النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
(١٢) كتاب الحج - (٤٤) باب: مَن بَعَث بهدي
(٤٤) باب
من بعثَ بهدي لا يلزمُهُ أن يجتنبَ
ما يجتنبه المحرم، وفي ركوب الهدي
[١١٧٦] عن عَمْرة بنتِ عبد الرحمن، أنَّ زياداً كتبَ إلى عائشةَ أنَّ
عبدَ الله بن عبَّاس، قال: مَنْ أهدى هَذْياً حَرُمَ عليه ما يحرُم على الحاجُ
حتى يُنْحَرَ الهديُّ، وقد بعثتُ بهديي فاكتُبي إليَّ بأمرِك. قالتْ عَمْرةُ:
قالتْ عائشةُ: ليس كما قالَ ابنُ عبَّاس، أنا فَتَلتُ قلائدَ هَذْي رسولِ الله ◌َِّهو
بيديّ، ثم قلَّدَها رسولُ الله ێ بیدیْه،
(٤٤) ومن باب: من بعث بهدي لا يجتنب
شيئاً ممّا يجتنبه المحرم
(قوله: عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن زياداً كتب إلى عائشة) كذا هو
الصواب، وهو: زياد بن أبي سفيان، وكذا هو في جميع الموطآت، وفي
البخاري. ورواية من رواه: أنَّ ابن زياد؛ خطأ. وما حكاه زياد عن ابن عبّاس هو
مذهبه، ومذهب ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جُبير. وحكاه الخطابيّ
عن أصحاب الرأي. وما أسندته إلى النبي ◌َ ﴿ هو الذي عمل به جمهورُ العلماء،
ما خلا من ذُكِرَ.
و (القلائد): جمع قلادة، وهو ما يُجْعَلُ في العنق من خيطٍ أو سيرٍ (١).
و (العهن): الصوف المصبوغ ألواناً. قاله الخليل. وقال غيره: كلُّ صوف عهنٌ.
و (قولها: أنا فتلتُ قلائدَ هدي رسول اللهِوَّهِ ثمَّ قلَّدها) يدل: [على أين يقلَّد الهدي؟
(١) في (ع): أو غيره.
٤٢٢
(١٢) كتاب الحج - (٤٤) باب: مَن بَعَث بهدي
ثم بعثَ بها مع أبي، فلم يَحرُمْ على رسولِ الله ◌ِِّ شيءٌ أحلَّه الله له حتى
نُحِرَ الهديُ.
رواه أحمد (٧٨/٦ و٨٥)، والبخاري (١٦٩٦)، ومسلم (١٣٢١)
(٣٦٩)، وأبو داود (١٧٥٧ و١٧٥٩)، والترمذي (٩٠٨)، والنسائي
(١٧١/٥)، وابن ماجه (٣٠٩٨).
تجويدها لتلك الرواية، وأنها اعتنت بالقصة، وحققتها. وفيه](١) ما يدل: على أن
من بعث بِهَذْبِهِ قلَّده، وأشعره مِن موضعه بخلاف مَن حَمَله معه، فإنه يُقلِّده من
موضع إحرامه.
و (قولها: ثم بعث بها مع أبي) كان هذا - والله أعلم - حين بعثه النبيُّ وَّلـ
على الحجِّ أميراً، ثم أردفه بعليٍّ لينبذ للناس عهدهم، كما تقدم. وقد مضى الكلامُ
في الإشعار والتقليد.
رکوب البدنة
و (قوله ◌َّهر لسائق البدنة: ((اركبها))) أخذ بظاهره أحمد، وإسحاق، وأهل
الظاهر. وروى ابنُ نافع عن مالك: لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوباً غير فادح.
وأوجب ركوبَها بعضُهمَ لهذا الأمر. وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها
إلا إن اضطر إليها، مُحتجَّاً بقوله وَالت: ((اركبها إذا أُلجئت إليها بالمعروف)) وهذا
المقيَّدُ يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف (٢) في الأصول. وبنحو ذلك قال
الشَّافعي، وأبو حنيفة. ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح؛ نزل. قال إسماعيل
القاضي: وهو الذي يدلُّ عليه مذهبُ مالكِ. وهو خلافُ ما ذكره ابن القاسم: أنه
لا يلزمه النزول، وحُجَّته إباحةُ النبيِّ وَ ر له الركوب؛ فجاز له استصحابه. وقال
أبو حنيفة، والشافعيُّ: إن نقَصها الركوب المباح فعليه قيمةُ ذلك، ويتصدّق به.
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ج): كما يعلم.
٤٢٣
(١٢) كتاب الحج - (٤٤) باب: مَن بَعْث بهدي
[١١٧٧] وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَ لَيْ رأى رجلاً يسوقُ بَدَنة
- وفي رواية: مُقَلَّدةً - فقال: ((اركبها)) فقال: يا رسول الله! إنَّها بَدَنَةٌ.
فقال: ((ارْكَبْها وَيْلَكَ)) في الثانية أو في الثالثة.
رواه أحمد (٤٨٧/٢)، والبخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢)
(٣٧١)، وأبو داود (١٧٦٠)، والنسائي (١٧٦/٥)، وابن ماجه (٣١٠٣).
[١١٧٨] وعن جابر بن عبدِ الله، وسُئِلَ عن رُكوبِ الهَدْي، فقال:
سمعتُ النبيَّ ◌َ﴿ يقولُ: ((ارْكَبْهَا بالمعروفِ إِذَا أَلْجِئْتَ إليهَا، حَتَّى تجدَ
ظَهْراً».
و (قوله: ((اركبها ويلك!))) تأديبٌ له لأجل مراجعته، و (قول الرجل: إنها
بَدَنة) وقد كان حالها غير خافٍ على النبيِنَّهَ، فإنها كانت مُقلَّدةً، ويُحتمل أن
يكونَ النبيُّ وَّهِ فهم عن الرجل: أنه لا يرى ركوبها بحالٍ على عادة الجاهلية في
البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فزجره عن ذلك. وقيل: إنما قال له ذلك لأنَّ هذا
الرجلَ قد كان جَهد من المشي، ووصل إلى حدِّ الهلكة. و (الويل): الهلكة.
