النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين وإنَّا لمَّا حملنَا عليهم انْكَشَفُوا، فَانْكَبَيْنا على الغنائم، فاستة بلونَا بالسِّهام. رواه أحمد (٢٨١/٤)، والبخاري (٢٨٧٤)، ومسلم (١٧٧٦) (٧٨ و٧٩ و ٨٠)، والترمذي (١٦٨٨). [١٢٩٣] وعن سلمةً بن الأكوع، قال: غَزْوْنا مع رسولِ الله وَيه حُنَيْناً. فلمَّا واجهْنَا العدوَّ تقدَّمْتُ فأعلَوَ ثَنِيَّةً، فاستقبلَني رجلٌ من العدوِّ، فأرميه بسهمٍ، فَتَوَارَى عني، فما دَرَيْتُ ما صنعَ، ونظرتُ إلى القومِ فإذا هم قد طَلَّعُوا مِن ثَنِيَّةٍ أخرى، فالتَّقَوْا هم وصحابةُ النبيِّ وَّهِ، فولَّىَ صَحَابَةٌ النبيِّ وَِّ. وَأَرْجِعُ مُنهزِماً، وعليّ بردتَانِ مُنَّزِرٌ بإحدَاهما، مُرْتَدٍ بالأخرى. فاستطلَقَ إزَارِي فجمعتُهما جميعاً، ومررتُ على رسولِ اللهِ وَِّ مُنهزماً وهو الله تعالى، ورغبتهم في الشهادة، وفي لقاء الله تعالى. ولم يثبت قطُّ عن واحدٍ منهم: أنَّه فرَّ، أو انهزم(١)، ومن قال ذلك عن النبي وَه فقال: فرَّ أو انهزم، قُتِل ولم يُستتب؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنّه وَ ﴿ كان أسود، أو أعجمياً، فأنكر ما علم من وصفه قطعاً، وكذب به، وذلك كفرٌ، ولأنَّه قد أضاف إليه نقصاً وعيباً(٢). وقد حكى أصحابُنا الإجماعَ على قتل مَن أضاف إليه نقصاً أو عيباً. وقيل: يُستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِل. و (قول سلمة: ومررتُ على رسول اللهِوَله منهزماً (٣) يفهم منه ثبوت النبيِّ ◌َ﴿، وتوجّهه نحو الكفار، بل كان يَرْكُض بغلته نحوهم، ولمَّا غشيه القومُ، نزل عن البغلة، وثبت لهم قائماً، حتى تراجع النَّاسُ إليه عند نداء العبَّاس. ولم يُسْمَعْ لأحدٍ من الشجعان مثل هذا. والله تعالى أعلم. (١) في (ج): ولا انهزم. (٢) أراد المؤلف -رحمه الله - بالنقص والعيب نسبة الفرار إلى الرسول اَل قوله. (٣) (منهزماً) حال، وصاحب الحال التاء من قوله: (مررتُ) أي: أنَّ المنهزم كان سلمة. ٦٢٢ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين على بغلتِهِ الشَّهْباءِ. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لقد رأَى ابنُ الأَكْوَعِ فَزَعاً) فلما غَشُوا رسولَ اللهِ وََّ نزلَ عن البغلةِ، ثم قبضَ قَبْضةً مِن تُرابٍ من الأرضِ، ثم استقبلَ به وجوهَهم، فقال: ((شاهَتِ الوُجُوه)) فما خلقَ الله منهم إنساناً إلا ملَّ اللَّهُ عينيْهِ تُراباً بتلكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فهزمَهم اللَّهُ، وقسمَ رسولُ اللهِ وَّ﴿ غنائمَهم بينَ المسلمينَ. رواه مسلم (١٧٧٧). [١٢٩٤] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: افتتحْنَا مَكَّةَ، ثم إنَّا غَزْوْنا حُنيناً. قالَ: فجاءَ المشركَونَ بأحسنِ صُفوفٍ رأيتُ. قال: فصُفَّتِ الخيلُ. ثم صُفَّتِ المُقاتلةُ. ثم صُفَّتِ النِّساءُ مِن وراءِ ذلكَ، ثم صُفَّتِ الغَنَمُ، ثم صُفَّتِ النَّعَم. قال: ونحنُ بشَرٌ كثيرٌ. قد بلغنا سِتَّةَ آلافٍ، وعلى مُجَنِّةٍ خَيْلِنا خالدُ بنُ الوليد قال: فَجَعَلتْ خيلُنا تلوذ خلفَ ظُهورِنا، فلم نلبثْ أن انكشفتْ خيلُنا وفرَّتِ الأعرابُ، ومَنْ نَعْلَمُ مِن النَّاس. قال: فنادَى رسولُ اللهِ وَّهِ: (يا لَلْمُهَاجِرِينَ! يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!)) ثم قالَ: ((يا لَلَأَنْصَارِ! يا لِلأَنْصَارِ!)). قال أنسٌ: هذا حديثُ عَمِّيَهْ. قال: قلنا: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله! الطلقاء والعتقاء و(قوله: ونحنُ بشرٌ كثيرٌ قد بلغنا ستة آلافٍ) هذا من أنس تقديرٌ لا تحقيق، إن لم يكن غَلَطاً من بعض الرواة. وأصحّ من هذه الرواية الروايةُ الأخرى التي فيها: أنهم كانوا عشرة آلافٍ غير الطلقاء. وسُمُّوا بذلك: لأنَّ النبيَّ ◌َّ أطلقهم عند فتح مكَّة، [وهم غير العتقاء. والعتقاء: هم السبعون أو الثمانون](١) الذين راموا أن يغدروا بالنبيِّ ◌َله وبعسكره يوم الحديبية فأخذوا، وأعتقوا، فسمُوا: العتقاء بذلك. قاله أبو عمر بن عبد البر. و (قول أنس بن مالك: هذا حديث عَمِّيَهْ) يعني: عمي، وزاد هاء السكت (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج). ٦٢٣ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين قال: فتقدَّم رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ. قال: فايْمُ اللَّهِ، وما أتينَاهم حتَّى هزمَهم اللَّهُ. فقبضنَا ذلكَ المالَ. ثم انطلقنَا إلى الطَّائفِ فحاصرنَاهم أربعينَ ليلةً. ثم رجعنا إلى مَكَّةَ فنزلنا. قال: فجعلَ رسولُ اللهِ ﴿ يُعطي الرَّجُلَ الِمِئَّةَ. وذكرَ الحدیث نحوَ ما تقدَّم. وفي رواية: ومع