النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٢) كتاب الحج - (١) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب
وفي روايةٍ: فقالَ السَّائلُ: إني أحرمتُ بالعمرةِ وعليَّ هذا، وأنا
مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ. فقال النبيُّ نَّهِ: ((ما كنتَ صَانعاً فِي حَجِّكَ؟)) فقالَ:
أنزُ عني هذه الثِّابَ، وأغسلُ عني هذا الخَلُوقَ. فقالَ له النبيُّ ◌َّ:
((ما كنتَ صانِعاً في حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ في عُمْرَتِكَ)).
رواه أحمد (٢٢٢/٤)، والبخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠)،
وأبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (١٣٠/٥ و١٣٢).
الروايات غير مبيّن المراد، ناقصاً، مقلوباً. وقد تخبّط فيه كثيرٌ مِمَّنْ تأوَّله على المحرم بعمرة
انفراده. والذي يُوضِّحُ المرادَ منه على غايته روايةُ ابن أبي عمر في الأمّ، وفيها: أنَّ يجتنب ما
يجتنبه المحرم
بحج
الرجل السَّائل قال للنبيِّ ◌َ﴿: إنِّي أحرمتُ بالعُمْرة وعليَّ هذا؛ وأنا متضمُّخٌ
بالخَلوق. فقال له النبيُّ وَّهِ: ((ما كنتَ صانعاً في حجِّك))؟ قال: أنزُ عنِّي هذه
الثياب، وأغسل عنِّي هذا الخلوق. فقال له النبيُّ وَّهِ: ((ما كنت صانعاً في حجِّك،
فاصْنَعْه في عمرتك))(١). وهذا سياقٌ حسنٌ. ومعنىّ واضحٌ، تلخيصُه: أنَّ الرجلَ
كان يعرفُ: أن المحرمَ بالحجُّ يجتنبُ المخيط، والطّيب. وظن: أنَّ حُكْم المحرم
بالعمرة ليس كذلك، فلبس، وتطيب، ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من
ذلك شيءٌ، فسأل النبيََّ﴿ عن ذلك؛ فقال له: ((ما كنتَ صانعاً في حجِّك فَاصْنَعْهُ
في عُمرتك)) يعني: مِن اجتنابٍ ما كنتَ تجتنبُهُ فيه. وهذا معنى واضحٌ، ومَساقٌ
حسنٌ للحديث، فليغتبط به. وقد يُستدلُّ به للشافعي على قوله: إنَّه لا فديةَ على
المتضمِّخ المحرم، ولا على اللَّبس؛ إذ لم يُرْوَ في طريقٍ من طُرق هذا الحديث:
أنه وَ ل﴿ أَمَرَهُ بفديةٍ. وقد اعتذرَ مَن يُلزمه الفدية على ذلك عن هذا الحديث، وهو
أبو حنيفة، فإنه يُلزمها إياه مُطْلَقاً. ومالك، وهو يُلْزِمُها إيَّه إذا انتفعَ بذلك،
(١) الحديث في صحيح مسلم (١١٨٠) (٧).

٢٦٢
(١٢) كتاب الحج - (٢) باب: المواقيت في الحج والعمرة
(٢) باب
المواقيت في الحج والعمرة
[١٠٥٠] عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ وَقَّتَ لأهلِ المدينةِ
ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّام الجُحْفَة، ولأهلِ نجدٍ قَرْنَ المَنازِلِ، ولأهلِ اليمنِ
يَلَمْلَم،
فإنه وَ﴿ لم يكنْ أُوحي إليه في ذلك، ولا تقدَّم له فيه شيءٌ. ولمالكِ: بأنه لم يَطُلْ
ذلك عليه، ولم ينتفع به، والله أعلم.
(٢) ومن باب: المواقيت
(قوله: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهُ وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحُلَيْقة، ولأهل الشَّام
الجُحفة، ولأهل نجدةٍ قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم) وفي حديث أبي الزبير:
(ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرقٍ). معنى وقَّت: حدَّد وعيَّنَ. وظاهره يدلُّ: على
أنَّ هذه الحدودَ لا يتعدَّها مريدُ الإحرام حتى يحرمَ عندها، وقد أجمع المسلمون
على أنَّ المواقيتَ مواضعُ معروفةٌ في الجهات التي يدخل منها إلى مكة.
فـ (ذو الحُليفة): ماء من مياه بني جشم، على ستةِ أميالٍ، أو سبعةٍ من المدينةِ.
و (الجُحفة): بين مكة والمدينة، سُمِّي بذلك لأن السيول أجحفت بما حوله، وهو
على ثمانية مراحل من المدينة. وتسمَّى أيضاً: (مهْيعة) بسكون الهاء، وقال
بعضهم: بكسرها. و (قرْن المنازل) بسكون الراء، وقد فتحها بعضهم، والأول
أعرف. وقال القابسيُّ: من قاله بالإسكان أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق الذي
يقتربُ منه؛ فإنه موضعٌ فيه طرقٌ مختلفة. ويقال له أيضاً: قرن الثعالب، وهو
جُبَيْلٌ مستطيلٌ تلقاء مكة بينه وبينها أربعون ميلاً. و (يلملم): جُبَيْل من جبال تهامة
على ليلتين من مكة. ويُقال فيه: (ألملم) بالهمز. وأما: (ذات عرق): فثنيَّةٌ؛ أو
تحدید
المواقيت

