النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
(١٢) كتاب الحج - (٥٥) باب: ثواب الحج والعمرة
ثم يُباهي بهم الملائكةَ، فيقولُ: ما أرادَ هؤلاء؟)).
رواه مسلم (١٣٤٨)، والنسائي (٢٥١/٥).
*
(٥٥) باب
ثواب الحج والعمرة
[١٢٠٨] عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قالَ: ((العمرةُ إلى العُمْرةِ
و (قوله: ((ثُمَّ يباهي بهم الملائكة))) أي: يثني عليهم عندهم، ويعظّمهم مباهاة الله بأهل
بحضرتهم، كما قال في الحديث الآخر: يقول للملائكة: ((انظروا إلى عبادي عرفة الملائكة
جاؤوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرتُ لهم)) (١) وكأن هذا - والله أعلم - تذكيرٌ
للملائكة بقول(٢): ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهاراً لتحقيق
قوله تعالى: ﴿ إِنَّّ أَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٠].
و (قوله: ((ما أراد هؤلاء؟!)) أي: إنما حملهم على ذلك، حتى خرجوا من
أوطانهم، وفارقوا أهليهم، ولذَّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتثال أمري. والله أعلم.
(٥٥) ومن باب: ثواب الحجّ والعمرة
العمرة في اللغة: هي الزِّيادة. قال:
يُهِلُّ بالفَدْفَدِ رُكْبانُها كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِزْ
العمرة لغةً
وشرعاً
(١) رواه أحمد (٢٢٤/٢ و٣٠٥).
(٢) في (ع) و (هـ) و (ل): بيوم.

٤٦٢
(١٢) كتاب الحج - (٥٥) باب: ثواب الحج والعمرة
كفَّارةٌ لما بينَهما،
وقال بعضُ اللغويين: الاعتمار والعُمرة: القصد. قال (١):
لَقَدْ سَما ابنُ مَعْمَرٍ حِيْنَ اعْتَمَرْ (٢)
أي: حين قصد. وهي في عُرف الشرع: زيارةُ البيت على أحكامِ
حكم العمرة مخصوصةٍ. وقد اختلف في حُكْمها. فذهب جماعةٌ من السَّلف على وجوبها. وهو
قولُ الأوزاعي، والثوري، [وابن حبيب] (٣)، وابن الجهم من أصحابنا، وحكي
عن أبي حنيفة. وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبةٍ. وهو قولُ مالكٍ، ومشهور
قول أبي حنيفة، وأصحابه، وداود. واختلفت الروايةُ فيها عن الشافعيِّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، إلا أنَّ مالكاً قال: إنَّها سُنَّةٌ مؤكدة. وبعضُ هؤلاء يجعلها
مستحبَّةٌ. ومُتمسّك مَن قال بوجوبها قوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُوْ اَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٦]، وليس فيه حُجَّةٌ؛ لأنا نقول بموجبه: فإنَّ من شرع في شيءٍ من
أعمال الطَّاعات وَجَب عليه إتمامه؛ وإن كان مستحباً. وقد تقدَّم هذا المعنى غير
ما مرةٍ.
تكرار العمرة
في السنة
الواحدة
و (قوله: ((العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما))) يعني: لما يقع بينهما من
السَّيئات. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب: الطهارة. وقد استدلَّ بظاهر هذا من
قال بجواز تكرار العُمرة في السَّنة الواحدة، وهم الجمهور، وأكثر أصحاب مالكٍ.
وذهب مالكٌ إلى كراهية ذلك. ومُتمسّكُه: أنَّ النبيَّ ◌َّ اعتمر خمس عُمرٍ كلّ عمرة
منها في سَنَّةٍ غير الأخرى، مع تمكُّنه من التكرار في السّنة الواحدة، ولم يفعل.
(١) القائل هو العجاج.
(٢) الذي في اللسان: لقد غزا ابن معمر حين اعتمر.
(٣) ساقط من (ع).

٤٦٣
(١٢) كتاب الحج - (٥٥) باب: ثواب الحج والعمرة
والحَجُّ المبرورُ ليس له جَزَاءٌ إلا الجنَّة)).
رواه أحمد (٤٦٢/٢)، والبخاري (١٧٧٣)، ومسلم (١٣٤٩)،
والنسائي (١١٥/٥)، وابن ماجه (٢٨٨٨).
[١٢٠٩] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ أَتَى هذا البيتَ فلم
وأيضاً: فإنها نُسُكُ مشتملٌ على إحرامٍ، وطوافٍ، وسعيٍ، فلا يفعل في السَّنةِ إلا
مرةً أصله الحجّ. وعلى قول مالكِ: لو أحرم بالعُمرَة المكررة لزمته. وقال
آخرون: لا يعتمر في شهرٍ أكثر من مرة واحدةً. ولا حُجَّة له في شيءٍ مما تقدَّم.
و (قوله: ((والحجُّ المبرور [ليس له جزاء إلا الجنَّة))) المبرور:](١) اسم الحج المبرور
مفعول من: بُرَّ، مبني لما لم يسمَّ فاعله، فهو مبرور. و (بَرَّ): يتعدَّى بنفسه.
يقال: برَّ الله حجَّك. ويُبنى لما لم يسمَّ فاعله. فيقال: بُرَّ حُّك، فهو مبرور. ولا
معنى لقول مَن قال: إنّه لا يتعذَّى إلاَّ بحرف الجر. واختلف في معنى المبرور،
فقيل: الذي لا يخالطه شيءٌ من المأثم. وقيل: المتقبّل. وقيل: الذي لا رِياء فيه،
ولا سُمعة.
قلتُ: وهذه الأقوالُ كلّها متقاربةُ المعنى. وهو: أنَّ الحُّ الذي وفّيت
أحكامه، ووقع موافقاً لما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل. والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((ليس له جزاء إلا الجنة))) يعني: أنَّه لا يقتصرُ فيه على مغفرةٍ بعض
الذنوب، بل لا بُدَّ لصاحبه من الجنة بسببه. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((من أتى هذا البيت))) أي (٢): حاجاً. بيَّنته الرواية الأخرى.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) سقطت من (ع).

