النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج عن المعضوب والصبي
(٤٩) باب
الحجِّ عن المعضوبِ والصبيِّ
[١١٩٣] عن عبد الله بن عبّاس قال: كان الفضل بن عباس رديفَ
رسول الله ﴿ فجاءتهُ امرأةٌ من خثعمّ تستفتيه، فجعل الفضلُ ينظر إليها،
وتنظر إليه، فجعل رسول الله وَ﴿ يصرف وجه الفضل إلى الشِّقِّ الآخر
قالت: يا رسول الله! إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخاً
كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: ((نعم)) وذلك في
حَجَّةِ الوداع.
(٤٩) ومن باب: الحجِّ عن المعضوب
(قوله: فجعل الفضلُ ينظر إليها، وتنظرُ إليه) هذا النظرُ منهما بمقتضى
الطِّبَاعِ؛ فإنها مجبولةٌ على الميل إلى الصُّور الحسنة. ولذلك قال في روايةٍ: وكان
الفضلُ أبيض وسيماً، أي: جميلاً. و(صرف النبيِّوَلَهُ وَجْهَ الفضل إلى الشقِّ
الآخر) مَنْعٌ له من مقتضى الطبع، وردٍّ له (١) إلى مقتضى الشرع. وفيه دليلٌ: على
أنَّ المرأة تكشفُ وجهها في الإحرام، وأنَّها لا يجبُ عليها ستره وإن خيف منها(٢) كشف المرأة
الفتنة، لكنها تندب إلى ذلك، بخلاف أزواج النبيِّ وَ ﴿؛ فإنَّ الحجابَ عليهنَّ كان وجهها في
الإحرام
فريضةٌ.
و (قولها: إنَّ فريضةَ الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع من هو
أن يثبتَ على الرَّاحلة) هذا هو المسمَّى بالمعضوب. والعضب: القطع. وبه سُمِّ المعضوب؟
السيف: عَضْباً، وكأنَّ من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه؛ إذلا يقدر على شيءٍ. وقد
(١) ساقط من (ج).
(٢) في (ع): منه.

٤٤٢
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج عن المعضوب والصبي
وفي رواية: قالت: يا رسول الله! إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ عليه فريضة الله
بَيَّنَتْهُ في الرواية الأخرى بقولها: لا يستطيعُ أن يستويَ على ظهر بعيره. فبمجموع
الروايتين يحصل: أنه لا يقدرُ على الاستواء على الرَّاحلة، ولو استوى لم يثبتْ
عليها .
من لم يستطع
الحج بنفسه
يخاطب به
و (قولها: أدركتْ أبي) وفي الرواية الأخرى: عليه فريضة الله في الحجّ.
ظاهرٌ في أن مَن لم يستطع الحَّ بنفسه أنه يُخاطَبُ به. وبهذا الظاهر أخَذَ
الشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، والجمهور على تفصيلٍ لهم يأتي إن
شاء الله تعالى. وخالفهم في ذلك مالكٌ وأصحابه، ورأوا: أن هذا الظاهرَ مخالفٌ
لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فإن
الأصلَ في الاستطاعة إنما هي القوةُ بالبدن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ
يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] أي: ما قدروا، ولا قووا. وبالجملة:
فإذا قال القائل: فلان مستطيع، أو غير مستطيع. فالظاهرُ منه السابق إلى الفهم:
نفي القدرة أو إثباتها، فلما عارض ظاهرُ الحديث ظاهرَ القرآن رجّح مالكٌ
- رحمه الله - ظاهرَ القرآن. وهو مرجّح بلا شكٌّ من أوجهٍ: منها: أنه مقطوعٌ
بتواتره. ومنها: أنَّ هذا القولَ إنما هو قولُ المرأة على ما ظنت. ثم إنه يحتملُ أن
يكونَ معنى (أدركت أبي): أن الحجَّ فرضٌ وأبوها حيٍّ على تلك الحالة
الموصوفة .
قلت: وهذا التأويل، وإن قبله قولها: أدركت. فلا يقبله قولها في الرواية
الأخرى: عليه فريضة الحج. لكن هذا كله منها ظنٌّ وحسبان، ولا حُجَّة في شيءٍ
من ذلك، فإنها ظنت الأمر على خلاف ما هو عليه. ولا يُقال: فقد أجابها
رسولُ الله ◌َِّ على سؤالها، ولو كان سؤالُها غلطاً لما أجابها عليه، ولبيَّته لها، فإن
تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة غيرُ جائز، لأنَّا نقول: إنه لم يُجبها على هذا القول،
بل على قولها: أفأحجُ عنه؟ فقال لها: ((نعم)). أو: ((فحجِّي عنه)) على اختلاف

٤٤٣
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج عن المعضوب والصبي
في الحجِّ، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. فقال النبيُّ وَّ:
«فحُجّي عنه)).
الرواية، وإنما قال لها ذلك لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها،
فأجابها إلى ذلك. كما قال للأخرى التي قالت: إنَّ أمِّي نذرت أن تحجَّ؛ فلم تحجّ
حتى ماتت، أفأحجُّ عنها؟ فقال: ((حجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنتِ
قاضِيته عنها؟)) قالت: نعم (١). ففي هذا ما يدلُّ: على أنه من باب التطوُّعات، من مات وعليه
وإيصال الخير والبِرِّ للأموات. ألا ترى أنه قد شبَّه فِعْل الحجِّ بالدَّين؟ وبالإجماع: دين
لو مات ميت(٢) وعليه دين لم يجب على وليه قضاؤه من ماله، فإن تطوّع بذلك؛
تأدَّى الدين عنه. ولا يبعد في كرم الله وفَضْله إذا حجَّ الوليُّ عن الميت الصَّرورة(٣)
أن يعفوَ الله عن الميِّت بذلك، ويُتيبه عليه، أو لا يطالبه بتفريطه. وقد تقدَّم الكلامُ
على هذا المعنى في الصوم. ولم يتعرَّضِ النبيُّ وَله لقولها؛ لأنه فهم أنَّ مرادها
الاحتمال الذي قدَّمناه. والله تعالى أعلم.
قلت: وقد قال بعضُ أصحابنا - وهو أبو عمر بن عبد البر -: حديث
الخثعمية عند مالك وأصحابه مخصوص بها. وقال آخرون: فيه اضطرابٌ. قلت:
وفي هذين القولين بُعْدٌ. والصحيحُ ما قدَّمته. والله أعلم.
وقد قال بعضُ أصحابنا بموجب حديث الخثعمية فقال: لا تجوز النيابةُ في
الحجّ إلا للابن عن أبيه خاصةً. وفي هذا الحديث ردٌّ على الحسن بن حييٍّ حيث
قال: لا يجوزُ حُّ المرأة عن الرجل.
وقد اختلف العلماءُ في النيابة في الحجِّ قديماً وحديثاً. فحكي عن النخعي حكم النيابة في
الحج
(١) رواه مسلم (١١٤٨)، وأبو داود (٣٣٠٧)، والترمذي (٧١٦).
(٢) من (هـ) و(ج).
(٣) ((الصرورة)): الذي لم يحجّ قطُّ.

