النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
فَتَحَر ثلاثاً وستين بيده. ثم أعطى عَلِيّاً. فنحرَ ما غَبَر، وأشركَه في هَدْيِه،
ثم أمرَ مِنْ كلّ بَدَنَةٍ بِبَضْعةٍ، فجُعِلَتْ في قِدْرٍ. فطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِن لحمِها
وشَرِبا مِن مَرَقِها.
القاضي إسماعيل: إنَّه يجوز أن ينحر بمكة أيام منى، وقد حكى: أنه مذهب
مالك. فأمَّا في العُمرة فالنحر بها بمكة في بيوتها، وطرقها، وفجاجها. ويُجزىء
عند مالك النحر في العُمرة بمنىَ، فإن نحر بغير مِنى ومكة في الحج والعُمرة لم
يجز عنده. وجاز عند أبي حنيفة، والشافعي بأي موضع كان من الحرم. قالا:
والمقصودُ: مساكين الحرم، لا الموضع منه. وأجمعوا: أنه لا يجوزُ فيما عدا
الحرم، ولا يجوزُ في البيت والمسجد نحر ولا ذبحٌ.
و (قوله: فنحر ثلاثاً وستين بيده) هكذا روايةُ الجماعة، وعند ابن ماهان: المهدي
(بدنة) مكان (بيده) وكلٌّ صواب. وفيه ما يدلُّ: على أنَّ الأولى للمهدي أو أو المضحي
للمضحي أن يتولَّى ذلك بيده. وإعطاؤه ما بقي لعليٍّ - رضي الله عنه - لينحرها دليل بيده وله أن
يتولى النحر
على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير كتاب مسلم: أنه إنما أعطاه إيَّاها بنيب
ليهديها عن نفسه. ويدلُّ عليه قولُه: وأشركه في هديه. وعلى هذا: فلا يكونُ فيه
حُجَّةٌ على الاستنابة. وقيل: إنَّما نحر النبيُّ ◌َ له ثلاثاً وستين بدنة؛ لأنها هي التي
أتى بها من المدينة، كما ذكره الترمذيُّ. وقيل: إنما خصَّ النبيُّ وَّر ذلك العدد؛
لأنه منتهى عمره ﴿ على ما هو الأصُ في ذلك، فكأنه أهدى عن كلِّ سنة من
عمره بدنة .
و (قوله: ثم أمر من كلّ بدنةٍ ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ، فطبخت، فأكلا من الأكل من
لحمها، وشربا من مرقها) إنما فعل هذا ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ الهدي
[الحج: ٢٨] وهما وإن لم يأكلا من كلِّ بضعةٍ؛ فقد شربا من مرق كلِّ ذلك.
وخصوصية عليٍّ بالمؤاكلة دليلٌ: على أنه أشركه في الهدي. وفيه دليلٌ: على أنَّ
من حَلَف ألَّا يأكلَ لحماً فشرب مرقه: أنه يحنث. وفيه دليلٌ على استحباب أكل

٣٤٢
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي #
ثم ركبَ رسولُ اللهِ وَ﴿ فأفاضَ إلى البيتِ، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ. فأتى بني
عبدِ المُطَّلِب يَسْقونَ على زَمزَمَ، فقال: ((انزِعُوا بني عبد المطلب! فلولا أنْ
يَغْلِبَكُم النَّاسُ على سِقَابِتِكُمْ لنزعتُ معكم)» فنَاوَلُوه دَلْواً فشرب منه.
زاد في رواية: وكانتِ العربُ يدفعُ بهم أبو سَيَّارَةَ على حِمارٍ عُرْيٍ.
الأقلِّ من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر. وفيه دليلٌ على جواز أكل المهدي
من هدي القران. وقد قدَّمنا: أنه كان قارناً، وسيأتي حُكْمُ الأكل من الهدايا.
طواف الإفاضة
و (قوله: ثمَّ ركب فأفاض إلى البيت) هذا هو طوافُ الإفاضة. ويُسمَّى:
طواف الزيارة. وهو واجبٌ بإجماع. وهو الذي تناوله قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ
تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْبَطَّوَّقُواْ بِأَلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ولا خلافَ أن
إيقاعَه يوم النحر أولى وأفضل. فلو أوقعه بعد يوم النحر؛ فهل يلزم الدَّمُ بتأخيره أم
لا يلزم؟ واختلف فيه، وسيأتي. والجمهورُ على أن: مَن ترك طواف الإفاضة أنَّ
طواف الوداع لا يُجزىء عنه إلا مالكاً؛ فإنه قال: يُجزىء عنه إذا رجع إلى بلده.
قال القاضي عياض: وكذلك: طواف التطوّع.
السقاية في بني
عبد المطلب
و (قوله: ((لولا أنْ يغلبكم النَّاس على سقايتكم لنزعت معكم))) يعني: أنه لو
استقى هو بيده لاقتدى الناسُ به في ذلك، فاستقوا بأيديهم، فتزول خصوصيةٌ بني
عبد المطلب، وهي ثابتةٌ لهم، كولاية الحجابة لبني شيبة، كما يأتي إن شاء
الله تعالى. ويُقال: نَزع، بفتح الزاي، ينزع بكسرها لا غير، وإن كان الأصلُ فيها
الفتح في المضارع؛ لأن ما كان على: فَعَل، وعينه أو لامه حرف حلق؛ فالأصل
في مضارعه أن يأتي على: يَفْعُل، بفتح العين أو بضمها. والنزع: الاستقاء
بالرِّشا. والنزح، بالحاء: الاستقاء بالذَّلو.
و (وأبو سَيَّرة) هو عُمَيْرَةُ(١) بن الأعزل.
(١) في (هـ): عميلة، وهو خطأ.