٤٦٤
(١٢) كتاب الحج - (٥٦) باب: تُملك دور مكة ورِباعها
يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجعَ كما ولَدتُه ◌ُثُه)».
وفي روايةٍ: ((مَنْ حَجَّ هَذا البيتَ)).
رواه أحمد (٤٨٤/٢)، والبخاري (١٨٢٠)، ومسلم (١٣٥٠)،
والترمذي (٨١١)، والنسائي (١١٤/٥)، وابن ماجه (٢٨٨٩).
(٥٦) باب
تملك دورُ مگّة ورِباعُها،
وكم كانَ مُكثُ المهاجِر بها؟
[١٢١٠] عن أسامة بن زيد، أنه قال: يا رسولَ الله! أتنزلُ في دارِك
و (الرفث): الفحش من القول. وقيل: الجماع. قال الأزهري: هي كلمةٌ جامعةٌ
لكلِّ ما يريده الرجلُ من المرأة. و (الفسوق): السِّباب(١)، والمعاصي.
و (الجدال): المجادلة والمخاصمة فيما لا يجوز. قال الجوهري: المجادلة:
الخصومة المحكمة.
و (قوله: ((رجع كيوم ولدته أمُّه))) أي: بلا ذنب. وهذا يتضمَّن غفرانَ
الصَّغائر والكبائر، والتَّبعات. وقد بيَّنَا ذلك فيما تقدَّم من كتاب الصيام وغيره.
(٥٦) ومن باب: تُمْلَكُ دُور مگّة ورِباعها
مصير دار
(قولُ أسامة للنبيِّ وَله: أتنزل في دارك) ظاهِرُ هذه الإضافة: أنها كانت
النبي ﴾ في ملكه، ويدلُّ عليه أيضاً قوله: ((وهل ترك لنا عقيل من رِباعِ أو دُورٍ)). فأضافها
مكة
(١) في (ع): السيئات.

٤٦٥
(١٢) كتاب الحج - (٥٦) باب: تُملك دور مكة ورِباعها
لنفسه. وظاهِرُها الملك، فيكون عقيلٌ اعتدى على دار النبيِّ ◌َچ ورِباعه، فأخذها،
وتصرَّف فيها، كما فعل أبو سفيان بدور من هاجر من المؤمنين. قال الداودي: إنَّ
عقيلاً باع ما كان للنبي صل*، ولمن هاجر من بني عبد المطلب. فعلى هذا: يكون
تَرْكُ النبيِّ ◌ِ﴿ تحرُّجاً من أن يرجعَ في شيءٍ أُخْرِج منه لأجل الله تعالى. وقيل: إنَّه
حكم لها بحكم البلد (١) وقد خرجتْ عن مُلكه لما غنمها المسلمون. كما يقوله
مالك، والليث في هذه المسألة، لا في هذا الحديث. وهذا فيه بُعْدٌ؛ لأنه يكون
تعليلُه ◌َ﴿ بأخذ عقيلٍ لها ضائعاً، ويخرج أن يكون جواباً عمَّا سُئله. وقيل: كان
أصلها لأبي طالبٍ فأسكنه إيَّاها، فلمَّا مات أبو طالب ورثه عقيل، وطالب،
لكونهما مساويين له في الكفر، ولم يرثه عليٍّ، ولا جعفر؛ لكونهما مسلمين،
فأخذها عقيلٌ لما هاجر النبيُّ ◌َ﴿ بحكم ميراثه من أبيه. وعلى هذا فيكون إضافتها
إليه مجازيةٌ؛ لأنه سكنها فقط. والقولُ الأول أولى.
وقد اختلف في مكة ودورها، ورِباعها؛ هل هي مملوكةٌ لأحدٍ فيبيع ويكري هل دور مكة
أو لا ملك لأحدٍ على شيءٍ منها؛ فلا يجوزُ فيها شيءٌ من ذلك؟ وإلى الأول ذهب ورباعها
مملوكة لأحدٍ؟
الشافعيُّ وبعضُ السَّلف، وإلى الثاني ذهب أبو حنيفة والثوري. وتوسّط مالكٌ،
فكره ذلك. وللخلاف سببان:
أحدهما: هل فَتْح مكة كان عُنْوةً، فتكون مغنومةً، لكن النبيَّ ◌َ﴿ لم كيف تمَّ فتح
يقسمها، وأقرَّها إلى أهلها، ولِمن جاء بعدهم، كما فعل عمر بالأرض المغنومة، مكة؟
فتبقى على ذلك لا تُباع ولا تُشرى؟ وبأنها فُتِحت عُنوةً؛ قال مالك، وأبو حنيفة،
والأوزاعيّ. أو كان فَتْحُها صُلحاً؟ وإليه ذهب الشَّافعيُّ. فتبقی دیارُهم بأيديهم،
وفي أملاکھم یتصرَّفون فيها کیف شاؤوا.
(١) في الأصول: الدار. والتصحيح من: إكمال إكمال المعلم للأبي (٤٤٦/٣).