٢٦٣
(١٢) كتاب الحج - (٢) باب: المواقيت في الحج والعمرة
وقالَ: ((هُنَّ لهم ولِكُلِّ آتٍ أَتَّى عليهنَّ مِن غَيرِ هِنَّ، ممن أرادَ الحَجَّ والعمرةَ،
هضبةٌ بينها وبين مكة يومان وبعض يوم. فهذه مواقيتُ الحجِّ من المكان، لم
يُختلف في شيءٍ منها إلا في ذاتِ عِرْق، والجمهور على أنه: ميقاتٌ لأهل العراق،
وقد استحبَّ الشافعيُّ لأهل العراق أن يهلُّوا من العقيق، معتمداً في ذلك على
ما رواه ابن عبّاس قال: وقَّت رسولُ الله ﴿ لأهل المشرق العقيق(١). خرَّجه
أبو داود، وفي إسناده یزید بن أبي زياد. وهو ضعيف عندهم. وروي عن بعض
السَّلف: أنه الرَّبَذَةُ. واختلف أيضاً فيمن وقت ذات عرق؛ ففي البخاري: أنَّ
عمر بن الخطاب حدَّ لأهل العراق ذات عِرْقٍ(٢). وقاله مالك. وحديث أبي الزبير
عن جابرٍ يدلُّ: على أنه بتوقيت رسول الله وص لته، غير أن فيه: أحسبه. فلم يجزم
بالرواية. وقد روى النسائيُّ من حديث عائشة حديث المواقيت على ما جاء في
حديث ابن عمر المتقدِّم وقال: ((ولأهل العراق ذات عرقٍ))(٣) فجزم في الرواية.
وهو صحيح، ولا يستبعد هذا بأن يقال: بأنَّ العراق إذ ذاك لم يكن فتح. فإن
النبيَّ ◌َّهِ علم أنَّها ستفتح، وسيحجُّ منها، فأعلم بذلك الميقات. وقد أقطعَ
النبيُّ ◌َ﴿ مواضع لقومٍ من المسلمين، وملَّكهم إيَّها مع عِلْمه بأنها في أيدي
الكفار؛ بناءً منه على عِلْمه: بأنها تُفتح، كما أقطع تميماً الداري بلد الخليل،
وكتب له بذلك، وأشهد على نفسه أصحابَه، على ما هو معروفٌ مرويٍّ، وبعضُ
تلك المواضع لم تزل بأيدي عقبه حتى الآن.
و (قوله: ((هنَّ لهم ولكل آتٍ أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ)) هنَّ: ضمير جماعة الإحرام من
المؤنث العاقل في الأصل، وقد يُعاد على ما لا يعقل. وأكثر ذلك في العشرة
المواقيت
فدون، فإذا جاوزوها قالوه بهاء المؤنث، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ
(١) رواه أبو داود (١٧٤٠).
(٢) رواه البخاري (١٥٣١).
(٣) رواه النسائي (١٢٥/٥).

٢٦٤
(١٢) كتاب الحج - (٢) باب: المواقيت في الحج والعمرة
ومَنْ كانَ دونَ ذلك فمِن حيثُ أنْشاً، حتَّى أهلُ مكَّةً من مَكَّةَ)).
رواه أحمد (٢٤٩/١ و٢٥٢)، والبخاري (١٥٢٦)، ومسلم
(١١٨١) (١٢)، وأبو داود (١٧٣٧)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي
(١٢٢/٥).
اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال: ﴿منها أربعة حرم﴾ ثم قال: ﴿فلا تظلموا
فيهنَّ أنفسكم﴾ ومعنى ذلك الكلام: أنَّها محدودة؛ لا يتعدّاها أحدٌ يريدُ الإحرامَ
بأحد النّسكين.
الحاج أو
المعتمر إذا
جاوز المواقيت
دون إحرام
واختلف فيمن مرَّ على واحدٍ من هذه المواقيت مُريداً للإحرام فجاوزه. فعن
مالكِ: يرجعُ ما لم يحرم، أو يشارف مكة، فإذا رجع لم يلزمه دمٌّ، فلو أحرم لم
يرجعْ لزمه الدم. وبه قال ابنُ المبارك، والثوريُّ على خلافٍ عنه. وجماعة من
الفقهاء منهم أبو حنيفة يأمرونه بالرجوع؛ فإن رجع سقط عنه الدَّم. فأما من جاوز
الميقات غير مريدٍ للإحرام؛ ثم بدا له في النسك، فجمهورُ العلماء: على أنَّه يُحرم
من مكانه، ولا شيءَ عليه، وقال أحمد، وإسحاق: يرجعُ إلى الميقات. فأما مَن
مرَّ على الميقات قاصِداً دخولَ مكة من غير نُسُكِ، وكان ممن لا يتكرر دخولُه إلى
مكة، فهل يلزمه الإحرامُ منه؛ أو لا يلزمه؟ وإذا لم يلزمه؛ فهو على الاستحباب؛
ثم إذا لم يفعله؛ فهل يلزمه دم؛ أم لا يلزمه؟ اختلف فيه أصحابُنا. وظاهِرُ
الحديث: أنه إنما يلزمُ الإحرام من أراد مكة لأحد النّسكين خاصَّةً. وهو مذهبُ
الزُّهريّ، وأبي مصعب وجماعةٍ من أهل العلم.
و (قوله: ((فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ))) أي: مَن كان منزلُه دون
إحرام المكي
ومن كان منزله المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفّف عنه الخروج إلى الميقات، فحينئذٍ
دون المواقيت
يصيرُ منزلُه ميقاتاً خاصّاً به؛ إذا ابتدأ الإحرامَ منه، فلو مرَّ مَنْ منزلُه بعد المواقيت
بميقاتٍ من المواقيت المعيَّنة العامَّة، وهو يريدُ الإحرامَ، وَجَبَ عليه أن يحرمَ منه،

٢٦٥
(١٢) كتاب الحج - (٢) باب: المواقيت في الحج والعمرة
[١٠٥١] وعن ابن عمرَ نحوَه.
رواه أحمد (٩/٢ -١١)، والبخاري (١٥٢٢)، ومسلم (١١٨٢)
(١٣)، والنسائي (١٢٥/٥).
[١٠٥٢] وعن أبي الزبير، أنَّه سمعَ جابر بن عبد الله يُسْألُ عن
المُهَلِّ، فقالَ: سمعتُ - أحْسِبُهُ رفعَ إلى النبيِّيوَّهــ، فقالَ: ((مُهَلُّ أهلِ
المدينةِ من ذِي الحُلَيفة، والطريقُ الآخرُ الجُحْفةُ، ومُهَلُّ أهلِ العِراقِ مِن
ذَاتٍ عِرِقٍ، ومُهَلُّ أهلِ نجدٍ من قَرْنٍ، ومُهَلُّ أهلِ اليمنِ من يَلَمْلَّمَ)).
رواه مسلم (١١٨٣) (١٨).
ولا يؤخِّر الإحرامَ إلى بيته لقوله ◌َّهِ: ((هنَّ لهم (١) ولكلِّ آتٍ أتى عليهنَّ من
غيرهنَّ) ويخالفُ هذا مَن كان ميقاتُهُ الجُحفة ومرَّ بذي الحليفة؛ فإنَّ له أن يؤخِّر
الإحرامَ إلى الجُحفة؛ لأنَّ الجُحفةَ ميقاتٌ منصوبٌ نصباً عاماً؛ لا يتبدَّل، بخلاف
المنزل؛ فإنه إضافي؛ يتبدَّل بتبدُّل الساكن؛ فانفصلا. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((حتى أهلُ مكة من مكة))) يعني: أنهم يُهُّون منها، ولا يخرجون
إلى ميقاتٍ من المواقيت المذكورة، فأمَّا الإحرام بالحجِّ فيصحُّ من البلد نفسه
ومن أيِّ موضع كان من الحلِّ أو الحرم. وأما العُمرة فلا بُدَّ فيها من الجمع بين
الحلِّ والحرم.
(١) في (ط) و (هـ): لكم، وهو خطأ.