٤٤٤
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج عن المعضوب والصبي
رواه أحمد (٣٤٦/١)، والبخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤)و(١٣٣٥)
وأبو داود (١٨٠٩)، والنَّسائي (١١٨/٥)، وابن ماجه (٢٩٠٩).
وبعض السَّلف: لا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ جملةً من غير تفصيل. وحكي مثله عن
مالكِ. وقال جمهورُ الفقهاء: يجوزُ أن يحج عن الميت، عن فرضه، ونذره، وإن
لم [يوص به](١)، ويجزىء عنه. واختلف قول الشَّافعيُّ - رحمه الله - في الإجزاء
عن الفرض. ومذهب مالك، والليث، والحسن بن حييٍّ: أنه لا يحجُّ أحدٌ عن
أحدٍ إلا عن ميِّتٍ لم يحجَّ حَّة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه. قال مالك: إذا
أوصى به. وكذلك عنده يتطوَّع بالحجِّ عن الميِّت إذا أوصى به. وأجاز أبو حنيفة،
والثوري وصية الصحيح بالحجِّ عنه تطوُّعاً. وروي مثله عن مالكٍ.
وسببُ الخلاف في هذه المسألة: ما قد أشرنا إليه من معارضة الظواهر
بعضها بعضاً، ومعارضة القياس لتلك الظواهر، واختلافهم في تصحيح حديثي
جابرٍ وابن عباسٍ. فأمَّا حديث جابرٍ: فخرَّجه عبد الرزاق قال: قال رسول الله وَلّه:
((إنَّ الله يُدخل بالحجة الواحدة ثلاثةً الجنة: الميت، والحاجُّ، والمنفّذ لذلك))(٢).
في إسناده أبو معشر؛ نجيح. وأكثرُ الناس يُضعِّفه، ومع ضعفه يُكتب حديثه. وأمَّا
حديثُ ابن عبّاس: فخرَّجه أبو داود. قال فيه: سمع رسولُ الله ◌ِ ◌ّه رجلاً يقول:
لبّيك عن شُبرمَةً. فقال: ((مَن شُبرمة؟)) قال: أخ لي، أو قريب لي. فقال:
((حججتَ عن نفسك؟)) قال: لا. قال: (حُجَّ عن نفسك، ثم حجَّ عن شُبرمة))(٣).
علَّله بعضهم: بأنَّه قد روي موقوفاً، والذي أسنده ثقة. وقد قال سفيان،
والحسن بن عليٍّ: لا يحجّ في الوصية بالحجِّ من لم يحجّ عن نفسه، أخذاً بحديث
الحج عن
النفس شرط
للحج عن الغير
(١) في (ع) و (ج): يفرض له.
(٢) رواه البيهقي (١٨٠/٥ و ٣٥٦).
(٣) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣).