٤٦٦
(١٢) کتاب الحج - (٥٦) باب: تُملك دور مکة ورِباعها
بمكّة. قال: ((وهل تركَ لنا عقيلٌ مِن رباع أو دورٍ؟)) وكانَ عقيلٌ وَرِث
أبا طالبٍ هو وطالِبٌ، ولم يرثْه جعفرُ ولا عليٌّ شيئاً، لأنهما كانا مسلميْن،
وکان عقيلٌ وطالبٌ كافرين.
وفي روايةٍ: أنَّ ذلكَ القولَ كانَ في حَجَّتِهِ. وفي أخرى: أنَّ ذلكَ
زمنَ الفَتْحِ.
رواه أحمد (٢٠١/٥)، والبخاري (٣٠٥٨)، ومسلم (١٣٥١)
وأبو داود (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٣٩٤٢).
[١٢١١] وعن العَلاء بن الحَضْرميِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَه
والسبب الثاني: للنظر في قوله تعالى: ﴿سَوَآءَ اٌلْعَكِّفُ فِيهِ وَآلْبَادِ ﴾
[الحج: ٢٥] هل الضميرُ راجعٌ إلى المسجد الحرام أو إلى البلد؟ والظاهِرُ الأول،
وأنَّ مكة فُتحت عُنوة، وأنه وَ﴿ أَمَّنهم، وأقرَّهم على أموالهم. وهو الصَّحيحُ من
الأحاديث، والله تعالى أعلم. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شيءٌ من البلاد.
قلتُ: وعلى قول مالكِ: إنَّها مغنومةٌ؛ ينبغي أن يكون مذهبه کمذهب أبي حنيفة،
لكنه راعى الخلافَ على أصله في مراعاة الخلاف الظَّاهر، ويكون فائدة حُكمه
بالكراهة: أن مَن باع شيئاً منها أو أَكْرَاهُ لا يفسخُ عقده، ويُمضى، غير أنَّه لا يسوغ
الإقدامُ عليه. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((هل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ أو دورٍ؟!))) هذا الاستفهامُ معناه:
النفي. أي: ما ترك لنا شيئاً مِن ذلك. واختلفّ الرواة: هل كان هذا القولُ في فتح
مكة؟ أو في حَجَّة الوداع؟ فروي عن الزهري كلُّ ذلك. ويحتمل أن يكون تکرُّرُ
هذا السؤال والجواب في الحالتين. وفيه بُعْدٌ.

٤٦٧
(١٢) کتاب الحج - (٥٦) باب: تُملك دور مكة ورِباعها
يقولُ: ((للمُهاجرِ إقامةُ ثلاثٍ بعدَ الصَّدْرِ بمكَّة))، كأنَّه يقولُ: لا يزيدُ
عليها .
وفي أخرى: ((بعد قَضَاءِ نُسُكِهِ)).
رواه أحمد (٣٣٩/٤)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢)
(٤٤١ و٤٤٢)، وأبو داود (٢٠٢٢)، والترمذي (٩٤٩)، والنسائي
(١٢٢/٣)، وابن ماجه (١٠٧٣).
و (قوله: ((للمهاجر إقامةُ ثلاثٍ بعد الصدر بمكة))) المهاجر هنا يعني به: كلَّ حكم إقامة
منْ هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي وَ ﴿، ولا يعني به مَن هاجر من غيرها؛ المهاجر في
لأنَّ هذا الحديثَ خرج جواباً عن سؤالهم حين تحرجوا من المقام بمكة - إذ كانوا
تركوها لله تعالى - فأجابهم النبيُّ ◌َ﴿ بذلك. ورأى: أنَّ إقامةَ الثلاث ليستْ بإقامة.
وقد تقدَّم احتجاجُ مالك بهذا على تحديد المدة الفاصلة بين الإقامة والسَّفر. وبهذا
الحديث قال الجمهور، فحكموا بمنع المهاجر من أهل مكة من المقام بها بعد
الفتح، وأجاز ذلك لهم جماعةٌ بعد الفتح.
مكة بعد الفتح
قلتُ: وهذا الخلافُ وإن کان فیمن مضی حکمھم، وانقرض عصرهم، من فرَّ بدینه عن
وهجرتهم الخاصَّة بهم، لكن يُبنى عليه خلافٌ فيمن فرَّ بدينه عن موضع ما يخاف موضع ما وترك
فتنته، وترك فيه رِباعاً، ثم ارتفعت تلك الفتنة؛ فهل يرجع لتلك الرِّباع، أم لا؟ فيه رباعاً
فنقول: إن كان ترك رِباعه لوجه الله تعالى كما فعله المهاجرون فلا يرجعُ لشيءٍ من
ذلك، وإن كان إنما فرَّ بدينه ليسلمَ به، ولم يخرج عن شيءٍ من أملاكه؛ فإنه يرجعُ
إلى ذلك كله؛ إذ لم يزُل شيءٌ من ذلك عن ملكه. والله تعالى أعلم.

٤٦٨
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
(٥٧) باب
تحریم مكة، وصيدها،
وشجرها، ولُقْطَتِها
[١٢١٢] عن ابن عبّاس، قال: قال رسولُ الله ◌َله يومَ الفتح، فتح
مكَّة: ((لا هجرةَ، ولكنْ جِهادٌ ونَيَّةٌ، وإذا استُنْفرتُم فانْفِرُوا)). وقال يومَ
الفتحِ، فتح مَّةَ: ((إنَّ هذا البلدَ حرَّمَه الله يومَ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ،
فهو حرامٌ بحرمةِ الله إلى يوم القيامة،.
(٥٧) ومن باب: تحريم مكة
(قوله: ((لا هجرة بعد الفتح))) هذا رفعٌ لما كان تقرَّر من وجوب الهجرة إلى
المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف، ولم يتعرَّض هذا العموم لنفي
هجرة الرجل بدينه؛ إذ تلك الهجرةُ ثابتةٌ إلى يوم القيامة، وإنما رفع حكم الهجرة
يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام، ولظهور الدِّين، وأمْن الفتنة عليه.
و (قوله: ((ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ))) دليلٌ على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافاً لمن
أنکر فرضیته، على ما يأتي.
التَّغير مع الإمام
و (قوله: ((وإذا استنفرتم فانفروا))) أي: طَلَبَ منكم الإمامُ النَّقير. وهو:
الخروجُ إلى الغزو، فحينئذٍ يتعيَّن الغزو على مَن استُنْفِر بلا خلافٍ.
الإحرام لدخول
مکت
و (قوله: ((إنَّ هذا البلد حرَّمه اللَّهُ يوم خلق السموات والأرض، فهو حرامٌ
بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة))) معنى حرَّمه الله: أي: حرَّم على غير المحرم
دخوله إلا أن يُخْرِم. ويجري هذا مجرى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُكَّهَتُكُمْ﴾
[النساء: ٢٣] أي: وطؤهنَّ. و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي: أَكْلُها.
فَعُرْفُ الاستعمال دلَّ على تعيين المحذوف. وقد دلَّ على صحة هذا المعنى
لا هجرة بعد
الفتح