النبيِّ وَّهِ يومئذٍ عشرةُ آلافٍ. ومعه الطُّلَقاءُ، فَأَدبِرُوا عنه. حتَّى بقيَ وحدَه. قال: فنادَى يومئذٍ نِداءَيْنِ لم يخلطُ بينَهما شيئاً. قال: فالتفتَ عن يمينهِ فقالَ: ((يا معشرَ الأَنصَار!)) فقالوا: لبَّيْكَ التي تثبتُ في الوقف. يعني بذلك: أنَّ نداءَ رسول الله صلفيه: ((يال(١) المهاجرين)) إنما رواه عن عمِّه. و (قوله: فائْم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله) يعني بذلك: أنه (٢) ما رجعَ عودة أوَّل المنهزمة حتى هزم اللَّهُ العدوّ على أيدي المتسارعين إلى النداء من المهاجرين المنهزمين في حنین والأنصار الذين قاتلوا بين يدي رسول الله صل* حين تطاول عليهم وقال: «الآن حمي الوطيس))(٣) وبعد أنْ رمى الحصا في وجوههم، وقال: ((شاهت الوجوه)) كما تقدم. و (قوله في الرواية الأخرى: فأدبروا عنه حتى بقي وحده) يعني به: المقاتلين، وإلا فقد ثبت أنه كان بقي معه العبَّاسُ وأبو سفيان. و (قوله: فنادى يومئذٍ نداءَيْن) هذان النداءان من النبيِّ ﴿ إنما كان(٤) بعد (١) كذا في جميع النسخ بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وَصْلها بلام التعريف التي بعدها. ولعلَّ المقصود: يا آلَ المهاجرين. (٢) من (ج). (٣) الرواية التي فيها كلمة (الآن) هي رواية أحمد بن حنبل في مسنده (٢٠٧/١). (٤) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: كانا. ٦٢٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢١) باب: في محاصرة العدو يا رسولَ الله! أبشرْ نحن معكَ. قال: ثم التفتَ عن یَسَارِه فقال: ((يا معشر الأَنْصارِ!))، فقالُوا: لبَّيْكَ يا رسولَ الله! أبشرْ نحن معكَ. قال: وهو على بغلةٍ بيضاءَ. فنزلَ فقالَ: ((أنا عبدُ اللَّهِ ورسولُه)) فانهزمَ المشركونَ، وأصابَ رسولُ اللهَِّهُ غنائمَ كثيرةً، فقسمَ في المهاجرينَ والطَّلقاءِ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئاً. فقالتِ الأنصارُ: ما ذكرناه في باب إعطاء المؤلفة قلوبهم من كتاب الزكاة. رواه أحمد (٢٧٩/٣ - ٢٨٠)، والبخاري (٤٣٣٧)، ومسلم (١٠٥٩) في الزكاة (١٣٥ و١٣٦). * (٢١) باب في محاصرة العدو، وجواز ضرب الأسير، وطرف من غزوة الطائف [١٢٩٥] وعن عبد الرحمنِ بنِ عُمَرَ قال: حاصرَ رسولُ اللهِ وَي أهلَ الطَّائفِ، فلمْ ينلْ منهمْ شيئاً. فقال: ((إنَّا قافلونَ إنْ شاء الله)). قال أن رجع إليه المهاجرون والأنصار بنداء العباس حين نادى: يا أصحاب السَّمُرة. كما تقدم. وقد تقدم في كتاب الزكاة الكلام على باقي ما في هذا الحديث. (٢١) ومن باب: محاصرة العدوّ (قوله: حاصر رسولُ اللهِ وَ﴿ أهل الطائف) كان هذا الحصارُ بعد هزيمة هوازن، وذلك: أنه لجأ إليها فلُّهم (١)، واجتمع بها شوكتُهم ورماتُهم مع رماة حصار الطائف (١) ((الفل)): المنهزم. ٦٢٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢١) باب: في محاصرة العدو أصحابه: نرجع ولم نفتتحه! فقال لهم رسول الله صلحه: ((اغدوا على القتال))، فغدوا عليه، فأصابهم جراحٌ، فقال لهم رسولُ اللهِ وَالت: ((إِنَّا قافلونَ غداً»، فأَعجبهم ذلك، فضَحِكَ رسولُ اللهِفهـ رواه أحمد (١١/٢)، والبخاري (٤٣٢٥)، ومسلم (١٧٧٨). [١٢٩٦] وعن أنس: أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ شاورَ حين بلغهُ إقبالُ أبي سفيانُ. قال: فتكلمَ أبو بكرٍ، فأعرضَ عنه، ثُمَّ تكلَّم عمرُ فأعرضَ عنه. ثقيف. وكان النبيُّ وَ﴿ لما رأى جِدَّهم وامتناعَهم قال لأصحابه: ((إنا قافلون غداً إن شاء الله)) على جهة الرِّفق بهم، والشفقة عليهم، فعظم عليهم أن يرجعوا ولم يفتحوا ذلك الحصْن. ورأوا: أنَّ هذا العرضَ من النبيِّ وَّر على جهة(١) المشورة، فلما رأى رسولُ اللهِ ﴿ جِدَّهم في هذا، وما ظهر لهم، قال لهم: ((اغدوا على القتال))، فلما أصابتهم الجراح، وقتل منهم جماعةٌ على ما ذكر أهلُ التواريخ - قال لهم: ((إنّا قافلون غداً) فأعجبهم ذلك لما أصابهم من شدّة الحال، ولما لقوا، فضحك النبيُّ ﴿ لما رأى من اختلاف قولهم عند اختلاف الحالين، ورجوعهم إلى الرأي السَّديد، لكن بعد مشقَّةٍ. وفيه من الفِقْه: جوازُ محاصرة العدوِّ، والتَّضييق عليهم، ومشاورة الإمام جواز محاصرة أصحابه، وعَرْضه عليهم ما في نفسه، وسلوكه بهم طريق الرِّفق والرَّحمة. العدوّ و (القافل) هو الرَّاجعُ من السّفر. والجماعةُ: القافلة. ولا يقال لهم في مشاورة النبي # أصحابه في ابتداء سيرهم: قافلةً. بل: رُفْقَة. ومشاورةُ النبيِّ وَ﴿ أصحابَه حين بلغه(٢) إقبالُ أبي سفيان. وإعراضه عن غزوة بدر (١) في (ج): سبيل. (٢) في (ج): بلغهم. ٦٢٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢١) باب: في محاصرة