النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي قل إلى هرقل (١٨) باب كتاب النبيِّ وََّ إلى هِرقلَ يدعُوه إلى الإسلام [١٢٨٩] عن ابن عباس، أنَّ أبا سفيانَ أخبرَه مِن فِيه إلى فِيه. قالَ: انطلقتُ في المدة التي كانت بيني وبينَ رسولِ اللهِ لهِ. قال: فَبَيْنا أنا بالشام إذا جِيءَ بكتابٍ من رسولِ الله ◌َّ إلى هرقلَ (يعني: عظيمَ الرُّومِ) عطاء، ومجاهد، ومكحول، والشَّعبيُّ. ورأوا: أنَّ آيةَ المائدة ناسخةٌ لآية الأنعام(١)، أو مخصّصة لها. وقالوا: قد علم اللَّهُ أنهم يقولون ذلك، وقاله ابنُ حبيب. واختلفوا أيضاً إذا ذبح ولم يُسَمِّ شيئاً. فمنعه أبو ثور. وهو مذهبُ عائشة، وعليٍّ، وابن عمر. وقال أحمد، وإسحاق: لا بأس به. واختلفَ إذا ذبحوا ما كان لمسلمٍ، وغير ملكهم. فمنعه ربيعة، واختلف فيه عن مالكٍ. (١٨) ومن باب: كتاب النبيِّ بَّل إلى هرقل (قول أبي سفيان: في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله (وَلاير) يعني به: صُلْح النبيِّ وَ ل﴿ مع قريش بالحديبية، وكانوا تعاقدوا على صلح عشر سنين، فاستمرَّ ذلك إلى أن نقضتْ قريش العقد، فكان ذلك سَبَب فتح مكة. و (دِحية): يقال بفتح الدَّال وكسرها. قال ابنُ السكيت: هو بالكسر لا غير. وقال أبو حاتم: هو بالفتح لا غير. وقال المطرِّز: الدِّحى: الرؤساء، واحدهم: دِحية. [قلت: وعلى هذا فالكسر هو الصوابُ، كما قال ابنُ السكيت؛ لأن: دحية](٢) ودحى، كلحية، ولحى، وفدية، وفِدى. وهو القياس؛ لأنَّ نظيرَه من الصحيح: قِرْبَةٌ وقِرَب، لكن لا يبعدُ أن يقال: إنه لما نُقِل إلى العلمية غُيِّر بالفتح، كما قد فعلت العربُ في كثيرٍ (١) هي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُّكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦٠٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي # إلى هرقل قالَ: وكان دِخْيَةُ الكلبيُّ جاءَ به، فدفعَه إلى عظيم بُصرى، فدفعَه عظيمُ بُصرى إلى هِرقْلَ، فقالَ هرقلُ: هل ها هُنا أحدٌ منَ قوم هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنَّه نبيٌّ؟ قالوا: نعم. فدُعِيتُ في نَفَرِ من قُريشٍ، فَدَخلَنا على هرقلَ. فأجلسَنَا بينَ يديْهِ. فقالَ: أَيُّكم أقربُ نَسَباً مِن هذا الرَّجلِ الذي يزعمُ أنَّه نبيٌّ؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ: أنا. فأجلسُوني بينَ يديْه. وأجلسُوا أصحابي خَلْفِي. ثم دعا بتَرْجُمانِه فقالَ له: قلْ لهم: إنِّي سائلٌ هذا عن هذا الرَّجلِ من الأعلام. و (بُصرى) - بضم الباء - وهي من مدن الشَّام، وهي مدينةُ حوران. و (الترجمان): هو المعبِّر عن القوم. يقال: بضم التاء وفتحها. و (هِرَفْل) - بكسر الهاء، وفتح الرَّاء، وسكون القاف - وهو اسمٌ لكلِّ ملكِ للزُّوم، كالنجاشيِّ: اسم لكلِّ ملك للحبشة. وكسرى: اسم لكلِّ ملكِ للفرس. وقد قدَّمنا هذا في كتاب: الجنائز. قلتُ: إذا تأملت هذا الحديث علمت فطنةً هذا الرَّجل، وجَوْدة قريحته، وحُسْن نظره(١)، وسياسته، وتثبُه. وأنه عَلِم صحَّة نبؤَّة نبيِّنا محمدٍ وَّهِ، وصِدْقه. غير أنَّه ظهرَ منه بعد هذا ما يدلُّ: على أنه لم يؤمن، ولم ينتفعْ بذلك العلم الذي حَصَل له، فإنَّه هو الذي جيَّش الجيوشَ على أصحاب رسول اللهِوَّ، وقاتَلَهم، وأَّبَ عليهم، ولم يقصِّرْ في تجهيز الجيوش عليهم، وإرساله إليهم الجموع العظيمة من الروم وغيرهم الكرَّة بعد الكرَّة، فيهزمهم الله، ويهلكهم، ولا يرجع إليهم منهم إلا فلُّهم(٢)، واستمر على ذلك إلى أن مات، وقد فتح الله على المسلمين أكثر بلاد الشَّام، ثم وَليَ ولده بعده، وعليه فُتحت جميع البلاد الشَّامية، وبهلاكه هلكت المملكةُ الروميَّةُ. (١) في (هـ) و (م) : فكره. (٢) ((الفلُّ»: القوم المنهزمون. ٦٠٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي # إلى هرقل الذي يزعمُ أنَّه نبيٌّ. فإنْ كَذَبَنِي فكذِّبُوه. قال: فقال أبو سفيان: وايمُ اللَّهِ لولا مخافةُ أنْ يُؤْثَر عليَّ الكذبُ لكذبتُ! ثم قال لتَرْجُمانه: سله كيفَ حسَبُهُ فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حَسَبٍ. قال: فهل كانَ من آبائِهِ مَلِكٌ؟ قلت: لا، قال: فهل كنتُم تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ قلت: و (قوله: فإن كَذَبني فكذِّبوه) كَذَبني - بفتح الذَّال، وتخفيفها، وبالنون -: يعني: أنه إن كذب لي فأظهروا كذبه، وهو ممَّا يُعدّى بحرف الجر وبغيره، يقال: كذبته، وكذبت له. و (كذِّبوه) - مشدِّد الذال ــ أي: عرِّفوني بكذبه، وأظهروا كذبه، ولذلك أجلس أصحابَه خَلْفَهُ. وإنَّما سأل عن أقربهم نسباً منه؛ لأنَّه أعلمُ بدَخْلَة أمر صاحبه في غالب الحال. وهذه كلُّها التفاتاتٌ من هرقل تدلُّ: على قوة عقله. و (قول أبي سفيان: وايمُ الله) هي كلمةٌ محذوفةٌ من (ايمن الله) تستعملها العربُ اسماً مرفوعاً في القسم على الابتداء، والخبر محذوف. وقد اختلف النحويون فيها. هل هي: اسم مفرد همزتُه همزةُ وصل، وإنما فتحتْ همزتُه لأنه غير منصرف، فخالف جميعَ همزات الوصل، وهو مذهبُ سيبويه؟ أو هل هي: جمع يمين، وهمزته همزة قطع؛ لأنها همزة جمع. وهو قولُ الفرَّاء؛ وهي عنده جمعُ يمينٍ؟ وقول سيبويه أشبه، بدليل: أنهم كسروا همزتها، وأنهم تصرَّفوا فيها بلغاتٍ مختلفة، منها: إيمن - بالكسر - وبالفتح: آيمن. وبحدف النون والهمزة و(١) ضم الميم من (مُ الله) وكسرها. وقد أبدل بعضهم من الهمزة (هاءً) فقال: هيمن الله. وهذا النحو من التصرف لم تفعله العرب في صيغ الجموع. و (قوله: لولا أن يُؤثر عليَّ الكذب لكذبتُ عليه) يعني: لولا أن يتحدَّث ويُنقل عنه الكذب. وإنما وقع له هذا في ذلك الوقت لشدَّة عداوته للنبيِّ وَله (١) زاد في اللسان: وحذف الياء. ٦٠٤ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (١٨) باب: كتاب النبي # إلى هرقل لا. قال: ومَنْ تَبِعَه؟ أشرافُ الناس أم ضعفاؤُهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤُهم. قال: أيزيدونَ أم يَنْقُصُونَ؟ قال: قلت: لا بل يَزيدونَ. قال: هل يَرتدُّ أحدٌ منهم عن دينه بعد أن يدخلَ فيه سخْطَةً له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيفَ كانَ قِتالُكُم إِيَّاه؟ قال: قلت: تكونُ الحربُ بينَنا وبينَه سِجَالاً، يُصيبُ منا ونُصيبُ منه. قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحنُ منه في مُدَّةٍ لا نَدري ما هو صانعٌ فيها. قال: فواللهِ ما أمكَنني مِن كلمةٍ أُدْخِلُ فيها شيئاً غيرَ هذه. قال: فهل قالَ هذا القولَ أحدٌ الكذب مذموم وحَسَده، وحرصه على إطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره. وفيه ما يدلُّ: على في الجاهلية أنَّ الكذبَ مذمومٌ في الجاهلية، والإسلام، وأنَّه ليس من خُلُق الكرام. والإسلام و (الحسب): الشَّرف. والحسيبُ من الرِّجال: هو الذي يحسُب لنفسه آباءً أشرافاً ومآثر جميلةً. [وهو من الحساب](١)، وهو: العدد. و (السِّجال) مصدر: ساجله، يساجله، سجالاً: إذا ناوبه، وقاومه. وأصله من السَّجْل: وهو: الدلو العظيمةُ التي لا يستقلُّ واحدٌ برفعها من البئر. وقد فسَّر معناه بقوله: يصيبُ منَّا، ونُصِيبُ منه . خلق و (قوله: والله ما أمكنني من كلمةٍ أُدْخِلُ فيها شيئاً غير هذه) الكلمة. يعني: رسول الله ◌َ أنَّه كان يعلمُ من خُلُق رسول اللهِ وَّ الوفاء، والصدق، وأنه يفي بما عاهدهم عليه، لكن لما كان المستقبلُ غير حاصلٍ في وقته ذلك لبَّس بتطريق الاحتمال، تمويهاً بما يعلمُ خلافَه. و (قول هرقل في الضعفاء: هم أتباع الرُّسل، إنَّما كان ذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والضعيفُ خليٍّ عن تلك الموانع(٢)، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا، وإلا فقد ظهر: أن السُّبَّاقَ الضعفاء أتباع الرسل (١) ساقط من (ع). (٢) في (ز): المواضع. ٦٠٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي 18 إلى هرقل قبلَه؟ قال: قلت: لا. قال لتَرجُمانه: قل له: إني سألتُك عن حسَبِهِ فزعمتَ أنه فيكم ذو حَسَبٍ، وكذلكَ الرُّسلُ تبعثُ في أحسابٍ قومِها. وسألتُ: هل كانَ في آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فزعمتَ أنْ لا. فقلتُ: لو كانَ من آبائِه مَلِكٌ قلتُ رجلٌ يطلبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وسألتُك: عن أتباعِه، أضعفاؤُهم أم أشرافُهم؟ فقلت: بل ضعفاؤُهم وهم أتباعُ الرسل. وسألتُكَ هل كنتُم تَتَّهِمُونَه بالكذبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قالَ؟ فزعمتَ أن لا، فقد عرفتُ أنَّه لم يكنْ لِيَدَعَ الكذبَ على النَّاس ثم يذهبَ فيكذبَ على الله. وسألتُكَ هل يرتدَّ أحدٌ منهم عن دينهِ بعد أنَ يدخلَه سَخْطَةً له؟ فزعمتَ أنْ لا، وكذلك الإيمانُ إذا خالطَ بشاشةَ القُلوبِ. وسألتُك هل يزيدونَ أم ينقصونَ، فزعمتَ أنهم يَزِيدونَ، وكذلكَ الإيمانُ حتى يَتِمَّ. وسألتُك: هل قاتلتمُوه؟ للإسلام كانوا أشرافاً في الجاهلية والإسلام، كأبي بكرٍ، وعمر، وحمزة، وغيرهم من الكبراء والأشراف. و (قوله: وكذلك الرُّسل تُبعث في أحساب قومها) إنما كان ذلك لما خصَّ من صفات اللَّهُ به الأشرافَ من مكارم الأخلاق، والتباعد عن سفسافها. والصِّدق، والأمانة، الرسل ولتنجذب النفوسُ إليهم؛ فإنَّ الأبصارَ مع الصور، وأقلُّ ما في الوجود إدراكُ البصائر . و (قوله: وكذلك الإيمانُ حين يخالطُ بشاشةَ القلوب) هكذا وقعتْ هذه الإيمان يشرح الروايةُ هنا، وفي البخاري: حين تخالطُ بشاشته القلوب. وهي أوضح. وأصلُ القلوب البشاشة: التلطّفُ، والتأنُّسُ عند اللقاء. يقال: بشَّ به، وبشبش. ومعنى هذا: أنَّ القلوبَ المنشرحةَ إذا سمعتِ الإيمان، وأصْغَتْ إليه بشَّتْ له، ورحَّبتْ بلقائه، كما يفعلُ بالغائب عن اللقاء، ثم إذا حلَّ الإيمانُ في القلب انكشفتْ له محاسنه، وتوالت عليه أنوارُه، حتى يكره أن يعودَ في الكفر، كما يكره أن يُقْذَفَ في النَّار. ٦٠٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي # إلى هرقل فزعمتَ أنَّكم قد قاتلتمُوه، فيكونُ الحَربُ بينكم وبينَهَ سِجالاً، ينالُ منكم وتنالونَ منه، وكذلك الرُّسلُ تُبْتَلى ثم تكونُ لها العاقبةُ. وسألتُك هل يَغْدِرُ؟ فزعمتَ أنَّه لا يغدرُ، وكذلكَ الرُّسلُ لا تَغْدِرُ. وسألتُك: هل قالَ هذا القولَ أحدٌ قبلَه؟ فزعمتَ أنْ لا. فقلتُ: لو قالَ هذا القولَ أحدٌ قبلَه، قلتُ: رجلٌ ائتمَّ بقولٍ قيلَ قبلَه. ثم قال: بم يأمرُكم؟ قالَ: قلتُ: يأمرُنا بالصَّلاة والزَّكاة والصّلة والعَفَافِ. قال: إن يكنْ ما تقولُ فيه حَقّاً فإنه نبيٌّ، وقد ابتلاء الرسل و (قوله: وكذلك الرُّسل تُبتلى، ثم تكونُ لهم العاقبة) ابتلاء الرُّسلِ بنحو ما ذكر إنما هو ترفيعٌ لدرجاتهم، وسترٌ لأحوالهم، حتى لا يصير العلمُ بهم ضرورياً. والله تعالى أعلم. و (العاقبة): العقبى: الخاتمة الحسنة. الرسل کثیرون و (قوله: هل قال هذا القولَ أحدٌ قبله؟) يعني: من عرب قومه، وإلا فالرسلُ كثير، وقد كان في العرب غير قومه رسلٌ، كهودٍ، وصالح، كما ذكر في حديث أبي ذرِّ(١)، ولذلك قال تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمَاً مَّ أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمَّ﴾ [يس: ٦] أي: لم يُبْعَث في آبائهم المشهورين عندهم رسولٌ ينذرهم. وهو قولُ المحققين من المفسّرين. وقد دلَّ عليه قولُه تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمَا مَآ أَتَنْهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [السجدة: ٣]. و (الصلة): يعني بها: صِلة الأرحام. و (العفاف) يعني به: عن الفواحش. و (قوله: إن يكن ما تقول حقاً فإنَّه نبي) هذا الكلامُ محذوفُ المقدمة الاستثنائية لدلالة الكلام عليها (٢)، وتقديرها: لكن ما تقول حقٌّ، فهو نبيٌّ. ويدلُ (١) رواه ابن حبان (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١٦٦/١ و١٦٨). (٢) أي: محذوف الشرط الذي جاء في أول الكلام، وأنه لا مبرر له بدلالة الكلام الذي بعده . ٦٠٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي # إلى هرقل كنتُ أعلم أنَّه خارجٌ، ولم أكن أظنُّه منكم، ولو أني أعلمُ أني أخْلُصُ إليه، لأحببتُ لِقاءَه، ولو كنتُ عندَه لغسلتُ عن قَدميْهِ، وليَبْلُغَنَّ مُلْكُه ما تحتَ قَدَميَّ. قال: ثم دعا بكتابٍ رسولِ الله وَلّ فقرأه، فإذا فيه: على أنَّ هذا مراده قطعاً الذي بعده فإنَّه قطع فيه بنبوته، فتأمَّله. و (قوله: وقد كنتُ أعلم أنه خارج) أي: بما في الكتب التي اطلع عليها، والبشائر به، والإخبار بمجيئه، ووقته، وعلاماته. و (قوله: ولم أكن أظنُّ أنه منكم) كأنه استبعدَ أن يكونَ نبيٌّ من العرب، لِما العرب في الجاهلية كانوا عليه من الأعمال الجاهلية، والطبيعة الأميَّةِ، والحالة الضَّعيفة الزريَّة، وتمشُّكاً بكثرة الرسل في الملة الإسرائيلية، وقد كان كلُّ ذلك، لكن جبر اللَّهُ صَذْعَ . هذه الأمة؛ بأن اختصهم بهذا الرسول العظيم؛ الذي شرَّفهم به، وكرَّمهم حتى صيَّرهم خيرَ أمةٍ، والحمدُ لله على هذه النعمة . وتكريمهم بالإسلام و (قوله: ولو أني أعلمُ أني أخلص إليه لأحببتُ لقاءه) هكذا جاءتْ هذه الروايةُ عند جميع رواه مسلم، وفيها بُعْدٌ. وأوضح منها ما جاء في البخاريٍّ: لتجشَّمتُ لقاءه، أي: لتكلَّفتُ ذلك على مشقةٍ. و (قوله: ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدميه) أي: إكراماً، واحتراماً، وخدمةً. و (قوله: وليبلغنَّ مُلْكُهُ ما تحت قدميَّ) يعني بذلك أرضَه التي كان فيها، ومملكته التي كان عليها. وكذلك كان. وهذا منه تحقيقٌ النبوّته وَ لِهِ، وعِلْم بما يفتح اللَّهُ عليه، وبما ينتهي إليه أَمْرُه. ومع ذلك: ففي البخاري: أنَّه استمرَّ على كُفْره، فنعوذُ بالله من علم لا ينفع. ٦٠٨ (١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١٨) باب: كتاب النبي إلا إلى هرقل ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّدٍ رسولِ الله إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، سلامٌ على مَنِ اتَّبَع الهُدى، أما بعدُ فإنِّي أدعوكَ بدعايةِ الإسلام، أُسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلِم يُؤْتِكَ اللَّهُ أجرَكَ مرّتین، و (قوله وَ﴿﴿ه في الكتاب الذي كَتَبه إليه: ((إلى هرقل عظيم