٤٤٥
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج من المعضوب والصبي
[١١٩٤] وعن ابن عباس، عن النبيِّ ◌َ﴿ لقي رَكْباً بالرَّوْحاء فقال:
((مَنِ القوم؟)) قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: ((رسول الله)) فرفعت
إليه امرأةٌ صبيّاً، فقالت: ألهذا حج.
شُبرمة هذا. وقاله الشافعيُّ فيمن حجَّ عن ميِّت. وقال غيرُ مَن ذُكِر: بجواز ذلك،
وإن کان الأولی هو الأول.
والجمهورُ على كراهية الإجارة في الحجِّ. وقال أبو حنيفة: لا تجوز. وقال الإجارة في
مالكٌ والشافعيُّ - في أحد قوليه -: لا تجوز، فإن وقع مضى. وقال بعضُ أصحابنا الحج
بجواز ذلك ابتداءً.
و (الرَّوحاء): موضعٌ معروف من عمل الفرع، بينه وبين المدينة نحو
الأربعين ميلاً. وفي كتاب مسلم: ستة وثلاثون ميلاً. وفي كتاب ابن أبي شيبة:
ثلاثون میلاً. و (الرکب): أصحاب الإبل الرَّاکبون عليها .
و (قوله(١): مَنِ القوم؟) سؤال من لم يعلم مَنْ كانوا، إمَّا لأنهم كانوا في
ليلِ، وإمَّا لأنَّ هؤلاء الركب(٢) كانوا فيمن أسلم ولم يهاجروا. و(رفع المرأة حجُّ الصغير
الصبيَّ) يدلُّ: على صغره، وأنه لم يكن جفراً (٣)، ولا مراهقاً؛ إذ لا ترفعه غالباً إلا
وهو صغير. وفي الموطأ: فأخذتْ بضبعي(٤) صبي لها وهو في محفّتها. وفي
غيره: فأخرجته من محفّتها. وهو حُجَّةٌ للجمهورَ في أنَّ الصغير ينعقدُ حُّه،
ويجتنب [ما يجتنبه الكبير](٥). وهو ردٌّ على قومٍ من أهل البدع منعوا حجَّ الصبيِّ،
(١) في الأصول: وقولهم. والصواب ما أثبتناه.
(٢) في (ج): القوم.
(٣) قال في اللسان: الجَفْر: الصبي إذا انتفخ لحمه، وأكل، وصارت له کرش.
(٤) يقال: أخذ بضبعيه، أي: أمسك بعضديه.
(٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٤٤٦
(١٢) كتاب الحج - (٤٩) باب: الحج من المعضوب والصبي
قال: ((نعم، ولك أجر)).
رواه أحمد (٢١٩/١)، ومسلم (١٣٣٦) (٤٠٩)، وأبو داود (١٧٣٦)،
والنسائي (١٢٠/٥ - ١
#
وعلى أبي حنيفة إذ يقول: لا ينعقد، وإنما هو عنده من باب التمرين، ولا يلزم أن
يجتنبّ شيئاً يجتنبه المحرم. وكلُّ مَن قال بصحة حجِّ الصغير متفقون: على أنَّه
لا يجزئه عن حجّة الإسلام. وقد شذَّت فرقةٌ لا مبالاة بها، فقالت: يجزئه
عنها (١)، بدليل: أن الصبي لا يجبُ عليه حكمٌ شرعاً اتفاقاً، وإنما الخلافُ: هل
يُخاطَبون بخطاب النَّب من جهة الله تعالى؟ أو: إنما المخاطَبُ أولياؤهم بحملهم
على آداب الشريعة، وتمرينهم عليها، وأخذهم بما يمكنهم من أحكامها في
أنفسهم، وأموالهم. وهذا هو المرتضى في (٢) في الأصول. ثم لا بُعْدَ في أنَّ اللَّهَ
تعالى يُثيبهم على ما يصدرُ عنهم من أفعال البرِّ والخير، فإنَّ الثوابَ فضلُ الله تعالى
يؤتيه من يشاء. وبهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكثير من العلماء.
أعني: أنهم قالوا: إنهم يُثابون على طاعاتهم، ولا يُعاقَبُون على سيِّئاتهم.
هل يخاطب
الصبیان
بخطاب
الندب؟
إذا أحرم الصبي
واختلف العلماءُ في الصبيِّ إذا أحرم بالحجِّ ثم بلغ: فقال مالك: لا يرفض
بالحج ثم بلغ إحرامه، ويتم حجَّه، ولا يجزئه عن حجَّة الإسلام. وقال: إن استأنف الإحرامَ قبل
الوقوف بعرفة أجزأه عنها. وقال أبو حنيفة: يلزمه تجديدُ النّة للإحرام، ورفض
الأولى، إذ لا يترك فرضٌ لنافلةٍ. وقال الشافعي: يجزئه، ولا يحتاجُ إلى تجديد
نيَّةٍ. والخلافُ في العبد يحرمُ ثم يُعْتَق كالخلاف في الصبيِّ.
و (قوله: ((ولك أجرٌ))) يعني: فيما تكلفته من أمره بالحجِّ وتعليمها إيَّاه،
وتجنيبها إيَّاه ممنوعات الإحرام.
(١) زاد في (ج): وهو فاسد.
(٢) في (ج): من.

٤٤٧
(١٢) كتاب الحج - (٥٠) باب: فرض الحج مرة في العمر
(٥٠) باب
فرض الحج مرة في العمر
[١١٩٥] عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسولُ اللهِ وَلَه فقال: ((أيُّهَا
النَّاسُ! قد فرضَ الله عليكم الحَجَّ فحُجُّوا))، فقال رجل: أكلَّ عام
يا رسولَ الله! فسكتَ حتَّى قالَها ثلاثاً. فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((لو قلتُ نعم
لوجبتْ، ولَمَا استطعتُم»، ثم قال: ((ذَرُوني ما تركتُكم، فإنَّما هلكَ مَنْ كانَ
(٥٠) ومن باب: فرض الحج مرة في العمر
(قوله: ((قد فرض عليكم الحج فحُوا))) أي: أوجب، وألزم. وإنْ كان
أصل الفرض: التقدير، كما تقدم. ولا خلاف في وجوبه مرةً في العمر على
المستطيع. وقد تقدم الكلامُ على الاستطاعة.
و (قول السائل: أكلّ عام؟) سؤال من تردّد في فهم قوله: ((فحجوا)) بين
التكرار والمرة الواحدة، وكأنه عنده مجملٌ، فاستفصل، فأجابه بقوله: ((لو قلت
نعم؛ لوجبت))) أي: لوجبت المسألة، أو الحبيَّةُ [في كل عامٍ] (١) بحكم ترتيب
الجواب على السؤال.
و (قوله: ((ولما استطعتم))) أي: لا تطيقون ذلك، لثقله، ومشقّته على
القريب، ولتعذُّره على البعيد.
و (قوله: ((ذروني ما تركتكم))) يعني: لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع
التي تكون مقيَّدةً بوجهٍ ما ظاهرٍ وإن كانت صالحة لغيره. وبيان ذلك :
أنَّ قوله: ((فحجوا)) وإن كان صالحاً للتكرار، فينبغي أن يُكتفى بما يصدق
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٤٤٨
(١٢) كتاب الحج - (٥٠) باب: فرض الحج مرة في العمر
قبلَكم بكثرةِ سُؤالِهم، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأُتُوا منه
ما استطعتُم، وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه)).
رواه مسلم (١٣٣٧)، والنسائي (١١٠/٥ -١١١).
*
*
عليه اللفظ، وهو المرةُ الواحدةُ، فإنها مدلولةٌ لِلَّفظ قطعاً، وما زاد عليها يتغافل
عنه، ولا يكثر السؤال فيه لإمكان أن يكثر الجواب المترتّب عليه، فيضاهي ذلك
قصة بقرة بني إسرائيل التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرةً. فلو اقتصروا على ما يصدق
عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة - أيٍّ بقرة كانت - لكانوا ممتثلين، لكن لما
من شدّد شُدِّد أكثروا السُّؤْالَ كثر عليهم الجواب، فشدَّدوا، فَشُدِّد عليهم، فذُنُّوا على ذلك،
فخاف النبيُّ ◌َ﴿ مثلَ هذا على أمته، ولذلك قال: ((فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة
سؤالهم))، وعلى هذا يُحمل قوله: ((فإذا أمرتكم بشيءٍ فائتوا منه ما استطعتم)) يعني:
بشيءٍ مطلقٍ. كما إذا قال: صُمْ، أو صلِّ، أو تصدَّق. فيكفي من ذلك أقلُّ
ما ينطلق عليه الاسم. فيصوم يوماً، ويصلِّي ركعتين، ويتصدَّق بشيءٍ يُتَصَدَّقُ
بمثله. فإن قيَّد شيئاً من ذلك بقيودٍ، ووصفه بأوصافٍ لم يكن بدٌّ من امتثال أمره
على ما فضَّل وقيَّد، وإن كان فيه أشدُّ المشقَّات، وأشقُّ التكاليف. وهذا مما
لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى أنه هو المراد بالحديث.
و (قوله: ((وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه))) يعني: أنَّ النهيَ على نقيض الأمر،
وذلك: أنه لا يكون مُمتثلاً بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحداً من آحادِ ما يتناوله
النهي، ومَن فعل واحداً فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه
مطلقاً دائماً، وحينئذٍ يكون ممتثلاً لترك ما أُمِر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدَّم.
وهذا الأصلُ إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يحمل على الفور، أو التراخي،
أو على المرة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه
لا تخفی.
عليه

