسولِ اللهِ وَ﴿ ونحنُ أربعَ عشرة مئةً، وعليها خمسونَ شاةً لا تُرويها. قال: فقعدَ رسولُ الله ◌َّهِ على جَبَا الرَّكِيَّةِ فإمَّا دَعَا وإمَّا بسقَ فيها. قال: فجاشتْ فسَقَيْنَا واستقينا. قال: ثم إنَّ رسولَ الله وَلَه دعانَا للبَيْعَةِ في أصلِ الشَّجرةِ. قال: فبايعتُهُ أوَّلَ النَّاس، ثم بايعَ وبايعَ حتَّى إذا كانَ في وَسَطٍ مِنْ أَوَّلِ النَّاس. قال: ((بايعْ يا سَلَمةُ!)) قال: قلتُ: قد بايعتُك يا رسولَ الله في أوَّلٍ (٣٠) ومن باب: غزوة ذي قَرَد (الحديبية) تقال بتخفيف الياء، وتشديدها، لغتان. وهو موضعٌ فيه ماءٌ على قربٍ من مكة، كما تقدَّم. والروايةُ الصَّحيحةُ المشهورة: (جَبًا الرَّكبة) بالفتح في الجيم والباء بواحدة مقصوراً، وهو جانب البئر. و (الركيّة) البئر غير المطوية، فإذا طويت فهي: الطَِّيُّ. وللعذريٍّ: (جُبٍ ركية) بضم الجيم، وكسر الباء. والجُبُّ: البئرُ ليست بعيدة القعر. و (جاشت) أي: ارتفعت. يقال: جاش الشيء، يجيشُ جيشاً؛ إذا ارتفع. ٦٧٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد النَّاس! قال: ((وأيضاً). قال: ورآني رسولُ الله ◌ِلَّهِ عَزِلاً - يعني ليس معه سِلاحٌ - قال: فأعطَاني رسولُ الله ◌َِّ حَجَفَةً أو دَرَقَةً، ثم بايعَ حتى إذا كانَ في آخرِ النَّاس، قال: ((ألا تبايُعني يا سلمةُ؟)) قال: قلت: قد بايعتُك يا رسولَ الله في أَوَّلِ النَّاس، وفي أوسطِ النَّاس. قال: ((وأيضاً))، قال: فقد بايعتُهُ الثالثةَ، ثم قال لي: ((يا سلمةُ! أينَ حَجَفتُكَ أو دَرَقتُكَ التي أعطيتُك؟)) قالَ: قلتُ: يا رسولَ الله! لقيَنِي عَمِّي عامرٌ عَزِلاً فأعطيتُهُ إِيَّاها. قال: فضحكَ رسولُ اللهِ وَّه وقال: ((إنَّك كالذي قالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ: أَبغِني حَبيباً هو أحبُّ إليَّ مِن نَفْسي)). ثم إنَّ المشركينَ راسلُونَا الصُّلْحَ، حتَّى و (قوله: حَجَفَةٌ أو درقة) على الشكِّ من الراوي. والحجفة: الترس. وإنما یکون من عیدان، والدَّرق من الجلود. واختصاصُه وَله سلمةَ بتكرار البيعة ثلاثاً؛ تأكيداً في حقِّه، لما علم وَلّر من خصاله، وكثرة غَنَائه، كما قد ظهر منه على ما يأتي. و (عَزِلّاً) الروايةُ فيه هنا، وفي الحرف الآتي بعده: بفتح العين وكسر الزاي. وقال بعضُ اللغويين: الصواب: أعزل، ولا يُقال: عزلٌ. وقيَّده بعضهم: عُزُلاً - بضم العين والزاي ـ وكذا ذكره الهروي، كما يقال: ناقة عُلُطٌ، وجملٌ فنقٌ(١). والجمع: أعزال. كما يقال: جنب وأجناب، وماء سُدُمٌّ، ومياه أسدامٌ. والأعزل: الذي لا سلاحَ معه. و (أبغني): أعطني. يقال: بغيت الشيء من فلانٍ فأبغانيه. أي: أعطاني ما طلبته. و (قوله: ثم إنَّ المشركين راسلونا الصلح) هذه روايةُ العذري، وهي من الرسالة. ورواه جماعةٌ من رواة مسلم: (راسُونا) بسينٍ مهملةٍ مُشدَّدة مضمومةٍ، (١) جَمَل فُقٌ وفنيقٌ: مكرم مودع للفحلة. (اللسان). ٦٧١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد مشى بعضُنَا في بعضٍ، واصطلحْنا. قال: وكنتُ تَبيعاً لطلحةَ بنِ عُبيدِ الله أسقِي فرسَه، وأَحُسُه، وأخدمُه، وآكلُ من طعامِه، وتركتُ أهلي ومَالي، مُهاجراً إلى الله ورسولِهِ وَ﴿. قال: فلما اصْطَلَحْنَا نحنُ وأهلُ مكةَ، واختلطَ بعضُنا ببعض أتيتُ شجرةً فكسحْتُ شوكَها، فاضْطَّجَعْتُ في أصلِها. قال: فأتَاني أربعةٌ من المشركينَ مِن أهل مَكَّةَ، فجعلوا يقعُون في رسولِ الله ◌ِصَل فأبغضتُهم، فتحوَّلْتُ إلى شجرةٍ أُخرى، وعَلَّقُوا سِلاحَهم، واضْطَّجَعُوا، فبينما هم كذلك، إذ نادَى مُنادٍ من أسفلِ الوادي: يا لَّلْمُهاجرينَ! قُتلَ ابنُ زُنَيَمِ. قال: فاخترطتُ سيفي، ثم شددتُ على أولئكَ الأربعةِ، وهم رقودٌ، وأخذتُ سلاحَهم فجعلتُهُ ضِغْئاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرَّمَ وجه محمَّدٍ لا يرفعُ أحدٌ منكم رأسَه إلا ضربتُ الذي فيه عينَاه. قال: ثم جئتُ بهم أسوقُهم إلى رسولِ اللهِ﴿. قال: وجاءَ عَمِّ عامرٌ برجلٍ مِن العَبَلاتِ، يُقال له مِكْرَزٌ، يقودُه إلى رسولِ اللهِ لَ على فرس مُجَفَّفٍ في سبعينَ مِن المشركينَ، فنظرَ إليهم رسولُ اللهِّ فقال: ((دعُوهم يكنْ لهم وهو من: رسَّ الحديث، يرسُّه: إذا ابتدأه. ورسست بين القوم: أصلحتُ بينهم. ورسا لك الحديث رسواً: إذا ذكر لك منه طرفاً. وروي: (راسَوْنا) - بفتح السِّين - لابن ماهان. قال عِیاض: ولا وجه لها. (قوله: كنت تبيعاً لأبي طلحة) أي: خديماً له. وهو من: تبعت الرَّجل: إذا سرتُ خلفه. و (أحسُّه) أنفض عنه التراب. والحسُّ: الحكُّ. و (كسحت شوكها): كنسته. و (الضغث): القبضةُ من الحشيش وغيره. و (العَبَلات) بطن من بني عبد شمس، نُسِبوا إلى أُمَّ لهم تسمى: عبلة بنت عبيد، من البراجم. و (الفرس المجفف): الذي عليه تِجفاف - بكسر التاء - وهو الجلُّ. و (بدء الفجور): أوَّله، والفجور ضد البرِّ. و (ثِناه): عوده، بكسر الثاء المثلثة، مقصوراً. وهي الروايةُ ٦٧٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّبر - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد بَدْءُ الفُجورِ وثِنَاه)) فعفا عنهم رسولُ الله ◌ِّهِ، وأنزلَ الله: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية كلها. قال: ثم خرجْنَا راجعينَ إلى المدينةِ، فنزلنا مَنزلاً، بيننا وبينَ بني لِحِيانَ جبلٌ، وهم المشركون، فاستغفرَ رسولُ الله ﴿ لمن رَقِي هذا الجبلَ اللَّلَة كأنَّه طليعةٌ للنبيِّ وَّ وأصحابِه. قال سلمةُ: فَرَقِيْتُ تلكَ اللَّيلة مرتين أو ثلاثاً، ثم قدمنا المدينةَ، فبعثَ رسولُ اللهِ وَه بظهرِه مع رَبَاحِ غُلامِ رسولِ الله وَّه، وأنَا مَعَه، وخرجتُ معَه بفرسٍ طلحةَ أُنَدِّيِه مع الظَّهْرِ، فلما أصبحْنَا إذا عبدُ الرحمن الفَزارِي قد أغارَ على ظهرِ رسولِ اللهِ وَّه فاستاقَه المشهورة، ولابن ماهان: (وتُنياه) بضم الثاء، وهو بالمعنى الأول. والفجور هنا هو (١) نقضُ العهد، ورَوْم غِرَّة المسلمين، وكان هذا في صلح الحديبية. وعفو النبيِّ ◌َّ عن هؤلاء السبعين ليتمَّ أمر الصلح. والله تعالى أعلم. وقد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] على أقوالٍ هذا أحدها، وهو أصحُّها. و (قوله: وهُم المشركون) بضم الهاء، وتخفيف الميم، وهي ضمير الجمع. وقد ضبطه بعض الشيوخ: (وهَمَّ) بفتح الهاء، والميم وتشديدها، على أنه فعل ماضٍ. و(المشركون) فاعل به. قال عِياض: معناه: همَّ النبيَّ ◌َّ والمسلمين أمرُهم لئلا يغدروهم، ويُبيِّوهم لقربهم منهم. يقال: همَّني الأمر، وأهمَّني. ويقال: همَّني: أذابني. وأهمَّني: غمني. قلتُ: والأقربُ أن يكونَ معناه: همَّ المشركون بالغدر، واستشعر المسلمون منهم بذلك. (١) ساقط من (هـ) و(ج). ٦٧٣ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد أجمعَ، وقتلَ راعيَه. قال: فقلت: يا رباحُ! خُذْ هذا الفرسَ فأبلغْه طلحةً ابن عبيد الله، وأخبر رسولَ الله ◌َ﴿ أنَّ المشركينَ قد أُغَارُوا على سَرْحِه، قال: ثم قمتُ على أكَمةٍ فاستقبلتُ المدينةَ، فناديتُ ثلاثاً: يا صَبَاحاه! ثم خرجتُ في آثار القومِ أرميهم وأرتجزُ أقولُ: أنا ابنُ الأكوعِ واليومُ يومُ الرُّضَّعِ و (الظّهر): الإبل التي تحمل على ظهورها الأثقال. و (أَنَّدِّيهِ مع الظهر) أي: أورده الماء فيشرب قليلاً، ثمّ أرعاه وأورده. وهي التندية، وأصلها للإبل. التندية وقد تكون التنديةُ في الفرس بمعنى: التضمير، وهي: أن يجري الفرس حتى والتضمير يعرق. ويقال لذلك العرق: النَّدَى(١). قاله الأصمعي. و (استاقه) أي: حمله، والتَّاءُ زائدةٌ للاستفعال. و (السَّرح) الإبل التي تسرحُ في المرعى. و (الأكمة): الجبيل الصغير. و (قوله: يا صباحاهْ) هاؤه ساكنة، وهو يشبهُ المنادى المندوب، وليس به. ومعناه هنا: الإعلامُ بهذا الأمر المهمّ الذي قد دهمهم في الصباح. و (قوله: وأنا ابن الأكوع) الكوع: اعوجاجٌ في اليدين. قيل: الكوع والوكع في الرّجل: أن تميلَ إبهامها على أصابعها. واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن بشير، وهو أبو سلمة على ما ذكره محمد بن سعد. وقيل: اسم أبي سلمة: عمرو بن الأكوع، [وهو جدُّ سلمة، فنسب إليه](٢). و (قوله: واليوم يوم الرُّضع) الرُّضَّع: جمع راضع، وهو اللئيم. وأصلُه: أنَّ معنى: اليوم رجلاً(٣) كان يرضعُ الإبل، ولا يحلبها، لئلا يُسْمَع صوَّتُ الحلب فَيُقْصَد، فعبّروا يوم الرضع (١) في (ل) ويقال: العرق الذي لذلك الفرس: الندى. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ). (٣) في (ع): النحيل، وفي باقي النسخ: البخيل. وما أثبتناه من: تاج العروس واللسان. ٦٧٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد فألحقُ رجلاً منهم، فأصُكُ سهماً في رَحْلِهِ، حتى خَلَصَ النَّصْلُ إلى كتفِه. قال: قلت: خذها: وأنَا ابنُ الأكوعِ واليومُ يومُ الرُّضْعِ قال: فواللهِ ما زلتُ أرميهم، وأعقِرُ بهم، فإذا رجعَ إليَّ فارسٌ أتيتُ شجرةً، فجلستُ في أصلِها، ثم رميتُهُ فعقرتُ به، حتى إذا تضايقَ الجبلُ، فدخلُوا في تضايُقِهِ، علوتُ الجبلَ فجعلتُ أرميهم بالحجارةِ. قال: فما زلتُ كذلكَ أتبعُهم حتى ما خلقَ اللَّهُ من بعيرٍ من ظهرِ رسولِ اللهِ وَّرَ إلا خلَّفتُه وراءَ ظَهري، وخلّوا بيني وبينَه، ثم اتَّبعتُهم أرميهم حتى ألقَوْا أكثرَ مِن ثلاثينَ بُرْدَةً وثلاثينَ رُمْحاً، يستخفُّون، ولا يَطرحُون شيئاً إلا جعلتُ عليه آراماً مِن الحجارةِ، يعرفُها رسولُ الله ◌ِوَّهِ وأصحابُه، حتَّى أتَوْا مُتَضائِقاً عن كل لئيم بذلك. وعليه قالوا في المثل: لئيمٌ راضع. وقيل: لأنه يرضعُ اللؤم من أمِّه، وهو مطبوعٌ عليه. وقيل: معناه: اليوم يظهرُ من أرضعته كريمة أو لئيمة. وقيل: اليوم يُعرف مَن أرضعته الحربُ من صغره. و (قوله: فأصُّ سهماً في رَحْله، حتى خلص نصل السَّهم إلى كتفه) كذا روايتنا فيه، بالحاء المهملة. ويعني به: أنَّ سهمه أصاب أخرة رَحْله، فنفذها، ووصل(١) إلى كتفه. وفي بعض النسخ: فأصكه سهماً في رجله حتى خلص إلى كعبه. والأول أشبه. و (أصك): أضرب. و(ألحق) و (أصك): مضارعان، ومعناهما: المضي. و (قوله: فما زلتُ أرميهم) أي: أرميهم بالسهام (وأعقرُ بهم) خيلهم، ومنه: (فعقر بعبد الرحمن فرسه) ويحتمل أن يكون معناه: أصيحُ بهم، من قولهم: رفع (١) في (ل): ودخل. ٦٧٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد مِن ثَنِيَّةٍ، فإذا هم قد أتَاهم فلانُ بنُ بَدْرِ الفَزاريُّ، فجلسُوا يتضحَّوْنَ (يعني يَتَغْذَّون) وجلستُ على رأس قَرْنٍ. قالَ الفَزَارِيُّ: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينَا مِن هذا البَرْحَ، واللهِ ما فارقنا منذ غَلَس، يرمينَا، حتى انتزعَ كلَّ شيءٍ في أيدينا. قال: فليقمْ إليه نفرٌ منكم أربعةٌ. قال: فصَعِدَ إليَّ منهم أربعةٌ في الجَبَلِ. قال: فلمَّا أمكنُوني من الكلام، قالَ: قلتُ: هل تعرفُوني؟ قالوا: لا، ومَنْ أنتَ؟ قالَ: قلتُ: أنا سلمَةُ بن الأكوع، والذي كرَّمَ وجهَ محمَّدٍ وَِّ، لا أطلُبُ رجلاً منكم إلا أدركتُه، ولَا يَطلبُني فيُدركَني. قال أحدهم: أنا أظنُّ. قال: فرجعُوا فما بَرِحْتُ مَكاني حتى عقيرته. أي: صوته. و (یتضحَّوْن) أي: یتغذّون. وأصله: يأكلون عند الضحى. و (يُقْرَوْن): يُضافون. أخبرهم ◌َّه: بأنهم قد وصلوا إلى بلادهم، وأنهم قد فاتوهم. و (الأرام): بألف ساكنةٍ من غير همزٍ: الأعلام من الحجارة. قال الشاعر: رِجَالَ إِیَادٍ بأَجْلاَدِها وَبَيْدَاءَ تَحْسَبُ آرامَها يعني: بأشخاصها. و (الأرام) بهمز الألف: الظباء. و (القرن): جبلٌ صغير منفردٌ منقطع من جبل كبير. و (البَرْح) مفتوحة الباء، ساكنة الراء، يعني به: المشقَّة الشَّديدة. و (قوله: أنا أظنُّ) أي: أتيقَّن. كما قال تعالى: ﴿إِّ ◌َنْتُ أَنِّ مُكَقٍ حِسَابِيَة﴾ [الحاقة: ٢٠] أي: تحقّقتُ، وأيقنتُ. ويحتملُ البقاء على أصل الظنِّ الذي هو تغليبٌ لأحد المحتملين، وقد اقتصر عليها ولم يُذكر لها هنا مفعولٌ. ويحتملُ أن يكون حذف مفعولها للعلم به، وهو: ذاك الذي هو إشارةٌ إلى المصدر الذي يُكتفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننتُ ذاك. والله أعلم. و (أعدو على رجلي) أي: أشتدُّ في الجري. و (حلّيتهم) كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصلُه الهمز فَسُهِّل. ٦٧٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد رأيتُ فوارسَ رسول الله وَ ◌ّه يتخلَّلونَ الشَّجَر. قال: فإذَا أَوَّلُهم الأخرمُ الأسديُّ على إثرهِ أبو قتادةَ الأنصاريُّ، وعلى إثرهِ المقدادُ بن الأسودِ الكِنْدِيُّ. قال: فأخذتُ بعِنان الأخرم. قال: فَوَلَّوْا مدبرينَ. قلتُ: يا أخرمُ احذرهم لا يقتطعوكَ حتى يلحقَ رسولُ اللهِ وَهِ وَأَصحابُه. قال: يا سلمةُ إِنْ كنتَ تؤمنُ باللّهِ واليومِ الآخرِ، وتعلمُ أنّ الجَنَّةَ حَقِّ والنَّارَ حَقٌّ، فلا تَحُلْ بيني وبينَ الشَّهادةِ. قال: فخلَّيْتُه، فالتقى هو وعبدُ الرحمن. قال: فعقرَ بعبدِ الرحمن فرسَه، فطعنَه عبدُ الرحمن فقتله، وتحوَّلَ على فرسِه. ولحقَ أبو قتادةَ فارسُ رسولِ اللهِ وَ ﴿ بعبدِ الرحمنِ فطعنَه فقتله، فوالذي كرَّمَ وَجْهَ محمَّدٍ وَ﴿ لَتبعتُهم أعدو على رِجْليَّ، حتى ما أرى وَرَائِي من أصحابٍ رسولِ اللهِ وَ﴿ ولا غُبارِهم شيئاً، حتى يَعْدِلُوا قبلَ غُروبِ الشمس إلى شِعْبٍ فيه ماءٌ، يُقالُ له: ذو قَرَدٍ، ليشربُوا منه، وهم عِطاشٌ، قال: فنظرُوا إليَّ أعدو وراءَهم فحَلَّيْتُهُمْ عنه (يعني: أجليتهم عنه) فما ذَاقُوا منه قطرةً. قال: ويخرجونَ ويَشْتَدُّون في ثَنِيَّةٍ قال: فأعدُو فألحقُ رجلاً منهم وأصكُهُ بسهمٍ في نُغْضِ كتفِه. قال: قلتُ: خذها: واليومُ يومُ الرُّضِّعِ وأنا ابنُ الأكوعِ قال: يا ثَكِلَتْهُ أُّه أكْوَعُهُ بُكْرَةَ. قال: قلت: نعم يا عدوَّ نفسِه، قلتُ: وصوابه: الهمز، وهو أصلُه، وهذا تسهيلٌ لا يقتضيه القياس، وروايتي فيه بالهمز على الأصل. ومعناه: طردتهم عن الماء. و (الثنيّة): الطريقُ في الجبل. و (قوله: يا ثكلته أمُّه) يا: للنداء، والمنادى محذوفٌ ويشبه أن يكون المحذوف (مَن) الموصولة متعلقة بـ (ثكلته أمُّه)، وكأنَّه قال: (يا مَن ثكلته أمُّه). ٦٧٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد أكوَعُكَ بكرةَ. قال: وأزْدَوْا فرسينِ على الثنيَّة. قال: فجئتُ بهما أسوقُهما إلى رسولِ اللهِ وَليهِ. قال: ولَحقنِي عامرٌ بسطيحةٍ فيها مَذْقَةٌ مِن لَبَنِ، وسَطيحةٍ فيها ماءٌ، فتوضأتُ وشربتُ، ثم أتيتُ رسولَ الله، وهو على الماء الذي حَلَّيْتُهُمْ عنه، فإذا رسولُ اللهِ وَهِ قد أَخذ تلك الإبلَ وكلَّ شيء استنقذتُهُ مِن المشركينَ، وكلَّ رُمْح وكلَّ بُرْدَةٍ، وإذا بلالٌ نَحَرَ ناقةٌ مِن الإبلِ فحذفها للعِلْم بها. ويحتمل غير هذا، وهذا أشبه. والثّكل: الفقد. والثّكلى: المرأة الفاقدة ولدها، الحزينة عليه. ومنه قولهم: ثكل خيرٌ من عقوق. وكأنَّه دعا عليه بالفقد والهلاك. و (قوله: أكوعه بكرةَ) الضمير في أكوعه يعودُ على المتكلم على تقدير الغيبة، كأنّه قال: أكوع الرجل المتكلم، وقد فَهِمَ منه هذا سلمةُ، حيث أجابه بقوله: (أكوعك بُكرةَ) فخاطبه بذلك و (بكرة) منصوب، غير منون على الظرف؛ لأنه لا ينصرف للتعريف والتأنيث؛ لأنه أريد بها بكرةً معينةً، وكذلك: غدوة. وليس ذلك لشيءٍ من ظروف الأزمنة سواهما فيما علمت. و (قوله: وأرذوا فرسين) روايتي فيه بالذال، ومعناه: تركوا فرسين معيبين لم يقدرا على النهوض من الضَّعف والكلال. والرذيّة: المعيبة، وجمعها: رذایا، ومنه قول الشاعر: فَهُنَّ رذايا في الطريق ودائع وقد روي بالدال المهملة (أردوا) أي: تركوهما هلكى، من الردى، وهو الهلاك، والأول أوجه؛ لأنه قال: فأقبلت بهما أسوقهما، فدلَّ: على أنهما لم يهلكا، وإنما ثقلا كلالاً وإعياءً. و (السَّطيحة) إناءٌ من جلود يُسطَّح بعضُها فوق بعضٍ. و (المذقة): القطرة من اللبن الممزوج بالماء. و (المذق): مَزْج اللبن بالماء، وقد تقدَّم القولُ في النواجذ، وأنَّ المرادَ بها - هنا -: الضَّواحك. ٦٧٨ (١٣) كتاب الجهاد والسُّر - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد الذي استنقذتُ مِن القوم، وإذا هو يَشوي لرسولِ اللهِ وَ﴿ مِن كَبدِها وسَنامِها. قال: قلت: يا رسول الله! خلِّني فأنتخبُ مِن القومِ مئة رجلٍ فأتَّبعُ القومَ، فلا يَبقى منهم مُخْبرٌ إلا قتلتُه. قالَ: فضحكَ رسَولُ اللهِ وَلـ حتى بَدَتْ نواجذُه في ضوءِ النَّارِ، فقال: ((يا سلمةُ! أتراكَ كنتَ فاعِلاً؟» قلتُ: نعم والذي أكرمَك. قال: ((إنَّهم الآنَ لِيُقْرَوْنَ في أرضٍ غطفانَ)). قال: فجاءَ رجلٌ مِن غطفانَ، فقالَ: نحرَ لهم فلانٌ جَزُوراً، فلما كشفُوا جلدَها رأوا غُبَاراً، فقالوا: أتاكُم القومُ، فخرجُوا هاربينَ، فلما أصبحْنَا، قال رسولُ الله وَّهِ: ((كانَ خيرَ فُرسانِنا اليومَ أبو قتادةَ، وخيرَ رَجَّالِنَا سلمةُ)). قال: ثم أعطاني رسولُ الله وَّهُ سَهمين: سَهم الفارس، وسهمَ الرَّاجلِ، فجمَعَهُما لي جميعاً، ثم أرْدَفني رسولُ اللهِ وَّه وراءَه عَلَى العَضْباءِ راجعينَ إلى المدينةِ. قال: فَبَيْنا نحنُ نسيرُ، قال: وكانَ رجلٌ من الأنْصارِ لا يُسبَقُ شَدّاً. قال: فجعلَ يقولُ: ألا مُسابقَ إلى المدينةِ؟ هل مِن مُسابقٍ؟ و (قوله: أعطاني سهمين: سهم الفارس، وسهم الرَّاجل) أمَّا سهم الرَّاجل ما أعطي سلمة ابن الأكوع من فهو حقُّه، وأمَّا سهم الفارس فإنما أعطاه النبيُّ ◌َ﴿ إِيَّاه لشدَّة غَنَائه، ولأنه هو الذي الغنائم استنقذَ تلك الغنائم، وهو الذي تنزَّل منزلةَ الجيش فيما فعل، ولم يُسْمَعْ بمن فعل مثل فعله في تلك الغزاة، ثم لعلَّ النبيَّ وَلفيه إنما أعطاه سهم الفارس من الخمس، فإن کان أعطاه من الغنيمة فذلك خصوصٌ به لخصوص فِعْله. و (قوله: أَلا مسابقَ؟) ألا مسابقَ؟: قيدناه مفتوحاً بغير تنوين؛ لأنها (لا) التي للنفي والتبرئة، زيدتْ عليها همزةُ الاستفهام، وأشربت معنى التمني. كما قالوا: ألا سيفَ صارماً؟ ألا ماءً بارداً؟ بغير تنوين على ما حكاه سيبويه، وأنشد: أَ طِعَانَ، أَلَا فُرْسَانَ عادِيَةٍ إلَّا تجشُّؤُكُمْ عِنْدَ التَّانِرِ(١) (١) البيت لحسان. انظر: ديوانه (٢١٥/١)، وخزانة الأدب (٦٩/٤). ٦٧٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد فجعلَ يُعيدُ ذلكَ. قال: فلما سمعتُ كلامَه قلتُ: أما تكرمُ كريماً؟! ولا تهابُ شَريفاً؟! قال: لا، إلا أنْ يكونَ رسولَ الله وَلتِ، قال: قلت: يا رسولَ الله! بأبي أنتَ وأُمّي! ذرني فلأسبقَ الرجلَ. قال: ((إنْ شئتَ)). قال: قلت: اذهبْ إليكَ. قال: وثَنَيْتُ رِجْليَّ فطفرتُ، فعدوتُ. قال: فربطتُ عليه شَرَفاً أو شرفينٍ أُستَبْقِي نفسي، ثم عدوتُ في إثْرِهِ، فربطتُ عليه شَرَفاً أو شَرَفينٍ. قال: ثم إني رفعتُ حتَّى ألحقَه، قال: فأصُكَّه بينَ كتفيْهِ. قال: قلت: قد سُبِقْتَ واللَّهِ! قالَ: أنا أظنُّ. قال: فسبقتُه إلى ويجوز الرفعُ على أن تكون (ألا) استفتاحاً، ويكون (مسابق) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أَلّ هنا مسابق، أو نحوه. و (قول سلمة للرَّجل: أما تكرم كريماً، ولا تهاب شريفاً؟) يدلُّ على أنه فهم من قول الرَّجل: (ألا مسابق) النفي. فكأنه قال: لا أحدٌ يسبقني. فلذلك أنكر عليه سلمة، [ولو كان عَرْضاً فقط لم يكن فيه ما ينكره](١). و (ذرني) أي: دَعْني (فلأسبقَ) منصوب بلام كي، على زيادة الفاء. و(طفرت): وثبت وقفزت. و (ربطت عليه) شددت عليه. (شرفاً أو شرفين) يعني: طَلَقاً أو طَلَقين (٢). (أستبقي) أبقي. (نَفْسي) رويناه بفتح الفاء وسكونها. ففي الفتح يعني به: التنفس. يريد: أنه رفق في جريه مخافةً ضيق النَّفس. وبالسكون يعني به: أروح نفسي وأجمّها لجريٍ آخرٍ . و (قوله: ثمّ إنِّي رفعت) أي: زدتُ في السير. ويروى: (دفعت) بالدَّال. أي: دفعتُ دفعةً شديدةً من الجري، وكلاهما قريب(٣) في المعنى. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ) و(ج) و(ط). (٢) ((الطَّلَق)»: الشوط الواحد من سباق الخيل. (٣) في (ل): متقارب. ٦٨٠ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد المدينةِ. قال: فواللهِ ما لَبِثْنا إلا ثلاثَ ليالٍ حتَّى خرجْنَا إلى خيبرَ مع رسولِ الله وَهُ. قال: فجعلَ عَمِّي عامرٌ يرتجزُ بالقومِ: ولا تصدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا تاللَّهِ لولا اللَّهُ ما اهتديْنَا فثبتِ الأقدامَ إنْ لاقيْنَا ونحنُ عَنْ فَضلِكَ مَا اسْتَغْنَيّنا وأنزلنْ سکینةً علیْنَا و (قوله: اذهبْ إليك) قيّدناه على من يوثق بعلمه على الأمر. أي: انفذْ لوجهك، وخُذْ في الجري. يقوله سلمة وهو راكبٌ خلف النبيِّ وَّ للرَّجل الذي قال: ألا مسابق. ولذلك قال: وثنيت رِجْلَيَّ. أي: نزلتُ عن ظهر العضباء. و (إليك) على هذا معمولٌ لـ (اذهب) أي: انفذ لوجهك. ما بين غزوة و (قوله: والله ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر) ظاهِرُ هذا خيير وغزوة ذي الكلام: أنَّ غزوةَ خيبر كانت على إثر غزوة ذي قَرَدٍ، إذ لم يكنْ بينهما إلَّا هذا فرد الزمان اليسير، الذي هو ثلاثُ ليالٍ، وليس كذلك عند أحدٍ من أصحاب السِّير والتواريخ؛ فإن غزوة ذي قردٍ كانت في جمادى الأولى من السَّنة السادسة من الهجرة، ثم غزا بعدها بني المصطلق في شعبان من تلك السَّنة، ثم اعتمر عمرةَ الحديبية في ذي القعدة من تلك السَّنة، ثم رجعَ إلى المدينة، وأقام بها ذا الحجة وبعض المحرَّم، وخرج في بقيّةٍ منه إلى خيبر. هكذا ذكره أبو عمر بن عبد البرِّ وغيره، ولا يكادون يختلفون في ذلك. وهذا الذي وقع في هذا الحديث وهمٍّ من بعض الرُّواة، ويحتملُ أن يكون النبيُّ وَل ◌َ أغزى سريَّةً فيهم سلمة إلى خيبر قبل فَتْحِها، فأخبر سلمةُ عن نفسه، وعمَّن خرج معه. وقد ذكر ابنُ إسحاق في كتاب ((المغازي)) له: أنَّه ◌َّر أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. والله أعلم. و (ذو قُرَد) المشهور فيه بفتح القاف والرَّاء. وقد قيل فيه بضمِّهما. والقَرَدُ في اللغة هو: الصوفُ الرديء. يقال في المثل: عَثَرَتْ على الغَزْلِ بِأَخَرَةٍ فلم تَدَعْ