الروم))) أي: الذي من أخلاقه إِلخير إعطاء الناس تعظّمه الروم، وهو مُفاتحتُه بخطابٍ استلطافٍ، ويقتضي التأنيس، والاستئلاف، مكانتهم مع أنَّه حقٌّ في نفسه، فإنه كان مُعظَّمَاً في الروم، وكان أعظمَ ملوكهم. و (قوله: ((سلامٌ على مَن اتبع الهدى))) عُدولٌ عن السلام عليه؛ لأنَّ الكافرَ الكافر لا يُفاتح بالسلام لا يُفاتَحُ بالسلام إلى التَّعريض له باتِّباع طريق الهداية، وقد رأى بعضُ أهل العلم: أنَّ السَّلامَ على أهل الكفر والبدَع هكذا يكون. و(دِعاية الإسلام) بكسر الدَّال، وهي في أصلها: مصدر: دعا، يدعو، دعوةً، ودِعايةً، كرمى، يرمي، رميةً، ورمايةً، وشكا، يشكو، شكوةً، وشكايةً. ويعني بها هنا: كلمتي الإسلام، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله. وأما رواية: (داعية) فهي صفةٌ للكلمة المحذوفة، فكأنَّه قال: بالكلمة الداعية للإسلام. و (قوله: ((أسلمْ تسلمْ))) يعني: ادخلْ في دين الإسلام تسلمْ في الدنيا من الخزي وفي الآخرة من العذاب، وهو من التجنيس البديع. و (قوله: ((يُؤْتِكَ اللَّهُ أجرك مرَّتين))) يعني: باتِباعه لدين عيسى عليه السلام، وباتِّباعه لدين محمد و له، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثةٌ يؤتون أجرهم مرَّتين: رجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بنبيه، ثم أدرك النَّبِيَّ نَ ◌ّهِ فآمن به، واتّبعه، فله أجران». قلتُ: وهذا إنما يتحصَّل للكتابيِّ إذا كان متِّعاً لدين نبيّه في الاعتقاد الصّحيح، والعمل على مقتضى شريعته. أما لو اعتقد في عيسى، أو في الله تعالى ما لم تجىءْ به شريعتُه، فلا يحصلُ له أجران إذا أسلم، بل أجر الإسلام خاصةً؛ عِظم أجر الکتابي بإسلامه ٦٠٩ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (١٨) باب: كتاب النبي 8 1 إلى هرقل وإِنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عليكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. فلما فرغَ مِن قراءةِ الكِتابِ ارتفعتِ الأصواتُ عندَه لأنه لم يكنْ على شريعةٍ عيسى، ولا على غيرها، فلم يتبعه، فلا يحصلُ له أجرٌ. و (قوله: ((فإن تولَّيْتَ فإنَّ عليكَ إِثْمَ الأريسيين))) يُروى: الأريسيين بالهمزة، وبالياء مكان الهمزة. فأمَّا بالهمزة: فقيل: همُ الملوك، وقيل: الأكّارون، وهم الفلَّحون. قال ابنُ الأعرابي: أرس، يأرس، أرساً: إذا صار ريِّساً. فيكون معناه: إنْ أعرض عن الدُّخول في الإسلام كان عليه إثمُ مَن اتبعه من رؤساء مملكته ورعاياه. قال أبو عبيد: ليس الفلَّحون الزَّراعون فقط، لكن أراد بهم جميعَ أهل مملكته؛ لأنَّ كلَّ مَن يزرعُ عند العرب فلاح. وأمَّا من رواه بالياء، فقد قيل فيه ما تقدم، فتكون لغتين. وقال بعضُهم: يكون من التبختر. يقال: راس، يريس، ريساً، ورَيَساناً: إذا تبختر. وراس يروس، روساً، أيضاً. قلتُ: وعلى هذا فيكون المراد به: أنَّ عليه إثم من تكبِّر على الحقِّ، ولم يدخل فيه من أهل مملكته. (أهل الكتاب): اليهود، والنصارى، نُسِبوا إلى الكتابين المنزلين على موسى من هم أهل وعيسى عليهما السلام. (تعالوا) بمعنى) أجيبوا إلى ما دُعِيْتُم إليه. وهو الكلمةُ الكتاب؟ العادلةُ المستقيمة، التي ليس فيها ميلٌ عن الحقِّ، وقد فسَّرها بقوله: ﴿أَلَّانَعْبُدَ إِلَّا اَللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِه شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] (أرباب) جمع: رب. وقد تقدَّم تفسيرُه. و (دون): هي بمعنى: غير. (فإن تولوا): أعرضوا عمَّا دُعُوا إليه. (فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون) أي: مُتَّصفون معنى الإسلام بدين الإسلام، مُنقادون لأحكامه، مُعْترفون بما لِلَّه علينا في ذلك من المنن، والإنعام. ٦١٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي ### إلى هرقل وكثُرِ اللَّغَطُ، وأمرَ بنا فأُخرجنَا. فقلت لأصحابي حينَ خرجنَا: لقد أمِرَ أمرُ ابنِ أبِي كَبْشَةَ، إنه لَيَخافُهُ مَلِكُ بني الأصفرِ! جواز مسّ الجنب كتب التفسير والفقه وفيه دليل: على جواز مسِّ الجنب، والكافر، كتب التفسير والفِقْه؛ وإن كان فيها قرآن؛ لأنَّ القرآنَ فيها تابعٌ لغيره، فجاء ضمناً بخلاف ما إذا كان القرآنُ وحده؛ فلا يجوزُ للجنب، ولا للكافر أن يمسًّا منه شيئاً، قليلاً كان أو كثيراً. ومِنْ هنا قال مالكٌ - رحمه الله -: إنَّ المصحفَ إذا كان في عدلٍ أو خرجٍ ليس مخصوصاً بالمصحف جاز للجُنُب، والنصراني أن يحملاه في خرجه، أو عدله. وأما جوازُ قراءة الجُنُب الآيات اليسيرة للتعوُّذ؛ فلا يستمرأ مِن هذا الحديث، فتأمَّله. و (اللغط): اختلاف الأصوات، واختلاطها، وهو السّخُب أيضاً، كما وقع في البخاريِّ. و (قول أبي سفيان: لقد أَمِرِ أمْرُ ابن أبي كبشة، إنّه ليخافه ملكُ بني الأصفر) (أَمِر) أي: علا وعظم، وهو من: أمر القوم: إذا كثروا. ومنه: قوله تعالى: ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِهَا﴾ [الإسراء: ١٦] فيمن قرأه بالتخفيف على أحد الوجوه. ونسبة النَِّي وَّ من هو لابن أبي كبشة؛ قال فيه أبو الحسن الجرجاني(١) النسّابة: نسبتُهُم إياه لابن أبي أبو كبشة؟ كبشة عداوةٌ له إذ لم يمكنهم الطعنُ في نَسَبه الشهير، وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة جدُّه أبو أمِّه يكنى أبا كبشة، وكذلك عمرو بن زيد بن أسدٍ النَّجاري أبو سلمی أم عبد المطلب كان يُدعى أبا كبشة، وكذلك أيضاً في أجداده من قِبَل أمّه أبو كبشة جزّ بن غالب بن الحارث، وهو أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف أبي آمنة أمِّه ◌ِتره وهو خزاعي، وهو الذي كان يعبد الشعرى(٢). وكان أبوه من الرَّضاعة يدْعى (١) هو علي بن عبد العزيز بن الحسن، وُلد بجرجان، وولي قضاءها، له: ((الوساطة بين المتنبي وخصومه)) و ((تفسير القرآن)، و((تهذيب التاريخ)) وغير ذلك. توفي بنيسابور سنة (٣٩٠ هـ). (٢) ((الشِّعْرى)): كوكب نيِّر يقال له المرزم، وهما الشِّعريان: العَبُور التي في الجوزاء، والغُميصاء التي في الذُّراع - نجم من نجوم الجوزاء .. ٦١١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٨) باب: كتاب النبي 8 1 إلى هرقل قال: فما زلتُ مُوقناً بأمرِ رسولِ الله وَّرِ أنَّه سيظهرُ، حتى أدخلَ الله عليَّ الإسلام. وفي رواية: وكان قيصرُ لمّا كشفَ الله عنه جنودَ فارسَ مَشى مِن حمصَ إلى إيلياءَ، شكراً لما أَبْلاه اللَّهُ، وقال فيها: ((من محمّدٍ عبدِ الله ورسوله)). وقال: ((إثم اليَرِيْسِيِّينَ))، وقال: ((بداعيةِ الإسلامِ)). أبا كبشة، وهو الحارثُ بن عبد العزَّى السَّعدي. وقال مثل هذا كلُّه محمد بن حبيب البغدادي. وزاد أبو نصر بن ماكولا، وقال: أبو كبشة: عمرو والد حليمة مرضعته. وقيل: إنما نسبوه لأبي كبشة لأنَّه خرج من دين العرب، كما فعل أبو كبشة الذي عبد الشّعرى العَبُور، وإنما عبدها؛ لأنه رآها تقطع السَّماء عرضاً بخلاف سائر النجوم. وفي تسمية الروم بـ (بني الأصفر) قولان: أحدهما: ما قاله ابنُ الأنباري: أنَّ جيشاً من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدَّهر فوطئوا نساءهم، فولدن أولاداً صفراً. والثاني: قاله أبو إسحاق الحَرْبي، وهو أنَّهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. وهذا أشبه من القول الأول. و (قوله: شكراً لما أبلاه) أي: أنعم عليه. وأصل الابتلاء: الاختبار. وفيه لغتان: ثلاثياً، ورباعياً. يقال: بلا، وأبلى. وقد جمع بينهما زهيرٌ فقال: وَأَبْلَهُمَا خَيْرَ الْبَلَاءِ الَّذِي يَبْلُو(١) وقيل: (أبلى) في الخير، و (بلا) في الشرِّ. والأول أشهر. (١) هذا عجز بين، وصدره: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم. ٦١٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١٩) باب: كتب النبي # إلى الملوك رواه أحمد (٢٦٣/١)، والبخاري (٤٥٥٣)، ومسلم (١٧٧٣)، والترمذي (٢٧١٧). (١٩) باب كتب النبيّ وَ ﴿ إلى الملوك يدعوهم [١٢٩٠] عن أنس، أنَّ نبيَّ الله ◌َ ◌ّهِ كتبَ إلى كِسرى وإلى قيصرَ، وإلى النَّجاشِيِّ: وإلى كلِّ جَبَّارٍ، يدعُوهم إلى اللَّهِ، وليس بالنَّجَاشِيِّ الذي صَلَّى عليه النبيُّ ◌َّوِ. (١٩) [ومن باب: كتب النبي ◌َّ إلى الملوك يدعوهم](١) (قوله: وليس بالنجاشيِّ الذي صلَّى عليه النبيُّ وََّ) هذا تحرزٌ من الراوي؛ لئلا يظنَّ أنَّ النجاشيَّ المسمَّى: أصحمة؛ الذي هاجر إليه أصحابُ رسول الله وال هو هذا، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا احتاج في إسلامه إلى أن يدعوه النبيُّ أَليو [إلى الإسلام](٢) ويكاتبه في ذلك، ولم يحتج أصحمةُ إلى شيءٍ من ذلك، بل بنفس ما سمع القرآن من جعفر وأصحابه الذين هاجروا إلى أرضه، وأخبر بقواعد الإسلام، وبمحاسنه، ورأى ما كان الصحابةُ عليه؛ أحبَّ دين الإسلام، وانقاد إليه، وصرَّح بأنَّه على اعتقاد المسلمين في عيسى - عليه السلام -، وعرض على أهل مملكته الدخولَ في الإسلام، فلما رأى نفرتهم، ويئس منهم، كتم إسلامه تقيَّةً على نفسه، منتظراً التخلص منهم، إلى أن توفي على الإسلام والإيمان بشهادة (١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، واستدرك من التلخيص. (٢) ساقط من (ع). ٦١٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين وقد رواه من طريقين، ولم يذكر: وليس بالنَّجَاشِيِّ الذي صلَّى عليه النبيُّ آلّد . رواه مسلم (١٧٧٤)، والترمذي (٢٧١٨). (٢٠) باب في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام [١٢٩١] عن عبَّاس بن عبد المطلب، قال: شهدتُ مع رسول