العدو فقام سعدُ بنُ عبادةَ فقال: إيَّانا تريد يا رسولَ اللَّهِ! والذي نفسي بِيَدِهِ لو أمرتنا أنْ نُخِيضَها البَحْرَ لأخضناها! ولو أمرتنا أنْ نضرِبَ أكبادها إلى بَرْكِ الغِمادِ لفعلنا! قال: فندبَ رسولُ الله ﴿ ﴿ِ النَّاسَ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، وَوَرَدَتْ عليهم روايا قريشٍ، وفيهم غلامٌ أسودُ لبني الحجّاج، فأخذوه، فكانَ أصحابُ رسول الله ﴿ يسألونَهُ عن أبي سفيانَ وأصحَابِهِ، فيقولُ: ما لي علمٌ بأبي سفيانَ، ولكنْ هذا أبو جهلِ وعتبةُ، وشيبةُ، وأميةُ بنُ خَلَفٍ في الناس. فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم، أنا أخبركم: هذا أبو سفيان. فإذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علمٌ ولكنْ هذا تكليم المهاجرين إنما كان ليستخرجَ ما عند الأنصار من خروجهم معه للحرب، وذلك: أنهم إنما كانوا بايعوه ليمنعوه من الأحمر والأسود، ولم يأخذ عليهم أن يخرجوا معه، فأراد أن يعلم ما عندهم من ذلك، فعرضَ عليهم ذلك، فأجابوه بالجواب الذي ذكره سعد بن عبادة، الذي حصل لهم به المقامُ المحمود، والشرفُ المشهود. و (بَرْك الغِماد): موضعٌ بأقصى هجر، بينه وبينهم بُعْدٌ عظيم. والرِّواية المشهورة فيه (بَرْك) بفتح الباء بواحدةٍ وسكون الراء. و (الغِماد) بكسر الغين المعجمة. وقيَّده شيوخُ أبي ذرٍّ في البخاري: بكسر الباء. وقال بعضُ اللغويين: هو الصوابُ. وضبطه الأصيلي: بفتح الراء وبسكونها. أعني: راء (برك). وحكى ابنُ دريدٍ: الكسر، والضمَّ في غين (الغماد)، والصَّحيحُ المشهور؛ الأول. ضرب الأسير وفي ضَرْب الصحابة للغلام، وإقرار النبي ◌َّه إيَّاهم عليه. ما يدلُّ على جواز ضَرْب الأسير، وتعزير المثَّهم إذا كان هنالك سببٌ يقتضي ذلك، وأنه يُضرب في التعزير فوق العشرة، خلافاً لمن أبى ذلك، وقال: لا يُضرب فوق العشرة. وستأتي المسألةُ إن شاء الله تعالى. ٦٢٧ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢١) باب: في محاصرة العدو أبو جهلِ، وعتبةُ، وشيبةُ، وأميةُ بن خلفٍ في الناس. فإذا قال هذا أيضاً ضربوه ورسول الله وَ﴿ قائمٌ يصلّي. فلما رأى ذلك انصرفَ فقال: ((والذي نفسي بيده! لتضربونَهُ إذا صدقَكُم، وتتركونَهُ إذا كذبكم)). قال: فقال رسولُ اللهِصَ: ((هذا مصرعُ فلانٍ)). قال: ويضعُ يَدَهُ على الأرضِ، ها هنا وها هنا. قال: فما ماطَ أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله ◌ِ﴾. رواه أحمد (٢١٩/٣ -٢٢٠)، ومسلم (١٧٧٩)، وأبو داود (٢٦٨١). واختلفَ في إقرار المتهم عند الضرب. فعند الشَّافعيِّ وكثير من أصحابه: هل يقبل إقرار لا يُقبل إقرارُه حتى يتمادى(١) سواءٌ عيّن ما أقرَّ به من سرقة أو قتلٍ، أو لم یعیّن. المتهم عند الضرب؟ ومِن أصحابنا مَن ألزمه ذلك إذا عيَّن المقرَّ به؛ وإن رجع عن إقراره. ومنهم مَن أجازه وإن لم يعيِّن. ومنهم مَن منعه وإن تمادى عليه لأنَّ خَوْفَه أن يُعادَ عليه العذابُ باقٍ. و(قوله : ((والذي نفسي بيده! لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا من أعلام نبوته كذبكم))) إخبارٌ عن غيبٍ، فهو من أعلام نبؤَّته، وكذلك قولُه: ((هذا مصرُ فلان، ◌َّ وفلان) إذ قد وقع ذلك، وَوُجِد كما أخبر عنه. و (قوله: فما ماط أحدُهم موضعَ يدهِ﴿) أي: ما تباعد. يقال: ماط الرجل: إذا تباعد، وأماط غيره: إذا باعده. وقيل: ماط الرجل، وأماط: إذا تباعد، لغتان. (١) أي: يمضي في إقراره، ويُداوم عليه، ولا يرجع عنه. ٦٢٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً (٢٢) باب ما جاء أنَّ فتح مكة عَنْوَةً، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل قرشيٍّ صبراً بعد اليوم)» [١٢٩٧] عن عبد الله بن رباح قال: وفدنا إلى معاويةَ بنِ أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كلُّ رجلٍ منَّا يصنعُ طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي. فقلت: يا أبا هريرة! اليوم نوبتي. فجاؤوا إلى المنزل ولم يدرك طعامُنا. فقلت: يا أبا هريرة! لو حدثتنا عن رسول الله وَلفي حتى يدرك طعامُنا. فقال: كنا مع رسول الله وَّه يومَ الفتح، فجعل خالدَ بنَ الوليد (٢٢) ومن باب: ما جاء أنَّ فتح مكّة عَنْوةً ما كان السلف (قوله: كان كلُّ(١) رجلٍ منَّا يصنعُ طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي) هذه عليه من التودد المناوبةُ فى الطعام كانت منهم على جهة المكارمة، والمطايبة، والتبرُّك بالمؤاكلة والمشاركة فيها، لا على جهة المعاوضة، والمُشَاحَّة؛ ولذلك قال أبو هريرة للذي دعاه: سبقتني(٢). ففيه ما كان السّلفُ عليه من حُسْن التودد، والمزاولة، والمواصلة، والمكارمة. و(لو) هي