٣٤٣
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي 5#
فلمَّا أجازَ رسولُ اللهِ ◌ّ﴿ مِن المُزدلفةِ بالمشعرِ الحَرام، لم تَشُكَّ قريشٌ أنَّه
سيقتصرُ عليه، ويكونُ مَنزلُه ثمَّ، فأجازَ ولم يَعرِضْ له، حتى أتى عرفاتٍ
فَنَزَلَ.
وفي أخرى: أَنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((نحرتُ ها هُنا. ومِنَى كلُّها
مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا في رِحالِكم. ووقفتُ ها هُنا، وعرفةُ كلُّها موقفٌ. ووقفتُ
و (قوله: فلما أجاز رسولُ اللهِ وَ﴿ه بالمشعر الحرام لم تشكَّ قريشٌ أَنَّه إزالة رسول الله
سيقتصر عليه، ويكون منزله ثمَّ) يعني: أنَّهم توهّموا أنه يفعلُ كما كانت هي تفعلُ
في الجاهلية، فإنهم كانوا يرون لأنفسهم أنهم لا يقفون بعرفة، ولا يخرجون من
ابتدعته الجاهلية
الحرم، ويقفون بالمشعر الحرام بدل وقوف الناس بعرفة. وهذا مما كانوا ابتدعوه
في الحجِّ، فلما حجَّ النبيُّ وَّهِ أحكم الله الحجّ، وأزال ما ابتدعته الجاهلية، وأنزل
الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] يخاطب قريشاً،
ويأمرهم بأن يقفوا بعرفة حيث يقفُ غيرهم من الناس، وكذلك فعل النبيُّ وَّه
فعدل عن المشعر الحرام إلى عرفة، فوقف بها، وهي سُنَّةُ إبراهيم المعروفة عند
العرب وغيرهم.
و (قوله: نَحَرت ها هنا، ومِنى كلُّها منحر) يعني: أنه وإن كان قد نحر في منى كلها منحر
ذلك الموضع المخصوص من مِنى، فالنحر واسعٌ في كلِّ مواضعها، وهو مُنَّفَقٌ
عليه، وكذلك عرفة ومزدلفة. غير أنَّ توخِّي موقف رسول الله وَليزر ومنحره أولى
تبرُّكاً بالنبي و له وبآثاره، وفي حديث مالك: ((عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة كلها
عُرَنَةَ))(١). وهو: وادي عرفة. قال ابنُ حبيب: وفيه مسجد عرفة، وهو من الحرم.
موقف ما عدا
عُرَنة
واتَّفق العلماءُ: على أنه لا موقفَ فيه. واختلفوا فيمن وَقَفَ في عُرَنَة: فقال
أبو مصعب: هو كمن لم يقفْ، وحُكي عن الشافعي. وقال مالك: حَجُّهُ صحيح
وعليه دَمٌّ. حكاه عنه ابنُ المنذر. ومن وقف في المسجد أجزأه عند مالك. وقال
(١) رواه مالك في الموطأ (٣٨٨/١).

٣٤٤
(١٢) كتاب الحج .. (١٨) باب: في قوله تعالى: ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾
ها هُنا. وَجَمعٌ كلُّها مَوْقِفٌ)).
رواه أحمد (٢١٧/٣)، والبخاري (١٥٥٧)، ومسلم (١٢١٨) (١٤٧
و ١٤٨ و١٤٩ و١٥٠)، والنسائي (٢٠٢/٥).
*
(١٨) باب
في قوله تعالى: ﴿أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[١٠٩٥] عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، قالَ: كانتِ العربُ تطوفُ
بالبيتِ عُراةً إلا الحُمْسَ. والحُمْسُ: قريشٌ وما وَلَدَتْ. كانُوا يَطوفون
أصبغ: لا يُجزىء. و (عُرَنَة) بضم العين والراء، وذكره ابنُ دريد بفتح الراء، وهو
الصواب.
محسّر لیس من
المزدلفة
و (قوله: وجمع كلها موقف) في رواية مالك: ((وارتفعوا عن بطن محسِّر)).
اتفق العلماءُ على الأخذ بهذا الحديث، وترك الوقوف به، واستحُّوا الوقوفَ حيث
المنارة، وحيث تقفُ الأئمةُ بين الجبلين، ومُحسِّر ليس من المزدلفة. والله أعلم.
(١٨) ومن باب: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
أي: تفرَّقوا. والإفاضةُ: التفرقُ في كثرةٍ. من إفاضة الماء. قال(١):
فَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ مِنْ ذِيْ الأَبَارِقِ إِذْ رَعَيْنَ حَقِيلاً(٢)
(١) القائل هو: الراعي.
(٢) في (ل) و (هـ):
فأفضن بعد كظوظهن بحدة من ذي الأبارق إذ رعين حفيلا
والمثبت من (ظ) - وفيها: حفيلا بدل حقيلا - ولسان العرب ومقاييس اللغة وتاج
العروس وجمهرة أشعار العرب.

٣٤٥
(١٢) كتاب الحج - (١٨) باب: في قوله تعالى: ﴿أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾
عُراةً. إلا أنْ يُعطيَهمُ الحُمْسُ ثياباً. فيُعطِي الرِّجالُ الرِّجالَ، والنِّساءُ
النِّساءَ. وكانتِ الحُمْسُ لا يخرجونَ من المُزْدَلِفِةِ، وكانَ النَّاس كلُّهم
يَبْلغُونَ عرفاتٍ. قال هشام: فحدَّثني أبي، عن عائشةَ، قالتْ: الحُمْسُ:
هم الذين أنزلَ الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[البقرة: ١٩٩] قالتْ: كانَ النَّاسُ يَقيضونَ مِن عَرفاتٍ، وكانتِ الحُمْسُ
يُفيضونَ من المزدلفةِ. يقولونَ: لا نُفيضُ إلا مِن الحَرَمِ. فلما نزلتْ:
﴿أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] رَجَعُوا إلى عَرَفاتٍ.
رواه البخاري (٤٥٢٠)، ومسلم (١٢١٩)(١٥٢)، وأبو داود (١٩١٠)،
والترمذي (٨٨٤)، والنسائي (٢٥٥/٥)، وابن ماجه (٣٠١٨).
وقال الأصمعي: الإفاضةُ: الدَّفْعَةُ. ومنه: فيض الدمع. وقال الخطابي:
أصلُ الفيض: السيلان. واختلفَ المفسّرون فيمن المراد بـ: (الناس)؟ فقيل: آدم.
وقيل: إبراهيم. وقيل: سائر الناس غير الحُمْس. وهم قريش، ومن ولدت، منهم
وكنانة وجديلة. وستُّوا حُمْساً: لأنهم تحمَّسوا في دينهم. أي: تشدّدوا. ولذلك الحُمْس؟
كانوا ابتدعوا أمراً دانت لهم العربُ به. وقال الحربيُّ: سُمُّوا: حمساً بالكعبة لأنها
حَمْساء؛ حجرها أبيض يضرب إلى السَّواد. وكان ممَّا ابتدعته الحُمْسُ: أنه
لا يطوفُ أحدٌ بالبيت وعليه أثوابه إلا الحُمْس، فكان النَّاسُ يطوفون عُراةً إلا الحمس
أو من يُعطيه أحمسيٍّ ثوباً، وإن طاف أحدٌ في ثوبه ألقاه بالأرض، ولم يعد له، ولا
يأخذه أحدٌ، لا هو، ولا غيره. ولا ينتفعُ به. وكانت تُسمَّى تلك الثياب: اللُّقى؛
لإلقائها بالأرض، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِيَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال رسولُ الله ◌ِوَّر: ((لا يطوف بالبيت عُريان))(١) وكذلك يُفيضون من مزدلفة
(١) رواه مسلم (١٣٤٧).

٣٤٦
(١٢) كتاب الحج - (١٩) باب: الإهلال بما أهلّ به الإمام
(١٩) باب
الإهلال بما أهلَّ به الإمامُ
[١٠٩٦] عن أبي مُوسى، قالَ: قدمتُ على رسولِ الله ◌ِوَله وهو مُنِيخٌ
بالبَطْحَاءِ. فقال لي: ((أحججت؟)) فقلتُ: نعم. فقالَ: ((بمَ أَهْلَلْتَ؟)) قال:
قلت: لَبَّيْكَ! بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّي وَِّ. فقالَ: ((فقد أحسنتَ)).
- وفي رواية: قالَ: ((هل سُقْتَ مِن هَذي؟)) قلت: لا - قال: ((طُفْ
والناس من عرفة. فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[البقرة: ١٩٩]. فأحكم اللَّهُ آياته. والله تعالى أعلم.
(١٩) ومن باب: الإهلال بما أهلَّ به الإمام
(قوله: وهو منيخٌ بالبطحاء) أي: مضطجعٌ ببطحاء مكة. وهي المسمّاةُ
بالأبطح والمحصب.
و (قوله: لبيتُ بإهلالٍ كإهلال النبيِّ ◌َ ﴿) وهذا كما تقدَّم من إهلال عليّ
- رضي الله عنه -: وظاهره: أنه يجوزُ أن يُهلَّ من غير تعيين حجٍّ ولا عُمرةٍ، ويُحيلُ
في التَّعيين على إحرام فلانٍ إذا تحقق: أنه أحرم بأحدهما. وقد اختلفَ في هذا.
فقال بمنعه مالكٌ، وأجازه الشافعيُّ؛ كما تقدَّم.
قلتُ: ولا تتمُّ حُجَّةُ الشَّافعيِّ بهذا الحديث، ولا بحديث عليٍّ - رضي الله
عنه - حتى يتبين أنهما حيث ابتدأ الإحرام لم يعلما عين ما أحرم به النبيُّ ◌َلِّ؛ إذ
يجوزُ أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما نُقِل إليه عينُ ما أحرم به النبيُّ ◌َّه. ولفظهما
محتملٌ. والله تعالى أعلم.

٣٤٧
(١٢) كتاب الحج - (١٩) باب: الإهلال بما أهلّ به الإمام
بالبيتٍ وبالصَّفا والمروة، وأَحِلَّ)) قال: فطفتُ بالبيتِ وبالصَّفا والمَروةِ، ثم
أتيتُ امرأةً مِن بني قيسٍ، فَفَلَتْ رأسِي.
- وفي رواية: فمَشَطَتْنِي وغَسَلَتْ رأسي - ثم أَهْلَلْتُ بالحَجِّ.
قالَ: فكنتُ أُفتي به النَّاسَ حتى كانَ في خلافةِ عمرَ، فقال له رجل:
يا أبا موسى! أو: يا عبدَ الله بنَ قَيْسٍ! رُوَيْدكَ بعضَ فُتياكَ. فإنه لا تَدري ما
أحدثَ أميرُ المؤمنينَ في النُّسُكِ بعدَك. فقال: يا أيُّها النَّاسُ! مَنْ كُنَّا أفتَيْنَاه
فُتيا فَلْيَِّدْ، فإنَّ أميرَ المؤمنينَ قادمٌ عليكم، فبهِ فَائْتَمُوا. قال: فقدمَ عمرُ،
فذكرتُ ذلكَ له. فقالَ: إنْ نأخذْ بكتابِ الله، فإنَّ كتابَ اللهِ يأمرُ بالتَّمامِ،
و (قوله: وكنتُ أفتي النَّاسَ به) يعني: بالتحلل لمن أحرم بالحجِّ بعمل
العُمرة. وكأنَّ أبا موسى - رضي الله عنه - اعتقد - عموم مشروعية ما أمر به
النبيُّ وَ﴿ من التحلُّل، وتعدِّيه لغير الصحابة، ولم يَرَ أنَّ ذلك خاصٌّ بالصحابة
- رضي الله عنهم - كما اعتقده غيرُه منهم.
و (رويدك) أي: ارفق رفقك، أو كُفَّ بعضَ فتياك، فيصحّ أن يكونَ مصدراً
ومفعولاً، فيكون مثل قول امرى القيس :
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُلِ(١)
و (فليتئد) فليرفُقْ.
و (قول عمر: إنْ نأخذ بكتاب الله فإنَّ كتابَ الله يأمرُ بالتمام) يعني في قوله
تعالى: ﴿وأتموا الحجّ والعمرة لله﴾ و(قوله: وإن نأخذ بسُنَّهُ رسول الله وَّه فإنَّ
رسولَ الله وَ﴿ لم يحلّ حتى نحر الهدي) يعني: أن حجَّةَ الوداع لم يحلّ النبيُّ ◌َّـ
منها حتى رمي جمرة العقبة، ولم يحلّ بعُمرةٍ، كما فعل أصحابه.
(١) عجز البيت: وإنْ كنتِ قد أزْمَعْتِ صرمي فَأَجْملي.