٤٤٩
(١٢) كتاب الحج - (٥١) باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة
(٥١) باب
ما جاء أن المَخْرَمَ من الاستطاعة
[١١٩٦] عن ابن عمر، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمن
(٥١) ومن باب: ما جاء أنَّ المَحْرَمَ من الاستطاعة
ظواهِرُ أحاديثِ هذا الباب متواردةٌ على أنَّه: لا يجوزُ للمرأة أن تسافر سفراً
طويلاً إلا ومعها ذو محرمٍ منها، أو زوجٍ. وسيأتي القولُ في أقلّ السفر الطّويل،
وقد مرَّ منه طرفٌ في كتابٌ: الصلاة، فيلزم من هذه الأحاديث: أن يكون المَحْرَمُ
شرطاً في وجوب الحجِّ على المرأة لهذه الظَّواهر. وقد رُوي ذلك عن النَّخَعي،
والحسن. وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث.
وذهب عطاء، وسعيد بن جُبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك، والشافعيُّ
إلى: أنَّ ذلك ليس بشرطٍ. وروي مثله عن عائشة - رضي الله عنها - لكنَّ الشَّافعيَّ
- في أحد قوليه - يشترطُ أن يكون معها نساءٌ أو امرأةٌ ثقةٌ مسلمةٌ. وهو ظاهِرُ قولٍ
مالكِ على اختلافٍ في تأويل قوله: تخرجُ مع رجالٍ أو نساء؛ هل بمجموع ذلك،
أم في جماعةٍ من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله أصحابُنا عنه: اشتراط النساء.
وسببُ هذا الخلاف مخالفةُ ظواهر هذه الأحاديث لظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُ أَلْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وذلك أن قوله: ﴿من
استطاع﴾ ظاهره الاستطاعةُ بالبَدَن(١)، كما قرَّرناه آنفاً، فيجبُ على كلِّ مَن كان
قادراً عليه ببدنه. ومن لم تجدْ مَخْرماً قادرة ببدنها، فيجبُ عليها. فلما تعارضتْ
هذه الظواهر؛ اختلف العلماءُ في تأويل ذلك. فجمع أبو حنيفة ومَن قال بقوله
بينهما؛ بأن جعل [الحديث مبيناً](٢) للاستطاعة في حقِّ المرأة. ورأى مالك ومَن
(١) في (ج): في البدن.
(٢) ساقط من (ع).

٤٥٠
(١٢) كتاب الحج .. (٥١) باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة
بالله واليوم الآخرِ تُسافرُ مسيرةَ ثلاثٍ ليالٍ
قال بقوله: أنَّ الاستطاعةَ بيّنة في نفسها في حقِّ الرجال والنساء، وأنَّ الأحاديثَ
المذكورة في هذا لم تتعرَّض للأسفار الواجبة، أَلا ترى أنه قد اتّفق على: أنه يجبُ
عليها أن تسافرَ مع غير ذي مَحْرَم إذا خافت على دينها ونفسها، وتُهاجر من دار
الكفر كذلك(١)، ولذلك لم يختلف في أنها ليس لها أن تسافرَ سفراً غير واجبٍ مع
غير ذي مَخْرَمٍ، أو زوجٍ، ويمكن أن يقال: إنَّ المنعَ في هذه الأحاديث إنما خرج
لما يؤدي إليه من الخلوة، وانكشاف عوراتهن غالباً، فإذا أُمِن ذلك بحيث يكون في
الرفقة نساءٌ تنحاش إليهن جاز، كما قاله الشَّافعيُّ، ومالك. وأمَّا مع الرِّجال
المأمونين ففيه إشكال؛ لأنَّه مظنَّةُ الخلوة، وكشف العورة. وقد أقام الشرعُ المظنَّةَ
مقامَ العلَّة في غير ما موضع. والله تعالى أعلم.
عموم لفظ
المرأة
و (قوله وَ﴾: ((لا يحلّ لامرأةٍ))) هو على العموم لجميع المؤمنات؛ لأنَّ امرأةً
نكرةٌ في سياق النفي، فتدخل فيه الشَّابة، والمتجالَّة(٢). وهو قولُ الكافة. وقال
بعضُ أصحابنا: تخرجُ منه المتجالَّة؛ إذ حالُها كحال الرجل في كثيرٍ من أمورها.
وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الخلوةَ بها تحرم، وما لا يطلع عليه من جسدها غالباً عورةٌ،
فالمظنةُ موجودةٌ فيها. والعمومُ صالحٌ لها، فينبغي ألاَّ تخرج منه. والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((مسيرة ثلاث - أو - يومين - أو - يوم وليلة))) لا يتوهم منه أنه
اضطرابٌ، أو تناقضٌ، فإنَّ الرواةَ لهذه الألفاظ من الصحابة مختلفون، روى بعضٌ
ما لم يَرْوِ بعض، وكلُّ ذلك قاله النبيُّ وَّهِ في أوقاتٍ مختلفةٍ بحسب ما سُئِل عنه.
(١) سقطت هذه اللفظة من (ع).
(٢) ((المتجالة)): التى كبرت وأسنَّت.