الله ﴿ يومَ حُنينٍ، فلزمتُ أنا وأبو سفيان بنُ الحارثِ بن رسول الله وَ﴿﴿ له بذلك، حيث نعاه لهم، وقال: ((إنَّ أخاً لكم بأرض الحبشة قد مات، فقوموا، فصلُّوا عليه))(١)) كما تقدَّم في الجنائز، وإنَّما النجاشيُّ الذي كاتبه رسولُ الله ◌َ آخر غير هذا من ملوك الحبشة، إمَّا في جهةٍ أخرى، أو بعد موت أصحمة. والله تعالى أعلم. وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ: على جواز مفاتحة الكفَّار بالمكاتبة. وهو حكمٌ مفاتحة الكفار بالمكاتبة لم يختلف فيه. (٢٠) ومن باب: غزوة حُنين [كانت غزوة حنين](٢) بعد فتح مكة بأيام، وذلك: أنَّ مكةَ فُتحتْ لعشرٍ بقين من رمضان سنة ثمانٍ من الهجرة، وكانت وقعةٌ هوازن يوم حنين في أول شؤَّالٍ من (١) سبق تخريجه . (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦١٤ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين عبد المُطَّلِب رسولَ الله ﴿ فلم نفارقْه، ورسولُ الله ◌ِوَ لَه على بغلةٍ له، بيضاءَ، أهدَاهَا له فَرْوَةُ بنُ نُفَاثَة الجُذَامِيُّ، فلمَّا التقَى المسلمون والكُفَّار، ولَّى المسلمونَ مُدبرينَ، فطَفِقَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَرْكُضُ بغلتَه قِبَلَ الكُفَّار. قال تلك السَّنة. و (حنينٌ): موضعٌ معروفٌ، سُمِّي باسم رجلٍ لازمه، ويُصرف ولا يُصرف. وأنشد في الصِّحاح: نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وشَدُّوا أزْرَه بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكَلَ الأَبْطالُ والأغلب عليه الصرف. و (فروة بن نفاثة) صوابه: بالنون المرفوعة، والفاء، والثاء المثلثة. كذا لجميع الرواة. وقد قيده(١) بعضهم: (نباتة) بالنون والباء بواحدةٍ، والتاء باثنتين من فوقها، وكأنَّه تصحيفٌ، وقد رواه مسلمٌ من حديث معمر عن ابن شهاب. فقال: فروة بن نعامة، والأول أشهر. واختلف في إسلامه. وفي البخاري: أنَّ مُهدي البغلة للنبيِّ ◌َ﴿ ملك أيلة، واسمه فيما ذكره ابن إسحاق: يُحنَّة بن رُؤبة (٢). وقبوله ◌َّ هدية فروة يعارضه قولُهُ وَّهِ: ((إنِّي نُهيت عن زَبْد المشركين))(٣) وامتنع من قبول هديتهم. وقد اختلف في هذين الحديثين. فمن العلماء مَن ذهب إلى أنَّ حديثَ فروة ناسخٌ للحديث الآخر. ومنهم من رام الجمع بينهما فقال: حيث قبل فإنما قبل استثلافاً، وطمعاً في إسلام المهدي، وحيث ردَّ لم يطمع في حکم قبول هدایا المشركين (١) في (هـ) و(ط): شدَّ. (٢) في (ل): روزنة، وفي (هـ): روزبة، والمثبت من (ع) و(ج) وتاريخ الطبري (١٠٨/٣). (٣) رواه أبو داود (٣٠٥٧)، والترمذي (١٥٧٧) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه. و((الزَّبْد)) الرِّفْد والعطاء. ٦١٥ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٠) باب: في غزاة حنين عبَّاسُ: وأنَا آَخِذٌ بِلِجَام بغلةِ رسولِ الله ◌ِوَ﴿ أَكُفّها إرادَةَ أنْ لا تُسرعَ، وأبو سفيان آخذٌ بركَابٍ رَسولِ الله وَّهِ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَيْ عِبَّاسُ! نادٍ أصحابَ السَّمُرةِ)). فقال عبَّاسُ، وكانَ رَجُلاً صيّاً: فقلتُ بأعلى صَوْتي: أينَ أصحابُ السَّمُرَةِ! قال: فواللَّهِ لكأنَّ عَطْفَتَهُمْ حين سَمِعُوا ذلك. وقيل: إنما ردّ [حيث لم تكن فيه مصلحةٌ للمسلمين، وقيل حيث كان فيه ذلك. وقيل: إنما ردًّ] (١) ما أهدي له في خاصَّة نفسه، وقَبِل ما علم منه خلافَ ذلك. قاله الطَّبريُّ. قال(٢): ولا حَّةَ لمن احتجَّ بنسخ أحد الحديثين للآخر؛ إذ لم يأتِ في ذلك بيان. وقيل: إنما قبل هديّة أهل الكتاب؛ إذ قد أُبيحَ لنا طعامُهم، وردّ هدايا المشركين؛ إذ لم يُبَح لنا ذلك منهم. وأشبهُ هذه الأقوال قولُ مَن قال بالاستئلاف والمصلحة. والكلُّ محتملٌ. والله تعالى أعلم. وركوبُهُ وَ ﴿ البغلةَ في ذلك الموطن مبالغةٌ في الثبات، والصَّبر، ويدلُّ على ثباتُهُ وَّهِ في العزم على عدم الفرار كما قد فعل حين انهزم الناسُ عنه، وهو مُقْبِلٌ على العدوِّ، حنين يَرْكُض بغلته نحوهم. وقد زاد على ذلك، كما ذكر في الرواية الأخرى: إنه نزل بالأرض على عادة الشُّجعان في المنازلة. وهذا كلُّه يدلُّ: على أنه نَِّ كان أشجعَ شجاعته ◌ِّه النَّاس وأثبتَهم في الحرب، ولذلك قالتِ الصحابةُ رضي الله عنهم: إن الشجاعَ منَّا للذي يلوذُ بجانبه. و (السَّمُرَة): هي شجرةُ الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه(٣) بيعة الرضوان ثبات الصحابة بالحديبية. وكانوا بايعوه على ألا يفرُّوا، فلما سمعوا النداء، تذكَّروا العهد، معه #ُ في حنین فارتجعوا رجعةً واحدةً، كرجلٍ واحدٍ، وهم يلُّون النبيَّ ◌َّز، ولسرعة رجعتهم (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) غير مثبتة في (هـ) و (م). (٣) كذا