النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (١٠) كتاب الصوم - (٢٠) باب: فيمن أصبح صائماً متطوعاً ثم يُفطر [١٠٢٣] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ نَسِيَ وهو صَائمٌ فأكلَ أو شَرِبَ فليُتُمَّ صَوْمَه فإنَّما أطعمَه اللَّهُ وسَقَاهُ)» . ذلك: فغاية ما عنده نيةُ الصدقة؛ لا الدخول فيها، فافترقَ الفرعُ من الأصل، ففسد القیاس. و (قوله ◌َ ﴾: ((من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتمَّ صومه، فإنما الأكل والشرب أطعمه اللهُ وسقاه))) احتجَّ به من أسقط القضاء عمَّن أفطر ناسياً في رمضان. وهو ناسياً للصائم الشّافعي وغيره. وخالفهم في ذلك مالكٌ وغيره، ولهؤلاء أن يقولوا بموجب ذلك إذ لم يتعرَّض فيه للقضاء، بل الذي تعرض له: سقوطُ المؤاخذة عمَّن أفطر ناسياً. والأمرُ يُمضيه على صومه وإتمامه. وهم يقولون بكل ذلك. فأمَّا القضاءُ فلا بُدَّ له منه إذ المطلوب صيامُ يومٍ تامٍ لا يقعُ فيه خرمٌ، ولم يأتِ به، فهو باقٍ عليه. هذا عذرُ أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنصٍّ كتاب مسلم، وفي كتاب الدار قطني لهذا الحديث مساقٌ أنَضُّ من هذا عن أبي هريرة مرفوعاً قال: ((إذا أكل الصائمُ ناسياً أو شرب ناسياً، فإنَّما هو رزقٌ ساقه اللهُ إليه، ولا قضاءَ عليه))(١). قال الدار قطني في إسناده: إسنادٌ صحيحٌ، وكلُّهم ثقات. وفي طريقٍ آخر: ((من أفطرَ في شهر رمضانَ ناسياً فلا قضاءَ عليه، ولا كفَّارة))(٢) وهو صحيح أيضاً. وهذه النصوصُ لا تقبل ذلك الاحتمال. والشأنُ في صحتها، فإن صحَّتْ وجَبَ الأخذ بها، وحُكِم بسقوط القضاء. و (قوله: ((فإنما أطعمه الله تعالى وسقاه))) يعني: أنَّه لمَّا أفطر ناسياً لم ينسبْ إليه من ذلك الفطر شيء، وتمحضتْ نسبةُ الإطعام والسقي إلى الله تعالى؛ إذ هو فعله، ولذلك قال في بعض رواياته: فإنما هو رزقٌ ساقه اللهُ إليه. (١) رواه الدار قطني (١٧٨/٢). (٢) المصدر السابق. -، ٢٢٢ (١٠) كتاب الصوم - (٢١) باب: كيف كان صوم رسول الله $ في التطوع؟ رواه البخاري (٦٦٦٩)، ومسلم (١١٥٥)، وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وابن ماجه (١٦٧٣). (٢١) باب كيف كان صوم رسول الله وَّر في التطوع؟ [١٠٢٤] عن عبد اللَّهِ بن شَقيقٍ، قالَ: سألتُ عائشةَ عن صَوْم النبيِّ وَ ﴿، فقالت: كانَ يصُومُ حتَّى نقُولَ: قَدْ صامَ، قد صَامَ، ويُفْطِرُ حتَّى نقولَ: قد أَفْطَرَ، قد أَفْطَرَ، قالت: وما رأيتُهُ صامَ شهراً كاملاً منْذُ قَدِمَ المدينةَ إلا أنْ يكونَ رمضانَ. وفي روايةٍ: ولم أَرَهُ صَائماً مِن شهرٍ قطُّ أكثرَ مِن صِيامِهِ مِن شَعْبانَ، (٢١) ومن باب: كيف صوم رسول الله وَّهُ فِي التَّطوُّع سؤالُ شقيقٍ لعائشة إنما كان عن زمن صوم رسول الله وَّر، وعن مقداره، ولذلك أجابته بهما فقالت: (كان يصومُ حتى نقول: قد صام، قد صام، ويفطر حتى نقول: قد أفطر، قد أفطر) ومعنى هذا: أنه كان يصومُ متطوُّعاً، فيكثر، ويوالي حتى تتحدَّث نساؤه وخاصَّته بصومه، ويفطر كذلك. ومثل هذا: حديث ابن عبَّاس: كان يصومُ [حتى يقول القائل: لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا يصوم. وبمثل هذا أخبر وَ لربه عن نفسه، فقال: ((بل أصوم وأفطر، وأقوم، وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس منِّي))(١). (١) رواه أحمد (٢٤١/٣)، والبخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)، والنسائي (٦/ ٦٠) من حديث أنس رضي الله عنه. ٢٢٣ (١٠) كتاب الصوم - (٢١) باب: كيف كان صوم رسول الله 18 في التطوع؟ كانَ يصومُ شعبانَ كُلَّه، كانَ يصومُ شعبانَ إلَّا قليلاً. زاد في أخرى: وكانَ يقولُ: ((خُذُوا مِن الأعمالِ ما تُطيقونَ، فإِنَّ اللَّهَ لنْ يَمَلَّ حتَّى تَمَلُّوا)) وكانَ يقولُ: ((أحبُّ العَملِ إلى اللَّه ما دَاوَمَ عليه صَاحِبُهُ وإِنْ قَلَّ)). رواه أحمد (١٨٩/٦)، والبخاري (١٩٧٠)، ومسلم (١١٥٦) (١٧٤ و ١٧٦ و ١٧٧)، والترمذي (٧٦٨)، والنسائي (١٩٩/٤). [١٠٢٥] وعن ابن عبَّاس، قال: ما صَامَ رسولُ الله ◌َّهِ شهراً كاملاً قَطُ غَيْرَ رمضانَ، وكان يصومُ إذا صامَ حتَّى يقولَ القائِلُ: لا والله! لا يُفْطِر. ويُفْطِرُ إذا أفطر حتَّى يقول القائلُ: لا والله! لا