٢٦٦
(١٢) كتاب الحج - (٣) باب: الإحرام والتلبية
(٣) باب
الإحرام والتلبية
[١٠٥٣] عن ابن عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ لَه يُهِلُّ مُلبِّداً،
(٣) ومن باب: الإحرام والتلبية
(قوله: يهلُّ مُلَبِّداً(١)) أي: يرفع صوته بالتلبية. وأصلُ الإهلال: رَفْعُ
الصوت عند رؤية الهلال. ثم يقال لكل مَن رفع صوته: أهلَّ. والتلبيد: هو ضفر
الرأس بالخطمي، أو الصمغ وشبهه مما يضم الشَّعر، ويلزق بعضه ببعضٍ ليصير
كاللّبد، يمنعه بذلك من التَّمغُّط والتَّفَقُّل، وفِعْله جائز، وهو مستحبٌّ لمن يريدُ
الحجَّ أو العمرة، قاله عِياض. و (الإحرام) هو: اعتقادُ دخوله في أحد النسكين،
وتقارنه أقوالٌ؛ وهي: التَّلبية، وأفعال؛ منها: انبعاث الراحلة على ما يأتي. فأمَّا
التلبية: فاختلفَ في حكمها: فالجمهورُ: على أنها ليستْ بركنٍ من أركان الحجِّ،
ولا شرطٍ من شروطه؛ لكنَّها سُنَّةٌ مؤكدةٌ يلزم بتركها الدم، ومن أصحابنا من عبَّر
عنها: بأنها واجبٌ، ومرادُه: ما ذكرناه. وأبو حنيفة يعتقدها ركناً وشرطاً في صحَّة
الحجِّ كالتكبير في إحرام الصَّلاة. وقاله ابنُ حبيبٍ من أصحابنا، إلا أنَّ أبا حنيفة
على أصله في أنَّه: يجزىء عنها ما في معناها من التسبيح، والتهليل، وذكر
الله تعالى؛ كما قال في التكبير.
حکم التلبية
حكمة
مشروعية التلبية
ومعناها
وحكمةُ مشروعية التلبية: إجابةُ الدَّاعي الذي دعا إلى الحجِّ، وهو إبراهيمُ
عليه السلام؛ إذ قال الله له: ﴿ وَ أَذِّن فِ النَّاسِ بِالْتَجْ﴾ [الحج: ٢٧]. فصَعِد عرفة،
فنادى: ألا إنَّ لله بيتاً فحجُوه، فبلَّغ اللَّهُ دعوته كيف شاء، وعلى لسان نبيّه ◌َلآ،
وأوجبه على المستطيعين. فأمَّا لبيك: فسيبويه، وأكثر النحويين على أنه: مثنَّى
(١) في الأصول: (ملبّياً) والصواب ما أثبتناه، وهو موافق لما ورد في الحديث والشرح.

٢٦٧
(١٢) كتاب الحج - (٣) باب: الإحرام والتلبية
يقولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريكَ لكَ لَبَيْكَ، إنَّ الحمدَ والنُّعمَة لكَ
والملكَ لا شريكَ لكَ)) لا يزيدُ على هؤلاءِ الكلماتِ.
للتكثير والمبالغة. ومعناه: إجابةً بعد إجابةٍ، وليس على حقيقة التثنية. وذهب
يونس بن حبيب: إلى أنها اسم مفرد، وليس بمثنى، وإنَّ ألفَه انقلبتْ ياءً لاتصالها
بالضمير على حدِّ (لديَّ) واختلفوا في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذةٌ من قولهم:
داري تلبُّ دارك، أي: تواجهها، فكان الملبّي قد توجّه لمن دعاه وقصده. وقيل
من قولهم: امرأة لبّةٌ: إذا كانت مُحبَّةً لولدها، عاطفةً عليه. وقيل: من: لبِّ
الشيءٍ وهو خالصُه. وقيل: من: لبَّ بالمكان، وألبَّ؛ أي: أقام ولزم. قال
ابنُ الأنباري: وإلى هذا كان يذهب الخليلُ. وقيل: من الإلباب، وهو: القرب.
قاله الحربي. وقيل: من قولهم: أنا ملبّ بين يديك؛ أي: خاضعٌ. وتكرارها
ثلاثاً: توکید.
و (قوله: ((إنَّ الحمد، والنعمة لك))) رويناها بكسر (إِنَّ) وفتحها، وهما
روايتان مشهورتان عند أهل التقييد واللسان. قال الخطابي: الفتح روايةُ العامَّة.
قال ثعلب: من فتح خصَّ، ومن كسر عمَّ. والاختيار: الكسر؛ لأنَّ الذي يكسر
يذهبُ إلى أن المعنى: إنَّ الحمد على كلِّ حالٍ. والذي يفتح: إلى أن المعنى:
لبيك لهذا السبب. يعني: أن لبيك عمل فيها بواسطة لام الجر السببية، ثم حذف
الجر لدلالة الكلام. والكلامُ على سعديك مثله على لبيك إلا في الاشتقاق.
ومعناها: ساعدت يا ربِّ طاعتك مساعدةً بعد مساعدةٍ. قال ابن الأنباري: معناه:
أسعدك الله إسعاداً بعد إسعاد.
و (قوله: ((والخير بيديك))) قد تقدَّم الكلامُ عليه. و(الرغباء) بفتح الرَّاء
والمدِّ، وبضم الرَّاء والقصر: هي الرَّغبة، ونظيرها: العلياء، والعليا. والنعماء
والتُّعمى. ويعني بـ (العمل): أعمال الطاعات. أي: لا نعملُ إلا لله وحده.