٤٥١
(١٢) كتاب الحج - (٥١) باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة
إلا ومعَها ذُو مَخْرمٍ)).
رواه مسلم (١٣٣٨) (٤١٤).
[١١٩٧] وعن أبي سعيد الخدري، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَفيه
يقولُ: ((لا تَشُدُّوا الرِّحَال إلَّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدي هذا، والمسجدِ
الحَرام، والمسجد الأقصى)) وسمعته يقول: ((لا تُسافرُ المرأةُ يَومينٍ من
الدَّهْرِ إلا ومعها ذُو مَحْرٍَ منها، أو زَوْجُها)).
رواه مسلم (٨٢٧)(٤١٥)، وأبو داود(١٧٢٦)، والترمذي (١١٦٩)،
وابن ماجه (٢٨٩٨).
وأيضاً فإنَّ كلَّ ما دون الثلاث داخلٌ في الثلاث، فيصحّ أن يعيِّنَ بعضها؛ ويحكم
عليها بحكم جميعها، فينصُّ تارةً على الثلاث، وتارةً على أقلّ منها؛ لأنه داخلٌ
فيها. وقد تقدَّم الخلافُ في أقلِّ مدة السفر في باب القَصْر.
و (قوله: ((إلا ومعها ذو محرمٍ منها))) هذا يعمُّ ذوي المحارم سواءً كان كراهية مالك
بالصهر، أو بالقرابة. وهو قولُ الجمهور. غير أنَّ مالكاً قد كره سفر المرأة مع سفر المرأة مع
ابن زوجها
ابن زوجها. قال: وذلك لفساد الناس بعد.
و (قوله: ((لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجدٍ») يعني: لا يُسافَر لمسجدٍ شدُّ الرِّحال إلى
لفعل قُرْبةٍ فيه إلا إلى هذه المساجد؛ لأفضليتها وشرفيتها على غيرها من المساجد،
المساجد
ولا خلافَ في: أنَّ هذه المساجدَ الثلاثة أفضلُ من سائر المساجد كلِّها. ومُقتضى
الثلاثة
هذا النهي: أنَّ من نَذَرَ المشي أو المضيَّ إلى مسجدٍ من سائر المساجد للصلاة فيه
- ما عدا هذه الثلاثة - وكان منه على مسافةٍ يُحتاج فيها إلى إعمال المَطِيِّ، وشدِّ
رحالها؛ لم يلزمه ذلك؛ إلاَّ أن يكون نَذَر مسجداً من هذه المساجد الثلاثة. وقد
ألحق محمَّد بن مسلمة مسجدَ قُباء بهذه المساجد، على ما ياتي إن شاء الله تعالى.

٤٥٢
(١٢) كتاب الحج - (٥١) باب: ما جاء أن المحرم من الاستطاعة
[١١٩٨] وعن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَاهِ: ((لا يَحِلُّ
لامرأةٍ مُسلمةٍ تُسافرُ مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعَها رجلٌ ذو حُرْمَةٍ منْها)).
وفي رواية: ((مَسِيرةُ يَوْم). وفي أخرى: ((مَسِيْرَةَ يومٍ وليلةٍ).
رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩)(٤١٩ و٤٢١)، وأبو داود
(١٧٢٤)، والترمذي (١١٧٠)، وابن ماجه(٢٨٩٩).
[١١٩٩] وعن ابن عبّاس، قال: سمعتُ رسولَ اللهوَلَ يخطبُ،
يقول: ((لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا ومعَها ذُو مَحْرَم، ولا تُسافِر امرأةٌ إلا معَ
ذي مَحْرَمِ))، فقامَ رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إنَّ امْرأتِي خرجتْ حاجَّةً
فصار شدُّ الرِّحال في هذا الحديث عبارةً عن السفر البعيد. فأمَّا لو كان المسجدُ
قريباً منه لزمه المضيُّ إليه إذا نذر الصَّلاةَ فيه؛ إذ لم يتناوله هذا النَّهيُ. وسيأتي
لهذا مزیدُ بیانٍ وتفريعٍ.
و (قوله: ((مسيرة يوم - أو - ليلة))) لمَّا كان ذِكْر أحدهما يدلُّ على الآخر،
ويستلزمه؛ اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وقد جمعهما في الرواية الأخرى،
حيث قال: ((يوم وليلة)). والرواياتُ يُفسِّر بعضُها بعضاً. وقد وقع في بعض
الروايات: ((لا تسافر امرأةٌ إلا مع ذي محرم)»(١) ولم يذكر مدةً. فيقتضي بحكم
إطلاقه منع السّفر قصیره وطويله.
و (قوله: ((لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ») عامٌّ في المتجالات وغيرهنَّ. وفي
الشيوخ وغيرهم. وقد اتّقى بعضُ السّلف الخلوةَ بالبهيمة. وقال: شيطانٌ مُغْوٍ
وأنثى حاضرةٌ - أو كلاماً هذا معناه -.
(١) رواه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (٢٢٢/١).

٤٥٣
(١٢) كتاب الحج - (٥٢) باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر
وإني اكُتِبْتُ في غزوةٍ كَذا وكَذا. قال: ((انطلقْ فحُجَّ مع امرأتِكَ)).
رواه أحمد (٢٢٢/١)، والبخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).
(٥٢) باب
ما يُقال عند الخروج إلى السَّفر، وعند الرُّجوع
[١٢٠٠] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَّهِ كانَ إذا استوى على بعیرہِ
خارجاً إلى السفر كَبَّر ثلاثاً، ثم قال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا
لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] («اللَّهُمَّ نسألُكَ في
و (قول الرجل: إنِّي اكتُثبت في غزوة كذا) أي: ألزمت وأثبت اسمي في
دیوان ذلك البعث.
و(قوله وَلِ﴿ للرجل: ((انطلقْ فحجَّ مع امرأتك))) هو فَسْخٌ لما كان التزم من الزوج أحنُّ
المضيِّ للجهاد. ويدل: على تأكُّد أمر صيانة النساء في الأسفار، وعلى أنَّ الزوجَ بالسفر مع
أحقُّ بالسفر مع زوجته من ذوي رَحِمها، ألا ترى: أنه لم يسأله: هل لها محرٌ أم رحمها
زوجته من ذوي
لا؟ ولأنَّ الزوجَ يطَّلعُ من الزوجة على ما لا يطَّلع منها ذو المحرم. فكان أولى.
فإذاً قوله وَل﴿ في الأحاديث: ((إلا ومعها ذو محرم)) إنَّما خرج خطاباً لمن لا زوجَ
لها. والله تعالى أعلم.
(٥٢) ومن باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر وعند الرجوع
(سخّر) ذلَّل ومكَّن (مُقرنين) مُطيقين، قاله ابنُ عباس. قال الشَّاعر:
لَقَدْ عَلِمَ القَبَائِلُ مَا عَقِيل لَنا فِي النَّائِبَاتِ بِمُقْرِنِينَا
أي: بمطيقين. وقال الأخفش: ضابطين. وقال قتادة: مماثلين، من القرن

٤٥٤
(١٢) كتاب الحج - (٥٢) باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر
سفرِنا هذا البِرَّ والتَّقْوى، ومِن العَمَلِ ما تَرضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ علينا سفرَنا
هذا، واطوٍ عَنَّا بُعْدَه، اللَّهُمَّ أنتَ الصَّاحبُ في السَّفرِ، والخليفةُ في الأهلِ،
اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وكآبَةِ المَنْظرِ، وسُوء المُنقلبِ في
المالِ والأهلِ)) وإذا رجَع قالهنَّ، وزاد فيهن: ((آيبونَ تائبونَ عابدونَ لِرَبِّنا
حامدون».
في القتال، وهو المثل. ويحتملُ أن يكونَ من المقارنة، أي: الملازمة.
و (منقلبون): راجعون، تنبيهاً على المطالبة بالشكر على ما أنعم، وعلى العدل
فيما سخر. (البرُّ) العمل الصالح، والخُلُق الحسن. و (التقوى): الخوف الحامل
على التحرُّز من المكروه. (الصاحب) أي: أنت الصاحبُ الذي تصحبنا(١) بحفظك
ورعايتك. و (الخليفة) أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا،
[وانقطاع نظرنا](٢) عنهم. ولا يسمى الله تعالى: بالصاحب، ولا بالخليفة؛ لعدم
الإذن، وعدم تكرارهما في الشريعة. و(أعوذ): أستجير. و (وعثاء السفر):
مشقّته، وشدته. وأصله من الوعث. وهو الوحل، والدَّهس. و(كآبة المنظر):
أي: حزن المرأى، وما يسوءُ منه. و (المنقلب) الانقلاب، وهو مصدر: انقلب
مزيداً. (آيبون): جمع آيب، وهو الراجعُ بالخير هنا. و (تائبون): جمع تائب من
الذنب. [وأصل التوبة الرجوع](٣) [كذلك حدَّها بعضُ أئمتنا بأن قالوا: التوبة: هي
الرجوع](٤) عمَّا هو مذمومٌ شرعاً إلى ما هو محمودٌ شرعاً. وسيأتي القولُ فيها إن
شاء الله تعالى. وقد تقدَّم القولُ في ذنوب الأنبياء.
(عابدون): خاضعون متذللون. (حامدون): مُثنون عليه بصفات كماله،
(١) في (ز): تحفظنا.
(٢) ما بین حاصرتين ساقط من (ع) و(ج).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٤) ساقط من (هـ).

٤٥٥
(١٢) كتاب الحج - (٥٢) باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر
رواه أحمد (١٤٤/٢)، ومسلم (١٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٩٩)،
والترمذي (٣٤٤٧)، والنسائي في اليوم والليلة (٥٤٨).
[١٢٠١] وعن عبدِ الله بن سَرْجِسَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَ﴿ إذا
سافرَ يتعوَّذُ من وَعْثاءِ السَّفرِ، وكآبةِ المُنقَلَبِ، والحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ، ودعوةِ
المَظْلومِ وسُوء المَنْظَرِ في الأهلِ والمالِ.
وفي روايةٍ: يبدأُ بالأهلِ إذا رجعَ.
رواه أحمد (٨٢/٥ -٨٣)، ومسلم (١٣٤٣)، والترمذي (٣٤٣٥)،
والنسائي (٨/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٨٨٨).
[١٢٠٢] وعن ابن عمرَ، كانَ رسولُ اللهِ وَ لَه إذا قفلَ من الجيوشِ،
وجلاله، وشاكرون عوارف أفضاله. و (الحور بعد الكور) بالراء. هكذا روايةٌ
العذري وابن الحذَّاء، ومعناه: الزيادة والنقصان. وقيل: الخروج من الجماعة بعد
أن كان فيها. يقال: كار عِمامته، أي: لفّها. وحارها: أي: نقضها. وقيل: الفساد
بعد الصلاح. وقيل: القلّة بعد الكثرة. وقيل: الرُّجوع من الجميل إلى القبيح.
ورواه الفارسيُّ وابن سعيدٍ - وهو المعروفُ من رواية عاصم الأحول -: (بعد
الكون) بالنون. قال أبو عُبيد: سُئِل عن معناه، فقال: ألم تسمع إلى قولهم: حارَ
بعدما كانَ. يقولُ: إنه كان على حالةٍ جميلةٍ فحار عن ذلك. أي: رَجَع. قال
أبو إسحاق الحربيُّ: يُقال: إنَّ عاصماً وَهِمَ فيه، وصوابه: الكَوْر، بالراء،
والله أعلم.
وإنما استعاذَ من دعوة المظلوم لأنها مستجابة؛ كما جاء في الصحيح، ولما
تضمنته من كفاية الظُلم، ورفعه.
و (قفلَ) رجعَ من سفره. والقافلة(١): الرَّاجعون من السفر. ولا يُقال لهم
(١) في جميع النسخ: ((القافلون)) والتصحيح من (ج).