٤٦٩
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
وإِنَّه لم يَحِلَّ القتالُ فيه لأحدٍ قبلي،
اعتذارُه * عن دخول مكة غير محرم مقاتلاً بقوله: ((إنها لم تحلَّ لي إلا ساعةً من
نهار ... )) الحديث. وبهذا أخذ مالك والشافعي في أحد قوليهما وكثير من
أصحابهما فقالوا: لا يجوزُ لأحدٍ أن يدخل مكة إلاَّ مُخْرِماً، إلا أن يكونَ ممن يُكثر
التكرار إليها، كالحطّابين، ونحوهم. وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابنُ شهابٍ
والحسن، والقاسم. وروي عن مالك، والشافعيِّ، والليث، وقال بذلك أبو حنيفة
إلا لمن منزله وراء المواقيت، فلا يدخلها إلا بإحرام، واتفق الكلُّ: على أنَّ مَن
أراد الحجَّ أو العمرة؛ أنه لا يدخلها إلا مُخرِماً. ثم اختلف أهلُ القول الأول فیمن
دخلها غير محرم. فقال مالك، وأبو ثور، والشَّافعيُّ: أنه لا دَمَ عليه. وقال
الثوريُّ، وعطاء، والحسن بن حييٍّ: يلزمه حجٍّ أو عُمرةٌ. ونحوه قال أبو حنيفة
فيمن منزله وراء المواقيت.
ومتمسّكُ مَن قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله ◌َّفي في حديث المواقيت دليل من قال
المتقدِّم: ((هنَّ لهم ولكلِّ آتِ أتى عليهنَّ من غيرهنّ ممن أراد الحجَّ أو العمرة)»(١).
بدخول مكة
لغير المحرم
وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا: إنما اعتذر * عن دخوله مكة مُقاتِلاً كما قال:
((فإن أحد ترخَّص بقتال رسول الله وَّر ... الحديث)). قال القاضي عياض: لم
يختلفْ في دخول النبيِّ ◌َل﴿ مكة: أنه كان حلالاً؛ لدخوله والمغفر على رأسه؛
ولأنَّه دخلها مُحارِباً، حامِلاً للسلاح هو وأصحابه. ولم يختلفوا في تخصيص
النبيِّ وَ ﴿ بذلك. وكذلك لم يختلفوا في أنَّ من دخلها لحربٍ أو لشيءٍ: أنه لا يحلُّ
له أن يدخلها حلالاً .
و (قوله: ((وإنه لم يحلَّ القتالُ لأحدٍ قبلي))) الضمير في (أنَّه) هو ضمير الأمر
والشأن. وظاهِرُ هذا: أنَّ حُكْمَ الله تعالى كان في مكة: ألا يقاتل أهلها، ويُؤمَّن من
(١) سبق تخريجه برقم (١٠٥٠).

٤٧٠
(١٢) کتاب الحج - (٥٧) باب: تحریم مكة وصيدها
ولم يَحِلَّ لي إلَّا ساعةً مِن نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمةِ اللَّهِ إلى يوم القيامةِ،
لا يُعْضَدُ شوكُهُ،
استجار بها، ولا يتعرض له. وهو أحدُ أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَن
دَخَلَمُ كَانَ مَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهو قولُ قتادة وغيره. قالوا: هو آمنٌ من
الغارات. وهو ظاهِرُ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ
حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وهو منقولٌ من عادة العرب في احترامهم مكة، ومن
کتب التواريخ.
تحريم القتال
في الحرم
و (قوله: ((ولم يحلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ فهو حرامٌ))) الضمير في (يحلّ)
هو، وهو يعودُ على القتال قطعاً، كما يدلُّ عليه مساقه، فيلزم منه تحريمُ القتال فيه
مطلقاً، سواء كان ساكنه مستحقاً للقتال أو لم يكن. وهو الذي يدلُّ عليه قوله والآن:
((ولا يحلُّ لأحدٍ بعدي، ولم يحلَّ لي إلا ساعةً من نهار)).
أذن الله لرسوله
بالقتال في مكة
و (قوله: ((فإنْ أحدٌ ترخّص بقتال رسول الله وله فيها؛ فقولوا: إنَّ الله أذن
لرسوله، ولم یآذنْ لکم») وهذا نصُّ على الخصوصية، واعتذار منه عمَّا أُبیح له من
ذلك، مع أنَّ أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدِّهم عنه،
وإخراجهم أهله منه، وكفرهم بالله تعالى وبرسوله®، وهذا هو الذي فهمه
أبو شريح من هذا الحديث. وقد قال بذلك غيرُ واحدٍ من أهل العلم. منهم:
](١) غير أنَّ هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن
سعيد على ما يأتي.
ما يحرم قطعه
من الشوك
والشجر في
الحرم
و (قوله: ((لا يُعضد شوكه))) وفي حديث أبي هريرة: ((لا يُختبط شوكه، ولا
يُعضد شجره))) يُعضد: يُقطع. والمَعْضِد: الآلة التي يُقطع بها. والخَبَط: ضَرْب
أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي. يقال: خبط واختبط. والمصدر منه:
(١) في الأصول: بياض بمقدار نصف سطر.