في (ع) وفي بقية النسخ: أصحاب. ٦١٦ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين صَوْتي، عَطْفَةُ البَقَرِ على أولادِهَا. قال: فقالُوا: يَا لَبَّيْك! يا ◌َبَيْكَ! فَاقتتلُوا والكُفَّارَ. والدَّعوةُ في الأنصارِ، يقولُون: يا معشرَ الأَنْصَارِ! يا معشرَ الأَنْصَارِ! قال: ثم قُصِرَتِ الدَّعوةُ على بني الحارثِ بن الخَزْرَجِ. فقالُوا: يا بني الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ! يا بني الحَارث بن الخَزْرَج! فنظرَ رسولُ الله ◌َّ﴿ وهو على بغلتِهِ، كالمُتَطَاوِل عليهَا إلى قتالِهِم. فقالَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ: ((لهذا حينَ حَمِيَ الوطيسُ)). قال: ثم أخذَ رسولُ اللهِ وَه واجتماعهم شبَّههم بعطفة (١) البقر على أولادها. وهذا كله يدلُّ: على قُرْبهم من النبيِّ ◌َ﴿ إذ ذاك، وأنَّ انهزامهم لم يكنْ إلى بُعْدٍ، ولا من جميعهم، بل المنهزمُ إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطُّلقاء، ومَن في قلبه مَرَض؛ ولذلك كان بعضُهم يقولُ في حال انهزامه: لا يردُّهم إلا البحر. و (قوله: فاقتتلوا والكفارَ) بنصب الراء على أن تكون الواو بمعنى (مع) وهو أولى؛ لما يلزم في الأحسن من توكيد الضمير المرفوع حين يعطف عليه. و (قوله ◌َّقير: ((هذا حين حمي الوطيس))) يجوز في (حين) البناءُ على الفتح لأنه مضافٌ إلى جملةٍ مبنيةٍ، ويجوزُ فيه الضم، على أن يكون (الحين) خبر المبتدأ، وهذا على نحو قول الشاعر(٢): عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيْبَ على الصِّبا(٣) روي بالخفض والفتح. و (حمي): استعر، واتَّقد. و (الوطيس): موضعُ (١) في (ع): برجعة. (٢) هو النابغة الذبياني. (٣) وعجز البيت: فقلتُ: أَلَمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ. ٦١٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين حَصَيَاتٍ فرمَى بهنَّ وجوهَ الكُفَّارِ. ثم قال: ((انْهَزَمُوا، وربِّ محمَّد!)). قال: فذهبتُ أنظرُ فإذا القتالُ على هيئتِه فيما أَرَى. قال: فواللَّهِ ما هو إلا أنْ رَمَاهُم بِحَصَيَاتِهِ، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَلِيلاً، وأمرَهُم مُذْبِراً. وفي رواية: ((انْهَزَمُوا وربّ الكعبةِ! انْهَزَمُوا وربِّ الكَعْبَةِ!)) حتَّى هزمَهم اللَّهُ. قال: وكأنّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِوَّه يركضُ خلفَهم على بغلتِه. رواه أحمد (٢٠٧/١)، ومسلم (١٧٧٥) (٧٦ و ٧٧). وقود النار، واستعاره هنا لشدَّة الحرب. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرَبِ أَلْفَأَهَا اللّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وهذه الاستعارةُ العجيبةُ لا يُعْرَفُ من تكلّم بها بلاغته ◌َا﴾ قبل النبيِّ ◌َ﴿ من العرب، ومنه تُلُقِّيَتْ، فَصُيِّرَتْ مَثَلاً في الأمر إذا اشتدَّ. قاله ابنُ الأعرابيِّ. وقال الأصمعيُّ: الوطيسُ: الحجارةُ المحمَّاة. وعلى هذا فهو جَمْعُ وطيسة. وقال أبو عمر المطرِّز: هو التَُّور. وحينئذٍ لا يكون جمعاً. ورَمْيُهُ وَ﴿ في وجوه الكفَّار بالتراب، وإصابته أعين جميعهم مِن أعظم من معجزاته؛ إذ ليس في قوة البشر إيصالُ ذلك إلى أعينهم، ولا يسع كفّه ما يعمُّهم، معجزاته ◌ِّه وإنَّما كان ذلك من صنع الله لنبيَّهِ وَّه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾ [الأنفال: ١٧] وكذلك قوله: ((انهزموا وربِّ الكعبة)) قبل وقوع الهزيمة، هو من معجزاته الخبرية، فإنَّ خَبَرٌ عن الغيب. و (قوله: ((شاهت الوجوه))) - على ما في حديث سلمة -: خبر معناه: الدعاء؛ أي: اللهم شوّه وجوهَهم. أو هو: خبرٌ عما يحلُّ بهم من التشويه عند القتل، والأسر، والانتقام. و (الحسَّر): جمع حاسرٍ، وهو الذي لا دِرْعَ معه، ولا شيء يثَّقي به النَّبل. ٦١٨ (١٣) کتاب الجهاد والسُّیر ۔ (٢٠) باب: في غزاة حنين [١٢٩٢] وعن أبي إسحاق، قالَ: قالَ رجلٌ للبراءِ: يا أبا عُمارَةَ! فررتُم يومَ حُنينٍ؟ قال: لا واللهِ ما ولَّى رسولُ الله ◌ِ، ولكنَّه خرَج شُبَّانُ أصحابِه وأَخِفَاؤُهم حُسَّراً ليس عليهم سِلاحٌ أو كبيرُ سِلاحٍ، فَلَقُوا قَوْماً رماةً لا يكادُ يَسْقُطُ لهم سهمٌ، جَمْعَ هوازنَ وبني نصرٍ، فرشقُوهم رَشْقاً ما يكادُون يُخطِئُونَ، فأقبلُوا هناكَ إلى رسول الله ◌ِّهِ، ورسولُ الله ◌َّهِ على بغلتِهِ البيضاءِ، وأبو سفيانَ بنُ الحَارثِ بن عبد المطلب يقودُ به، فنزلَ فاسْتَنْصَرَ، فقال : ((أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطلب)) و (الأخفَّاء): المسرعون، المستعجلون. وقد رواه الحربيّ، والمغربيُّ: (جفاء من الناس) بجيم مضمومةٍ مخففةٍ والمد، وفسّره المهدويُّ بالشُّرَّاع، شبَّههُم بجُفاء السيل، وهو