يَصُومُ. رواه أحمد (٢٧١/١)، والبخاري (١٩٧١)، ومسلم (١١٥٧)، والنسائي (١٩٩/٤). و (قولها: كان يصوم شعبان كلَّه، كان يصوم](١) شعبان إلا قليلاً) قيل: إنَّ صوم رسول الكلامَ الأول يُفسِّره الثاني، ويخصِّصه، وحينئذٍ يتوافقُ قولها هذا مع قولها: - شعبان الله ◌َ في ما رأيته أكثر صوماً منه في شعبان. وكذلك قال ابنُ عبّاسٍ: إنه ◌ِ ل﴿ ما صام شهراً غير رمضان. وقيل: معنى ذلك: أنه كان يصومه مرةً كلَّه، ومرةً ينقصُ منه لئلا يُتَوَهَّم وجوبه. وقيل في قولها: كان يصومُ شعبان كلَّه. أي: يصومُ في أوَّله، ووسطه، وآخره. ولا يخصُّ شيئاً منه، ولا يعمُّه بصيام. وهذا أبعدها. وقد مضى القولُ على ما تضمَّنه أكثرُ هذا الحديث. (١) ساقط من (ع). ٢٢٤ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم (٢٢) باب كراهية سرد الصوم، وبيان أفضل الصوم [١٠٢٦] عن عبد الله بن عمرو بنِ العَاص، قالَ: بَلَغَ نبيَّ اللَّهِ إِلَيه أَنِّي أصومُ أَسْرُدُ، وأُصلِّي اللَّيلَ، فإمَّا أَرْسَلَ إليَّ وإما لَقِيتُه، فقال: ((ألم أُخْبَرْ بكَ أنَّكَ تصومُ ولا تُفْطِر، وتُصلِّي اللَّيلَ؟ فلا تَفْعَلْ)). وفي رواية قال: (٢٢) ومن باب: كراهية سرد الصَّوم حديث عبد الله بن عمرو اشتهر وكثر رواته، فكثر اختلافه حتَّى ظنَّ من لا بصيرة عنده: أنه مضطربٌّ. وليس كذلك؛ فإنه إذا تتبّع اختلافه، وضمّ بعضه إلى بعضٍ انتظمتْ صورتُه، وتناسب مساقُه، إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاترٍ، بل يرجعُ اختلافُه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره، وفصّل بعض ما أجمله غيره. وسنشيرُ إلى بعضه إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((ألم أخبر أنَّك تصوم ولا تفطر وتصلي))) هذا إنما فعله عبدُ الله بعد أن التزمه بقوله: لأصومنَّ النَّهار، ولأقومنَّ الليل ما عشتُ - كما جاء في الرواية الأخرى(١) - فبلغ ذلك النبيَّ وََّ، فحكى بعضُ الرواةِ الفعل، وحكى بعضُهم القول. و (قوله: ((لا تفعل))) نهيٌّ عن الاستمرار في فِعْل ما التزمه لأجل ما يؤدي إليه من المفسدة التي نبّه عليها بقوله: ((فإنك إذا فعلتَ ذلك هجمت عيناك)) قال المفسرون: أي: غارتا ودخلتا. قلتُ: وتحقيقه: هجمت على الضرر دفعةً واحدةً. فإنَّ الهجم هو: أخذُ الشيء بسرعةٍ بغتةً. ويحتملُ أن يكونَ معناه: هجمت العينُ عليه بغلبة النوم لكثرة السَّهر السّابق، فينقطعُ عما التزم، فيدخل في ذمِّ من ابتدع رهبانيةً ولم يرعها، وكما قال له: ((يا عبد الله! لا تكن مثل فلانٍ؛ كان يقوم الليل؛ فترك قيام الليل)). (١) رواه مسلم (١١٥٩) (١٨١). ٢٢٥ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم ((فإِنَّك إذا فَعَلْتَ ذلكَ هَجَمَتْ عَيْناكَ ونَفِهَتْ نفسُكَ، فإنَّ لِعَيْنِكَ حَظّاً، ولِنَفْسِكَ حَظّاً، ولأهلِك حظّاً، فصُم وأفْطِرْ، وصلِّ ونَمْ، وصُمْ مِن كلِّ عشرةٍ أيَّامِ يوماً، ولكَ أجرُ تسعةٍ)). قال: إنِّي أجِدُني أَقْوى مِن ذلك يا نبيَّ الله! قال: ((صُمْ صِيامَ داودَ))، قال: وكيفَ كانَ داودُ يصومُ و (قوله: ((ونفهت نفسك))) أي: أعيت(١)، وضعفت عن القيام بذلك، كما قال في لفظٍ آخر: ((نهكت نفسك)). و (قوله: ((فإنَّ لعينك حظاً، ولنفسك حظاً)) أي: من الرِّفق بهما، ومراعاة سرد الصوم حقِّهما، وقد سَمَّى في الرواية الأخرى الحظَّ: حقاً؛ إذ هو بمعناه، وزاد: ((فإن مضيعةٌ لزوجك عليك حقّاً ولزورك عليك حقاً»، وفي لفظٍ آخر: ((ولأهلك)» مكان للحقوق ((ولزوجك)). أمَّا حقُّ الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سَرَدَ الصوم، ووالى القيامَ بالليل مَنَعَها بذلك حقَّها منه. وأمَّا حقُّ الزَّوْر - وهو الزائر والضيف - فهو: القيامُ بإكرامه، وخدمته، وتأنيسه بالأكل معه. وأمَّا الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابةُ. وحقُّهم: هو في الرِّفق بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم. وملازمةُ ما التزم من سَرْد الصوم، وقيام الليل يؤدِّي إلى امتناع تلك الحقوق كلِّها. ويفيدُ: أن الحقوق إذا تعارضتْ قُدِّم الأولى. و (قوله: ((صُمْ من كلِّ عشرةٍ يوماً)) هذا في المعنى موافقٌ للرِّواية التي قال فيها: ((صُمْ من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيام، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها)) وكذلك قوله في الرواية الأخرى: ((صُمْ يوماً ولك أجرُ ما بقي)) على ما يأتي. وهذا الاختلافُ وشبهه من باب النقل بالمعنى. و (قوله: ((فصمْ صوم داود))) هكذا جاء في هذه الرواية، سكت فيها عن المراتب التي ثبتتْ في الرواية الآتية بعد هذا؛ وذلك أنَّ فيها نقلة من صيام ثلاثة (١) ساقط من (ع). ٢٢٦ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم يا نبيَّ الله؟! قال: ((كانَ يصومُ يَوْماً ويُفْطِر يوماً، ولا يَقِرُّ إذا لاقَى)) قال: مَنْ لِي بهذه يا نبيَّ الله؟! قال عطاءُ: فلا أَدْري كيفَ ذكرَ صِيَامَ الأَبَد. فقال النبيُّ وَّهِ: ((لا صامَ مَنْ صَامِ الأَبَدَ، لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبد». رواه أحمد (١٩٨/٢)، والبخاري (١٩٧٤)، ومسلم (١١٥٩) (١٨٦) وأبو داود (١٣٨٩)، والترمذي (٧٧٠)، والنسائي (٢٠٩/٤ و٢١٥). أيام في الشهر إلى أربعةٍ فيها، ومنها إلى صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يومٍ وإفطار يومٍ. وهذا محمولٌ على أنَّ النبيَّ ◌َُّ درَّجه في هذه المراتب هكذا، لكنَّ بعضَ الرواة سكتَ عن ذِكْر بعض المراتب إمَّا نسياناً، أو اقتصاراً على قدر ما يحتاج إليه في ذلك الوقت، ثم في وقتٍ آخر ذكر الحديث بكماله. صوم داود و (قوله: ((فصم صوم داود؛ فإنه كان أعبدَ النَّاس))) إنما أحاله على صوم داود، وَوَصَفه: بأنه كان أعبدَ الناس لقوله تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُه أَوَّبُ﴾ [ص: ١٧] قال ابنُ عباس: (الأيد) - هنا - القوة على العبادة. و (الأوَّاب): الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه. و (قوله: ((ولا يفُّ إذا لاقى))) تنبيهً: على أن صومَ يوم، وإفطار يومٍ لا يضعفُ ملتزمه، بل يحفظُ قوَّته، ويجدُ من الصوم مشقته كما قدَّمناه، وذلك بخلاف سَرْد الصوم فإنه ينهك البدنَ والقوة، ويزيلُ روحَ الصوم؛ لأنه يعتاده، فلا یبالي به، ولا يجدُ له معنى. و (قول عبد الله بن عمرو: من لي بهذه؟) إشارةٌ إلى استبعاد عدم الفرار، وتمنّي أن لو كانت له تلك القوَّة. ومعنى قوله: مَن لي بهذا الشيء؟ أي: من يتكفَّل لي به؟ أو: من يحصِّله لي؟ . و (قول عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد؟) هو شكِّ عَرَض للراوي، ثم لا صام من صام الأبد ٢٢٧ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم [١٠٢٧] وعنه، قالَ: أُخْبَرَ رسولُ اللهِ وَفيِ أَنَّه يقولُ: لَأَقُومَنَّ اللَّيلَ، ولأصُومَنَّ النَّهارَ ما عِشتُ. فقالَ رسول الله وَّهِ: ((أنتَ الذي تقولُ ذلك؟)) فقلتُ له: قَدْ قُلْتُهُ يا رسولَ الله! فقال رسول الله وَله: ((فإنَّكَ لا تستطيعُ ذلكَ، فصُمْ وأَفْطِر، ونَمْ وقُمْ، صُمْ مِن الشَّهر ثلاثةَ أيَّام، فإنَّ الحسنَةَ بِعَشْرٍ أمثَالِها، وذلكَ مثلُ صِيامِ الدَّهرِ)). قال: قلتُ: فإنِّي أُطِيقُ أفضلَ من ذلك. قال: ((صُمْ يوماً وأفْطِرْ يَومين)). قال: قلت: فإنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِن ذلكَ يا رسول الله! قال: ((صُمْ يوما وأَفْطِرِ يوماً، وذلك صِيامُ داود، وهو أَعْدَلُ الصِّيام)) قال: قلت: فإنِّي أُطيق أفضلَ مِن ذلكَ. قال رسولُ اللهِ وَير: ((لا أَفْضَلَ مِن ذلكَ)). قالَ عبدُ الله بن عمرو: لأنْ أكونَ قَبِلْتُ الثلاثةَ الأَيَّامِ التي قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ أَحَبَّ إليَّ من أهلي ومالي. قال بعد أن عَرَض له ذلك الشَّكُّ: ((لا صام من صام الأبد»، فأتى بصوم الأبد على هذا اللفظ من غير شكِّ ولا تردُّدٍ، بل حقَّق نقله، وحرَّر لفظه، وأمَّا الذي تقدَّم في حديث أبي قتادة: فإنه شكٌّ في أي اللفظين قال، فذكرهما، فقال فيه: قال: يا رسولَ الله! كيف مَن يصوم الدَّهر؟! قال: ((لا صامَ، ولا أفطر»، أو: ((لم يصمْ، ولم يفطر)). وقد تقدَّم القولُ على صوم الدهر. و (الأبد): من أسماء الدهر. والمراد به - هنا -: سرد الصوم دائماً، والله تعالى أعلم. و (قوله في صوم داود: ((هو أعدلُ الصيام))) من جهة حِفْظ القوة، ووجدان صوم داود هو مشقَّة العبادة، وإذا كان أعدل في نفسه فهو عند الله