٢٦٨
(١٢) كتاب الحج - (٣) باب: الإحرام والتلبية
وإنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ، كان يقولُ: كانَ رسولُ اللهِوَلِ﴿ يَركِعُ بذي
الحُليفةِ ركعتين، ثم إذا استوتْ به النَّاقةُ قائمةً عندَ مَسْجِد الحُليفةِ أُهَلَّ
بهؤلاءِ الكلماتِ.
وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يقولُ: كانَ عمرُ بنُ الخَطَّبِ يُهلُّ بإهلالِ
رسولِ اللهِ وَّهُ مِن هؤلاءِ الكلماتِ، ويقول: لَبَيْكَ اللَّهُمَّ لَتَّيْكَ وسَعْدَيْكَ،
والخيرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إليكَ والعمل.
رواه أحمد (٢٨/٢ و٤١)، والبخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤)
(٢١)، وأبو داود (١٨١٢)، والترمذي (٨٢٥)، والنسائي (١٥٩/٥ -
١٦٠)، وابن ماجه (٢٩١٨).
ركعتا الإحرام
و (قوله: كان ﴿ يركع بذي الحليفة ركعتين) هاتان الركعتان للإحرام،
ولذلك قلنا: إنَّ من مشروعية الإحرام أن يكونَ بعد صلاةٍ، فإن كانت للإحرام فهو
أفضل، وإن أحرم بعد فريضةٍ جاز. واستحبَّ الحسن: أن يحرمَ بعد فريضةٍ؛ لأنه
روي: أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح. والأول أظهر. وإحرامُه بعد صلاة
الفرض أفضلُ منه بغير صلاةٍ جملةً(١)، ولا دم على من أحرم بغير صلاةٍ عند
مالكِ.
و (قوله: ثم استوتْ به الناقةُ قائمةً عند مسجد ذي الحُليفة أهلَّ بهؤلاء
الكلمات) إشارةٌ إلى التلبية المتقدِّمة، وهذه الحالةُ هي التي عبَّر عنها في الروايات
الأخر؛ بانبعاث الراحلة، لا أنها أخذتْ في المشي. وبذلك أخذ مالكٌ، وأكثر
العلماء: أنه یھلُّ إذا استوت به راحلته إن کان راكباً، ویتوجّه بعد ذلك. وإن كان
راجلاً فحين يأخذ في المشي. وقال الشَّافعيُّ: كذلك في الراكب إلا أنَّه ينتظرها
متی یھلُّ
المحرم؟
(١) زيادة من (ظ).

٢٦٩
(١٢) كتاب الحج - (٣) باب: الإحرام والتلبية
[١٠٥٤] وعنه، أنَّ تلبيةَ رسولِ الله وَليهِ: ((لَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَيْكَ، لَبَّيْكَ
لا شريكَ لك، أنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملكَ لا شريكَ لكَ)).
قال نافع: وكانَ عبدُ الله بنُ عمرَ يزيدُ فيها: لَبَيْكَ لَبَيْكَ، لَبَّيْكَ،
وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بيديكَ، والرَّغْبَاءُ إليكَ والعمل.
رواه مسلم (١١٨٤) (٢٠).
[١٠٥٥] وعن ابن عبّاس، قال: كانَ المشركونَ يقولونَ: لَبَّيْكَ
لا شريكَ لكَ. قال: فيقول رسولُ اللهِ وَيهِ: ((ويلَكُم قَدٍ قَدٍ)) فيقولون: إلَّا
شَريكاً هو لكَ تَمْلِكُهُ ومَا ملكَ، يقولونَ هذا وهُم يطوفونَ بالبيتِ.
رواه مسلم (١١٨٥).
*
حتى تنبعث. وقال أبو حنيفة: إذا سلَّم من الصلاة أهلَّ. على ما جاء في حديث
ابن عباس: أنه أحرم من المسجد بعد أن صلَّى فيه، وأوجبه في مجلسه(١).
ولا شك في أنَّ الأحسنَ في لفظ التلبية تلبية رسول الله ﴿. وتجوزُ الزيادةُ ما هو الأحسن
عليها، كما زاد ابنُ عمر، ولو لبَّ ملبٌّ بغير تلبية رسول الله وَ ليه لم يُنكر عليه، وقد في لفظة
كان أصحابُ رسول اللّهِ وَّهِ يلبِي منهم الملبِّي؛ فلا يُنكر عليه، ويُهلُّ المُهِلُّ؛ فلا
التلبية؟
◌ُنکر علیه، على ما يأتي في حديث جابرٍ .
و (قوله﴿ للمشركين عند تلبيتهم بالتوحيد: ((قدٍ، قدٍ») أي: حَسْبُكم
التوحيد، ينهاهم عن الشَّريك. ويقال: قط، قطْ، وقد، قدْ بالسكون. وهي: اسمٌ
من أسماء الأفعال، بمعنى: حسب.
(١) رواه الترمذي (٨١٩)، والنسائي (١٦٢/٥).

٢٧٠
(١٢) كتاب الحج - (٤) باب: بيان المحل الذي أهلّ منه رسولُ اله ◌َ
(٤) باب
بيان المحل الذي أهلَّ منه رسول الله وَه
[١٠٥٦] عن ابن عمر، قالَ: بَيْدَاؤكم هذه التي تَكْذِبُونَ فيها على
رسولِ اللهِ﴿، ما أهَلَّ رسولُ اللهِ وَلَّهِ إلا مِن عندِ المسجدِ يعني ذا الحُليفة.
وفي رواية: ما أهلَّ رسولُ اللهِ وَه إلا مِن عندِ الشَّجرةِ حينَ قامَ به بَعیرُه.
رواه أحمد (١٠/٢)، والبخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦)
(٢٣ و٢٤)، وأبو داود (١٧٧١)، والنسائي (١٦٢/٥ - ١٦٣).
(٤) ومن باب: بيان المحلِّ الذي أهلَّ منه النبيُّ ◌َّ
(قوله: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله وَل﴿) البيداء: القَفْرُ
الخالي عن العامر، ويسمى: مفازة، على جهة التَّفاؤل، وهي مهلكة. وكلُّ مفازةٍ
بيداء، والجمعُ: بيد، وهي هنا: عبارةٌ عن المفازة التي بين مكة والمدينة. أوَّلها
شرفٌ مرتفعٌ قريبٌ من مسجد ذي الحليفة، والشجرة هناك، وهذه المواضعُ كلُّها
متقاربةٌ. و (تكذبون) هنا: تخطئون. والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما
هو عليه، فإن كان مع العمد فهو الكذب المذموم، وإن كان مع السّهو والغلط فهو
الخطأ. وقَصَد ابنُ عمر بإطلاق الكذب على هذا ليتثبّت الناقلُ أو المفتي، حتى لا
يقولَ أحدٌ إلا ما یتحقَّق صحّته، ووجهه.
وقد اختلفَ النقلةُ في مُهِلُ النبيِ وَّر، فقال قائل: إنّه أهلَّ من المسجد بعد
أن صلَّى ركعتين، وابن عمر يقول: من الشجرة، وغيره يقول: من البيداء. وقد
صار الناسُ في الأخذ بهذه الأحاديث على طريقتين(١). فمنهم مَن رجَّح بعضَ هذه
الروايات. ومنهم من جمع؛ بأن قال: إنَّ النبيَّ وَّرِ أهلَّ في هذه المواضع كلِّها،
(١) في (ظ): طريقين.