٣٤٨
(١٢) كتاب الحج - (١٩) باب: الإهلال بما أهلّ به الإمام
وإنْ نأخذْ بسُنَّةِ رسولِ اللهِوَ﴿ فإنَّ رسولَ اللهِنَّهِ لم يَحِلَّ حتَّى بلغَ الهَدْيُ
مَحِلَّه.
وفي رواية: فقال، عمرُ: قد علمتُ أنَّ النبيَّ وَّهِ قد فعلَه، وأصحابه،
ولكنْ كرهتُ أنْ يَظَلُّوا مُعْرِسينَ بهنَّ في الأراكِ، ثم يَروحُون في الحَجِّ تَقْطَرُ
رؤوسُھم.
رواه البخاري (١٥٥٩)، ومسلم (١٢٢١) (١٥٤ و١٥٥)
و (١٢٢٢)، والنسائي (١٥٣/٥).
و (قوله: قد فعله النبيُّ لَّه وأصحابُه) يعني به: فسخ الحجِّ في العُمرة.
ونسبة الفسخ إلى النبيِّ وَّر لأنه أمَر بفعله. واعتلاله بقوله: (كرهتُ أن يظلّوا بهنَّ
مُعْرِسِين في الأراك) يعني: أنه كره أن يحلّوا من حَجِّهم بالفسخ المذكور، فيطؤون
نساءهم قبل تمام الحجِّ الذي كانوا أحرموا به. ولا يظنّ بمثل عمر - رضي الله عنه،
الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه - أنه مَنَع ما جوَّزه رسولُ اللهِ وَّ بالرأي
والمصلحة؛ فإن ذلك ظنُّ مَن لم يعرفْ عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في
الحديث، وإنما تمسّك بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وأتموا الحجّ والعُمرة لله﴾ ففهم: أن
من تلَّسَ بشيءٍ منهما وَجَب عليه إتمامُه، ثم ظهرَ له: أن ما أمر به النبيُّ وَّ
أصحابَه قضيةٌ معيّنةٌ مخصوصةٌ على ما ذكرناه فيما تقدَّم، فقضى بخصوصية ذلك
لأولئك. ثمّ إنّه أطلق الكراهية وهو يريدُ بها التحريم، وتجنّب لفظ التحريم؛ لأنه
ممَّا أداه إليه اجتهادُه. وهذه طريقةُ كبراء الأئمة: كمالك، والشافعي. وكثيراً
ما يقولون: أكره كذا .. وهم يريدون التحريم - وهذا منهم تحرُّزٌ وحَذَرٌ، من قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ ﴾
[النحل: ١١٦].
(مُعْرِسين) جمع مُعْرِس. وهو الذي يخلو بعِرْسِهِ، أي: بزوجته. ولا يصحُّ

٣٤٩
(١٢) كتاب الحج - (٢٠) باب: الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل
(٢٠) باب
الاختلاف في أيِّ أنواع الإحرام أفضل
[١٠٩٧] عن عبد الله بن شقيق، كان عثمانُ يَنهى عن المُتعةِ، وكانَ
عليٍّ يأمرُ بها. فقالَ عثمانُ لعليٍّ كلمةً، ثم قالَ عليٍّ: لقد علمتَ أنَّا قد
تَمَتَّعْنا معَ رسولِ اللهِ وَلَه. فقال: أجل، ولكنَّا كنَّا خَائِفِينَ.
وفي روايةٍ، فقالَ عليٍّ: ما تريدُ إلى أمرٍ فعلَه رسولُ اللهِ وَلِّ تَنْهى
عنه، فقالَ عثمانُ: دعنا منكَ. فقالَ: إنِّي لا أستطيعُ أنْ أدَعَكَ، فلمَّا رأى
عليٍّ ذلكَ، أهَلَّ بهما جميعاً.
رواه مسلم (١٢٢٣) (١٥٨ و١٥٩)، والنسائي (١٥٢/٥).
أن يكونَ من التعريس؛ لأنَّ الروايةَ بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريسَ إنما هو :
النزولُ من آخر الليل، كما تقدّم. ويناقضه قوله: (يظلُّون ويروحون) فإنهما إنما
يقالان على عمل النهار. والله تعالى أعلم.
(٢٠) ومن باب: الاختلاف في أيّ أنواع الإحرام أفضل
قد تقدَّم أنَّ أنواعَ الإحرام ثلاثةٌ: إفرادٌ، وقرانٌ، وتمتعٌّ. وأنها مجمعٌ عليها.
وإنما الخلافُ في الأفضل منها. واختلفَ المتأولون في هذه المتعة التي اختلف رأي عثمان
فيها عثمانُ وعليٍّ - رضي الله عنهما - هل هي فسخُ الحجِّ في العُمرة؛ أُوهي التي وعلي في متعة
الحج
يجمعُ فيها بين حِجِّ وعُمرة في عملٍ واحدٍ، وسفرٍ واحدٍ؟ فمن قال بالأول صرفَ
خلافَهما إلى: أنَّ عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبيِّ وَّ في حجة الوداع.
وكان عليٍّ لا يرى خصوصيتهم في ذلك. ويستدلُّ على هذا بقول عثمان: أجل؛
ولكنَّا كنا خائفين، أي: من فسخ الحجِّ في العُمرة؛ فإنه على خلاف الإتمام الذي

٣٥٠
(١٢) كتاب الحج - (٢٠) باب: الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل
[١٠٩٨] وعن مُطَرَّفٍ، قال: قال لي عِمرانُ بنُ حُصينٍ: إني
لأَحُدِّثُكَ بالحديثِ، اليومَ، ينفعُك الله به بعدَ اليومِ، واعلمْ أنَّ
رسولَ اللهِوَ﴿ قد أعْمَرَ طائفةً مِن أهلِه في العَشْرِ. فلم تَنْزِلَ آيَةٌ تنسخُ ذلكَ
ولم ينهَ عنه حتَّى مضَی لوجههِ. ارتأَی کلُّ امریءٍ بعدُ، ما شاءَ أنْ یرتئيَ.
أمر اللَّهُ به. وفيه بُعْد. والأظهر: القولُ الثاني. وعليه: فخلافُهما إنما كان في
الأفضل. فعثمان كان يعتقدُ: أنَّ إفرادَ الحجِّ أفضل. وعليٍّ - رضي الله عنه - كان
يعتقد: أنَّ التمتُّعَ أفضل. إذ الأمةُ مجمعةٌ: على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما جائزٌ، وعليه
فقوله: ولكنَّا كنّا خائفين أي: من أن يكونَ أجرُ مَن أفردَ أعظم من أجر من تمتَّعَ
منهم. فالخوف من التمتع. ولمَّا ظنَّ عليّ أنَّ ذلك يتلقى من عثمان، ويقتدى به،
فيؤدِّي ذلك إلى ترك التمتع والقِران أهلَّ بالقران ليبيّن: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مسوغ،
أو لأنهما عنده أفضل من الإفراد، من حيثُ أنَّ كلَّ واحدةٍ منهما في عملين،
والمفرِد في عملٍ واحدٍ. والله تعالى أعلم.
الإفراد أفضل
من التمتع
والقران عند
عمر
وهذا الذي ظهر لعثمان هو الذي كان ظهر لعمر - رضي الله عنهما - من
قبله، كما قال عمران بن حصين - رضي الله عنه -، فإنَّه ظهر من استدلال عمر
- بأنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ جَمَعَ بين حجّ وعُمرةٍ - أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد.
وهذا منه محمولٌ على أنّه كان يعتقدُ: أنَّ الإفرادَ أفضلُ من التمتع والقِران. وكان
عمرانُ يعتقدُ: أنَّ الإفرادَ أفضل؛ ولذلك قال: قال رجلٌ برأيه ما شاء. يعني به:
عمر. بعد أن روى: أنَّ النبيَّ ◌َه قرن. وليست هذه المتعةُ التي منعها ابنُ عمر
- هنا - هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير. بل تلك فَسْخُ الحجِّ في العُمرة،
كما تقدَّم. وعلى الجملة: فأحاديثُ هذا الباب كثيرةُ الاختلاف والاضطراب.
وما ذكرناه أشبهُ بالصواب. والله الموفِّق الملهم.
و (قول عمران: إنَّ رسولَ اللهِوَّلِ قد أعمر طائفةً من أهله في العشر) أي:

٣٥١
(١٢) كتاب الحج - (٢٠) باب: الاختلاف في أي أنواع الإحرام أفضل
وفي رواية: أنَّ رسول اللهِّهِ جمعَ بين حَجِّ وعمرةٍ، ثم لم ينهَ عنه
حتى ماتَ، ولم ينزلْ فيه قرآنٌ يحرِّمُه. وقد كانَ يسلَّمُ علىَّ حتى اكتَوَيْتُ.
فتُركتُ، ثم تركتُ الكَيَّ، فعادَ.
وفي أخرى: قال عِمران بن حُصين: نزلتْ آيةُ المتعةِ في كتابِ اللهِ،
يَعني: متعة الحَجِّ، وأَمَرَنا بها رسولُ اللهِ وَّهِ. ثم لم تنزلْ آيَةٌ تُنْسَخُ آية مُتعةٍ
الحَجِّ، ولم يَنْهَ عنها رسولُ اللهِّهِ حَتَّى ماتَ. قال رجل برأيه بَعْدُ ما شاءَ.
رواه البخاري (٤٥١٨)، ومسلم (١٢٢٦) (١٦٥ و١٦٧ و١٧٢)،
والنسائي (١٤٩/٥ و١٥٥)، وابن ماجه (٢٩٧٨).
أباح لهم أن يُخرموا بالعُمرة حين أحرموا من ذي الحليفة. فيعني بالعشر: عشر
ذي القعدة الأخير، فإنهم أحرموا لستُّ بقين منه. ويحتملُ أن يريد به(١): عشر ذي
الحجة. فإنهم حلوا بفراغهم من عمل العُمرة في الخامس منه، على ما تقدَّم في
حديث عائشة. والله أعلم.
و (قوله: قال عثمان لعليٍّ كلمةً) يعني: كلمةً أغلظ له فيها. ولعلَّها التي قال
في الرِّواية الأخرى: دَعْنا منك. فإنَّ فيها غِلَظاً وجَفاءً بالنسبة إلى أمثالهما.
والله تعالى أعلم.
و (قول عمران: وقد كان يُسَلَّمُ عليَّ حتى اكتويت) يعني: أنَّ الملائكةَ كانت حكم الاكتواء
تُسلِّم عليه إكراماً له، واحتراماً إلى أن اكتوى، فتركتِ السَّلامَ عليه. ففيه: إثباتُ
كرامات الأولياء، وأنَّ الكيَّ ليس بمحرَّم كما قدَّمنا في الإيمان، ولكنَّ تركه أولی.
(١) من (ظ) و (ل).

٣٥٢
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي للمتمتع والقارن
(٢١) باب
الهَذْي للمُتَمتُّع والقارِن
[١٠٩٩] عن ابن عمر، قال: تمتَّع رسولُ اللهِ وََّ في حجَّةِ الوداع
بالعمرة إلى الحجِّ، وأُهْدَى، وساق معه الهدي من ذي الحُليفة، وبدأ
رسول الله ﴿ فأَهَلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ. وتمتع الناس مع
(٢١) ومن باب: الهَدْيُ للمُتَمتِّع والقَارِنِ
(قول ابن عمر: تمتّع رسولُ اللهِ وَّه في حجَّة الوداع بالعُمرة إلى الحجّ) هذا
الذي رُوي هنا عن ابن عمر: من أنه ◌َ ﴿ تمتع. مخالفٌ لما جاء عنه في الرواية
الأخرى من أنَّه أفرد الحَّ. واضطرابُ قوليه يدلُّ على أنَّه لم يكن عنده من تحقيق
الأمر ما كان عند مَن جَزَم بالأمر، كما فعل أنسٌ على ما تقدَّم، حيث قال: سمعتُ
رسولَ اللهِ له يقول: ((لبيك بحَّةٍ وعُمرةٍ))(١). ثم اعلم: أنَّ كلَّ الرواة الذين رووا
إحرامَ النبيِّ ◌َّه ليس منهم مَن قال: إنه وَِّ حَلَّ مِن إحرامه ذلك حتى فرغ من عمل
الحجِّ، وإن كان قد أطلق عليه لفظ التمثُّع، بل قد قال ابنُ عمر في هذا الحديث:
إِنَّهِ هِ بدأ بالعُمرة، ثمَّ أهلَّ بالحجِّ، ولم يقل: إنَّه حَلَّ من عُمرته، بل قال في آخر
الحديث: بعد أن فرغ من طواف القدوم، أنه ﴿ لم يَخْلُلْ من شيءٍ حَرُمَ عليه حتى
قضى حجَّه. وهذا نصٌّ في أنَّه لم يكُن متمثِّعاً. فتعيَّن تأويلُ قوله: تمتع
رسولُ الله ◌َ﴿. فيحتملُ أن يكونَ معناه: قَرَنَ؛ لأنَّ القارنَ يترنّه بإسقاط أحد
العملين. وهو الذي يدلُّ عليه قولُه بعد هذا: فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ،
ويحتملُ أن يكونَ معناه: أنه سير لمَّا أذن في التمتع أضافه إليه. وفيه بُعْدٌ.
و (قوله: فأهلَّ بالعُمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ) ظاهره: أنه أردف. وظاهِرُ حديث
(١) رواه أحمد (٢٨٢/٣)، ومسلم (١٢٥١)، وأبو داود (١٧٩٥)، والترمذي (٨٢١)،
والنسائي (٥/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٩٦٩).
أهلَّ رسول الله
◌َ* بحجة
وعمرة