٤٧١
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
ولا يُنَفَّرُ صَيْدُه ولا يَلْتَقِط لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عرَّفها، ولا يُخْتَلَى خَلاها)). فقال
خبْطاً، بسكون الباء، والاسم بتحريكها. و (الخلى) مقصور، هو الرطْب من الكلا
- مقصوراً، مهموزاً - والحشيش: هو اليابس منه والكلأ: يقال على الخلى،
والحشيش. والشجر: ما كان على ساقٍ. وفي بعض طرقه: شجراؤها. وهو جنس
الشجر، وهي العضاه أيضاً في الحديث الآخر. والعِضاه من شجر البادية: كلُّ
شجر له شوكٌ. ومنه ما يسمَّى بـ (الكَتَهْبَل) و (السَّيَال) ولهذا الحديث خصَّ الفقهاءُ
مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما يُنبته اللَّهُ تعالى من غير صُنْع آدمي اتِّفاقاً منهم،
فأما ما ينبت بمعالجة آدمي؛ فيجوز قطعه. ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع جزاء ما قطع
الأول. فقال مالك: لا جزاءَ فيه؛ لعدم ما يدلُّ على ذلك. وقال الشافعي
مما حرم قطعه
وأبو حنيفة: فيه الجزاء. فعند أبي حنيفة: تُؤخذ قيمةُ ما قطع، فيشترى بها هَذْيٍّ.
وعند الشافعي: في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرةٌ، وفيما دونها شاةً. وأمَّا
قَطْع العشب للرعي، فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجازه غيرهما.
و (قوله: ((ولا ينفر صيده))) أي: لا يُهاج عن حاله، ولا يُعْرَض له. قال لا ينفر صيد
عكرمة: هو أن يُنحيه من الظلِّ إلى الشمس. وقد تقدَّم القولُ فيه.
الحرم
و (قوله: ((ولا يلتقط لُقْطَتَه إلا منشدٌ))) اتفق رواةُ المحدثين على ضمِّ اللام،
وفتح القاف من اللقطة، هنا أرادوا به الشيء المُلتَقَط، وليس كذلك عند أهل
اللسان. قال الخليل: اللَّقَطة - بفتح القاف -: اسم للذي يَلتَقِط، وبسكونها لما
يُلْتَقَط. قال الأزهري: هذا قياسُ اللغة؛ لأن (فُعَلَةٌ) في كلامهم جاء فاعلاً كالهُزَأة
للذي يهزأ بالناس، وجاء مفعولاً كالهزأة للذي يهزأ به الناس، إلا أن الرواة أجمعوا
على أن اللقطة: الشيء الملتقط. و (المنشد): هو المعرِّف. و (الناشد): هو
الطالب والباغي، كما قال:
أَنْشِدُوا! الباغِي يُحِبُّ الوُجْدَان(١) »
(١) ((الباغي)): الذي يطلب الشيء الضال. و((الوجدان)): الاهتداء إلى الضالة ووجودها.

٤٧٢
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
العبَّاسُ: يا رسولَ الله! إلا الإذْخِرَ، فإنَّه لِقَيْنِهِم ولبيوتِهم. فقال: ((إلا
الإِذْخِرَ)).
رواه أحمد (٢٢٦/١)، والبخاري (١٨٣٤)، ومسلم (١٣٥٣)،
وأبو داود (٢٤٨٠)، والترمذي (١٥٩٠)، والنسائي (١٤٦/٧).
وقال الآخر:
إصاخَة النَّاشِدِ للمُنْشِدِ *
يقال: نشدت الضالة: طلبتها، وأنشدتها: عَرَّفتها. وأصل الإنشاد:
الصوت. ومنه: إنشاد الشعر. وقد أفاد ظاهرُ هذا الحديث وما في معناه: أنَّ للقطة
مكة مزيَّةٌ على لقطة غيرها، لكن اختلف العلماءُ في أي شيءٍ تلك المزية؟ فقالت
طائفةٌ: هي أنها لا تحلُّ للملتقِط بوجهٍ من الوجوه، ولا يزال يعرفها(١) دائماً.
وممن ذهب إلى هذا: أبو عبيد، والشَّافعي، وابن مهدي، والداودي، والباجي،
وابن العربي من أصحابنا، ويعتضدون بنهيه له عن لقطة الحاج. وقالت طائفةٌ
أخرى: إنَّ المزيَّةَ هي أنَّها لا يحلُّ التقاطها إلَّ إن سمعَ مَن ينشدها، فيأخذها
ويرفعها له. وذهب مالكٌ في المشهور عنه إلى أنَّ المزية: أنها هي في زيادة
التعريف والمبالغة فيها. وحكمها وحكم غيرها من البلاد سواء، وسيأتي بيانٌ
أحكامها، والقولُ الأول أظهرُ من الأحاديث المذكورة في هذا الباب.
وقد فشَر بعضُهم المنشدَ بالطالب، يعني به: ربّها. أي: لا تحلُّ إلا له.
ويرجعُ هذا إلى القول الأول. وقد تقدم أنَّ المنشدَ هو المعرِّفُ على ما قال
أبو عبيد وغيره.
و (الإذخر): هو نبتٌ له رائحةٌ طيِّية معروفة. وفي قوله وَل قر في جواب
(١) في (ع): تعريفها.
لقطه مكة لها
مزية على غيرها

٤٧٣
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
[١٢١٣] وعن أبي شُرَيْحِ العَدَوِيِّ، أنَّه قالَ لعمرو بن سعيدٍ، وهو
يبعثُ البعوثَ إلى مَكَّةٍ: ائَذَنْ لي أيُّها الأميرُ أُحدِّثْك قولاً قامَ به
رسولُ اللهِوَ﴿ الغدَ من يومِ الفتح، سَمِعَتْهُ أذنايَ، ووعاه قلبي، وأبصرتْه
عيناي، حين تكلّم به رسولُ الله وَطِّ: أنه حَمِدَ اللَّهَ، وأثنى عليه، ثم قال:
العباس، وقد سأله عن الإذخر: ((إلا الإذخر)) دليلٌ على أنَّ النبيَّ وَّهِ فُوَّضت إليه
أحكامٌ، فكان يحكم فيها باجتهاده. واستيفاء المسألة في الأصول. وقد يورد على
هذا أن يقال: إذا كانت مكةُ مما حرَّمها الله، ولم يحرمها النَّاس؛ فكيف لأحدٍ أن
يحكمَ بحلِّيَّة شيءٍ منها وقد حرَّمه الله؟ والجواب: أن الذي حرَّمه الله هو ما عدا
المستثنى جُملةً؛ لأنه لما جعل لنبيَّه التخصيص مع عِلْمه بأنه يخصّص كذا،
فالمحكومُ به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصّص، والله تعالى أعلم.
وأبو شريح: هو خُويلد بن عمرو، وكذلك سمَّاه البخاريُّ، ومسلم. وقال
محمد بن سعد: خويلد بن صخر بن عبد العزيز. وقال أبو بكر البرقاني: اسمه:
کعب.
و (قوله: وهو يبعث البعوثَ إلى مكة) البعوث: جمع بعث، وهي ما جرى بين
الجيوش، أو السرايا. ويعني بها هنا: الجيوش التي وجَّها (١) يزيد بن معاوية [إلى يزيد بن معاوية
عبد الله بن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية وجَّه يزيد](٢) إلى عبد الله يستدعي
وابن الزبير
منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعاً من بيعته، [يحرض الناسَ على بني أمية](٣)
فغضب يزيد، وأرسل إلى مكة يأمرُ واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله،
فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال: لا أقبلُ حتى يُؤْتى به في وثاقٍ. فأبى
(١) في (ل) و(هـ): سيَّرها.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) زيادة من (ع).