٢٧١
(١٢) كتاب الحج - (٤) باب: بيان المحل الذي أهلّ منه رسولُ الله ◌ِ﴾
[١٠٥٧] وعن عُبيد بن جُريج، أنَّه قالَ لعبدِ الله بن عمرَ: يا أبا
عبد الرحمن! رأيتُك تَصْنعُ أربعاً لم أَرَّ أحداً مِن أصحابِكَ يَصنعُها، قال: ما
هُنَّ يا ابن جُرَيْج؟ قال: رأيتُكَ لا تمسُ مِن الأركانِ إلا اليمانِيَّيْنِ، ورأيتُك
تَلْبَسُ النِّعالِ السِّبتيَّة، ورأيتُكَ تصْبُغ بالصُّفرة، ورأيتُكَ إذا كنتَ بمكَّةَ أَهَلَّ
النَّاسُ إذا رأوا الهِلالَ ولم تُهِلَّ أنتَ حتَّى يكونَ يومُ التَّرويّةِ.
فأخبر كلٌّ منهم بما سمعه، على ما يأتي من حديث ابن عبّاس.
و (قول ابن جريج لابن عمر: رأيتُك تصنعُ أربعاً، لم أَرَ أحداً من أصحابك استلام الركنين
يصنعُها) أي: يجمعها في فِعْلِهِ كما كان يجمعها ابنُ عمر؛ وإنْ كان يصنعُ بعضُهم
الیمانیین
بعضها. واقتصار النبي ﴿ على استلام الركنين اليمانيين؛ لأنَّ الركنين الآخرين؛
وهما اللذان يليان الحِجْر ليسا على تأسيس إبراهيم عليه السلام، ولمَّا رَدَّها
ابنُ الزبير على قواعد إبراهيم استلم الأركان كلها. قاله القابسيُّ. قال القاضي
عياض: ولو بُني الآن على ما بناه ابنُ الزبير لاستلمتْ كلُّها، كما فعل ابنُ الزبير.
والجمهورُ على مسُ الركنين اليمانيين، وإنَّ ذلك ليس بركنٍ. والنعال السُّبتية بكسر النُّعال السُّبِيَّة
السين: منسوبة إلى السِّبت - بالكسر - هي التي أزال الدِّباغُ شعرها. قال الشيباني:
السِّبت: كلُّ جلدٍ مدبوغ. وقيل: السُّبت: دباغٌ يقلعُ الشعر. وهذا القولُ أحسن مِن
قول مَن قال: إنها منسوبة إلى السَّبت - بفتح السين - وهو: الحلق؛ لأنه يلزمُ على
القياس أن يقال: السَّبتية - بالفتح - ولم يُسمع من يقوله هنا، ولا مَن يرويه. وكانت
عادةُ العرب لباسُ النعال بشعرها، غير مدبوغةٍ، وإنَّما كان يلبسُ المدبوغة - مما
كانت تُصنع بالطائف وغيره - أهلُ الرفاهية والسَّعة، كما قال شاعرهم (١):
يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ (٢)
(١) هو عنترة.
(٢) هذا عجز بيت، وصدره: بَطَلِ كأنَّ ثِيابَه في سَرْحَةٍ. انظر: ديوان عنترة ص (٢٢).

٢٧٢
(١٢) كتاب الحج - (٤) باب: بيان المحل الذي أهلّ منه رسولُ الله ◌ِ﴾
فقال عبد الله بن عمر: أمَّا الأركانُ فإنِّي لم أَرَ رسولَ الله وَّهِ يَمَسُّ إلا
اليمانيِّين، وأمَّا النِّعالُ السَّبتيةُ فإنِّي رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يَلْبَسُ النِّعالَ التي
ليس فيها شَعَرٌ، ويتوضَّأ فيها، فأنا أُحِبُّ أنْ أَلْبَسَها، وأما الصُّفُرة فإني رأيتُ
رسولَ اللهِ وَهِ يَصْبِغُ بها، فأنا أُحِبُّ أنْ أَصْبُغَ بها، وأمَّا الإهلالُ فإنِّي لم أرَ
رسولَ الله ◌َ﴿ يُهِلُّ حتى تنبعثَ به راحلتُه.
رواه أحمد (١٧/٢-١٨)، والبخاري (١٦٦)، ومسلم (١١٨٧) (٢٥)،
وأبو داود (١٧٧٢)، والترمذي في الشمائل (٧٤)، والنسائي (٨٠/١ -
٨١).
صبغ اللحية
والثياب
بالصفرة
وأمَّا صباغه بالصُّفرة: فقيل: المراد به: صباغ الشَّعَر. وقيل: صباغ الثياب.
قلتُ: وقد روى أبو داود من طرقٍ صِحاح ما يدلُّ: على أنَّ ابن عمر كان يصبغُ
لحيته وثيابه بالصُّفرة؛ وذلك أنه رُوِي عن زيد بن أسلم: أنَّ ابن عمر كان يصبغُ
لحيته بالصُّفرة حتى يملّ ثيابه، فقيل له: لم تصبغُ بها؟ فقال: إنِّي رأيتُ
رسولَ اللهِ﴾ يصبغُ بها، ولم يكن شيءٌ أحبَّ إليه منها، كان يصبغُ ثيابه كلَّها،
حتى عِمامة (١)). قال أبو عمر بن عبد البر: لم يكن رسولُ اللهِ وَهُ يصبغُ بالصفرة
إلا ثيابه. وأمَّا الخضاب: فلم يكن ◌َ ﴿ يخضب. قلتُ: وقد روى أبو داود عن أبي
رِمْئة ما يدلُّ على خلاف ما قال أبو عمر. قال أبو رِمْئة: انطلقتُ مع أبي نحو
النبيِ وَل﴿ فإذا هو ذو وَفْرةٍ بها ردع من حِنَّاء، وعليه بُرْدان أخضران(٢).
وأمَّا اعتذارُ ابن عمر عن تأخيره الإهلالَ إلى يوم التروية فإنه لم ير
رسولَ اللهِ وَهِ يُّهِلُّ حتى تنبعث به راحلتُه. فوجهه: أنه لما رأى النبيَّ وَلـ لم
يحرمُ إلا إذا أخذ في أول عمل الحجِّ، وهو المشي إليه إذا انبعثت به الراحلة؛ أخَّر
(١) رواه أبو داود (٤٠٦٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٥).