٤٥٦
(١٢) كتاب الحج - (٥٢) باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر
أو السَّرايا، أو الحجِّ، أو العمرة، إذا أوْفَى على ثَنِيَّةٍ أو فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثلاثاً، ثم
قال: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على
في مبدئهم: قافلة. قاله القتبيُّ وغيرُه، ولكن رفقةً.
و (الجيوش): جمع جيشٍ، وهو العسكرُ العظيم. و (السَّرايا): جمع سَريةٍ،
وهي دون الجيش. وسُميت بذلك لأنها تسري بالليل. وقد قال وَله: ((خيرُ
الجيوشُ أربعةُ آلاف، وخيرُ السَّرايا أربعمئةٍ، ولن تُغلب اثنا عشر ألفاً من قلة))(١).
و (أوفى): أقبلَ وأطلَّ. و(الثنيَّة): الهضبة، وهي الكوم دون الجبل.
التكبير في و (الفدفد) ما غَلُظَ من الأرض وارتفعَ، وجمعه: فدافد. وتكبيرُهُ وَّ في هذه
الحج في المواضع المرتفعة إشعارٌ بأنَّ أكبريةِ كلِّ كبيرٍ إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى
المواضع
المرتفعة
أكبريَّتِه تعالى وعظمتِه، وتوحيدُه الله تعالى هناك: إشعارٌ بانفراده سبحانه وتعالى
بإيجاد جميع الموجودات، وبأنّه المألُوه؛ أي: المعبود في كلِّ الأماكن من
الأرضينَ والسَّمواتِ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ اَلْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[الزخرف: ٨٤].
و (المُلك) و (المِلْك): أصله الشَّدُّ والرَّبط. والمُلك بالضم يتضمن المِلك
بالكسر، ولا ينعكس. و (ساجدين): جمع ساجدٍ. وأصله الخضوع والتذلل.
ومنه قول الشاعر :
تَرَى الْأُكْمَ فِيهَا سُجَّدَاً لِلْحَوافِ (٣) »
أي: متذلِّلةً، خاضعةً.
(١) رواه أبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، وابن ماجه (٢٧٢٨).
(٢) كذا في اللسان مادة (سجد).

٤٥٧
(١٢) كتاب الحج - (٥٢) باب: ما يقال عند الخروج إلى السفر
كلِّ شيءٍ قدير، آيبونَ تائبونَ عابدونَ سَاجدونَ لِرَبِّنا حامدونَ، صدقَ الله
وعده، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحده)).
رواه البخاريُّ (٦٣٨٥)، ومسلم (١٣٤٤)، ومالك في الموطأ
(٤٢١/١)، وأبو داود (٢٧٧٠)، والترمذي (٩٥٠)، والنسائي في اليوم
والليلة (٥٤٠).
[١٢٠٣] وعن أنس بن مالكِ، قال: أقبلنا مع النبيِّ وَّ أَنَا
وأبو طلحةَ، وصَفيَّةُ رديفتُهَ على ناقته، حتى إذا كنَّا بظهرِ المدينة، قال:
((آيبونَ تائبونَ عابدونَ لِرَبِّنَا حامدون)» فلم يزلْ يقولُ ذلك حتى قَدِمْنا
المدینةَ.
رواه أحمد (١٨٧/٣)، والبخاريُّ (٣٠٨٥)، ومسلم (١٣٤٥)،
والنسائي في اليوم والليلة (٥٥١).
*
و (قوله ﴾: «صدقَ اللَّهُ وعده، ونصرَ عبدَه))) خبرٌ عن وفاء الله بما وعدَ به
على جهة الثَّناء والشُّكر، حيث قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُرُ وَعَِلُواْ
السَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فىِ الْأَرْضِ ... ﴾ [النور: ٥٥]. وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]. ويعني بقوله: (عبدَه): نفسَه.
و (قوله: ((وهزمَ الأحزابَ وحدَه))) أي: من غير مجاولةٍ من أحدٍ، ولا سبب
ولا شِرْكة، بل كما قال الله تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْمًا وَحُنُودًا لَّمْ تَوَّهَا ﴾
[الأحزاب: ٩] ويُحتمل أن يكون هذا الخبرُ بمعنى الدعاء. كأنه قال: اللهم افعلْ
ذلك وحدَك. والأوَّلُ أظهَر. و (الأحزاب): جمع حزبٍ، وهو القطعة المجتمعة
من الناس. ويعني بهم هنا على التأويل المتقدم: الجيش الذين حاصروه بالمدينة،
ثم نصرَه اللَّهُ عليهم بالريح. وعلى التأويل الثاني: يعني بهم: كلُّ من يتحزَّبُ من
الكفار عليه ويجتمع.