٤٧٤
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
(إنَّ مَكَّةَ حرَّمها اللَّهُ، ولم يُحرِّمْها النَّاسُ، فلا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله
واليومِ الآخرِ أن يسفِكَ بها دَماً، ولا يَعْضِدَ بها شجرةً، فإنْ أحدٌ رَخَّصَ
بقتالِ رسولِ اللهِ وَهِ فيها، فقولوا له: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لرسولِه ولم يأذنْ لكم،
وإنَّما أذنَ لي فيها ساعةً من نهارٍ، وقد عادتْ حُرْمَتُهَا اليومَ كحُرْمَتِها
بالأمس، وليُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ)»، فقيل لأبي شُريح: ما قال لك عمرو؟
قال: أنا أعلم بَذلك منك يا أبا شريح، إنَّ الحرمَ لَا يُعيد عَاصِياً ولا فارّاً
بِخَرْبةٍ)).
رواه أحمد (٣١/٤)، والبخاريُّ (١٨٣٢)، ومسلم (١٣٥٤).
ابنُ الزبير، وقال: أنا عائذٌ بالبيت. فأبى يزيد، وكتب يزيد إلى عمرو بن سعيد أن
يوجه إليه جنداً، فبعث إليه هذه البعوث.
إنَّ الله حرم مكة
و (قوله: ((إنَّ الله حرَّم مكة، ولم يحرمها الناس))) يعني: أنَّه حرَّمها ابتداءً
من غير سبب يُعزى إلى أحدٍ ولا مقدمةٍ، ولا لأحدٍ فيه مدخلٌ؛ لا نبيٌّ ولا عالمٌ،
ولا مجتهدٌ. وأكَّد ذلك المعنى بقوله: ((ولم يحرمها النَّاس)) لا يقال: فهذا يعارضه
قولُه في الحديث الآخر: ((اللهم إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرِّم المدينة))(١)؛ لأنا
نقول: إنما نسب الحكم هنا لإبراهيم لأنه مبلغه، وكذلك نسبته لنبيِّنا وَلته، كما قد
ينسب الحكم للقاضي لأنه مُتَفّذُه، والحكم الله العليِّ الكبير بحكم الأصالة
والحقيقة .
إن الحرم
لا يعيذ عاصياً
و (قول عمرو بن سعيد: إنَّ الحرمَ لا يُعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً
بِخَرْبةٍ) روايتنا (بخَربةٍ) بفتح الخاء، وهي المشهورة الصَّحيحة، وضبطه الأصيليُّ
بالضم، وكذلك قاله الخليل. وفُسِّرت بالسرقة، وبالفساد في الأرض. والخارب:
(١) رواه الترمذي (٣٩١٨)، ومالك في الموطأ (٨٨٩/٢).

٤٧٥
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
[١٢١٤] وعن أبي هريرة، قال: إنَّ خزاعةً قتلُوا رجلاً من بني لَيْث
عامَ فتح مكَّة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبرَ بذلك رسولُ اللهِصََّ، فركبَ
راحلته، فخطبَ، فقال: ((إنَّ اللَّهَ حبسَ عن مَكَّةَ الفيلَ، وسَلَّطَ عليها
رسولَه والمؤمنينَ، ألا وإنَّها لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي ولن تَحِلَّ لأحدٍ بعدي، ألا
وإنَّها أُحِلَّتْ لي ساعةً مِن النَّهار، ألا وإنَّها سَاعتي هذه حَرَامِ، لا يُخبطُ
اللصُّ المفسِد، وقيل: سارق الإبل خاصة. قال أبو الفرج بن الجوزي(١): انعقد
الإجماعُ: على أنَّ مَن جنى في الحرم يُقاد منه فيه، ولا يُؤْمَّن؛ لأنه هَتَك حُرمةً
الحرم، وردّ الأمان. واختلف فيمن ارتكب جنايةً خارج الحرم، ثم لجأ إليه؛ من ارتكب
فروي عن أبي حنيفة، وأحمد: أنه لا يُقام عليه الحدُّ فيه، ويُلْجَأ إلى الخروج إلى
الحِلِّ، ويُمْنع المعاملة والمبايعة حتى يضطر إلى الخروج، فيخرج إلى الحِلَّ؛ إليه
فيقام عليه الحدُّ فيه.
جنایةً خارج
الحرم ثم لجأ
و (قول عمرو بن سعيد لأبي شريح: أنا أعلمُ بذلك منك) ليس بصحيح
للَّذي تمسك به أبو شريح، ولما في حديث ابن عباس كما قدمناه، وحاصلُ قول
عمرو: أنه تأويل غير معضود بدلیل.
و (قوله: ((إن الله حبس عن مكة الفيل))) يعني به: فيل أبرهة الأشرم حبس الله الفيل
الحبشي؛ الذي قصَد خرابَ الكعبة، فلمَّا وصل إلى ذي المجاز - سوقٍ للعرب عن مكة
قريب من مكة - عبَّأْ فِيْلَه، وجهَّزه إلى مكة، فلمَّا استقبل الفيلُ مكةَ رزم، أي: أقام
وثبت، فاحتالوا عليه بكلِّ حيلةٍ، فلم يقدروا عليه، واستقبلوا به جهةَ مكة فامتنع،
فلم يزالوا به هكذا؛ حتى رماهم اللَّهُ بالحجارة التي أرسل الطير بها على ما هو
مذكورٌ في السِّير، وفي كتب التفسير.
(١) في الأصول: أبو الفرج الجوزي.