٢٧٣
(١٢) كتاب الحج - (٤) باب: بيان المحل الذي أهلّ منه رسولُ اللهِ وَلاغير
[١٠٥٨] وعن ابن عمرَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِنَّهِ إذا وضعَ رِجْلَه
في الغَرْزِ وانبعثتْ به راحلتُه قائمةً أهلَّ مِن ذِي الحُلَيفةِ.
رواه أحمد (١٨/٢ و٣٩)، والبخاري (٢٨٦٥)، ومسلم (١١٨٧)
(٢٧)، وابن ماجه (٢٩١٦).
[١٠٥٩] وعنه، قال: باتَ رسولُ اللهِ وَ﴿ بذي الحليفةِ مُبْدَأَهُ،
وصلَّى في مسجدِها.
رواه مسلم (١١٨٨)، والنسائي (١٢٦/٥).
- هو الإحرام إلى يوم التروية؛ حتى يكونَ مشيُه في عمل الحجِّ عقب إحرامه. وقد
أبعد من قال: إنَّ هذا من باب القياس. بل هو تمشُّك بنوع الفعل الذي رآه يفعله
على ما قرَّرناه. وقد اختلف اختيارُ العلماء والسلف في ذلك على قولين: وهما
عند مالك. واستحبَّ بعضُ شيوخنا: أن يهلَّ يوم التروية من كان خارجاً عن مكة،
ولمن كان داخل مكة أن يُهِلَّ مِن أول الشهر. وهو قولُ كثيرٍ من الصَّحابة
والعلماء. وهو قولُ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. قاله عِیاض.
ويوم التَّروية: هو اليومُ الثامن، وسُمِّ بذلك لأنَّ الناسَ يتروَّون فيه للخروج يوم التروية
إلى مِنى. وقيل: لأنَّهم كانوا يحملون معهم الرّوايا بالماء ليلة مِنى، فيروون من
فيها. والغرز للناقة كالرِّكاب للفرس. وهو ما تُوضع فيه الرِّجْلُ للركوب.
و (قوله: بات رسولُ اللهِوَ﴿ بذي الحُليفة مُّبْدأه، وصلَّى في مسجدها) مَن
فَعَل هذا فقد أحسن، وإن لم يكن عندهم من السُّنن. و(مُبْدَأه) بضم الميم
وفتحها؛ أي: ابتداء حجّه.

٢٧٤
(١٢) كتاب الحج - (٥) باب: تطلب المحرم قبل الإحرام
(٥) باب
تطيّب المحرم قبل الإحرام
[١٠٦٠] عن عائشة، أنَّها قالت: كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله وَه لإحرامهِ
(٥) ومن باب: التطيُّب للإحرام
(قول عائشة - رضي الله عنها -: كنت أطيِّبُ رسولَ الله وَليه لإحرامه) أي:
عند إحرامه. فاللام للتوقيت، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]
أي: عند دلوك الشمس. وكذلك قولها: ولحلُّه. فليست للتعليل هنا بالاتفاق؛
لأنهما كانا يكونان علةً للتطيُّبٍ. أعني: الإحرام والحِلَّ، بل هو نقيضُ مقصود
الشرع من المحرم قطعاً. وهذه الرواية؛ - أعني: لإحرامه - مُفسِّرةٌ للرواية الأخرى
التي قال فيها: لحرمه. ويقال: حُرْم، وحِرْم. بالضم والكسر. وأنكر ثابتٌ الضم،
وقال: إنَّما يقال: حِرْمُه - بالكسر - كما يقال: حِلٌّ. وكما قرىء: وحِرْمٌ
- بالكسر .. وقد ذكرنا الخلافَ في استدامة المحرم للطيب. و (وبيص الطيب):
بريقه، وأثره. وهذا الطيبُ الذي ذكرته عائشةُ كان دهناً له أثر فيه مسك. وبهذا
يجتمعُ خلافُ الروايات في ذلك. وإنما كان النبيُّ ◌َ﴿ تطيّب للطواف على نسائه في
بيوتهنَّ بالمدينة؛ في ليلة اليوم الذي خرجَ في بقيته إلى ذي الحُليفة، فإنه بات بها،
وأصبح محرماً من صبيحة ليلتها؛ كما قد ذكرنا آنفاً، وأحرم بعد أن صلَّى الظهر،
کما ظهر من حديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - الآتي: فاغتسل وغسل ما
كان عليه من الطيب؛ غير أنّه بقي عليه ما تعذَّر إزالتُه بعد الغسل من الرائحة (١).
وعن هذا عبَّرت عائشةُ - رضي الله عنها - بقولها: ثم أصبح ينضخ طيباً. ومعنى
(ينضخ): تعمُّ رائحته، ويدرك إدراكاً كثيراً، وأصله من: نضخ العين، وهو عبارةٌ
عن كثرة مائها، وفورانه. ومنه: ﴿فِهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦].
(١) يأتي الحديث في أول الباب العاشر من كتاب: الحج.

٢٧٥
(١٢) كتاب الحج - (٥) باب: تطلب المحرم قبل الإحرام
قبلَ أن يُحرمَ، ولحِلْه قبلَ أن يطوفَ بالبيت. وفي رواية: بطيبٍ فيه مسكٌ.
رواه أحمد (٣٩/٦ و١٨١)، والبخاري(١٧٥٤)، ومسلم (١١٨٩)(٣٣)
و(١١٩١)(٤٦)، وأبو داود (١٧٤٥)، والنسائي (١٣٧/٥)، وابن ماجه(٢٩٢٦).
[١٠٦١] وعنها، قالت: كأني أنظرُ إلى وَبِيصِ الطَّيبِ، - وفي روايةٍ:
المسْكِ - في مَفْرِقٍ رسولِ الله ◌َّ وهو مُخرِمٌ.
رواه أحمد (١٠٩/٦ و١٩١)، ومسلم (١١٩٠) (٣٩ و ٤٥)،
والنسائي (١٤٠/٥)، وابن ماجه (٢٩٢٧).
[١٠٦٢] وعن محمد بن المنتشر، قالَ: سمعتُ ابنَ عمرَ يقولُ:
لأن أُصبِحَ مُطَّلِياً بقَطِرَانِ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أُصْبِحَ أَنْضَخُ طِيْباً. قالَ: فدَخَلَتْ
و (قولها: ولحلِّه قبل أن يطوفَ بالبيت) أي: عند حلُّه، كما تقدم، وقد
نصَّتْ على أنَّ ذلك قبل طواف الإفاضة، وذلك إنما كان بعد جمرة العقبة. وبظاهر
هذه الأحاديث أخذ عامَّةُ العلماء، فأجازوا الطيب بعد التحلُّل الأصغر، وقبل جواز الطيب
الطواف، وكرهه مالكٌ لأنه: لما لم يحلَّ له وطء النِّساء بعدُ - بالاتفاق - فينبغي أن بعد التحلل
تمنعَ مقدمته التي هي الطيب. واعتذر بعضُ أصحابنا عن حديث عائشة هذا:
الأصغر
بادعاء خصوصية النبيِّ:﴿ بذلك. ولم يَرَ مالكٌ على من تطيّب حينئذٍ دماً؛ لأنه
أوقعه بعد تحلُّلٍ. و (مفرق الرأس): موضعُ فَرْق الشَّعر.
و (قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: لأن أصبحَ مُطَّلِياً بقطران أحبُّ إليَّ من
أن أصبحَ محرماً أنضخُ طيباً) موافقٌ لقول النبيِ وَ اه للمتطيِّب المحرم: ((اغسل عنك
الطيب)) كما تقدَّم. والتمسُّك به أولى من حديث عائشة؛ لأن الأول مقعدٌ للقاعدة،
وحديث عائشة قضيةٌ عينية، محتملةٌ للخصوص. فالأول أولى.