أفضلُّ وأحبُّ، ولا صوم فوقه أعدل الصيام في الفَضْل كما جاءت هذه الألفاظ؛ وهي كلّها متقاربةٌ في مدلولها، وهو بلا شكِّ نقلٌ بالمعنى. ومضمونُ هذه الألفاظ: أنَّ هذا الصومَ أعدلُ في نفسه وأكثر في ثوابه . و (قوله: لأن أكونَ قبلتُ الثلاثة الأيام أحبّ إليَّ من أهلي) هذا إنَّما قاله ٢٢٨ (١٢) كتاب الحج - (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم وفي روايةٍ قال: ((فإنَّ بحسبِكَ أنْ تصومَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامِ)) قلتُ: يا نبي الله! إنِّي أُطيق أَفْضَلَ مِن ذلك. قال: ((فإِنَّ لِزَوْجِكَ عليكُ حقّاً، ولِزَوركَ عليكَ حَقّاً، ولجسَدِك عليك حَقّاً)). قال: ((فصُمْ صَوْمَ داودَ نبيَّ اللَّهِ، فإنَّه كانَ أعْبَدَ النَّاس)). قالَ: قلتُ: يا نبيَّ الله! وما صَومُ داودَ؟ قال: ((كانَ يصومُ يَوْماً ويُفْطِرَ يوماً) قال: ((واقْرأ القرآنَ في كلِّ شهرٍ)) قال: قلت: يا نبيَّ الله! إنِّي أطيقُ أفضلَ مِن ذلك. قالَ: ((فاقرأه في كلِّ عِشرِينَ)) قال: قلتُ: يا نبيَّ الله! إني أُطِيقُ أفضَلَ مِن ذلكَ. قال: (فاقْرَأُهُ في عَشْرِ)) عبدُ الله لمّا انتهى من العمر إلى الكبر، الذي كان النبيُّ وَ ﴿ قد أخبره به بقوله: ((إنك لا تدري لعلَّه يطولُ بك عمر)) قال: فصرتُ للذي قال النبيِنَ ﴾. قال: فلمَّا كبرتُ وددتُ أنّي كنتُ قبلتُ رخصةَ رسول الله وَ﴿ِ. وهذا من عبد الله يدلُّ: على أنَّه كان قد التزم الأفضل ممَّا نقله إليه النبي ◌َّه والأكثر إمَّا: بحكم التزامه الأول إذ قال: لأصومنَّ الدَّهر، ولأقومنَّ الليل ما عشت، وإمَّا: بحكم أنَّه هو الحالُ الذي فارق النبيَّ وَِّ عليه، وكره أن ينقصَ من عملٍ فارق النبيَّ وَّ عليه، فلم ير أن يرجعَ عنه وإن كان قد ضعفَ عنه. والله تعالى أعلم. في كم من الأيام يقرأ القرآن؟ و (قوله: ((اقرأ القرآنَ في كلِّ شهرٍ))، ثم قال بعد ذلك: ((فاقرأه في كلِّ عشرین)، ثم قال: «فاقرأه في سبع») هكذا في أكثر روایات مسلم. ووقع في كتاب ابن أبي جعفر (١)، وابن عيسى (٢) زيادة: (قال: ((فاقرأه في عشر))، وبعد ذلك قال: له: ((اقرأه في سبع)). ومقصودُ هذه الرواية بيانُ تجزئة القرآن على ليالي الشهر (١) هو تاج الدين أبو الحسن، محمد، ابن العلامة أبي جعفر أحمد بن علي القرطبي. إمام، مُحدِّث. توفي سنة (٦٤٣ هـ). (٢) هو عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمي: عالم بالعربية والقراءات، ومكثر التصنيف. توفي سنة (٦٢٩ هـ). ٢٢٩ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم قال: قلتُ: يا نبيَّ الله! إني أُطِيقُ أَفْضَلَ مِن ذلكَ. قال: ((فاقرأهُ في سبع، ولا تَزِدْ على ذلكَ، فإنّ لَزوجكَ عليكَ حَقّاً) قال: فشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَليّ. قال: وقال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّكَ لا تَدرِي لعلَّكَ يطولُ بكَ عُمرٌ)). قالَ: فصِرتُ إلى الذي قالَ لي النبيُّ وَّهِ، فلما كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كنتُ قبِلْتُ رُخصة النبيِّ ێ. زاد في روايةٍ: بعد قوله ثلاثة أيام: «فإنَّ بكلِّ حَسَنةٍ عَشرُ أمثالِها، فذلك الدَّهرُ كلُّه». رواه أحمد (١٨٨/٢)، والبخاري (٣٤١٨)، ومسلم (١١٥٩) (١٨١ و١٨٢). بالنسبة إلى الثَّخفيف والتَّثقيل. فالمخفِّفُ يقرؤه في كلِّ شهرٍ؛ لا أقلّ من ذلك، والمثقل لا يزيدُ على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرَّضِ الراوي في هذه الرِّواية لبيان مقدار زمان القيام من الليل، وقد بيَّنه راوٍ آخر في الرواية التي قال فيها: ((أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود: كان يرقدُ شطر الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)) . و (قوله: ((فاقرأه في سبعٍ ولا تزد))) ذهب إلى منع (الزيادة على السبع)(١) كثيرٌ من العلماء. واختار بعضُهم قراءته في ثمانٍ، وکان بعضُھم یخُم في خمس، وآخر في ستٍّ، وبعضُهم يختم في كلِّ ليلةٍ. وكأنَّ من لم يمنع الزيادة على السَّبع حَمَل قوله: ((لا تزد)) على أنه من باب الرُّفق، وخوف الانقطاع، فإن أمن ذلك جاز بناءً على: أنَّ ما كثر من العبادة والخير فهو أحبُّ إلى الله. والأولى تَرْكُ الزيادة