٤٧٦
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
شَوْكُها، ولا يُعْضَدُ شجرُها، ولا يَلْتَقِطُ سَاقطتَها إلا مُنْشِدٌ، ومن قُتل له قتيلٌ
فهو بخير النَّظَرِيْن، إما أن يُعطى (يعني: الدِّيةَ) وإمّا أنْ يُقَادَ أهلُ القتيل)).
قال: فجاءَ رجلٌ من أهل اليمن يُقال له أبو شاة، فقال: اكتبْ لي
يا رسولَ الله. فقالَ: ((اكتبُوا لأبي شاةٍ». فقالَ رجلٌ مِن قريشٍ: إلا
الإِذْخِرَ، فإنَّ نجعلُه في بيوتِنا وقُبُورِنا. فقال رسول الله وَاهِ: ((إلا الإِذْخِرَ)).
قال الوليد بن مسلم: فقلتُ الأوزاعيِّ: ما قولُه: اكتبْ لي
يا رسولَ الله؟ قال: هذه الخطبةَ التي سمعَها مِن رسول الله وَلَه.
رواه أحمد (٢٣٨/٢)، والبخاريُّ (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥)،
وأبو داود (٢٠١٧).
فِيمَ يخيَّ ولِيُّ
الدَّم؟
و (قوله: ((ومَن قُتِلِ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَيْن))) الحديث حُجَّةٌ للشَّافعيِّ،
وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وروي عن ابن المسيِّب، وابن سيرين على قولهم:
إنَّ وليَّ دم العمد بالخيار بين القصاص والدِّية، ويُجْبَر القاتل عليها إذا اختارها
الوليُّ. وهي روايةُ أشهب عن مالك. وذهب مالكٌ في رواية ابن القاسم وغيره إلى
أنَّ الذي للوليِّ إنما هو القتلُ فقط، أو العفو، وليس له أن يجبرَ القاتلَ على الدِّية،
تمشكاً بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَ﴾ [البقرة: ١٧٨] [و: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وقول النبيِّ وَّ: ((كتابُ الله
القصاص))(١)](٢). وفي المسألة أبحاثٌ تُنظر في مسائل الخلاف.
و (قوله: ((اكتبوا لأبي شاةٍ)) دليلٌ على جواز كتابة العلم، وهو مذهبُ
الجمهور. وقد كرهه قومٌ من أهل العلم؛ تمشُّكاً بحديث أبي سعيدٍ الآتي في كتاب
كتابة العلم
(١) رواه أحمد (١٢٨/٣)، والبخاري (٤٤٩٩)، والنسائي (٢٦/٨)، وابن ماجه (٢٦٤٩)
من حديث أنس.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ل) و (هـ).

٤٧٧
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
[١٢١٥] وعن جابر، قال: سمعتُ النبيَّ وَلِّ يقولُ: ((لا يَحِلُّ
لأحدكم أن يحمل السّلاح بمگَّة».
رواه مسلم (١٣٥٦).
[١٢١٦] وعن أنس بن مالك، أنَّ النبيَّ وَّهِ دخلَ مَّةَ عامَ الفَتْح
وعلى رأسه المِغفر، فلما نزعَه جاءَه رجلٌ فقال: يا رسول الله! ابنُ خَطَلَ
العلم، وكان محملُ النهي الذي في حديث أبي سعيدٍ إنما هو لئلا يتكل الناسُ على
الكتب، ويتركوا الحِفظ، أو لئلا يُخلط بالقرآن غيرُه؛ لقوله في الحديث نفسه:
((من كتب عنِّي شيئاً سوى القرآن فليمحه))(١).
و (قوله: ((لا يحلُّ لأحدٍ أن يحملَ السلاح بمكة))) قال به الحسنُ البصريُّ، حمل السلاح
وأجازه الجمهورُ؛ إن دعتْ إليه حاجةٌ وضرورةٌ؛ تمشُّكاً بدخول النبيِّ وَ﴿ه مكة في مكة
بالسلاح. وهذا فيه بُعْدٌ لما قدَّمناه مما يدلُّ على خصوصية النبيِّ ◌َ # بذلك. وقد
أنكر عبد الله بن عمر على الحَجَّاج أمره بحمل السلاح في الحرم. ويمكن أن
يعلَّل: بأنَّ ذلك في أيام الموسم، لكثرة الخَلْق، فيخاف أن يُصيبَ أحداً، أو
يروِّعه؛ كما قد نبَّه عليه النبيُّ وَّه في الحديث بقوله: ((من مرَّ بشيءٍ من مساجدنا أو
أسواقنا بنبلٍ فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلماً))(٢). والله أعلم.
(المغفر): ما يُلبس على الرأس من درع الحديد. وأصله من الغفر، وهو: دخل رسول الله
﴿﴿ مكة عنوةً
(١) رواه أحمد (١٢/٣)، ومسلم (٣٠٠٤).
(٢) قال ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٤٧) والتقدير: فليأخذ بكفُّه على نصالها لا يعقر
مسلماً.
والحديث رواه البخاري (٤٥٢)، ومسلم (٢٦١٥) من حديث أبي موسى
الأشعري.
٠