فقوله: ويلك، أي: أشرفت على الهلاك لما رأى النبي وَّر من الشِّدَّة. وقيل: إنَّ
هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها. كقولهم: لا أمَّ له ولا أب. وتربت
يمينك. ومن ذلك: قوله وَاجٍ: ((ويل أمه مِسعَرُ حربٍ))(١). وقد تقدم هذا النحو في
الطهارة.
و (قوله: ((اركبها بالمعروف))) يعني: بالرِّفق في الرُّكوب، والسير على
الوجه المعروف، من غير عُنْفٍ، ولا إفحاشٍ.
و (قوله: ((إذا أُلجئت إليها، حتى تجدَ ظَهْراً)) يدلُّ على صحة ما قاله
(١) رواه البخاري (٤١٧٨ و ٤١٧٩)، وأبو داود (٢٧٦٥ و ٢٧٦٦).
٤٢٤
(١٢) كتاب الحج - (٤٥) باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محلّه
رواه أحمد (٣١٧/٣)، ومسلم (١٣٢٤) (٣٧٥)، وأبو داود
(١٧٦١)، والنسائي (٥/ ١٧٧).
(٤٥) باب
ما عَطِبَ من هَذْي التَّطوع قبلَ مَحِلِّه
[١١٧٩] عن ابن عبَّاس، قالَ: بعثَ رسولُ اللهِ وَّه بستَّ عشرةَ بَدَنَةً
مع رجلٍ وأمَّرَه فيها، قال: مضَى ثم رجعَ، فقالَ: يا رسولَ الله! كيف
أصنعُ بمَا أُبْدعَ عليَّ فيها؟
الشَّافعي، وأبو حنيفة، وما حكاه إسماعيل عن مذهب مالك، وقد روي في غير
كتاب مسلم: أنَّ النبيَّ ◌َ رأى رجلاً يسوقُ بدنةً وقد جهد، فقال: ((اركبها))(١).
(٤٥) ومن باب: ما عطب من هدي التَّطوع قبل محله
(قوله: كيف أصنعُ بما أُبْدِعَ عليَّ منها) أي: بما كَلَّ منها، وعَيي، فوقف.
وقد يقال: على ما عطب منها. قال الهروي: يقال للرجل إذا كلَّت ركابه؛ أو
عطبت وبقي منقطعاً به: أُبْدِع به. وهو مبني لما لم يُسَمَّ فاعله. وفي الأم(٢) قال:
وانطلق سنانُ معه ببدنةٍ يسوقها فأُزْحفتْ عليه، فعيي بشأنها إن هي أبدعت.
الرواية: أَزحفت - رباعياً، مفتوح الحاء - قال الخطابيُّ: كذا يقوله المحدِّثون.
(١) رواه أبو داود (١٧٦١)، والنسائي (١٧٧/٥).
(٢) المقصود: أصل هذا الحديث في صحيح مسلم قبل تلخيصه، والذي يحمل رقم
(١٣٢٥) (٣٧٧).
٢
قلت: بل هذه اللفظة في غير مساء. فهو قصيرنفس عند الطماوي وغيره.
٤٢٥
(١٢) كتاب الحج - (٤٥) باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محلّه
قال: ((انْحَرْها ثم اصْبُغْ نَعْلَيْها في دَمِها، ثم اجْعَلْه في صَفْحَتِها، ولا تأكلْ
منها أنت ولا أحدٌ من أهلِ رِفْقَتِكَ)). وفي رواية: بعثَ بثمانيَ عشرةَ بَدَنةً.
والأجود: فأُزحفت - بضم الألف - يقال: زحف البعير: إذا قام(١) من الإعياء،
وأزحفه المسير. وقال أبو عبيد الهروي: أزحف البعير، فأزحفه السير. و (إنْ)
تُروى بكسر الهمزة على الشرط، وبفتحِها: على أنها معمولةٌ لحرف جر حُذِف،
فتعدَّى الفعل إليها الذي هو: عيَّ، وعَبِيَ - مشدداً ومُفككاً، وهما لغتان
معروفتان، وعليهما قرىء: ﴿مَنْ حََ عَنْ بَيِّنَةِ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وفي الأم:
لأستحفين عن ذلك؛ أي: لأكثرنَّ السؤال عنه. يقال: أحفى في المسألة، وألحَّ،
وألحف: إذا بالغ فيها. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧].
أي: کأنه کثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها، ومنه قول الأعشى:
فَإِنْ تسألي عَنَّا فَيَا رُبَّ سائِلٍ حفيٍّ عَنِ الأعْشَى به حَيْثُ أَصْعَدا
و (قوله: ((ثم اصبُغ نعليها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها))) يعني: النَّعل وضع علامة
الذي قلَّدها به يجعله على صفحة عنقها، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامةً على على الهدي
أنه هديّ، فیمتنع منه كلُّ من لا يحلُّ له أكله على ما يأتي.
و (قوله: ولا تأكل منها أنت ولا أحدٌ من رفقتك) يعني برفقته: المرافقين له منع سائق
في سَوْق الهدي ومن يتعلَّق به. وإنما منعه النبيُّ ◌َ ﴿ ورفاقته مِنْ أكلها سدّاً الهدي ورفاقه
الأکل منه
للذريعة؛ لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها، أو يتسبّبوا إلى
ذلك ليأكلوها، فلما منعهم من المحذور المتوقّع انسدَّ ذلك البابُ. وهذا وأشباهه
من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكاً على القول بسدِّ الذريعة. وهو أصلٌ
عظيمٌ لم يظفر به إلا مالك بدقّة نظره، وجودة قريحته. وبظاهر هذا النهي قال
(١) في (ج): نام.
٤٢٦
(١٢) كتاب الحج - (٤٥) باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محلّه
رواه أحمد (٢١٧/١)، ومسلم (١٣٢٥)، وأبو داود (١٧٦٣)،
والنسائي في الكبرى (٤١٣٦)، وابن ماجه (٣١٠٥).
*
ابنُ عبَّاسٍ، واختاره ابنُ المنذر فقالا: لا يأكل منها سائقها، ولا أحد من أهل
رفقته. وقال مالك، والشَّافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي،
ومَن تبعهم: لا يأكل منها سائقُها شيئاً، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها. وروي
عن ابن عمر: أنه كان يرى الأكل منها. وعلى قول المانعين: فإن أكل منها ضَمِنها
عند مالك وغيره.