أخذاً بظاهر المنع، واقتداءً برسول الله وَّهِ فلم يُرْوَ عنه: أنه ختم القرآن كلَّه في (١) أي: قراءة القرآن في ستة أيام أو ما دون ذلك. ٢٣٠ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم [١٠٢٨] وعنه؛ أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((أَحَبُّ الصِّيام إلى اللَّهِ صيامُ دَاودَ، يصومُ نِصْفَ الذَّهر، وأَحبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ دَاودَ، كان يَرْقُدُ شَطْرَ اللَّيلِ، ثم يقومُ، ثم يَرْقُدُ آخِرَه، يقومُ ثُلُثَ اللَّيل بعد شَطْرِهِ». وفي روايةٍ: كانَ ينامُ نِصْفَ اللَّيل، ويقومُ ثُلُثَه، وينامُ سُدُسَه. رواه أحمد (١٦٠/٢)، والبخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩) (١٩٠)، وأبو داود (٢٤٤٨)، والنسائي (٢١٤/٣ - ٢١٥)، وابن ماجه (١٧١٢). [١٠٢٩] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَله قالَ له: ((صُمْ يوماً ولَكَ أجرُ ما بقي)) قال: إني أُطيق أكثر من ذلك. قال: ((صُمْ يَومين ولك أجرُ ما بقي)) ليلةٍ، ولا في أقلّ من سبع، وهو أعلمُ بالمصالح والأجر. وذلك فَضْلُ الله يُؤْتیه من يشاء، فقد يعطي على القليل ما لا يعطي على الكثير، لا سيَّما وقد تبينت مصلحة القلّة، والمداومة. وآفةُ الكثرة الانقطاعُ. الحسنة بعشر أمثالها و (قوله: ((صم يوماً ولك أجر ما بقي))) قال بعضُهم: يعني: لك أجرُ ما بقي من العشر؛ كما تقدَّم من قوله: ((صُمْ من كلِّ عشرةٍ يوماً، ولك أجرُ تسعةٍ)) وكذلك قال في قوله: ((صم يومين ولك أجرُ ما بقي)) أي: من الشهر. قلتُ: وهذا الاعتبارُ حسنٌ، جارٍ على قياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، غير أنه يفرغُ تضعيف الشهر عند صوم الثلاثة، فيبقى قوله: ((صُمْ أربعةَ أيامٍ ولك أجرُ ما بقي)) لم يبقَ له من الشَّهر شيءٌ، فيضاف له عشرٌ من الشهر الآخر، فكأنَّ قولَه: ((ولكَ أجر ما بقي)) يعني: من أربعين. والله تعالى أعلم. وقال بعضُ المتأخرين: إنَّه يعني بذلك: من الشهر. وعلى هذا يكونُ صومُ الرابع لا أجر فيه. وهو مخالفٌ لقياس تضعيف الحسنة بعشر أمثالها. وما ذكرناه أولى. ٢٣١ (١٠) كتاب الصوم - (٢٢) باب: كراهية سرد الصوم قال: إنِّي أطيقُ أكثرَ من ذلك. قالَ: ((صمْ ثلاثةَ أيَّامِ، ولك أجرُ ما بَقِي)) قالَ: إني أُطِيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قال: ((صُمْ أربعةَ أيَّامٍ ولك أجرُ ما بقيَ)). قال: إني أُطيقُ أكثرَ مِن ذلك. قالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصِّيامِ عندَ الله، صَوْمُ داودَ، كان يصومُ يوماً ويُفطِرُ يوماً)). رواه مسلم (١١٥٩) (١٩٢). و (قوله ◌َّ﴾ [في فطر يومين وصوم يومين: ((وددتُ أَنِّي طُوَّقْتُ ذلك)))(١) وفاء رسول الله ﴾ أي: أقدرت عليه؛ وذلك أنَّه وَيه](٢) كانت عليه حقوقٌ كثيرة لأهله مع کثرتهم، ولضيفانه، وأصحابه، وللناس خاصةً وعامةً، فكان يتوقَّعُ إن التزمَ ذلك أن يضعفَ عليه عن تلك الوظائف أو بعضها؛ فيقعُ خللٌ في تلك الحقوق، فتمتَى أن يقدرَ على ذلك مع الوفاء بتلك الحقوق. والله تعالى أعلم. لا يقال: فقد كان قادراً على الوصال؛ وهو أشقُّ ولم يضعفْ عن القيام بشيء من تلك الحقوق؛ لأنَّا نقول: لم يكن وصالُه دائماً، وإنَّما كان في وقتٍ من الأوقات بخلاف ما تمنَّى، فإنَّه تمنَّه دائماً. ويحتملُ: أنَّ هذا كان منه في أوقاتٍ مختلفةٍ. ففي وقتٍ: كان يطيقُ فيواصل، وفي وقت: يخافُ الضعف فيتمنى حتى يحصلَ له الحظُّ الأوفر من قوله: ((نيةُ المؤمن خيرٌ من عمله))(٣). والله تعالى أعلم. بالحقوق التي (١) هذه الرواية في صحيح مسلم (١٩٦/١١٦٢). (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه الطبراني (٢٢٨/٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٥/٣). ٢٣٢ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر (٢٣) باب فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وسرر شعبان، وصوم المحرم، وستة أيام من شوال وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام: ((صيام ثلاثة من کل شھر صِيامُ الدَّهر)». [١٠٣٠] وعن مُعَاذَة العدويَّةِ، أنَّها سألتْ عائشةَ زوج النبيِّ ◌َّ: أكانَ رسُولُ اللهِفَله يصومُ مِن كلِّ شَهْر ثلاثةَ أيَّامِ؟ قالتْ: نعم، فقلتُ لها: مِنْ أيِّ أيَّامِ الشَّهر كانَ يصومُ؟ قالت: لم يكن يُبَالِي مِن أيِّ أيَّام الشَّهر يصومُ. رواه أحمد (١٤٥/٦ و١٤٦)، ومسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٢٤٥٣)، والترمذي (٧٦٣)، وابن ماجه (١٧٠٩). (٢٣) ومن باب: فضل صوم ثلاثة أيام (قول عائشة - رضي الله عنها -: لم يكن يبالي من أيِّ أيام الشّهر كان يصوم) تعني: أنه لم يكنْ يعيِّن لصوم الثلاثة زماناً مخصوصاً من الشهر يداوم عليه، وإنما كان يصومُها مرَّةً في أوله، ومرّةً في آخره، ومرّة في وسطه. وهذا - والله أعلم - لئلا يتخيَّل متخيّلٌ وجوبَها لو لوزمتْ في وقتٍ بعينه، أو ليبيِّنَ فرقَ ما بين الواجب والتَّطوُّع؛ فإنَّ الواجبات في الغالب معيَّةٌ بأوقاتٍ، أو ذلك بحسب تمگُّنه، والله تعالى أعلم؛ غير أنَّه قد جاء في حديثٍ صحيح ذكره النسائي من حديث جرير بن عبد الله: تخصيص أيام البيض بالذكر المعيَّن؛ فقال وَله: ((صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهرٍ صيام الدَّهر؛ أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس صيام أيام البيض ٢٣٣ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر عشرة))(١). روينا هذا اللفظ عن متقني مشايخنا؛ برفع (أيام) و (صبيحة) على إضمار المبتدأ، كأنَّه قال: هي أيام البيض، عائداً على ثلاثة أيام، و (صبيحة) يرتفع على البدل من (أيام). وأما الخفض فيهما: فعلى البدل من (أيام) المتقدمة. هذا أولى ما يوجّه في إعرابها. وعلى التقديرين: فهذا الحديثُ مفيدٌ لمطلق الثلاثة الأيام التي صومُها كصوم الدهر، على أنه يحتملُ أن يكونَ النبيُّ ◌َ ﴿ عيَّن هذه الأيام لأنها وسط الشهر وأعدله، كما قال: ((خيرُ الأمور أوساطها))(٢) وعلى هذا يدلُّ قولُهُ ﴾: ((هل صمتَ من سرَّة هذا الشهر شيئاً) على ما يأتي إن شاء الله. وقد اختلف في: أيِّ أيام الشهر أفضل للصوم؟ فقالت جماعةٌ من الصحابة أيُّ أيام الشهر والتَّابعين؛ منهم: ابن عمر، وابن مسعودٍ، وأبو ذرٍّ: أنَّ صوم أيام البيض أفضل؛ أفضل للصوم؟ تمسكاً بالحديث المتقدم. وقال آخرون؛ منهم: النخعيُّ: آخر الشَّهر أفضل. وقالت فرقةٌ ثالثةً: أول الشَّهر أفضل؛ منهم: الحسن. وذهب آخرون: إلى أنَّ الأفضلَ صيام أول يومٍ من السبت والأحد والإثنين في شهرٍ، ثمَّ الثلاثاء والأربعاء والخميس. منهم عائشة. واختار آخرون الإثنين والخميس. وفي حديث ابن عمر: أن رسول الله* كان يصومُ ثلاثةً من كلِّ شهر: أول إثنين، والخميس الذي بعده، والخميس الذي يليه(٣). وعن أمّ سلمة: أول خميس، والإثنين، والإثنين (٤). واختار بعضُهم: صيام أول يوم من الشهر، ويوم العاشر، ويوم العشرين. وبه قال أبو الدرداء. ويُروى أنه كان صيام مالك. واختاره ابن شعبان. وقد روي عن مالكٍ كراهةُ تعمُّد صيام أيام البيض، وقال: ما هذا ببلدنا. والمعروفُ من مذهبه كراهة (١) رواه النسائي (٤/ ٢٢١). (٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٣٩١/١). (٣) رواه النسائي (٤/ ٢٢٠). (٤) رواه أبو داود (٢٤٥٢)، والنسائي (٢٢٠/٤ و٢٢١). ٢٣٤ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر [١٠٣١] وعن عِمْرانَ بن حُصِينٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قالَ لرجلٍ: ((هل صُمْتَ من سَرَرِ هذا الشهرِ شيئاً؟)) - وفي رواية: ((من سَرَرِ شعبانَ؟)) - قالَ: تعيين أيامٍ مخصوصةٍ للنفل، وأن يجعلَ الرَّجلُ لنفسه يوماً، أو شهراً يلتزمه. والحاصل: أنَّ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ صيام الدَّهر حيث صامها، وفي أيٍّ وقتٍ أوقعها. واختلاف الأحاديث في هذا عن النبيِّ ◌َ ﴿ تدلُّ: على أنَّ النبيَّ وَلي لم يكن يُرتِّبُ على زمانٍ بعينه من الشهر، كما قالته عائشةُ رضي الله عنها، وأنَّ كلَّ ذلك قد فعله النبيُّ وَّهِ. ويرحم اللهُ مالكاً لقد فهم وغنم. الحض على الصيام في شعبان و(قوله وَّي للرجل: ((هل صمت من سرر شعبان شيئاً؟))) المعروف عند اللغويين وغيرهم: أنَّ سَرار الشَّهر: آخره. يقال: سَرَارُه، وسَرَرُه، وسِرُّه. وهو: حين يستسرُّ الهلال. وقال أبو داود عن الأوزاعيِّ: سِرُّه: أوله. وقيل: وسطه. قال ابنُ السِّكيت: سَرارُ الأرض: أكرمها