٣٥٣
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي للمتمتع والقارن
رسول الله ◌َّ﴿ بالعُمْرة إلى الحجّ. فكان من الناس من أهدى فساق الهدى.
ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قَدِمَ رسول الله وَّفي مكة قال للناس: ((من كان منكم
أهْدى؛ فإنه لا يحل من شيء حَرُم منه حتى يقضي حَجَّه. ومن لم يكن
منكم أَهْدى؛ فليَطُف بالبيت وبالصَّفا والمروة، وليُقَصِّر، وليحللْ، ثم ليُهلَّ
بالحجِّ وليُهْد. فمن لم يجدْ هَذْياً؛ فليَصُم ثلاثة أيامٍ في الحجِّ
أنس: أنه قرنهما معاً. فإنه حكى فيه لفظه فقال: سمعتُه يقول: ((لبيك عُمرةً
وحجّاً)) وقد استحبَّ مالكٌ للقارن أن يقدِّم العُمرةَ في لفظه؛ اقتداءً بهذه الأخبار.
و (قوله للمتمتعين: ((فمن لم يجدْ هَذْياً فليصمْ ثلاثةَ أيام في الحج؛ وسبعة
إذا رجع))) هذا نصُّ ما تضمَّنته آيةُ المتعة. وقد اختلف في مواضع: منها:
أوَّلها: قوله: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ذهب جماعةٌ من(١) هدي المتمتع
السَّلف إلى أنه شاة، وهو قولُ مالك. وقالت جماعةٌ أخرى: هو بقرةٌ دون بقرة،
وبَدَنة دون بدنة. وقيل: المرادُ بدنة، أو بقرة أو شاة، أو شرك في دم.
و (قوله: ((فليصمْ ثلاثةَ أيام في الحج))) ذهب مالك، والشافعي إلى أنَّ ذلك متى يصوم
لا يكونُ إلا بعد الإحرام بالحج، وهو مقتضى الآية والحديث، وقال أبو حنيفة المتمتع الأيام
والثوري: يصحُّ صومُ الثلاثة الأيام بعد الإحرام بالعمرة؛ وقبل الإحرام بالحجِّ، ولا
الثلاثة؟
يصومها بعد أيَّام الحج، وهو مخالفٌ لنصِ الكتاب والسُّنَّة. والاختيارُ عندنا:
تقديمُ صومها في أوَّل الإحرام، وآخر وقتها: آخر أيام التشريق عندنا، وعند
الشافعي. فمن فاته صومُها في هذه الأيام: صامها عندنا بَعْدُ. وقال أبو حنيفة:
آخر وقتها يوم عرفة؛ فمن لم يَصُمْها إلى يوم عرفة فلا صيام عليه، ووجب عليه
الهَدْي. وقال مثله الثوريُّ؛ إذا ترك صيامها أيام الحجِّ. وللشَّافعي قولٌ كقول
أبي حنيفة.
(١) إلى هنا ينتهي الانقطاع في النسخة (ع).

٣٥٤
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي للمتمتع والقارن
وسبعةً إذا رجع إلى أهله)) وطاف رسول الله وَط في حين قدم مكة، واستلم الرُّكْنَ
أوَّل شيءٍ، ثم خَبَّ ثلاثة أطوافٍ من السَّبع. ومشى أربعة أطواف، ثمَّ رکع حین
قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلَّم فانصرف، فأتى الصفا،
فطاف بالصَّفا والمروة سبعة أطوافٍ، ثم لم يَحْلِلْ من شيءٍ حَرُمَ منه حتى
قضى حَجَّهُ، ونَحَر هذيه يوم النَّحر، وأفاض، فطاف بالبيت، ثمَّ حلَّ من
كل شيءٍ حَرُم منه. وفعل مثل ما فعل رسول الله وَ ليه من أهدى فساق الهَدي
من الناس.
رواه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)، وأبو داود (١٨٠٥)،
والنسائي (١٥١/٥ و ١٥٢).
[١١٠٠] وعن حفصة: أنَّ النبيَّ ◌َ أمر أزواجه أن يَحْلِلْنَ عام حجَّة
الوداع. قالت حفصة: فقلت: ما يمنَعُك أن تحِلَّ؟ قال: ((إني لَبَّدت
رأسي، وقلَّدْتُ هَذْبِي فلا أَحِلُّ حتى أنحَرَ هَدْيِي)).
أین يصوم
و (قوله: وسبعة أيام(١) إذا رجع) حَمَله مالكٌ والشافعي في أحد قوليهما:
المتمتعِ الأيام على الرجوع من مِنى، وأنه يصومُها إن شاء بمكة، أو ببلده. وهو قولُ أبي حنيفة.
السبعة؟
وللشافعي ومالك قولٌ آخر: إنه الرجوعُ إلى بلده، ولا يصومها حتى يرجع إلى
أهله .
و (قول حفصة: إنَّ النبيَّ ◌َ﴾ أمر أزواجه أن يحللن عام حجَّة الوداع) إنما
فعل ذلك وَله ليسوِّي بينهنَّ وبين من لم يسق الهدي من الناس؛ الذين أهلُوا
بالحجِّ؛ لأنَّ أزواجه بَِّ لم يسقْن الهدي.
و (قولها: ما يمنعك أن تحلَّ؟) كذا في رواية ابن جريج عن نافعٍ، عن
(١) هذه اللفظة ليست في صحيح مسلم ولا في التلخيص.