غاؤه. وقال غيرُه: إنما أراد به أخلاطَ الناس، وضعفاءهم ممَّن لم يقصد القتال، بل الغنيمة، وفي قلبه مرض، شبَّههم بغثاء السَّيل، وهو ما احتمله السَّيل. و (استنصر) أي: سأل النصر، ودعا به. و (قوله: ((أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))) أي: أنا النبيُّ المعروفُ انتسابه * عند علماء الكتاب، المنعوت في كتبهم حقاً بلا كذب. وانتسابه لعبد المطلب لأنَّه لجدِّهعبد بذلك كان شهر(١) عندهم، لأنَّ أباه عبد الله مات وتركه حملاً، فولد، ونشأ في المطلب حجر جدِّه عبد المطَّلب، ثم إنَّ عبد المطلب أحبَّه حُبّاً شديداً، بحيث كان يُفضِّله على أولاده، لما كان ظهر له من بركاته، وكراماته، فكان يُلازمه لذلك، فَعُرِف به، ولذلك ناداه ضمام بن ثعلبة: يا بنَ عبد المطلب! فانتمى هو عند الحرب - على عادة الشجعان في انتسابهم - لمن [كان يعرف به](٢). وقيل: إنَّما كان ذلك منه (١) في (ع): أشهر. (٢) في (ع): كانوا يعرفون بهم. ٦١٩ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٢٠) باب: في غزاة حنين تنبيهاً على ما قال سيف بن ذي يزن لعبد المطلب حين قدم عليه في وفد قريش، حيث بشَّره بأنه يكون من ولده نبيٌّ يقتل أعداءه. ولم يكن ذلك منه وَّر على جهة الافتخار بآبائه، فإنَّ ذلك من خُلُق الجاهلية التي قد نهى عنها النبيُّ وَّةِ، وحرَّمها، وذمّ من انتمى إليها. لا يقال: فكيف يصحُّ أن يُنسب هذا الشعر للنبيِّ وَلي مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لم يكن عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ [یسَ: ٦٩]؛ لأنا نجيبُ عن ذلك بأوجهٍ : رسول الله ◌َلهم شاعراً أحدها: أنَّ هذا قصد به السجع لا الشِّعر، فليس بشعرٍ. قيل(١) قد قال الأخفش: إنَّ هذا رجز، والرَّجزُ ليس من الشِّعر. والثاني: أنَّه ◌َليه لم يقصدْ نَظْماً ووزناً فيكون شعراً، فقد يأتي في الكلام والقرآن ما يتَّزن بوزن الشِّعر وليس بشعرٍ، كقوله تعالى: ﴿لَنْ ثَنَالُوا الْبِرَّحَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اَللَّهِ وَفَنَحْ فَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] وكثيراً ما يقع للعوامٌّ في كلامهم المقفَّى الموزون، وليس بشعرٍ، ولا يسمَّى قائله شاعراً؛ لأنَّه لم يقصده، ولا شَعُر به(٢). والشِّعر إنما سُمِّي بذلك: لأنَّ قائلَه يشعرُ به ويقصده نظماً، ووزناً، ورويّاً، وقافيةً، ومعنىّ. والثالث: على تسليم أنَّ هذا شعرٌ فلا يلزمُ منه أن يكونَ النبيُّ وَلِ عالماً بالشِّعر، ولا شاعراً؛ فإنَّ التَّمثُل بالبيت النذر، وإصابة القافيتين من الرَّجز وغيره؛ لا يوجب أن يكون قائلها عالماً بالشِّعر، ولا يُسمَّى شاعراً باتفاق العقلاء. وأما الذي نفى الله عن نبيه ◌َ له فهو العلم بالشِّعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، (١) في (ع) و(ج): بل. (٢) (شَعُر)): اكتسب ملكة الشّعر فأجاده. ٦٢٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢٠) باب: في غزاة حنين - زاد في رواية: ((اللَّهُمَّ نَزِّلْ نصرَكَ)) - قال: ثم صَفَّهم. قال البراءُ: كنّا والله إذا احْمَرَّ البَأْسُ نَتَّقِي به، وإنَّ الشُّجاعَ مِنَّا الذي يُحاذي به (يعني: النبيَّ ◌َ﴾﴾. وفي روايةٍ: ولكنَّ رسولَ الله وَّ﴿ لم يَقِرَّ، وكانتْ هوازنُ يومئذٍ رُماةً، والاتصاف بقوله، ولم يكنْ موصوفاً بشيءٍ من ذلك بالاتفاق، أَلا تَرَى: أنَّ قريشاً تراوضت فيما يقولون (١) للعرب فيه إذا قدموا عليهم الموسم، فقال بعضُهم: نقول: إنه شاعر. فقال أهلُ الفِطْنة منهم: والله لتكذبنكم العرب، فإنهم يعرفون أصنافَ الشِّعر. فوالله ما يشبه شيئاً منها، وما قوله بشعرٍ، وقال أنيس أخو أبي ذرًّ : لقد وضعتُ قوله على أقراء الشِّعر(٢) فلم يلتئم أنه شعر. وكان أُتيس من أشعر العرب. وهذا الوجهُ هو المعتمدُ في الانفصال. والله تعالى أعلم. الانتماء عند الحرب وفائدةُ قولِه ◌ِوَ﴿: ((أنا النبيُّ لا كذبْ ... إلى آخره)) جواز الانتماء عند الحرب، كما قال سلمة بن الأكوع: خذها وأنا ابنُ الأكوع. وقد روي ذلك عن جماعةٍ من السَّلف. وقال ابنُ عبد الحكم من أصحابنا: إنما يكره أن يكونَ ذلك على وجه الكبر، والافتخار، كما كانت الجاهليةُ تفعل. و (قوله - أعني البراء -: كنَّا إذا احمرَّ البأس نتقي به) هذا كنايةٌ عن شدة الحرب؛ إمَّا لحمرة دم الجرحى والقتلى. وإما لتشبيه ذلك بحمرة جمرة النَّار. و (البأس) هنا: الحرب. و (قوله: ولكنَّ رسول الله بَ ﴿ لم يفرّ) هذا هو المعلوم من حاله، وحال نقصاً أو عيباً الأنبياء - صلّى الله عليه وعليهم وسلّم - من إقدامهم، وشجاعتهم، وثقتهم بوعد حکم من أضاف إلى رسول الله رَّة (١) ساقطة من (ع). (٢) ((أقراء الشعر): قوافيه التي يختم بها (اللسان).