المعطوب من
الواجب
وكونه ﴿ لم يُلْزِمْ صاحب الهَذْي المعطوب بدلاً؛ دليلٌ للجمهور: على أنَّه
هدي التطوع أو لا بدلَ عليه في هدي التطوُّع؛ إذ لو كان لبيَّته له؛ لأنه لا يجوزُ تأخيرُ البيان عن
وقتِ الحاجة. فأمَّا الواجبُ منه؛ فعليه بدله؛ لأنه مُتعلِّق بذمته، وله الأكلُ منه،
والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك. واختلفوا: هل له بيعه؟
فمنعه مالكٌ، وأجازه الآخرون، وعبد الملك.
ما يأكل صاحب
الهدي منه إذا
بلغ محله
وأمَّا إذا بلغ الهديُ مَحِلَّه، فاختلف العلماء فيما يأكلُ منه صاحبه. فمشهورُ
مذهب مالك: أنَّه لا يأكل من ثلاثةٍ: من جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية
الأذى، ويأكل ممّا سوى ذلك إذا بلغ مَحِلَّهُ - واجباً كان أو تطوُّعاً - ووافقه على
ذلك جماعةٌ من السلف وفقهاء الأمصار. ثمَّ إذا أكل مما مُنع منه؛ فهل يغرم قدر
ما أكل منه؟ أو يغرم هَذْياً كاملاً؟ قولان في مذهبنا. وقال الشَّافعي، وأبو ثور:
ما كان أصلُه واجباً؛ فلا يأكل منه. وما كان تطوُّعاً، ونُسُكاً أكل منه، وأهدى،
واذَّخر، وتصدَّق. والمتعة والقِران عنده نسكٌ. ونحوه مذهبُ الأوزاعيُّ. وقال
أبو حنيفة، وأصحاب الرأي: يأكل من هدي المتعة، والتطوّع. ولا يأكل مما سوى
ذلك. وحُكي عن مالك: أنَّه لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا: لا يأكل من
دم الجبر، كقول الشَّافعيِّ والأوزاعيِّ.
٤٢٧
(١٢) كتاب الحج - (٤٦) باب: ما جاء في طواف الوداع
(٤٦) باب
ما جاءَ في طَوَافِ الوَداع
[١١٨٠] عن ابن عباس، قالَ: كانَ النَّاسُ ينصرِفونَ في كلِّ وجهِ،
فقال رسول الله وَله: ((لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ حتَّى يكونَ آخرُ عهده بالبيت».
رواه أحمد (٢٢٢/١)، ومسلم (١٣٢٧)، وأبو داود (٢٠٠٢).
[١١٨١] وعن عائشة، قالتْ: حاضَتْ صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ بعدَ ما
أَفَاضتْ، قالت عائشة: فذكرتْ حَيْضَتَها لرسولِ اللهِ وَّة، فقال
(٤٦) ومن باب: طواف الوداع
(قوله: كان الناسُ ينصرفون في كلِّ وجهٍ) أي: يتفرَّقون من غير أن يُودِّعوا حكم طواف
البيت، فنهاهم النبيُّ ◌َله عن ذلك بقوله: ((لا ينفرنَّ أحدكم حتى يكون آخر عهده الوداع
بالبيت))) فظاهِرُ هذا: أنَّ طواف الوداع واجبٌ على كلِّ حاجٌ أو مُعتمر غير مكيٍّ.
وإليه ذهب أبو حنيفة، لكن أزال هذا الظاهِرَ حديثُ صفية، حيث رخّص لها في
تركه لمَّا حاضت، ففهم منه: أنه ليس على جهة الوجوب. وهو مذهبُ الجمهور.
ثمَّ مَن تركه فهل يلزمه دمٌّ أو لا يلزمه شيءٌ؟ فقال أبو حنيفة، والشافعيُّ - في
أحد قوليه -: أنه يلزمه دمٌّ. وقال مالكٌ: لا يلزمه دم. وهو الصَّحيح؛ لأنَّ صفيّة
لم يأمرها النبيُّ ◌َ ﴿ بشيءٍ من ذلك. ولو كان ذلك لازماً؛ لما جاز السكوت عنه؛
لأنه لا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة. والله أعلم.
و (قوله وَ ل﴿ لصفيةَ - لمَّا أعلمته أنها حاضت -: ((انفري))) دليل: على أنَّ طواف الإفاضة
الحائضَ يُجزئها طوافُ الإفاضة عن طواف الوداع. وعلى هذا جماعةُ الفقهاءِ إلا يجزىء
خلافاً شاذاً روي عن بعض السلف: أنها لا تنفر حتى تودِّع. والحديث حُبَّةٌ
الحائض عن
طواف الوداع
علیهم.
٤٢٨
(١٢) كتاب الحج - (٤٦) باب: ما جاء في طواف الوداع
رسول الله ◌َله: ((أحابِسَتُنا هي؟)) قالت: فقلت: يا رسولَ الله! إنَّها قد
أفاضتْ وطَافتْ بالبيتِ، ثم حاضَتْ بعدَ الإِفاضةِ. فقال رسول الله ◌َّتٍ:
((فَلْتَنْفِرْ)) .
رواه أحمد (١٢٢/٦ و١٩٢)، والبخاري (٣٢٨)، ومسلم (١٢١١)
(٣٨٢)، والنسائي (١/ ١٩٤)، وابن ماجه (٣٠٧٣).
[١١٨٢] وعنها، قالتْ: لمَّا أرادَ النبيُّ ونَ ﴿ِ أَنْ يَنْفِرَ، إذا صفيَّة على
باب خبائِها كئيبةً حزينةً، فقال: ((عَقْرىُ حَلْقى، إنَّك لَحابِستُنا))، ثم قالَ
لها: ((أكنتِ أَفَضْتِ يومَ النَّحرِ؟)) قالت: نعم. قال: ((فَانْفِرِي)).
وفي رواية: أنه عليه الصلاة والسَّلامُ قال: ((أَحَابِستُنا صَفِيَّةُ؟)) قلنا:
قد أفاضتْ. قال: ((فَلا إذاً)).