٣٥٥
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي للمتمتع والقارن
رواه أحمد (٢٨٣/٦ و٢٨٥)، والبخاري (١٥٦٦)، ومسلم
(١٢٢٩) (١٧٩)، وأبو داود (١٨٠٦)، والنسائي (١٣٦/٥)، وابن
ماجه (٣٠٤٦).
[١١٠١] وعن نافع: أنَّ ابن عمر أراد الحجَّ عام نزل الحَجَّاج بابن
الزبير. فقيل له: إنَّ الناسَ كان بينهم قتالٌ، وإنا نخاف أن يصدُّوك. فقال:
ابن عمر، عنها. ولم يذكر فيها: من عمرتك. وذكره مالك وغيره عن نافعٍ، ويظهر
من قولها هذا: أنه * أحرم بعمرةٍ [وحدها كما سيأتي في حديث ابن عباس:
أنه وَ ﴿ أحرمَ بعمرة](١) وظاهِرُ هذه الروايات حُجَّةٌ لمن قال: إنَّ النبيَّ وَّ كان
متمتعاً. وقد بيَّنا صحيحَ ما أحرم به. وقد تأوَّل مَن قال: إنه ◌ِ ﴿ كان قارناً؛ هذه
الروايات: بأن حفصةً وابنَ عبَّاسِ عبَّرًا بالإحرام بالعُمرة عن القِران؛ لأنها السَّابقة
في إحرام القارن، قولاً ونيةً، أوَ نِيَّةً. ولا سيَّما على ما ظهر من حديث ابن عمر:
أنه ﴿ كان مردفاً، وهذا واضحٌ. وأمَّا مَن روى: أنه وَّرِ كان مفرداً بالحجِّ فتأوَّل
ذلك تأويلاتٍ بعيدةٍ، أقربها: أن معنى قولها: من عُمرتك. أي: بعمرتك. كما قال
تعالى: ﴿يَحْفَظُوَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله. وكقوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمٍْ﴾
[القدر: ٤] أي: بكلِّ أمر. فكأنها قالتْ: ما يمنعك أن تحلَّ بعُمرة تصنعها؟
فأخبرها بسبب منعِهِ(٢) من ذلك. وقد ذكرنا ذلك المعنى مِراراً. وقال محمد بن
أبي صفرة: مالكٌ يقول في هذا الحديث: من عمرتك. وغيره يقول: من حجك.
و (قوله: إنَّ ابن عمر أراد الحجّ عام نزل الحجاج بابن الزبير) وكان من شأن ابن الزبير
ابن الزبير: أنَّه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يستخلف، بقي النَّاسُ والحجاج
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) في (هـ) و (ل): منعها.

٣٥٦
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي المتمتع والقارن
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] أصنع كما صنع
رسولُ اللهِ وَّةِ؛ أُشهِدكم أنِّي قد أوجبت عُمْرةً، ثمَّ خرج حتى إذا كان
لا خليفةً لهم جمادين وأياماً من رجب من سنة أربع وستين، فاجتمع مَن كان بمكة
من أهل الحلِّ والعقد، فبايعوا عبد الله بن الزبير لتسع ليالٍ بقين من رجب من السنة
المذكورة، واستوسق له سلطانُ الحجاز(١)، والعراق، وخراسان، وأعمال
المشرق. وبايع أهلُ الشام ومصر مروان بن الحكم في شهر رجب المذكور، ثم لم
يزل أمرُهما كذلك إلى أن توفي مروان وولي ابنه عبد الملك، فمنع الناس من
الحجِّ لئلا يبايعوا ابنَ الزبير. ثم إنه جيَّش الجيوشَ إلى الحجاز، وأمَّر عليهم
الحجّاج، فقاتل أهل مكة، وحاصرهم إلى أن تغلَّب عليهم، وقتل ابن الزبير،
وصلبه الحجاج، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث ليالٍ، وقيل: لثلاث عشرة بقيت من
جمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وسبعين. و (الأسوة) القدوة. يقال بضم الهمزة
وكسرها. وقد قرىء بهما في قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١]. و (الصدُّ): المنع.
و (قوله: أصنع كما صنع رسولُ الله ◌َ﴿) يعني: أنه إن صُدَّ عن البيت حلَّ
من إحرامه، كما صنع رسولُ اللهِ وَ﴿ بالحديبية؛ إذ صدَّه كفَّارُ قریشٍ.
و (قوله: إنِّي أوجبت عُمرةً) إنَّما أخبرهم بذلك؛ ليقتدوا به في ذلك.
و (أوجبت): التزمت(٢) وأهللت.
(١) أي: اجتمع وانتظم.
(٢) في (ل) و (هـ): ألزمت.

٣٥٧
(١٢) كتاب الحج - (٢١) باب: الهدي للمتمتع والقارن
بظاهر البيداء قال: ما شأن الحجّ والعمرة إلا واحدٌ؛ أشهدكم أنِّ قد
أوجبت حَجّاً مع عمرتي. وأَهْدَى هَدياً اشتراه بِقُدَيْد. ثم انطلق يُهِلُّ بهما
جميعاً؛ حتى قدم مكة. فطاف بالبيت وبالصّفا والمروة، ولم يزد على
ذلك، ولم ينحر، ولم يخلق، ولم يقصِّر، ولم يَخْلِل من شيءٍ حَرُمَ منه؛
حتى كان يومُ النحر، فنحر، وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحجِّ
والعمرة بطوافه الأَوَّل.
و (قوله: ما شأن الحج والعُمرة إلا واحدٌ) أي: في حكم الصدِّ. يعني: أنَّه الصدُّ بالعمرة
مَن صُدَّ عن البيت بعدوٍّ، فله أن يحلَّ من إحرامه، سواء كان محرماً بحجّ، أو أو بالحج
عُمرةٍ، وإن كان النبيُّ بَّهِ إِنَّمَا صُدَّ عن عُمرةٍ؛ لكن لمَّا كان الإحرامُ بالحجِّ مساوياً
للإحرام بالعمرة في الحکم حمله عليه.
و (قوله: أشهدكم أنّي قد أوجبتُ حجّاً مع عُمرتي) يعني: أنَّه أردف الحَّ الإرداف
على عمرته المتقدِّمة، فصار قارناً. وفيه حُجَّةٌ على جواز الإرداف. وهو مذهبُ
الجمهور.
و (قوله: وأهدى هدياً اشتراه بقُديد) يعني: أنه قلَّدَه هناك وأشعره(١).
ويعني به: الهدي الذي وجبَ علیه لأجل قرانه.
و (قوله: حتى قدم مكة، فطافَ بالبيت) يعني: طواف القُدوم. وحصل منه: إحرام من توقع
أنه لم يقعْ له ما توقَّمه من الصدِّ، وفيه دليلٌ: على جواز إحرام من توقع الصدّ،
الصدّ
وتوهَّمه، بخلاف من تحقَّقه، فإنَّه لا يكونُ له حُكْمُ المصدود على ما يأتي.
و (قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحجّ والعُمرة بطوافه الأول) يعني: طواف القدوم
الطواف بين الصَّفا والمروة. وأمَّا الطواف بالبيت: فلا يصحُّ أن يُقالَ فيه: إنه اكتفى لا يجزىء عن
طواف الإفاضة
(١) ساقط من (ظ).