٢٧٦
(١٢) كتاب الحج - (٥) باب: تطلب المحرم قبل الإحرام
عليَّ عائشةُ فأخبرتُها بقوله، فقالتْ: طيِّتُ رسولَ اللهِّهِ، فطافَ في نِسَائِه
ثم أصبحَ مُحرِماً.
وفي روايةٍ: يَنْضَخُ طِيْباً.
رواه مسلم (١١٩٢) (٤٨ و ٤٩).
طوافه ﴾ في
الليلة الواحدة
على نسائه
و (قولها: فطاف في نسائه) هو كنايةٌ عن الجماع، ويكون هذا مثلُ قول
أبي رافع: طاف رسولُ الله ◌َ ◌ّر على نسائه ذات يوم، فجعل يغتسلُ عند هذه؛ وعند
هذه. فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلاً واحداً! قال: ((هذا أزكى، وأطيب،
وأطهر))(١) خرَّجه النسائيُّ. ويقال على هذا: كيف دار عليهنَّ في يومٍ واحدٍ؛ واليوم
لواحدة منهنّ؟ والجواب من وجھین:
أحدهما: أنَّ العدلَ لم يكنْ عليه لهنَّ واجباً. بدليل قوله تعالى: ﴿نُزْجِى مَن
تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ آَبْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١].
الثاني: يحتملُ أنَّ التي كان في يومها أذنتْ له في ذلك. وهذا على تسليم أنَّ
ذلك كان عليه واجباً؛ أو أنه ﴿ أخذ نفسه بذلك مجاملةً، ومحاسنةً. والله تعالى
أعلم.
ويحتملُ أن يكونَ قولُها: طافَ في نسائه، بمعنى: تفقَّدهن في منازلهنَّ
لينظرَ فيما يحتجن إليه، لا سيَّما وكان في أهبة الخروج لسفره ذلك.
(١) رواه النسائي في الكبرى (٩٠٣٥).

٢٧٧
(١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد
(٦) باب
ما جاء في الصَّنْد، وفي لحمه للمحرم
[١٠٦٣] عن ابن عبّاس، عن الصَّعب بن جَثََّمة اللَّيْثِي، أنه أَهْدى
لرسولِ الله ◌ِ﴾﴿ حِماراً وَحْشِيّاً وهو بالأَبْواءِ أو بِوذَّان، فردَّه عليه
رسولُ اللهِوَ ﴿. قالَ: فلمَّا رأى رسولُ اللهِ وَّ ما في وجهي قال: ((إنا لم
نَردُدْهُ علیكَ
(٦) ومن باب: ما جاء في الصيد ولحمه للمحرم
(الأبواء) بفتح الهمزة، والمدِّ: برِّيَّ من عمل الفُرْع، بينها وبين الجُحفة ممَّا
يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. و (وَدان) بفتح الواو: وكذلك بينهما نحو ثمانية
أميالٍ بقرب من الجُحفة. و (السقيا) قرية جامعة هناك، بينها وبين الفُرْع مما يلي
الجُخفة تسعة عشر ميلاً. و (تَعْهِن) بفتح التاء وكسرها، وسكون العين. وقد سمع
من العرب من يقول: (بِتُعَمِنَ) فيضمُّ التاء، ويفتح العين، ویکسر الهاء. وروايتنا
التقييد الأول. وهي: عينُ ماءٍ على ميل من (السقيا) بالقاف لا بالفاء، وهو: وادي
العباديد، على ثلاثة مراحل من المدينة. و(غَيقة) بالغين، معجمة مفتوحةٌ،
وبالقاف بينهما ياء، باثنتين من تحتها: موضعٌ من بلاد بني غفار، بين مكة
والمدينة. وقيل: هو قليبُ ماء لبني ثعلبة.
و (قوله: ((إنا لم نردده عليك))) المحدِّثون يقيدون («لم نردَّه)) بفتح الدال
المضاعفة المجزومة؛ وإن كان متصلاً بهاء الضمير(١) المضمومة. وقيَّده
المحققون: بضم الدَّال مراعاةً للواو المتولِّدة عن ضمِّها لها، ولم يحفلوا بالهاء
لخفائها، وكأنهم قالوا: (رَدُّوا) كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاةً للألف، وكأنهم
(١) في (هـ): (المذكر) بدل (الضمير).