رواه أحمد (٣٩/٦)، والبخاري (١٧٥٧)، ومسلم (١٢١١)(٣٨٤
و ٣٨٧)، والترمذي (٩٤٣).
حبس الكريّ
على التي
حاضت
و (قوله: ((أحابستنا هي))) دليلٌ: على أن الكَرِيَّ يُحبس على التي حاضتْ
ولم تطفْ طواف الإفاضة حتى تطهر. وهو قولُ مالك. وقال الشافعي: لا يُحبس
عليها كَرِيٍّ، ولتكر جملها، أو تحمل مكانها غيرها، وهذا كلُّه في الأَمْن ووجود
ذي المحرم. وأمَّا مع الخوف، أو عدم ذي المحرم؛ فلا يُحبس باتِّفاق؛ إذ
لا يمكنُ أن يسيرَ بها وحدها، ويفسخ الكراء، ولا تُحبس عليها الرفقةُ إلا أن يبقى
لطهرها كاليوم. وقد تقدَّم القولُ في: عَقْری حَلْقی. وفي: طمثت.
٤٢٩
(١٢) كتاب الحج - (٤٧) باب: ما جاء في دخول النبي # الكعبة
(٤٧) باب
ما جاء في دخول النبيِّ وَّ﴿ الكعبةَ،
وفي صلاتِه فيها
[١١٨٣] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِوَّرِ دخلَ الكعبةَ هو وأسامةُ
وبلالٌ وعثمانُ بن طلحةَ الحَجَبيِّ - وفي رواية: ولم يدخلُها معهم أحدٌ -
فأغلقَها عليه، ثم مكثَ فيها. قال ابن عمرُ: فسألتُ بلالاً حينَ خرجَ:
(٤٧) ومن باب: دخول النبيِّ وَط قر الكعبة
هذا إنما كان عام الفتح، كما جاء منصوصاً في الرواية الأخرى، ولم يكن هل دخول
النبيُّ ◌َ﴿ مُخْرِماً يوم الفتح، فلا يُستدلُّ به: على أنَّ دخولَ البيت نُسُكٌ في الحِجِّ البيت نسكٌّ في
والعمرة؛ كما ذهب إليه بعضُهم. وأما أحاديثُ حَجَّة الوداع فليس في شيءٍ منها
الحج والعمرة؟
تحقيق: أنه * دخل أولاً. غير أنَّ أبا داود روى من حديث عائشة - رضي الله
عنها -: أنهمَ ﴿ خرج من عندها مسروراً، ثمَّ رجع إليها وهو كئيب، فقال: ((إني
دخلتُ الكعبة، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما دخلتُها، إني أخافُ أن أكونَ
قد شققتُ على أمَّتي)) (١). وظاهره: أنَّ ذلك كان في حبَّة الوداع، غير أنَّ هذا
الحديث في إسناده إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، وهو ضعيف. وقد
رواه البزار بإسنادٍ آخر، ولا يثبتُ أيضاً.
و (قوله: فأغلقها عليه) فيه دليلٌ: على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة إغلاقه وخ الد
بها، ومنعها ممن يخاف تشويشها عليه، وقال الشَّافعيُّ: فائدة أمره وَله بإغلاقها الكعبة عليه
وجوب الصلاة إلى جدارٍ من جُدُرها، وأنَّه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح؛ لم
يجزه؛ لأنه لم يستقبلْ منها شيئاً. وألزم من مذهبه إبطال هذا؛ لأنه يجيز الصلاة في
(١) رواه أبو داود (٢٠٢٩).
٤٣٠
(١٢) كتاب الحج - (٤٧) باب: ما جاء في دخول النبي 18 الكعبة
ما صنعَ رسولُ اللهِ وََّ؟ قال: جعلَ عَمُودَيْنِ عن يَسارِهِ، وعموداً عن يمينِه،
وثلاثةَ أعمدةٍ وراءَه، وكانَ البيتُ يومئذٍ على سِنَِّ أعمدةٍ، ثم صَلَّى.
وفي رواية: ثم فتحَ البابَ. قال عبدُ الله: فبادرتُ النَّاسَ، فلقيتُ
رسولَ الله ◌ِ ﴿ خارجاً، وبلالٌ على أثرِهِ، فقلتُ لبلال: هل صَلَّى فيه
رسولُ الله ◌ِ ﴾؟ قال: نعم. قلت: أينَ؟ قال: بين العَمُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وجهِه.
قال: ونسيتُ أنْ أسألَه كم صَلَّى.
رواه أحمد (٣٣/٢ و٥٥)، والبخاري (٥٠٥)، ومسلم (١٣٢٩)
(٣٨٨ و٣٨٩)، وأبو داود (٢٠٢٣ و٢٠٢٥)، والنسائي (٦٣/٢).
أرضها لو تهدمتِ الجُدُر؛ لاستقباله أرضها. وقيل: إنما أغلقها دونهم لئلا يتأذَّى
بزحامهم. وقيل: لئلا يُصلَّى بصلاته، فتتخذ الصلاة فيها سُنَّةٌ. ولا يُلتفت لقول مَن
قال: إنما فعل ذلك لئلا يستدبر شيئاً من البيت، كما وقع في زيادة البخاري عن
بعض الرواة، لأن الباب إذا أغلق؛ صار كأنه جدار البيت.
موضع صلاته
و (قوله: جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدةٍ وراءه)
* في الكعبة هكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي، عن مالك، عن نافع، عن
ابن عمر. ورواه يحيى بن يحيى الأندلسي وغيره في الموطأ عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر قال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدةٍ
وراءه(١). وفي مسلم من حديث ابن شهابٍ عن سالم، عن أبيه: أنه وَ﴿﴿ صلَّى بين
العمودين اليمانيين (٢). وظاهر هذا الاختلاف اضطراب. ويمكن أن يقال: إنَّه ◌ِله
تكررت صلاتُه في تلك المواضع، وإن كانت القضية واحدة؛ فإنه وَّ مكث في
الكعبة طويلاً.
(١) رواه مالك (٣٩٨/١).
(٢) رواه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٣).