هنا للتمني. أي: ليتك حدثتنا. و (أدرك طعامُنا) أي: انتهى إلى النضج. (١) ساقطة من (ج). (٢) هذه اللفظة من رواية ثانية للحديث، وهي في صحيح مسلم برقم (١٧٨٠). ٦٢٩ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً على المُجَنِّبةِ اليمنى، وجعل الزبير على المجنِّبةِ اليُسرى، وجعل أبا عبيدةَ على البياذقة وبطن الوادي. فقال: ((يا أبا هريرة! ادع لي الأنصار)). فدعوتهم، فجاؤوا يهرولون. فقال: ((يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش؟)) قالوا: نعم، قال: ((انظروا إذا لقيتموهُم غداً أنْ تَحْصُدوهم و (قوله: وجعل أبا عُبيدة على البياذقة) البياذقة: هم الرَّجالة. وأصله بالفارسية: أصحابُ ركاب الملك. وقد رواه بعضُهم (السَّاقة) وفيها بُعْدٌ. وبعضُهم قال: (الشارفة) أي: المشرفة. وهي تصحيفٌ. والأُولَى هي الصواب. وفي رواية أخرى: (الحسَّر) مكان (البياذقة) وهو جمع حاسٍ. وهو هنا: الذي لا درعَ معه. وهذا الوصفُ صادقٌ على الرَّجَّالة؛ فإنهم كذلك غالباً. و (قوله: وبطن الوادي) منصوب بفعل مضمرٍ. أي: وجعل طريقه بطنَ الوادي، كما جاء مفسَّراً في الرواية، ولا يجوز خفضه؛ لأنه يلزمُ منه أن يكونَ النبيُّ ◌َ﴿ جعل أبا عبيدة على سكان بطن الوادي. وذلك غيرُ مُرادٍ قطعاً. ونداؤه ﴿ للأنصار خاصّة: إمّا لأنَّ المهاجرين كانوا حُضُوراً معه، فلم نداؤُه ◌ِل يحتجْ إلى ندائهم، وإمَّا ليظهر لهم شدَّةَ اعتنائه بهم، وتعويله عليهم. ويظهر لي: للأنصار خاصةً أنَّ اختصاصَه بالأنصار في هذا الموضع، وقوله: ((لا يأتيني إلا أنصاريٌّ)» كما جاء في الرواية الأخرى، إنما كان لأنه وصَّاهم بقتل من تعرَّض لهم من قريش؛ إذ لا قرابةً، ولا رحمَ بينهم، فلا مُوجِبَ للعطف عليهم، بخلاف المهاجرين؛ فإنَّ بينهم قراباتٍ وأرحاماً، فلا جرمَ لما سمعتِ الأنصارُ أمره مضوا لذلك، فلم يتعرَّض لهم أحدٌ إلا أناموه. أي: قَتَلُوه، فصيَّروه كالنائم. والله تعالى أعلم. و (أوباش قريش): أخلاطهم. وفي الرواية الأخرى: ووبشت قريش أوباشاً لها. أي: جمعتْ جموعاً من قبائل مختلفة. ويقال: أوباش وأوشاب. بمعنىّ ٦٣٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةٌ حصداً)) وأخفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: ((موعدكم الصَّفا)) قال: فما أشرف يومئذٍ لهم أحدٌ إلا أناموه. قال: وصَعِدَ رسول الله وَله على الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصَّفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أُبِيدَتْ خضراءُ قريش، لا قريش بعد اليوم! قال أبو سفيان: واحدٍ. و (الحصد): القطع. وأصله في الزرع، واستعاره هنا للقتل لما كانت الرؤوسُ والأيدي تُقْطَعُ فیه. و (قوله: وأحفى بيده ووَضَع يمينَه على شماله) كذا صحيحُ الرواية - بالحاء المهملة - معناه: استأصل، أي: أشار إلى ذلك. وبعضهم رواه: (وأكفى) - بالكاف - أي: مال بيده، فكأنّه ◌َ ﴾ وضع يمناه على يسراه، وأَمَرَّها عليها مشيراً إلى الاستئصال. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((موعدكم الصَّفا))) ظاهره خطابُه للأنصار، فكأنه وَ لّهِ سَلَك الطريق الأعلى من مكة، وسلكتِ الأنصار من أسفلها، حتى اجتمعوا عند الصّفا. و (الموعد) هنا: موضع الوعد، وقد يأتي كذلك في الزَّمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الشُّبْخُ﴾ [هود: ٨١]، ويأتي كذلك للمصدر. وهو في كلِّ ذلك مكسورُ العين. و (قول أبي سفيان: أبيدت خضراء قريشٍ) أي: أفنيت وأُذْهِبَتْ. وفي رواية أخرى: (أبيحت) من الإباحة. وكلاهما متقارب. و (خضراء قريش) معظمها، وجموعها . و (قوله: لا قريش بعد اليوم) أي: لا وجودَ لقريشٍ بعد هذا. وذلك لِما رأى كيف دخل من هول الأمر، والغلبة، والقهر، والاستطالة، والاستيلاء عليهم. رسول الله(## وهذا الحديثُ لمالك نصٌّ: على أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ دخلها عَنْوةً، وقهراً. وهو مكة؟ ٦٣١ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً فقال رسول الله وَله: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق بابه فهو آمنٌ، ومن ألقى السلاح فهو آمنٌ)). فقالت الأنصار: أمَّا الرجل فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته ورغبةٌ في قريته. ونزل الوحي على رسول الله وَله وقال: ((قلتم: أما الرَّجلُ فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته، ورغبةٌ في قريته، ألا فما اسمي إذاً؟ - ثلاث مرات - أنا محمدٌ عبد الله ورسولُه، هاجرتُ إلى الله وإليكم، فالمَحْيَا مَحْيَاكُم والمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)). قالوا: والله ما قلنا إلا ضِنّاً بالله ورسوله. قال: ((فإنَّ الله ورسوله يُصَدِّقائِكُمْ ويَعْذِرانِكُمْ)). الذي صار إليه جمهورُ العلماء، والفقهاء، مالك وغيره، ما عدا الشافعي، فإنَّه قال: فُتِحَتْ صلحاً. وقد اعتذر بعضُ أصحابه عنه في ذلك بأنْ قال: أراد الشَّافعيُّ بقوله: إنه رَ﴿ دخل مكة صلحاً، أي: فَعَل فيها ما يُفْعَل من صالح. فملَّكهم أنفسهم، ومالهم(١)، وأرضيهم. قلتُ: والكلُّ متفقون على أنَّ النبيَّ نَ﴿َ لمَّا دخل مكة أمَّن أهلَها ولم يغنمهم، وترك لهم أموالهم، وذراريهم، وأراضيهم، ولم يجر عليها حكمَ الغنيمة، ولا حكم الفيء، فكان ذلك أمراً خاصّاً بمكة، لشرفها، وحُرْمتها، ولا يساويها في ذلك غيرها من البلاد بوجهٍ من الوجوه. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلامُ في بيع دُور مكة وإجاراتها . و (قول الأنصار: أمَّا الرَّجل فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته، ورغبةٌ في قريته) هذا ما قاله الأنصار القولُ ليس فيه تنقيص، ولا تصغير، وإنما هم لما رأوا منه ما يقتضيه خُلُقُ الكرام، عند فتح مكة وجِبِلات الفضلاء من الرأفة على العشيرة، والصَّغْو(٢) للوطن، والحنين له، خافوا أن يؤثرَ المقام فيها على المقام بالمدينة، فحملهم شدَّةُ محبتهم له، وكراهة (١) في (ج): وأموالهم. (٢) ((الصغو): الميل. ٦٣٢ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً وفي رواية قال: فأقبل النَّاسُ إلى دارِ أبي سفيانَ، وأغلق الناسُ أبوابهم. قال: فأقبل رسولُ الله ◌َ له حتى أقبل إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنبِ البيتِ كانوا يعبدونه. قال: وفي يدِ رسول اللّهِ وَ﴿ قوسٌ. وهو آخذٌ بِسِيَةِ القوس. فلما أتى على الصَّنم جعل يطعن في عينه، ويقول: ((جاء الحقُّ وزَهَقَّ الباطلُ)) فلما فرغ من طوافه؛ أتى الصفا؛ فعلا عليه؛ حتى نظر إلى البيت. ورفع يديه. فجعلَ یحمدُ الله ويدعو بما شاءً أن يدعوَ. رواه أحمد (٥٣٨/٢)، ومسلم (١٧٨٠) (٨٤ و٨٦)، وأبو داود (١٨٧٢) و (٣٠٢٣). مفارقته، أو مفارقة أوطانهم، على أن قالوا هذا الكلام، وقد بيَّنوا عذرهم عن هذا حيث قالوا: ما قلناه إلا ضنّاً برسول الله وَتلي. أي: بخلاً. ما قاله وَله بعد قول الأنصار وإخباره ◌َلي إياهم بما قالوا، معجزة من معجزاته. و(قوله وَ له: ((ألا فما اسمي إذاً؟)) قيل: إنما قال ذلك تنبيهاً على صدقه لمَّا ظهرت معجزتُه بإخباره عما غاب عنه، كما كان يقول عند ظهور الخوارق على يديه: ((أشهدُ أنِّي رسولُ الله))(١). وقيل: إنَّما قال ذلك تنبيهاً على أنَّ صدق اسمه (محمد) عليه يمنعه من نقض العهد، وترك القيام بحقّ مَن له حقّ، فكأنَّه قال: لو فعلتُ ذلك لما استحققتُ أَنْ أُسمَّى: محمداً، ولا: أحمدَ، وكلاهما مأخوذٌ من الحمد. ويدلُّ على صحة هذا التأويل قوله: ((المحيا محياكم، والممات مماتكم)) (٢) أي: لا أفارقكم حياتي ولا موتي. وبكاءُ الأنصار إنَّما كان فرحاً وصبابةً برسول الله وَهِ. (١) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢٢٩/٦). (٢) هو حديث الباب. ٦٣٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً [١٢٩٨] وعن عبدِ الله، قال: دخل النبيُّ ونَ﴿ُ مكةَ وحولَ الكعبةِ ثلاثمئةٍ وستون نُصُباً. وفي روايةٍ: صنماً. فجعل يطعنها بعودٍ كان في يدِه ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً، جاء الحق، وما یبدیء الباطل وما يعيد)). رواه البخاري (٢٤٧٨)، ومسلم (١٧٨١)، والترمذي (٣١٣٧). [١٢٩٩] وعن عبد الله بن مطيع عن أبيه، قال: سمعت النبيَّ ◌َلـ يقول يوم فتح مكة: ((لا يُقْتَلُ قُرَشِيٍّ صبراً بعدَ اليوم إلى يوم القيامة)). و (سية القوس): طرفها المنحني. وله سيتان. وقد قال في طريق أخرى: بعودٍ في یدیه، يريد به القوس. و (قوله: كان حول الكعبة ثلاثمئةٍ وستون صنماً) إنَّما كانت بهذا العدد؛ الأصنام التي كانت حول لأنَّهم كانوا يعظُّمون في كلِّ يومٍ صَنماً، ويخصُّون أعظمها بیومین. الكعبة و (قوله: فجعل يطعنها بعودٍ في يده) يُقال: كانت مثبتةً بالرَّصاص، وأنَّه طعنه وَه كلَّما طعن منها صنماً في وجهه خرَّ لقفاه، أو في قفاه [خرَّ لوجهه](١). ذكر هذا الأصنام القولَ عياضٌ في كتاب «الشفاء». و (قوله ◌َّهر: ((لا يقتل قرشيٍّ صبراً بعد اليوم إلى يوم القيامة))) أصلُ الصبر: الحبس. فمعنى: قتل صبراً. أي: محبوساً، مأسوراً لا في معركة، ومنه: المصبورة: المنهي عن قتلها. قال الحميدي: وقد تأوَّل بعضُ العلماء هذا الحديثَ على معنى: أنَّه لا يُقتل قرشيٍّ مرتداً ثابتاً على الكفر صبراً؛ إذ قد وُجِد من قُتِل منهم صبراً في القتال وغيره، ولم يوجد من قُتِل منهم صبراً وهو ثابتٌ على الكفر. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ). ٦٣٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٢) باب: ما جاء أن فتح مكة عَنْوةً زاد في رواية: ولم يكن أحد أسلم من عصاة قريش غير مطيع، كان اسمه: العاصي. فسماه رسول الله وَله: مطيعاً. رواه أحمد (٤١٢/٣)، ومسلم (١٧٨٢) (٨٨ و٨٩). وقد قال عِياض: هذا إعلامُ منه ◌َِّ: أنَّهم يُسْلِمُون كلّهم، كما كان، وأنهم لا يرتدُّون بعده كما ارتدَّ غيرهم ممن حُورِب، وقُتِل صبراً. و (قوله: لم يكن أسلم من عُصاة قريشٍ غير مطيع بن الأسود) قال القاضي عِياض: (عُصاة) - هنا: جمع العاصي، من الأسماء، لا من الصفات. أي: لم يُسْلِمْ ممن كان اسمه (العاصي)، كالعاصي بن وائل السهمي، والعاصي بن هشام أبي البختري، والعاصي بن سعد بن العاصي بن أميّة، والعاصي بن هشام بن تغييرهو اسم المغيرة المخزومي، والعاصي بن منبّه بن الحجاج وغيرهم، سوى العاصي بن الأسود العدوي، فغيَّر النبيُّ ◌َّ اسمه، فسماه: مطيعاً. وإلا فقد أسلم عُصاة قريشٍ، وعُتاتهم، والحمد لله، لكنه قد [ذكر: أنَّ أبا](١) جندل بن سهيل بن عمرو هو ممن أسلم، واسمه: العاصي. فإذا صحَّ هذا فيحتملُ: أنَّ لمَّا غلبت كنيته عليه، وصار اسمه كأنه غير معروف، فلم يستثنه كما استثنى مطيع بن الأسود. والله تعالى أعلم. إخباره الي أن قريشاً لا ترتدُ بعده العاصي (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦٣٥ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية (٢٣) باب صلح الحديبية وقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [١٣٠٠] عن البراءِ قال: لمَّا أُحْصِرَ - يعني: النبيُّ وَّهِ ـِ عندَ البيتِ صالحه أهلُ مكةَ على أنْ يدخلها فيقيمَ بها ثلاثاً. ولا يدخلها إلا بجُلُبَّانِ السّلاحِ: السيفِ وقرابِهِ، ولا يخرجَ بأحدٍ معه مِنْ أهلِها. ولا يمنعَ أحداً يمكثُ بها ممَّن كان معه. قال لعلي: ((اكتب الشرطَ بيننا: بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليهِ محمَّدٌ رسولُ اللّهِ)). فقال له المشركون: لو (٢٣) ومن باب: صُلْح الحديبية (جُلُبَّان السلاح) بضم الجيم واللام. وذكره الهروي: بإسكان اللام. وصوَّبه ثابت. وهو مثل الجُلبان من القطاني، وقاله بعضُ المتقنین بالراء: (جربان) بدل اللام. وجربان السيف والقميص. وفي البخاري: بجلب السّلاح. ولعلَّه جمع جُلْبان. وقد فسَّر الجلبان في الحديث: بالسيف وما هو فيه، وهو شبه الجراب من الأدم، يُوضع فيه السيف مغموداً، ويطرح فيه السَّوط. وفائدةُ اشتراطهم ذلك: أن لا يدخلَ عليهم على حالة المحاربين وهيئتهم، فيظنُّ أنَّه دخلها عليهم قهراً. و (قوله: ((هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله))) أي: ما صالح عليه. وهو ما تفتتح به حُجَّةٌ لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بالٌ بهذا، كقولهم: هذا الوثائق ما اشترى، وهذا ما أعتق، وهذا ما أصدق. وعلى تقديم الرجل الكبير في صدر الوثيقة، بائعاً كان، أو مُبتاعاً. و (يمحاها): يذهبها ويزيلها. يعني: الكلمة التي نازعه فيها. يقال: محوتُ الشيء، ومحيته، أمحوه، وأمحاه، محواً، ومحياً. حال الصحابة وامتناع عليٍّ - رضي الله عنه - من المحو مع أمر النبيِّ وَ له بذلك: إنما كان لأنه لم عند إبرام صلح يفهم من ذلك الأمر الجزم، ولا الإيجاب. وإنَّما فهم: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ أمره بذلك الحديبية ٦٣٦ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية نعلم: أنَّك رسولُ الله تابعناك - وفي رواية: بايعناك - ولكن اكتب: محمدُ بنُ عبد الله. فأمر عليّاً أن يمحاها. فقال عليٍّ: لا واللَّهِ لا أمحَاها. فقال رسول الله مَله: ((أرني مكانَها)) فأراه مكانها. فمحاها وكتب: ابن عبد الله. فأقام بها ثلاثة أيام. فلمَّا أن كانَ اليومُ الثالث قالوا لعليٍّ: هذا آخِرُ يومٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ، فَأُمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فأخبره بذلك. فقال: ((نعم)). فخرج. رواه أحمد (٢٨٩/٤ - ٢٩١)، والبخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣) (٩٢)، وأبو داود (١٨٣٢). على جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه، لكن خفي على عليٍّ، وعمر، وغيرهما وجهُ المصلحة في ذلك؛ ولذلك عظمت عليهم تلك الحال، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال: وحلف عليٍّ: ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيماً لمحو اسم الرِّسالة عن النبيِّينَ ﴿ه، والنبيُّ ◌َ ه[في كل ذلك](١) مقبلٌ على ما أراه الله، وممتثل