وأوسطها. وسَرار كل شيءٍ: وسطه وأفضله. قال القاضي عياض: وقد يكون سَرر الشهر من هذا؛ أي: أفضل أيامه؛ كما جاء في حديث جريرٍ في ذكر الأيام البيض كما تقدَّم. قلتُ: فإن حملنا السَّرار في هذا الحديث على أول الشهر لم يكنْ فيه إشكالٌ، وإن حملناه على آخر الشهر عارضه قوله ◌َ﴿: ((لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بصوم يومٍ، ولا يومين)) (١) ويرتفعُ ما يتوهم من المعارضة بأن يحمل النهي على من لمّ تكنْ له عادةٌ بصوم [شيءٍ من شعبان فيصومه لأجل رمضان، وأمَّا مَن كانت له عادة أن يصوم](٢) فليستمر على عادته. وقد جاء هذا أيضاً في بقية الخبر، فإِنَّه قال: ((إلا أن يكون أحدُكم يصوم صوماً فليصمه)) كما تقدم. (١) رواه أحمد (٢٣٤/٢)، والبخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢)، وأبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٥)، والنسائي (١٥٤/٤)، وابن ماجه (١٦٥٠) من حديث أبي هريرة. (٢) ساقط من (هـ)، واستدركناه من (ظ) و (ع). ٢٣٥ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر لا. فقالَ رسولُ الله وَلِّ: ((إِذَا أفطرتَ مِنْ رمضانَ فصم يَومينِ مكانَه)). رواه أحمد (٤٤٣/٤ - ٤٤٤)، ومسلم (١١٦١) (١٩٩ و٢٠٠)، وأبو داود (٢٣٢٨). [١٠٣٢] وعن أبي هُريرَة، قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((أَفْضَلُ الصِّيام بعدَ رمضانَ شهرُ الله المُحَرَّم، وأفْضَلُ الصَّلاة بعدَ الفَريضةِ صَلاةُ اللَّيلِ)». وفي روايةٍ: ((الصَّلاةُ فِي جَوْفِ اللَّيل)). رواه أحمد (٣٤٤/٢)، ومسلم (١١٦٣) (٢٠٢)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨)، والنسائي (٢٠٦/٣ - ٢٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٢). و (قوله: ((فَصُمْ يومين مكانه))) هذا منه وَّهِ حَمْلٌ على ملازمةِ عادةِ الخير حتى لا تقطع، وحضٍّ على ألا يمضي على المكلَّف مثل شعبان فلم يصمْ منه شيئاً، فلمَّا فاته صومُه أَمَرَهُ أن يصومَ من شؤَّال يومين ليحصل له أجرٌ من الجنس الذي فوَّته على نفسه. قلت: ويظهر لي: أنَّه إنما أمره بصوم يومين للمزيَّة التي يختص بها شعبان، فلا بُعْدَ في أن يقال: إنَّ صومَ يومٍ منه كصوم يومين في غيره. ويشهدُ لهذا: أنه #* كان يصومُ منه أكثر مما كان يصومُ من غيره، اغتناماً لمزية فضيلته. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم))) هذا إنَّما كان فضيلة الصيام - والله تعالى أعلم - من أجل: أنَّ المحرَّم أول السَّنة المستأنفة التي [لم](١) يجىء في شهر المحرَّم بعدُ رمضانُها، فكان استفتاحُها بالصَّوم الذي هو من أفضل الأعمال، والذي أخبر عنه وَ﴿: بأنَّه ضياءٌ. فإذا استفتح سنته بالضياء مشى فيه بقيَّتها. والله تعالى أعلم. (١) ساقط من (ع). ٢٣٦ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر [١٠٣٣] وعن أبي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((مَنْ صَامَ رمضانَ ثم أَتْبَعَهُ سِتّاً مِن شَوالَ كانَ كَصِيامِ الدَّهرِ)». رواه أحمد (٤١٧/٥)، ومسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، وابن ماجه (١٧١٦). الحض على شوال و(قوله ◌َّافي: ((مَن صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر))) صيام ستّ من هذا الحديثُ خرَّجه النسائي من حديث ثوبان وقال فيه: قال ◌َلير: ((صيامُ شهر رمضان بعشرة أشهرٍ، وصيامُ ستةٍ بشهرين، فذلك صيامُ سنةٍ))(١)، وفي رواية أخرى: ((الحسنةُ بعشرٍ، فشهر رمضان بعشرة أشهرٍ، وستةٌ بعد الفطر تمامُ السَّنَة))(٢). وذكره أيضاً أبو عمر بن عبد البر هكذا(٣). [فإن قيل: فيلزم على هذا مساواةُ الفرض النَّل في تضعيف الثواب، وهو خلافُ المعلوم من الشَّرع؛ إذ قد تقرَّر فيه: أنَّ أفضلَ ما تقرَّب به المتقرِّبون إلى الله تعالى ما افترضَ عليهم. وبيانُ ذلك: أنّه قد تقدَّم: أنَّ صيام ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ صيام الذَّهر. أي: السَّنة، وهذه الثلاثةُ تطوٌُّ بالاتفاق، فقد لزم مساواةُ الفرض للنفل في الثواب! والجواب: على تسليم ما ذكر - من أنَّ ثوابَ الفرض أكثر - أن نقول: إنَّ صيامَ ثلاثةٍ من كل شهرٍ إنّما صار بمنزلة صيام سَنَةٍ بالتَّضعيف؛ لأنَّ المباشر من