٤٣١
(١٢) كتاب الحج - (٤٧) باب: ما جاء في دخول النبي 18 الكعبة
[١١٨٤] وعنه، قال: أقبلَ رسولُ اللهِلَّهِ عامَ الفتح على ناقةٍ
لأسامة بن زيدٍ، حتى أناخَ بفِناءِ الكعبةِ، ثم دعا عثمانَ بنَ طَلَحةَ، فقال:
((ائِنِي بالمفتاح)) فذهبَ إلى أُمُّه، فأبتْ أنْ تُعطيَه. فقال: واللهِ لتُعطينَّه أو
لَيَخْرُ جَنَّ هذا السَّيفُ من صُلْبِي. قال: فأعطتُه إِيَّاه، فجاءَ به إلى النبيِّ وَّهِ،
فدفعه إلیه، ففتح الباب ثم ذكرَ نحوَه.
رواه مسلم (١٣٢٩) (٣٩٠).
وحديثُ ابن عمر هذا، وروايته عن بلال يدلُّ: على أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صلَّى في الصلاة في
البيت الصلاة المعهودة الشرعيَّة. وبهذا أخذ الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، والثوريُّ، الكعبة
وجماعة من السلف، وبعض الظاهرية فقالوا: يُصلَّى في الكعبة التطوع والفرض.
وقد خالف بلالاً أسامةُ، فقال: إنَّ النبيَّ ◌َّه لم يصلِّ في الكعبة، وإنما دعا فيها.
وبهذا أخذ ابنُ عبَّاسٍ، وبعضُ الظاهرية؛ فلم يجيزوا فيها فرضاً ولا تطوُّعاً. وقال
مالك: لا يُصلَّى فيها الفروض ولا السُّنن، ويُصلى فيها التطوع، غير أنَّه إنْ صلَّى
فيها الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ: يُعِيدُ أبداً. ويمكن أن يُجْمَعَ بين حديث
أسامة وبلالٍ على مُقتضى مذهب مالكِ. فيقال: إنَّ قولَ بلالٍ: أنه صلى فيها.
يعني به: التطوع. وقول أسامة: إنه لم يصلِّ فيها. يعني به: الفرض. وقد جَمَعَ
بينهما بعضُ أئمتنا بوجهٍ آخر. فقال: إنَّ أسامة تغيَّب في الحين الذي صلَّى فيه
النَّبِيُّ ◌َّـ، فلم يشاهده، فاستصحب النفي لسرعة رجعته، فأخبر عنه، وشاهد ذلك
بلالُ فأخبر عمَّا شاهد. وعضد هذا بما رواه ابنُ المنذر عن أسامة قال: رأى
النبيُّ ◌َّهِ صُوراً في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدَّلو يضرب به تلك الصور.
فيحتمل أن يكون النبيُّ ◌َلف صلَّى في حالة مضيّ أسامة في طلب الماء، والله تعالى
أعلم. وعلى الجملة: فحديثُ مَن أثبت أولى أن يُؤخذ به؛ لأنه أخبر عن مشاهدةٍ،
فكان أولى من النّافي.
وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أنَّ سدانةَ البيت ولايةٌ باقيةٌ لعثمان بن طلحة سدانة البيت
٤٣٢
(١٢) كتاب الحج - (٤٧) باب: ما جاء في دخول النبي أو الكعبة
[١١٨٥] وعن ابن عبَّاس، قال: أخبرني أسامةُ بنُ زيد، أنَّ
النبيَّ ◌َّ لمَّا دخلَ البيتَ دعا في نَوَاحيهِ كلُّها، ولم يُصلِّ فيه حتى خرجَ،
فلما خرجَ ركعَ في قُبُل البيتِ ركعتينٍ، وقال: ((هذه القِبْلَةُ).
رواه البخاري (٣٩٨)، ومسلم (١٣٣٠) (٣٩٥)، والنسائي (٢٢٠/٥ -
٢٢١).
[١١٨٦] وعنه، أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ دخلَ الكعبةَ، وفيها سِتُّ سَوَارٍ، فقامَ
عند ساريةٍ، فَدَعا ولم يُصَلِّ.
رواه مسلم (١٣٣١).
وذويه، فلا تُتنزع منهم بحالٍ؛ كالسقاية في بني العباس، ولذلك قال ◌َظاهر: ((كل
مأثرةٍ كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي (١) إلا سقاية الحاجِّ، وسدانة البيت)).
وقال: ((يا بني عبد الدَّار! خذوها خالدةً، تالدةً﴾(٢). وبذلك قال جميعُ العلماء.
وأعظم مالك أن يشرك غيرهم فيها معهم.
عدم دخوله {﴾﴾
وهذه العُمرةُ التي سُئل عنها ابنُ أبي أوفى هي عمرةُ القضاء، ولم يختلفْ أنه
البيت في عمرة لم يدخل فيها النبيُّ وَّفي البيت؛ لما كان فيه من الصور، والأصنام، ولم يكن يقدرُ
القضاء
على تغييرها إذ ذاك لأجل مشركي أهل مكة، فلما فتحها اللَّهُ علیه دخل البيت،
وصلَّى فيه، على ما تقدَّم. وسائر عُمُرِه لم يثبت فيها عن النبيِّ ◌َ ﴿ دخوله البيت،
ولا نفيه.
و (قوله: فلما خرج ركع في قُبُل البيت ركعتين وقال: هذه القِبلة) أي: فيما
يقابله منها إذا استقبل الباب. وفي هذه الإشارة قولان:
(١) في (ع): قدمي هذا، والمثبت من باقي النسخ وسنن أبي داود.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٤٧)، وابن ماجه (٢٦٢٨).
٤٣٣
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
[١١٨٧] وعن عبد الله بن أبي أوْفَى صاحبٍ رسول الله وَّل، وسُئل:
أَدخلَ النبيُّ نَّهِ البيتَ في عمرتِه قالَ: لا.
رواه البخاري (١٧٩١)، ومسلم (١٣٣٢)، وأبو داود (١٩٠٢
و ١٩٠٣).
(٤٨) باب
في نقض الكعبة وبنائها
[١١٨٨] عن عروة، عن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله ◌َّ:
((لولا حَداثةُ عَهْدِ قومِك بالكفرِ لنقضتُ الكعبةَ ولجعلتُها على أساس
إبراهیم،
أحدهما: أنها إلى الكعبة. ثمَّ في المعنى قولان. الأول: أنَّ الإشارةَ تقريرٌ
لحكم الانتقال عن بيت المقدس. الثاني: أنها إلى وجه البيت في حق حاضره
بخلاف الغائب.