٤٥٨
(١٢) كتاب الحج - (٥٣) باب: التعريس بذي الحليفة
(٥٣) باب
التعريس بذي الحليفة
إذا صدر من الحج أو العمرة
[١٢٠٤] عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان إذا صدَرَ من الحجّ
والعمرة أناخ بالبطحاء، التي بذي الحليفة؛ التي كان ينيخ بها
رسول الله ◌َطهر .
وفي روايةٍ: ويصلِّي بها.
رواه أحمد (٢٨/٢)، والبخاري (١٥٧٦)، ومسلم (١٢٥٧)
(٤٣١ و٤٣٢)، ومالك في الموطأ (٤٠٥/١)، وأبو داود (٢٠٤٤)،
والنسائي (١٢٦/٥ - ١٢٧).
[١٢٠٥] وعن ابن عمر، أنَّ النبيَّ وَ لَّ أَنِّيَ وهو في مُعَرَّسِهِ من ذي
الحُليفة في بطن الوادي فقيل: ((إنَّك ببطحاءَ مباركةٍ)). قال موسى بن عُقبة:
(٥٣) ومن باب: التعريس بذي الحليفة إذا صدر من الحج أو العمرة
(صدر): رجعَ. والمصدر: الموضع الذي يُصْدَر منه. وبه سُمِّي المصدر
النحويُّ. و(الإناخة): تنويخ الإبل. يُقال: أنختُ الجملَ فبركَ. ولا يُقال: فناخ.
و (التَّعْرِيس): النزول من آخر الليل. قاله الخليل، والأصمعي، وغيرهما. وقال
أبو زيد: عرَّس القومُ في المنزل: نزلوا به أيَّ وقتٍ كان من ليلٍ أو نهار. والأول
أعرفُ. والتعريس بذي الحُليفة ليس من سُنن الحجِّ، ولا العمرة، ولكنَّه مستحبٌّ
تبركاً بالنبيِّ وَّهِ، وأيضاً: فإنَّها بطحاءُ مباركةٌ، كما جاء في الحديث الآتي بعدُ،
يفجأ الرجل وقد استحبَّ مالكٌ النزولَ به، والصَّلاةَ فيه، وقال: إن لم يكنْ وقتُ صلاةٍ؛ أقامَ به
حتى يَحِلَّ وقتُ الصَّلاةِ. وقيل: إنما نزلَ النبيُّ :﴿ به بالنَّاس لئلا يَفجؤُوا أهليهم
النهي عن أن
أهله ليلاً

٤٥٩
(١٢) كتاب الحج - (٥٤) باب: في فضل يوم عرفة
وقد أناخَ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله يُنیخُ به یتحرَّی
مُعَرَّسَ رسولِ اللهِ وَ﴿ وهو أسفلُ من المسجد الذي ببطن الوادي، بينَه وبين
القبلة وسطاً من ذلك.
رواه أحمد (٨٧/٢)، والبخاري (١٥٧٥)، ومسلم (١٣٤٦) (٤٣٤).
(٥٤) باب
في فضل يوم عرفة،
ويوم الحج الأكبر
[١٢٠٦] عن أبي هريرةَ، قال: بعثني أبو بكر الصِّدِّيق في الحَجَّةِ
التي أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ ◌ّهِ قبلَ حبَجَّة الوَداعِ فِي رَهْطٍ يُؤْذِّنونَ فِي النَّاسِ
يومَ النَّخْرِ: ((لا يَحُجُّ بعدَ العَامِ مشركٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان)). قالَ
ليلاً، كما قد نهى أن يأتي الرَّجلُ أهلَه طروقاً حتى تمتشطَ الشَّعِثة وتستحدَّ المُغِيْبَةُ (١).
ومعنى ذلك: أنَّ الرجل إذا فَجَأ أهلَه من سفره ربما وجدها على حالةٍ يستقذرها من
الشَّعَثِ، والنَّفَل (٢)، ورثاثة الهيئة، فيكون ذلك سبباً لفقد الأُلفة، وعدم الصُّحبة.
وهذا منهَ﴿ إرشادٌ إلى أمرٍ مَصلحيٍّ ينبغي للأزواجِ أن يُراعوه. و (يتحرى):
(٥٤) ومن باب: فضل يوم عرفة، ويوم الحجِّ الأكبر
(قوله: يؤذنون في النّاس يوم النحر: لا يحجُّ بعد العام مشرك) هذا يدلُّ: يوم الحجِّ
على أنَّ يومَ الحجِّ الأكبر يوم النَّحر، كما قاله حميد. وهو قولُ سعيد بن جُبير، الأكبر
(١) رواه البخاري (٥٢٤٧)، ومسلم (٧١٥) عن جابر رضي الله عنه.
(٢) ((التفل)): ترك الطيب.

٤٦٠
(١٢) كتاب الحج - (٥٤) باب: في فضل يوم عرفة
ابنُ شِهاب: فكانَ حُميد بن عبد الرحمن يقول: يومُ النَّخْرِ يومُ الحَجِّ الأکبرِ
من أجل حديث أبي هريرة.
رواه أحمد (٢٩٩/٢)، والبخاري (٣٦٩)، ومسلم (١٣٤٧)، وأبو
داود (١٩٤٦)، والنسائي (٢٣٤).
[١٢٠٧] وعن عائشة، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّر قال: ((ما مِن يومٍ أكثرَ من
أن يُعتِقَ اللَّهُ فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه لَیدنُو
ومالك. وقالت طائفة: إنه يوم عرفة. وبه قال عمر، وهو قولُ الشَّافعيِّ. وقال
مجاهد: الحجُّ الأكبر: القِرانُ، والأصغر: الإفراد. وقال الشعبيُّ: الحجُّ الأكبر:
الحجُّ، والأصغر: العُمرة. والأولى: القول الأول. بدليل: أن الله أمر نَبِيَّه بأن
يؤذن في الناس يوم الحجِّ الأكبر، فأذَّن المبلِّغون عنه يوم النحر بمنىّ. وفي كتاب
أبي داود من حديث ابن عمر، وأبي هريرة: أنَّ رسولَ الله لَ ◌ّه قال: ((يومُ الحجِّ
الأكبرِ يوم النّحر))(١) وهذا يرفع كلَّ إشكال، ويريحُ من تلك الأقوال.
و (قوله: ((ما من يوم أكثرَ من أن يعتقَ اللَّهُ فيه عبداً من النار من يوم عرفة)))
روينا: أكثر - رفعاً ونصباً - فرفعه على التميمية، ونصبه على الحجازية. وهو في
الحالين خبر لا وصف. والمجروران بعده مبنيان. فـ (من يوم عرفة) يبيِّن الأكثرية
مما هي. و (من أن يعتق) يبين المميِّز. وتقدير الكلام: ما يوم أكثرُ من يوم عرفة
عتيقاً من النّار.
و (قوله: ((وإنه ليدنو))) هذا الضميرُ عائدٌ إلى الله تعالى. والدُّنو دنوُّ إفضالٍ
وإكرامٍ، لا دنوَّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه ويتقدَّس.
(١) رواه أبو داود (١٩٤٥).