٤٧٨
(١٢) كتاب الحج - (٥٧) باب: تحريم مكة وصيدها
مُتعلِّق بأستار الكعبةِ. فقال: ((اقتلُوه)).
رواه أحمد (١٠٩/٣)، والبخاريُّ (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧)،
وأبو داود (٢٦٨٥)، والترمذيُّ (١٦٩٣)، والنسائيُّ (٢٠٠/٥)، وابن ماجه
(٢٨٠٥).
[١٢١٧] وعن جابر: أنَّ رسول الله ◌َّهِ دخلَ مَكَّةَ يوم فتحٍ مكّةً
وعليه عِمامةٌ سوداءُ بغيرِ إحرامٍ.
رواه أحمد (٣٦٣/١)، ومسلم (١٣٥٨)، وأبو داود (٤٠٧٦)،
والترمذيُّ (١٧٣٥)، والنَّسائيُّ (٢٠١/٥)، وابن ماجه (٢٨٢٢).
الستر. وهو دليلٌ على أنَّ النبيَّ وَّهِ دَخَل مكة عُنوةً. وهو الصحيحُ من الأحاديث،
والمعلوم من السِّير. لكنه عندما دخلها أمَّن أهلها، كما سيأتي. وإنما اغترَّ مَن
قال: بأنها فُتحت صلحاً، لما سمع: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يَعْرِض لأهلها بقتلٍ، ولا
سَبْيٍ، فظنَّ وقدَّر هنالك صُلحاً في الخفاء مع أبي سفيان أو غيره. وهذا كلُّهُ وَهْمٌ،
والصحیحُ الأول.
و (ابن خطل) هو: هلال بن خطل. وقيل: عبد العزَّى ابن خطل. هذا قولُ
الأمر بقتل ابن
خطل في مكة
ابن إسحاق وجماعة. وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر النبيُّ نَطير بقتله يوم
الفتح هو: هلالُ بن عبد الله بن عبد منافٍ بن أسعد بن جابرٍ بن كثير بن تيم بن
غالب بن فهر. قال: وعبد الله هو الذي يُقال له: خطل، ولأخيه عبد العزى بن
عبد مناف أيضاً: خطل، هما جميعاً الخطلان. قاله أبو عمر، وكان قد أسلم،
دخول الرسول وهاجر، فاستكتبه النبيُّ وَّهِ، ثم ارتدَّ، فقتل رجلاً كان يخدمه، وفرَّ إلى مكة،
وجعل يسبُّ النبيَّ وَاله ويهجوه. وفيه دليلٌ على صحّة مذهب الجمهور: في أن
الحدود تُقام بالحرم، كما تقدَّم.
و (قول جابرٍ: إنَّه ◌َّهِ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامةٌ سوداء) ليس مناقضاً
﴾ مكة
بالمغفر
والعمامة
السوداء

٤٧٩
(١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها
[١٢١٨] وعن عمرو بن حُرَيْث، قال: كأنِّي أنظرُ إلى رسول الله وَهـ
وعليه عِمامةٌ سوداءُ قد أرخى طَرَفَيْهَا بِينَ كَتِفَيْهِ.
وفي رواية: يخطبُ النَّاسَ.
رواه مسلم (١٣٥٩).
#
(٥٨) باب
تحريم المدينة، وصَيْدِها،
وشجَرِها، والدُّعاء لها
[١٢١٩] عن عبد الله بن زيد بن عاصم: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((إنَّ
إبراهيمَ عليه السَّلامِ حَرَّمَ مََّةَ ودَعا لهَا، وإنِّي حرَّمتُ المدينةَ كما حرَّمَ
إبراهيمُ مكَّةَ، وإنِّي دعوتُ في صاعِها ومُدِّها بِمِثْلَيْ ما دَعا به إبراهيمُ لأهلِ
مگَّة)).
لقوله: (إنه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر) لإمكان أن تكون العِمامةُ تحت المغفر،
وقايةً من صدأ الحديد، وشعثه، أو يكون نَزَعَ المغفرَ عند انقياد أهل مكة ولبس
العِمامة. والله تعالى أعلم.
(٥٨) ومن باب: تحريم المدينة
(قوله وَله: ((إنَّ إبراهيم حرَّم مكة))) أي: بلَّغ حكم تحريمها. وعلى ذلك
يُحمل قولُ نبيناِمََّ: ((وإنِّي أحرِّمُ ما بين لابتي المدينة(١) وقد دلَّ على صحة هذا
التأويل قولُه ◌َاهِ: ((إنَّ اللَّهَ حرَّم مكةَ ولم يحرِّمها الناس)).
دعوة رسول الله
للمدينة
و (قوله: ((وإنِّي دعوتُ في صاعها ومُدِّها بمثلي ما دعا به إبراهيمُ لأهل بالبركة

٤٨٠
(١٢) كتاب الحج - (٥٨) باب: تحريم المدينة وصيدها
رواه أحمد (٤٠/٤)، والبخاريُّ (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠) (٤٥٤).
[١٢٢٠] وعن عامر بن سَعْدٍ، عن أبيه، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّت:
(إنِّي أُحَرِّمُ ما بينَ لابَتَي المدينةِ، أنْ يُقطعَ عِضاهُها، أو يُقْتَلَ صَيْدُها.
مكة))) تفسيرُه: ما جاء في حديث أنس، وهو قوله: ((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي
ما بمكة من البرکة».
و (قوله: ((في صاعها ومُدِّها))) أي: في ذي صاعها وذي مدِّها. يعني: فيما
يُكال بالصَّاعِ والمدِّ. ووجهُ البركة تكثيرُ ذلك، وتضعيفه في الوجود، أو في
الشِّبع. وقد فعل(١) الله تعالى كلَّ ذلك بالمدينة، فانجلب الناسُ إليها من كلِّ أرضٍ
وبلدٍ، وصارتْ مستقرَّ ملوكٍ، وجلبت إليها الأرزاق، وكثرت فيها مع قلَّة أكل
أهلها، وترك نهمهم، وإنما هي وجبةٌ واحدةٌ يأكلون فيها العُلْقة (٢) من الطعام،
والكفَّ من التَّمر، ويُكتفى به. ثم لا يلزم أن يكون ذلك فيها دائماً، ولا في كلِّ
شخصٍ، بل تتحقَّقُ إجابةُ دعاء النبيَِّ ﴿ إذا وجد ذلك في أزمانٍ، أو في غالب
أشخاصٍ. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إني أحرِّم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عضاهها، أو يُقتل
صيدها))) اللابة: الأرض ذات الحجارة. وهي الحرَّة. وجمعها في القلة: لاباتٌ،
وفي الكثرة: لابِّ، ولوبٌ. كـ (قارة) و (قور) و (ساحة) و (سوح) و (باحة)
و (بوح)، [قاله ابن الأنباري](٣). اللابتان: الحرتان الشرقية والغربية، [وللمدينة
لابتان، في القبلة والجرف. وترجع إليهما الشرقية، والغربية] (٤). قال الهروي:
تحريم صيد
المدينة وتحريم
قطع شجرها
(١) في (ع): جعل.
(٢) ((العُلْقة)): ما يتبلّغ به من الطعام.
(٣) في (هـ) بياض وفي (ز): ابن حبيب، وفي (ع) و(ج): ابن فلان، والمثبت من (ل).
(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).