وثانيهما: أنَّ الإشارة إلى وجه الكعبة، فيكون التعليم للإمام أن يستقبلَ
البيت من وجهه، وإن كانت الصلاةُ إلى جميعه جائزةً.
(٤٨) ومن باب: نقض الكعبة وبنائها
(قوله ﴿: ((لولا حداثةُ عهدٍ قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة))) فيه حُجَّةٌ لمالكِ حجة مالك في
سد الذرائع
على القول بسد الذرائع.
و (قوله: ((ولجعلتها على أساس إبراهيم))) يدلُّ: على أنَّ جُدر البيت منه، جدُرُ البيت منه
٤٣٤
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
فإِنَّ قريشاً حينَ بنتِ البيتَ استقصرتْ، ولجعلتُ لها خَلْفاً).
رواه أحمد (١٧٦/٦)، والبخاري (١٥٨٤)، ومسلم (١٣٣٣) (٣٩٨)،
والترمذي (٨٧٥)، والنسائي (٢١٥/٥)، وابن ماجه (٢٩٥٥).
[١١٨٩] ومن حديث عبد الله بن أبي بكرٍ بن أبي قُحافةَ عنها،
قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((لولا أنَّ قومَكِ حَديثُو عهدٍ بجاهليةٍ
- أو قالَ: بكفرٍ - لأنفقتُ كَثْزَ الكعبةِ في سبيلِ الله، ولجعلتُ بابَها
كما سيأتي. و (استقصرت) أي: قصرت عن إتمام بنائها، واقتصرت على هذا
القدر منها؛ إذ لم يجدوا نفقةً.
و (قوله: ((ولجعلت لها خَلْفاً)) هو بفتح الخاء، وسكون اللام. وفي
البخاري قال هشام بن عروة: يعني: باباً. وقد جاء مفسِّراً في الحديث بعد هذا.
وفي البخاري أيضاً: ((لجعلتُ لها خَلْفين)). الرواية الصحيحة فيها: بفتح الخاء،
كما قلناه، وهما: البابان. وقال ابنُ الأعرابي: الخَلْف: الظهر. وذكر الحربي هذا
الحديث، وضبطه: خِلْفين، بكسر الخاء، وقال: الخالفة: عمودٌ في مؤخّر البيت.
يقال: وراءه خِلفٌ جيد. والأول أصح.
كنز الكعبة
و (قوله: ((لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله))) هذا الكنز هو المالُ الذي كان
يجتمعُ مما كان يُهدى إلى الكعبة، وأقر النبيُّ ◌َ في ذلك المال في الكعبة للعلَّة التي
ذكر، وهي: مخافة التنفير. وأقره أبو بكرٍ ولم يعرض له. ثمّ إنَّ عمر همَّ بقسمته،
فخالفه في ذلك بعضُ الصحابة، واحتجّ عليه: بأنَّ النبيَّ ◌َّهِ وأبا بكرٍ لم يفعلا
ذلك، فتوقَّف.
قلت: ولا يظنُّ أنَّ هذا الكنز الذي جرى فيه ما ذكرنا أنه يدخلُ فيه حليُّ
الكعبة الذي حُلِّيت به من الذهب، والفضة، كما ظنَّه بعضُهم، فإن ذلك ليس
٤٣٥
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
بالأرضِ، ولأدخَلتُ فيها مِن الحِجْرِ .
وفي رواية: فقال عبد الله بن عمر: لئنْ كانتْ عائشةُ سمعتْ لهُذا من
رسول الله وَهِ،
بصحيح؛ لأن حليتها محتبسةٌ عليها، كخُصُرها، وقناديلها، وسائر ما يحبس عليها
لا يجوزُ صرفها في غیرها، ویکون ◌ُكْم حليها حكم حلية سيفٍ أو مصحفٍ حُبِسا
في سبيل الله؛ فإنه لا يجوز تغييرُه عن الوجه الذي حبس له، وإنما ذلك الكنز كما
ذكرناه، وكأنه فضلةُ ما كان يُهدى إليها عما كانت تحتاجُ إليه ممَّا ينفق فيها، فلما
افتتح النبيُّ وَّه خاف من نفرة قلوب قريشٍ إن هو أنفقه في سبيل الله تعالى، كما
قال. وذلك: أنهم كانت عادتهم في ذلك: ألا يتعرَّضوا له. فأقرَّه النبيُّ وَّز على
ذلك لما ذكره، ثم إنه بقي على ذلك في إمارة أبي بكرٍ وعمر، ولا أدري ما صنع به
بعد ذلك. وينبغي أن يبحث عنه.
وسبيل الله هنا: الجهاد. وهو الظاهر من عُرْف الشرع، كما قرَّرناه في
كتاب: الزكاة.
و (مِن) في قوله: (مِن الحجر) للتبعيض، بدليل قوله في الرواية الأخرى:
((أدخلتُ من الحجر خمسة أذرع)).
و (قول عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -: لئن كانت عائشة سمعتْ هذا
من رسول الله ﴿) ليس شكاً منه في سماعها، ولا في سماع الراوي عنها، وإنما
هذا على طريقة وضع الشَّرْطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديراً ليتبيَّن مشروطه
تحقيقاً. وله في كلام الله تعالى، وكلام رسوله وَلافير نظائر، منها: قوله عز وجل:
قُلّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. ومثله كثير. ولبسط هذا وتحقيقه علمٌ آخر. وقد
يأتي هذا النحو في الكلام على طريق تبيين الحال على وجهٍ يأنسُ به المخاطب،
٤٣٦
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
ما أرى رسولَ الله ﴿ تركَ استلامَ الرُّكنينِ اللَّذيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرُ، إلا أنَّ
البيتَ لم يُتمَّمْ على قواعدِ إبراهيمَ.
رواه مسلم (١٣٣٣) (٣٩٩ و ٤٠٠).