٣٥٨
(١٢) كتاب الحج - (٢٢) باب: الاختلاف فيما به أحرم النبيُّ ◌َاد
وقال ابن عمر: كذلك فَعَلَ رسول الله وَّهِ.
رواه البخاريُّ (١٨١٣)، ومسلم (١٢٣٠) (١٨٢)، والنسائي (١٥٨/٥).
(٢٢) باب
الاختلاف فيما به أحرمَ النبيُّ لَه
[١١٠٢] عن بَكْرِ، عن أنس، قال: سمعتُ النبيَّ وَّهِ يُلْبِّي بالحجِّ
والعُمرة جميعاً.
بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركنُ الذي لا بُدَّ منه للمفرد،
والقارِن، ولا قائلَ: بأن طوافَ القدوم يُجزىء عن طواف الإفاضة بوجهٍ.
ما ذهب إليه
و (قوله: كذلك فعل رسولُ الله ◌ِوَل﴿) يعني: أنه اكتفى بالطواف بين الصَّفا
أبو حنيفة في والمروة حين طاف للقدوم، ولم يعد السعيَ. وفيه حُجَّة على أبي حنيفة؛ إذ قال:
القارن
إنَّ القارن لا يكتفي بعملٍ واحدٍ، بل لا بدَّ من عمل كلِّ واحدٍ من الحجِّ والعُمرة.
(٢٢) ومن باب: الاختلاف فيما به أحرم النبيُّ ◌َلقوله
قد قدمنا ذكر الاختلاف فيما به أحرم النبيُّ ◌َل ﴿ وذكرنا ما يرد عليه، والمختار
في ذلك. وحديث أنس هذا: في أنَّ النبيَّ وَّ أحرم قارناً، ولا يلتفت لقول مَن
قال: إنَّ أنساً لعلَّه لمّ يضبط القضية لصغره حينئذٍ، لأنه قد أنكر ذلك بقوله:
ما تعدّوننا إلا صبياناً. ولأنه وإن كان صغيراً حال التحمُّل؛ فقد حدَّث به، وأدّاه
كبيراً متثبتاً ناقلا للفظ النبي وَهَ نَقْلِ الجازم، المحقّق، المنكر على مَن يظن به شيئاً
من ذلك، فلا يحل أن يقال شيءٌ من ذلك، ولأنه قد وافقه البراء بن عازبٍ على

٣٥٩
(١٢) كتاب الحج - (٢٢) باب: الاختلاف فيما به أحرم النبيُّ اَلّ
قال بكر: فحدَّثْتُ بذلك ابنَ عمر. فقالَ: لبَّى بالحجِّ وحدَه. فلقيتُ
أنساً فحدَّثْتُه بقولِ ابن عمرَ. فقالَ أنسٌ: ما تَعُدُّوننا إلا صِبْيَاناً! سمعتُ
رسولَ اللهِوَّه يقولُ: ((لَبَيْكَ عُمْرَةً وَحَجّا)).
رواه أحمد (٢٨٢/٣)، ومسلم (١٢٥١)، وأبو داود (١٧٩٥)،
والترمذي (٨٢١)، والنسائي (٥/ ١٥٠)، وابن ماجه (٢٩٦٨).
[١١٠٣] وعن ابن عبّاس، قالَ: أهلَّ النبيُّ بَّه بعمرةٍ، وأهلَّ
أصحابُه بحجٍّ، فلم يَحِلَّ النبيُّ نَّهِ ولا مَنْ سَاقَ الهَدْيَ مِن أصحابِهِ، وحلَّ
بقیتُھم.
رواه مسلم (١٢٣٩) (١٩٦).
نقل لفظ النبيِّ وَّرِ الدَّالِّ على قرانه؛ إذ قال لعلي - رضي الله عنه -: ((إني سقتُ
الهدي، وقرنت))(١). على ما خرَّجه النَّسائي، وهو صحيح. ووافقهما حديث
عمر بن الخطاب الذي قال فيه: إنَّ الملك أتاه فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك،
وقل: عُمرةٌ في حجَّةٍ (٢). وفي معنى ذلك حديث ابن عمر المتقدم الذي قال فيه:
إنه وَ﴿ أهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحجِّ(٣). وقد قدّمنا: أن معنى قول ابن عباس:
إنه وَ أحرم بعُمرة: أنه أردف كما قال ابن عمر. وبدليل الإجماع من النّقلة على
أنَّ النبيَّ وَّرِ لم يحلَّ من إحرامه ذلك حتى قضى حجَّه، ويمكن أن تحملَ روایةُ من
روى: أنه ◌َ﴿ أفرد الحَّ. على أن الراوي سمع إردافه بالحجِّ على العُمرة
المتقدِّمة، فسمعه يقول: ((لبيك بحجةٍ))، ولم يكن عنده علمٌ من إحرامه المتقدِّم
(١) رواه النسائي (١٤٩/٥).
(٢) رواه أحمد (٢٤/١)، والبخاري (١٥٣٤)، ومسلم (١٣٤٦).
(٣) سبق الحديث برقم (١٠٩٩).

٣٦٠
(١٢) كتاب الحج - (٢٣) باب: الطواف عند القدوم
[١١٠٤] وعن عائشة، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ أفردَ الحَجَّ.
رواه مسلم (١٢١١) (١٢٢)، وأبو داود (١٧٧٧)، والترمذي
(٨٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦٤).
[١١٠٥] ونحوه عن ابن عمرَ.
رواه مسلم (١٢٣١).
(٢٣) باب
الطواف عند القدوم
[١١٠٦] عن ابن عمرَ، وجاءَه رجلٌ فقال: أيصلحُ لي أن أطوفَ
بالبيتِ قبل أن آتيَ الموقفَ. فقال: نعم. فقال: فإنَّ ابنَ عبَّاس يقولُ:
لا تطفْ بالبيتِ حتى تأتيَ الموقفَ. فقال ابنُ عمر: قد حَجَّ رسولُ اللهِ وَاهـ
بالعمرة. وقد استدلَّ مَن قال: بتفضيل الإفراد: بأنَّ أبا بكر وعمر وعثمان رأوا
ذلك، وأحرموا به مدَّة ولا يتهم. والجوابُ: بأنَّ ذلك رأيهم لا روايتهم. ومن نصَّ
وحكى حُجَّةٌ على من ظنَّ ورأى. وقد تقدَّم ذِكْر مَن قال بتفضيل القِران على
الإفراد، وعمل به من الصحابة - رضي الله عنهم.
(٢٣) ومن باب: الطواف عند القدوم
سؤال السَّائل لابن عمر: إنما كان عن طواف القدوم؛ هل يؤخّر إلى أن
يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك. وهو الصَّحيحُ الذي لا يعلم من مذاهب العلماء
غيره. وما حكاه هذا الرجل عن ابن عبّاس لا يُعرف من مذهبه. وكيف وهو أحد