٢٧٨
(١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد
إلا أنَّا حُرُمٌ)).
وفي رواية: أهدى الصَّعبُ بنُ جَثَّامةَ إلى رسولِ اللهِ وَّ رِجْلَ حِمارٍ
وَحْشيٍّ.
وفي أخرى: عَجُزَ حِمارٍ وَحْشِيٍّ يقطرُ دَماً.
رواه أحمد (٤/ ٣٧ - ٣٨)، والبخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣)
(٥٠) و (١١٩٤) (٥٤)، والنسائي (١٨٣/٥ - ١٨٤)، وابن ماجه
(٣٠٩٠).
قالوا (ردًّا) وهذا مذهبُ سيبويه، وأبي عليَّ الفارسي، وأهل التحقيق من أهل
اللسان.
تحريم الصيد
على المحرم
و (قوله: ((إلا أنَّا حرم))) بفتح (أنّا) على أنّه تعدَّى إليه الفعلُ بحرف التعليل.
ولا خلافَ في تحريم الصَّيد على المحرم. وفي تحريم ما صيد من أجله
عليه. وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾
[المائدة: ٩٦]، وقوله: ﴿لَ نَقْتُّلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وردُّ النبيِّ لَه
على الصَّعب هذا الصَّيد: إنما كان لأنه خاف أن يكون صاده من أجله، ألا تراه الخير
كيف قبل حمار البَهْزِيِّ(١) حين قال: هو لكم يا رسول الله! فأمر به رسولُ اللهِّ
فقسّم بين الرفاق(٢).
قال أبو محمد الأصيلي: إنما قبل رسولُ الله :﴿ حمارَ البهزيٌّ لأنه كان
مكتسباً بالصيد، فحمله على عادته، وردَّ حمار الصَّعب لظنه أنّه صاده من أجله.
فإن قيل: فهذا يشكلُ على مذهب مالكِ، إذ يحكم: بأنَّ ما صيد لأجل محرمٍ لا يحلُّ
أكله، وهو ميتةٌ عنده، ولم ينههم النبيُّ وَله، بل سوَّغه لهم بتركه في أيديهم،
(١) هو زيد بن كعب، صحابي، له حديث واحد عند النسائي.
(٢) رواه النسائي (١٨٣/٥).

٢٧٩
(١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد
[١٠٦٤] وعنه، وقالَ لزيد بن أرقَم يستذكرُه، كيفَ أخبرتَني عن
لحم صيدٍ أُهدِيَ لرسولِ اللهِ وَلِّ وهو حَرَامٌ؟ قال: قال: أُهديَ له عضوٌ من
لحمٍ صَيْدٍ فردَّه فقالَ: ((إِنَّا لا نأكلُه، إنَّا حُرُمٌ)).
رواه أحمد (٣٦٧/٤ و٣٧٤)، ومسلم (١١٩٥)، وأبو داود
(١٨٥٠)، والنسائي (١٨٤/٥).
وإقرارهم عليه! فالجوابُ: إنَّ ذلك الحكمَ إنما يلزمُ على مذهبه فيما تحقَّق أنه
صيدٌ لأجل المحرم، وليس في هذا الحديث ما يدلُّ: على أنَّ النبيَّ لَّهِ قطعَ
بذلك، ولا ظنَّه، وإنَّما امتنع من ذلك فيما يظهرُ ورعاً؛ كما قال في التمرة: ((لولا
أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) (١)، والله أعلم.
وقد أجاز غيرُ واحدٍ من العلماء أكلَ ما صاده حلالٌ لمحرم لغير ذلك ما صاده حلال
لمحرم
المحرم. منھم: عثمان - رضي الله عنه -.
واختلفوا في حمار الصعب: هل أهداه للنبيِّ وَ﴿ حياً أم ميتاً؟ وقد بَّب
البخاريُّ على هذا الحديث ما يدلُّ: على أنه فَهِم من الحديث أنه كان حيّاً، وعلى
هذا الفهم يستدلُّ به: على أن المحرمَ يرسلُ ما بيده من صيدٍ لأنه لم يسوغ لنفسه المحرم يرسل
مُلكه لأجل الإحرام، وفيه أبوابٌ من أحكام الهبات لا تخفي على متأمِّل. قلتُ: ما بيده من صيد
والروايات الأخر تدلُّ: على أنه كان ميتاً، وأنّه أتاه بعضوٍ منه. ويصحُّ الجمعُ بين
هذه الروايات المختلفة؛ إمَّا على القول: بأنه ميِّتٌ؛ فإنه جاء بالحمار ميتاً فوضعه
بقرب النبيِّ ◌َ ﴿، ثم قَطَعَ منه ذلك العضو، فأتاه به، فصدق اللفظان. أو يكون
أطلقَ اسم الحمار؛ وهو يريدُ بعضه، وهذا سائغٌ، وهو من باب التوسُّع والتجوُّز.
وأمَّا إن تنزلنا على أنَّ الحمار كان حياً، فيكون قد أتاه به، فلمَّا ردَّه عليه، وأقرَّه
(١) رواه البخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و١٦٥٢).

٢٨٠
(١٢) كتاب الحج - (٦) باب: ما جاء في الصيد
[١٠٦٥] وعن عبدِ الله بن أبي قَتَادة، قالَ: انطلقَ أبي مع
رسولِ اللهِوَ﴿ عامَ الحُديبية، فأحرمَ أصحابُه، ولم يُحرمْ، وحُدّثَ
رسولُ الله ◌َ﴿ أَنَّ عَدْوَّاً بغَيقةَ، فانطلقَ رسولُ اللهِ ليه، قال: فبينما أنَا مع
أصحابهِ يضحكُ بعضُهم إليَّ، إذ نظرتُ فإذا أنا بحمارٍ وحشٍ، فحملتُ
عليه فطعتُهُ فأثبتُّه، فاستعنتُهم فأَبَوْا أنْ يُعينوني، فأكلنَا مِن لحمِها، وخشينا
بيده ذكاه، ثم أتاه منه بالعضو المذكور، ولعلَّ الصعبَ ظنَّ أنه إنما ردّه علیه لمعنی
يخصُّ الحمار بجملته؛ فلمَّا جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أنَّ حُكْمَ الجزء من الصيد
كحكم الصيد؛ لا يحلُّ للمحرم قبوله؛ ولا تملّكه. وإنما احتجنا إلى هذه التكلُّفات
لنرفعَ الاضطرابَ اللازم من تلك الروايات المختلفة على طريقتنا في روم الجمع
بين الروايات المختلفة، فإنه الأحسنُ إذا أمكن، والله أعلم.
و (قوله في حديث أبي قتادة: إنَّ أصحابه أحرموا، ولم يحرم هو) قيل في
سبب بقاء أبي قتادة غير محرمٍ أقوال:
أحدها: أنَّه لم تكن وُقُّتَت المواقيت. وفيه بعد.
وثانيها: أن النبيَّ ◌َ﴿ بعثه في أصحابه لكشف عدوٍّ لهم بجهة السَّاحل؛ على
ما ذكره مسلم.
وثالثها: أنَّ أهلَ المدينة أرسلوه إلى النبيِّ وَ﴿ ليعلمه: أنَّ بعضَ العرب عَزَم
على غزو المدينة.
و (قوله: فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني) دليلٌ على أبي حنيفة؛ إذ يرى: أن
المعونةَ لا تؤثر إلا أن يكونَ الصيدُ لا يصحُّ دونها. وامتناعهم من المعونة مطلقاً،
ومن مناولة السَّوط تردُّ عليه، بل في الرواية الآتية قوله وَلي: ((أمنكم أحدٌ أمره أن