[١١٩٠] وعن عطاءٍ، قال: لما احترقَ البيتُ زمنَ يزيدِ بن مُعاويةَ
حينَ غزاهُ أهلُ الشَّام، فكانَ من أمرِهِ ما كانَ، تركَه ابنُ الزُّبِيرِ حتَّى قدمَ
النَّاسُ الموسَمِ، يُريدُ أن يُجرئهم أو يُحَزِّبهم على أهلِ الشَّامِ، فلما صَدَرَ
وإظهار التناصف في الكلام، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَ نَفْسِ وَ إِنِ
أَهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىّ إِلَّ رَبِّتَ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] وعلى الجملة: فالشرطُ يأتي
في الكلام علی غیر وجه الشِّ، وهو كثير.
و (قوله: ما ترك رسولُ اللهِ وَ﴿ استلام الركنين اليمانيين إلا أن البيتَ لم يتمم
على قواعد إبراهيم) يعني: أنَّ الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما
بعض الجدار الذي بنته قريشٌ، فلذلك لم يستلمهما. وقد تقدَّم القولُ على هذا.
و (قوله: يريد أن يُجرِّئهم - أو - يُحزِّبهم) الأول: من الجرأة، وهي
الشجاعة. والثاني من التحزيب، وهو التجميع. هكذا لابن سعيد، والفارسي،
وغيرهما. ومعنى ذلك: أنه أراد أن يشجّعهم أو يُجمّعهم على أهل الشام بإظهار
قبح أفعالهم في الكعبة. وروى العذريُّ الحرف الأول: يجربهم - بالباء بواحدة -
من التجربة. أي: يختبر ما عندهم من الغضب لله تعالى، ولنبيّه(١). وقيد كافتهم
الحرف الثاني: يحربهم - بالحاء والراء المهملتين، والباء بواحدة - من التحريب،
وهو: التغضيب. يقال: حربت الأسد. وأسد مُحرَّبٌ، أي: أغضبته، فهو
مُغْضَبٌ.
(١) في (ج): ولبيته.
٤٣٧
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
النَّاسُ قالَ: يا أيُّها النَّاسُ أشيروا عليَّ في الكعبةِ أنقُضُها ثم أبني بناءَها، أو
أُصلحُ ما وَهَىْ منها؟ فقال ابن عبّاس: فإني قد فُرقَ لي رأيٌ فيها، أرى أن
تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وتدعَ بيتاً أسلمَ النَّاسُ عليه، وأحجاراً أسلمَ الناسُ
عليها، وبُعثَ عليها النبيُّ نَّهِ. فقال ابنُ الزبير: لو كانَ أحدُكُم احترقَ بيتُه
ما رضيَ حتى يُجِدَّه، فكيف ببيتِ ربكم، إني مستخيرٌ ربِّي ثلاثاً، ثم عازمٌ
على أمري. فلما مَضَتْ ثلاثٌ أجْمعَ رأيَه أنْ ينقضَها، فتحَامَاه النَّاسُ أنْ
ينزلَ بأوَّلِ النَّاس يصعدُ فيه أمرٌ من السَّماءِ، حتى صَعِدَه رجلٌ فألقى منه
حجارةً، فلما لَم يَرِهِ النَّاسُ أصابَه شيءٌ، تتابَعُوا فنقَضُوه، حتَّى بَلَغُوا به
الأرضَ، فجعلَ ابنُ الزُّبير أعمدةً، فسترَ عليها السُّتُورَ، حتى ارتفعَ بناؤُه.
و (قول ابن عباس: إنه فُرِقَ لي فيها رأيٌ) أي: انكشف واتضح. ومنه قوله
تعالى: ﴿وَقُرْءَنَا فَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] أي: أوضحناه،
وكشفنا معانيه. و (وهى): ضعف ورثَّ. و(أجمع رأيه) - رباعياً -: عزم،
وأمضى. فأما: جمع - ثلاثياً -: فضدّ التفريق. و (تحاماه الناس) أي: امتنعوا من
نقض البيت خوفاً وهيبةً. و (تتابعوا) كافةُ الرواة على الباء بواحدةٍ من التتابع. وهو
الجيِّد هنا (١). وضبطه أبو بحرٍ بالياء باثنتين من تحتها، ومعناهما واحدٌ، غير أنَّ:
التتابع - بالياء، باثنتين - أكثره في الشرِّ.
و (قوله: فجعل ابنُ الزبير أعمدةً فستَّر عليها الستور) إنما فعل ذلك تجديد ابن
ابن الزبير لاستقبال المستقبلين، وطواف الطائفين، ولأنَّ ابنَ عباس قال: إن كنتَ الزبير لبناء
الكعبة
هادمَها فلا تدع الناس لا قِبلة لهم. وهذا يدلُّ: على أنَّ بقعةَ البيتٌ ما كانت تتنزّلُ
عندهما منزلة البيت، وقد خالفهما في ذلك جابر. وقال: صلُّوا إلى موضعها. وقد
ذكرنا الخلاف بين الفقهاء في ذلك. وما فعله عبدُ الله بن الزبير - رضي الله عنه - في
(١) في (ج): منها.
٤٣٨
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
وقال ابنُ الزُّبير: إني سمعتُ عائشةَ تقولُ: إن النبيَّ ◌َ ﴿ه قال: ((لولا أنَّ
النَّاسَ حديثٌ عهدُهم بكفرٍ، وليس عندي من النفقةِ ما يُقوِّيني على بنائِه
لكنتُ أدخلتُ من الحِجْر خمسَ أذْرع، ولجعلتُ لها باباً يدخلُ النَّاسُ منه،
وباباً يخرجونَ منه. قال: فأنَا اليومّ أجدُ ما أُنْفقُ، ولستُ أخافُ النَّاسَ.
قال: فزادَ فيه خمسَ أذرع من الحِجْرِ، حتى أبدَى أُساً نظرَ النَّاسُ إليه،
فبنَى عليه البناءَ، وكان طَولُ الكعبةِ ثمانِيَ عشرة ذراعاً، فلما زادَ فيه
استقصرَه، فزاد في طَوله عشرَ أذرع، وجعلَ لها بابين، أحدهما يُدخَلُ منه،
والآخر يُخْرجُ منه. قالَ: فلما قتُلَ ابنُ الزبير كَتَبَ الحَجَّاجُ إلى عبدِ الملكِ
ابن مروانَ يُخبرهُ بذلك، ويخبرُه أنَّ ابنَ الزبير قد وضعَ البناءَ على أسِّ نظرَ
إليه العُدُولُ مِن أهلِ مَكَّةَ، فكتب إليه عبد الملك: إنَّا لسْنا من تلطيخِ
ابنِ الزُّبير في شيءٍ، أمَّا ما زادَ في طُوله فأقِرَّه، وأما ما زادَ فيه من الحِجْرِ
فَرُدَّه إلى بنائِه، وسُدَّ البابَ الذي فتحَه. فنقضه وأعادَه إلى بنائِه.