أمر الله تعالى ساكن الجأش، واثقاً بأنَّ الله لا يضيعه، وأنَّ الله سيجعلُ لهم في ذلك خيراً وفَرَجاً، ولذلك كان حال أبي بكرٍ من سكون الجأش، والفِّقة بالله؛ حتى قال لعمر ما قال، ممَّا دلَّ على موافقته رسول الله وَ لخر ظاهراً، وباطناً، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله وَفِ حرفاً، حرفاً، حسب ما نصَّه في حديث سهل بن حنيف. و (قوله: ((أرني مكانها)) فأراه، فمحاها وكتب) ظاهِرُ هذا: أنَّهَ وَّهُ محى تلك الكلمة التي هي (رسول الله(#) بيده، وكتب مكانها: (ابن عبد الله) وقد رواه البخاريُّ بأظهر من هذا فقال: فأخذ رسولُ الله وَّير الكتاب، فكتب. وزاد في طريقٍ ما محاه 3﴾﴾ من وثيقة صلح الحديبية (١) ساقط من (ع). ٦٣٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية [١٣٠١] وعن أنس: أنَّ قريشاً صالحوا النبيَّ وَِّ فيهم سهيلُ بنُ عمرو. فقال النبيُّ وَّهِ لَعليّ: ((اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)). قال سهيلٌ: أمَّا بسم الله الرحمن الرحيم فما ندري: بسم الله الرحمن الرحيم. أخرى: ولا يُحسن أن يكتب. فقال جماعةٌ بجواز هذا الظَّاهر عليه، وأنه كتب بيده. منهم: السمناني، وأبو ذرّ، والباجي. ورأوا: أنَّ ذلك غير قادح في كونه: أمّاً، ولا معارض لقوله تعالى: ﴿وَمَّا كُنْتَ نَّتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَسْتُمُ بِِّينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولا لقوله: ((إنَّا أمَّةٌ أميَّة، لا نكتب، ولا نحسب))(١) بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه، وصحة رسالته. وذلك: أنه كتب من غير تعلُّم الكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، فكان ذلك خارقاً للعادة، كما أنَّه ◌ِوَهُ عَلِمَ عِلْمَ الأولين والآخرين من غير تعلُّم، ولا اكتسابٍ، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله، هذا لو فرض أنه علم الكتابة كلّها، وداوم عليها، فكيف ولم يُرْوَ عنه قطَّ أنَّه كتبَ في غير ذلك الموطن الخاصِ، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك، وإنما أجرى اللَّهُ تعالى على يده، وقلمه حركاتٍ كانت عنها خطوط مفهومها: (ابن عبد الله) [لمن قرأها](٢). ثمّ هل كان عالماً في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصَّة؟ كلُّ ذلك محتملٌ. وعلى التقديرين: فلا يزولُ عنه اسمُ الأميِّ بذلك؛ ولذلك قال الرَّاوي عنه في هذه الحالة: ولا يُحسِنُ أن يكتب. فبقي عليه اسمُ الأميِّ مع كونه قال: كتب. وقد أنكر هذا كثيرٌ من متفقُّهة الأندلس وغيرهم، وشدَّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر. وذلك دليلٌ: على عدم العلوم النظريَّة، وعدم التوقُّف في تكفير المسلمين، ولم يتفطّنوا لأنَّ تكفيرَ المسلم كقتله، (١) رواه أحمد (٤٣/٢ و٥٢)، ومسلم (٧٦١)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (١٣٩/٥). (٢) ساقط من (ع). ٦٣٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية ولكنِ اكتبْ ما نعرف: باسمك اللهم. فقال: ((اكتبْ: مِنْ محمدٍ رسولِ الله)). قالوا: لو علمنا أنّك رسولُه لاتَّبَعْناكَ. ولكنِ اكتبْ اسمكَ واسمَ أبيكَ. فقال النبي ◌ِّرِ: ((اكتب: من محمدِ بنِ عبد الله)) فاشترطوا على النبيِّ وَ﴿ِ أَنَّ مَنْ جاءَ مِنْكم لم نردَّه عليكُمْ. ومن جاء مِنَّا رددتموه علينا. فقالوا: يا رسول الله! أتكتب هذا؟ قال: ((نعم! إنه مَنْ ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم؛ سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)). رواه أحمد (٢٦٨/٣)، ومسلم (١٧٨٤). على ما جاء عنه وَّهر في الصَّحيح، لا سيما رَمْيُ من شهد له أهلُ عصره بالعلم، والفضل، والإمامة. على أنَّ المسألةَ ليستْ قطعيةً، بل مستندُها ظواهر أخبار آحادٍ صحيحة، غير أنَّ العقلَ لا يُحيلها، وليس في الشريعة قاطعٌ يُحيلُ وقوعَها على ما تقدَّم. و (قوله في الرواية الأخرى لعليٍّ: ((اكتب: من محمّد بن عبد الله))) ليس معارضاً للرواية التي تقدَّم ذِكْرُها؛ إذ ليس فيها: أنَّ عليّاً كتب بيده، وإنَّما فيها: أنه ولي أمره بالكتابة كما أمره بالمحو، فلم يمح عليٍّ، ولم يكتب، فلما امتنع عليّ منهما جميعاً للوجه الذي ذكرناه، قال له وَله: ((أرني مكانها)) فأراه إيّاه، فمحاه النبيُّ ◌َّه، وكتب بيده، على ما تقرَّر من المذهب الأول. وعليه تجتمعُ الرواياتُ المختلفة. عدم دخول و (قوله: فاشترطوا عليه: أنَّ مَن جاء منكم لم نردّه، ومن جاء مِنّا رددتموه النساء في علينا) لا خلافَ بين الرواة والمتأولين: أنَّ الرجالَ داخلون في هذا اللفظ العام، شروط صلح الحديبية واختلفوا: هل دخل فيهم النِّساء؟ فمنهم من منع ذلك، واستدلَّ بما جاء في البخاري في كتاب: الشروط، في هذا الحديث، وهو أنَّه قال: ولا يأتيك منا رجلٌ ٦٣٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية [١٣٠٢] وعن أبي وائلٍ قال: قام سهلُ بنُ حُنَيْفٍ يومَ صِفِين فقال: يا أيها الناسُ اتَّهموا أنفُسَكُم! لقد كنَّا معَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّله يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لَقاتَلْنا، وذلك في الصلح الذي كانَ بينَ رسولِ اللهِ وَه وبينَ على دينك إلا رددته إلينا(١). وهذا نصٌّ. وعلى هذا: فلا يحتاجُ إلى اعتذارٍ عن حبسٍ النبيِّ وَّ النساء اللاتي أسلمن وهاجرن إلى المدينة. ولا أن نقولَ في قوله تعالى: ﴿فَلَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] أنَّه ناسخ. والأكثر على أنهنَّ دخلن في ذلك العموم. وقد روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمي جاء زوجُها صيفي يطلبها، وكانت أسلمت، وهاجرت. وكذلك أمّ كلثوم بنت عقبة، فجاء زوجُها: مسافرٌ يطلبها بالشرط، فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردِّهِنَّ، ورأوا: أنَّ هذه الآيةَ ناسخة لما تقرَّر بالشرط المتقدِّم؛ الذي هو: ردهنَّ إلى الكفار. والطريقةُ الأولى أحسن، وأبعد عن الإشكال؛ إذ لم يدخلن في الشرط. ثمَّ اختلفوا: فيما إذا صولح العدو على مثل هذا الشرط. فذهب الكوفيون: حكم مصالحة إلى أنَّ ذلك لا يجوز؛ لا في الرجال ولا في النساء. ورأوا: أنَّ كلَّ ذلك منسوخٌ. العدو على ونحوه حكى مكيٍّ في ((الناسخ والمنسوخ)) له عن المذهب. وذهب مالك في الحديبية في مثل شرط المشهور عنه، وحُكي عن أصحاب الشَّافعيِّ جواز ذلك، ولزومه في الرِّجال دون الردِّ النِّساء، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه(٢). وقيل: إنما فَعَلَ النبيُّ ◌َّ ذلك لضعف المسلمين عن مقاومة عدوِّهم في ذلك الوقت، وذلك لأنَّه إنما ردَّ مَن ردّ ممَّن جاء مسلماً لآبائهم، وذوي أرحامهم؛ لعطفهم عليهم، ولحبِّهم فيهم، ولصحة إسلام مَن أسلم منهم، وللذي علمه النبيُّ ◌َلّهِ مِن حالِ مَن ردَّ: أنَّه سيجعل اللَّهُ له فرجاً ومخرجاً، وكذلك كان. وكلُّ هذه الأمور معدومةٌ في حقِّ غيره وَلَه فلا يحتجُ بتلك القضية على جواز ذلك. والله تعالى أعلم. (١) رواه البخاري (٢٧٣١ و ٢٧٣٢). (٢) في (ز): دينه. ٦٤٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٣) باب: صلح الحديبية المشركين، فجاء عمرُ بنُ الخطّابِ. فأتى رسولَ الله وَظله فقال: يا رسول الله! ألسنا على حقِّ وهم على باطلٍ؟! قال: ((بلی))، قال: أليس قتلانا في الجنَّة وقتلاهم في النَّار؟! قال: ((بلى))، قال: فقيم نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: ((يا بن الخطاب! إنِّي رسولُ اللَّهِ، ولن يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أبداً». قال: فانطلق عمرُ فلم يَصْبِرْ مُتَغَيِّظاً. فأتى أبا بكرٍ فقال: يا أبا بكرٍ! ألسنا على حقِّ وهُم على باطلٍ؟ قال: بلَى. و (قول سهل بن حنيفٍ: أيُّها الناس اتَّهموا أنفسكم) وفي الأخرى: (رأيكم) يعني به: التثبت فيما كانوا فيه، والتَّصبُّر، وألَّ يستعجلوا في أمورهم. ووجهُ استدلاله بها: أنَّ تلك الحالةَ كان ظاهِرُها مكروهاً لهم، صَعْباً عليهم، فلمَّا تثبتوا في أمرهم، وأطاعوا رسولَ الله ◌َ لي جعل الله لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً، فكأنه يقولُ لهم: إن صبرتم على المكروه، وتثبّتم في أمركم، واتقيتم الله، جعل اللَّهُ لكم من هذه الفتن مخرجاً، كما جعله لأصحاب رسول الله وَلا يمر يوم الحديبية. وقال القاضي عياض: إنما قال ذلك سهل بنُ حنيفٍ لما ظهر في أصحاب عليٍّ من كراهة شأن التحكيم، ومراوضة الصلح، وكان الظفرُ لهم، حتى رفع لهم أهلُ الشام المصاحف، ودعوهم إليها، ورغبوا في المصالحة. موقف عمر رضي الله عنه و (قول عمر: لم نعطي الدنيَّة في ديننا؟!) يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به: الصُّلح على ما شرطوا. ولم يكن ذلك من عمر شكاً، ولا معارضةً، بل من شروط صلح كان استكشافاً لما خفي عنه، وحثّاً على قتال أهل الكفر، وإذلالهم، وحرصاً على الحديبية ظهور المسلمين على عدوّهم. وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله، والجرأة؛ والشجاعة التي خصَّه اللَّهُ بها. وجواب النبيِّ وَ لِّ وأبي بكرٍ بما جاوباه به يدلُّ: على أنَّ عندهما مِن علم باطنة ذلك؛ وعاقبة أمره ما ليس عند عمر، ولذلك لم يَسْكُنْ عمر حتى بشَّرَه النبيُّ وَ ﴿ بالفتح، فسكن جأشُه، وطابت نفسُه .