البيت كان صواباً وحقّاً. وقبَّح الله الحجاج، وعبد الملك، لقد جهلا سُنَّة
رسول الله ﴿ واجترأًا على بيت الله وعلى أوليائه.
و (التلطيخ) التلويث والتقذير (١). يقال: لطخت فلاناً بأمرٍ قبيح: إذا رماه
به. ورجلٌ لطيخ؛ أي: قذر. أراد بذلك العيب لفعله. وهو المعاب.
و (قوله: ثم أعاده إلى بنائه(٢)) يعني: البناء الأول المتقدِّم على بناء
ابن الزبير. وهو الذي عليه الآن. وقد كان الرشيد أراد أن يُردّه على ما بناه
ابنُ الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين! ألا(٣) تجعل هذا البيتَ
مناشدة مالك
للرشید
(١) في (ج): التقَذُّر.
(٢) في (ج): ثم أعاد على بنائه. وفي (ل): ثم أعاده على بنائه.
(٣) في الأصول: أن. وصُحِّحت ليستقيم المعنى.
٤٣٩
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
وفي رواية: قال عبدُ الملك: ما أظنُّ أبا خُبيبٍ - يعني ابنَ الزبير -
سمِعَ من عائشةَ ما كانَ زعمَ أنه سمعَه منها. قال الحارث بن عبد الله: بلى
أنا سمعتُه منها. قال: سمعتَها تقولُ ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله يخلتر:
(إنَّ قومَك استقصرُوا من بُنيانِ البيتِ، ولولا حَدَاثَةِ عهدِهم بالشِّرْكِ أعدتُ
ما تركُوا منه، فإنْ بدَا لقومِك مِن بعدِك أن يَبَنُوه فَهَلُمِّي لأُرِيَكِ ما تَرُوا منه))
فأراها قريباً مِن سبعٍ أذرعٍ.
وفي أخرى: فقال عبدُ الملك: لو كنتُ سمعتُه قبلَ أن أهدمَه لتركتُه
على ما بنَى ابنُ الزبير.
رواه أحمد (٢٣٩/٦)، والبخاري (١٥٨٦)، ومسلم (١٣٣٣)
(٤٠٢ و٤٠٣ و٤٠٤)، والنسائي (٢١٦/٥).
[١١٩١] وعن عبد الله بن الزبير، قال: حدثتني خالتي - يعني
عائشةَ - قالت: قال النبيُّ وَ له: ((يا عائشةُ! لولا أنَّ قومَكِ حَدِيثُو عهدٍ بشركٍ
ملعبةً للملوك؛ لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبتُه من صدور الناس.
فترك ما همَّ به، واستحسن الناسُ هذا من مالكِ، وعملوا عليه، فصار هذا
كالإجماع. على أنه لا يجوز التعرض له بهدَّ أو تغييرٍ. والله أعلم.
و (قوله: فأراها قريباً من سبع أذرع) هذا ليس مخالفاً لما تقدم من خمس
أذرعٍ؛ لأنَّ هذا تقدير، وذكر الخمس تحقيق.
و (قول عبد الملك: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى هدم عبد
ابنُ الزبير) تصريحٌ منه بجهله بالسُّنَّة الواردة في ذلك، وهو غيرُ معذور في ذلك؛ الملك ما بناه
فإنه كان متمكِّناً من التثبت في ذلك؛ والسؤال؛ والبحث؛ فلم يفعل؛ واستعجل؛ ابن الزبير
وقصّر. فالله حسیبه، ومجازیه علی ذلك.
٤٤٠
(١٢) كتاب الحج - (٤٨) باب: في نقض الكعبة وبنائها
لهدمتُ الكعبةَ فألزقتُها بالأرضِ، وجعلتُ لها بَابينٍ، باباً شرقياً وباباً غربياً،
وزدتُ فيها سِتَّ أذرعٍ من الحِجْر، فإنَّ قريشاً اقتصرتها حيثُ بنتِ الكعبةَ)).
رواه أحمد (١٧٩/٦)، ومسلم (١٣٣٣) (٤٠١).
[١١٩٢] وعن الأسود بن يزيدَ، عن عائشة، قالت: سألتُ
رسولَ اللهِ﴿ عن الجَدْرِ، أمنَ البيتِ هو؟ قال: ((نعم))، قلت: فلَم لم
يُدخلُوه البيتَ؟ قال: ((إنَّ قومَكِ قَصَّرتْ بهم النفقةُ))، قلتُ: فما شأنُ بابِه
مرتفعاً؟ قالَ: ((فعلَ ذلك قومُكِ ليُدخِلُوا مَنْ شَاؤُوا ويمنعُوا مَنْ شاؤوا،
ولولا أنَّ قومَكِ حديثٌ عهدُهم في الجاهليةِ، فأخافُ أنْ تنكرَه قلوبُهم،
لنظرتُ أنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ في البيتِ، وأن ◌ُلزِقَ بابَه بالأرضِ».
رواه مسلم (١٣٣٣) (٤٠٥).
*
و (الجَدْر) - بالفتح -: الجدار، وهو بالدَّال المهملة، والجيم المفتوحة.
والمرادُ به هنا: أصلُ الجدار الذي أخرجته قريشٌ عن بناء الجدار الذي بنوه، وهو
المعبّر عنه بالشاذروان. وقد يكون الجَذْرُ أيضاً: ما يرفع من جوانب الشرفات في
أصول النخل، وهي كالحيطان لها. ومنه قوله: ((اسقِ يا زبيرُ حتى يبلغَ الماءُ
الجَدْر))(١).
(١) رواه أحمد (٤/٤ و٥)، والبخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧)،
والترمذي (١٣٦٣)، والنسائي (٢٤٥/٨)، وابن ماجه (١٥).