أيامها بالصوم ثلاثة أعشارها، ثم لما جعل كلَّ يوم بمنزلة عشرٍ كملت السنة بالتضعيف. وأمَّا صومُ رمضانَ مع الستةِ: فيصحُّ أن يُقالَ فيه: أنه بمنزلة سنةٍ بوشرت بالصَّوم أيامها، ثم ضُوعفت كلَّ يومٍ من أيام السَّنة بعشرةٍ، فيضاعف العدد، فصارت هذه السنةُ بمنزلة (١) رواه النسائي في الكبرى (٢٨٦٠). (٢) رواه النسائي في الكبرى (٢٨٦١). (٣) في (هـ) و (ظ): من هنا. ٢٣٧ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر عشر سنوات(١) بالتضعيف، وذلك أنَّ السنة ثلاثمئة وستون يوماً؛ فإذا ضربت ثلاثمئة وستين في عشرة صارت ثلاثة آلاف وستمئة. وإنما صرنا إلى هذا التأويل للحديث الصَّحيح المتقدِّم في تفضيل الفَرْض على غيره، ولما علم من الشرع: أنَّ أجرَ الثواب على العمل على القرب محدود بعشر، وأما أكثره فليس بمحدود؛ [البقرة: ٢٦١] بعد ذكر مراتب التضعيف ـلَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ لقوله تعالى: المذكورة في الآية؛ الي هي: (عشر، وسبعون، وسبعمئة والمضاعفة المطلقة)(٢) وكذا قال ◌َ﴿ فيما رواه ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: ((الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرةٍ))(٣) والله تعالى أعلم] (٤). وقد أخذ بظاهر هذا متى تصام السنة الحديث - أعني: حديث أبيِّ - جماعةٌ من العلماء، فصاموا هذه الستةَ إثر يوم من شوال؟ الفطر، منهم: الشافعيُّ، وأحمد بن حنبل. وكره مالكٌ وغيره ذلك؛ وقال في موطئه: لم أَرَ أحداً من أهل العلم والفِقْه يصومُها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السّلف، وأهلُ العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلْحِق برمضانَ ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء. قلتُ: ويظهرُ من كلام مالكٍ هذا: أنَّ الذي كرهه هو وأهلُ العلم، الذين أشار إليهم، إنما هو أن تُوصلَ تلك الأيامُ السِّتة بيوم الفطر، لئلا يظنّ أهلُ الجهالة والجفاء أنَّها بقيةٌ من صوم رمضان. وأما إذا باعد بينها وبين يوم الفطر فيبعد ذلك التوهُّم، وينقطع ذلك التخيُّل. ومما يدلُّ على اعتبار هذا المعنى: أنَّ النبيَّ ◌َّ قد (١) في الأصل: اثنتي عشرة سنة. والصواب ما أثبتناه. (٢) الآية المذكورة ورد فيها المضاعفة إلى سبعمئة ضعف، والمضاعفة المطلقة فقط، وهي قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبٍَّ أنبتت سبعَ سنابل في كلِّ سُنبلة مئةُ حبَّةَ واللَّهُ يُضاعِفُ لمن يشاء والله واسعٌ عليم﴾ . (٣) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣٠ و١٣١). (٤) ما بین حاصرتین تفرَّدت به (ظ). ٢٣٨ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر حمى حمايةَ الزيادة في رمضان من أوله بقوله: ((إذا دخل النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم))(١)، وبقوله: ((لا يتقدَّمنَّ أحدكم رمضان بصوم يومٍ ولا يومين))(٢). وإذا كان هذا في أوله فينبغي أن تحمى الذريعة أيضاً من آخره، فإنَّ تَوَهُّمَ الزيادة فيه أيضاً متوقَّعٌ، فأمَّا صومُها متباعدةً عن يوم الفطر، بحيث يؤمن ذلك المتوقع فلا يكرهه مالك ولا غيره. وقد روى مطرِّف عن مالك: أنه كان يصومها في خاصة نفسه. قال مطرِّف: وإنما كره صيامها لئلا يُلْحِق أهلُ الجهالة ذلك برمضان، فأمَّا من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم ينهه. وقال بعضُ علمائنا: لو صام هذه الستة في غير شوال لكانت إذا ضمَّت إلى صوم (٣) [رمضان صيام(٤) الدَّهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، كما ذكره في الحديث، وإنما خُصَّ شؤَال بالذكر لسهولة الصوم فيه؛ إذ كانوا قد تعوّدوه في رمضان. و (قوله: ((ثم أتبعه ستاً من شؤَّال))) ليس فيه دليلٌ على أنها تكون متَّصلةً بيوم الفطر، بل لو أوقعها في وسط شوّال، أو آخره، لصلح تناول هذا اللفظ له، لأنَّ (ثمَّ) للتَّراخي، وكلُّ صوم يقعُ في شؤَّال فهو متبعٌ لرمضان؛ وإن كان هنالك مهلة. وقد دلَّ على صحّة هذا قولُه في حديث النسائيِّ: ((وستة بعد الفطر)) ولذلك نقولُ: إنَّ الأجرَ المذكور حاصلٌ لصائمها؛ مجموعةً أوقعها أو مفترقةً؛ لأنَّ كل يومٍ بعشرةٍ مطلقاً. والله تعالى أعلم. لا يشترط في الست من شوال الاتصال قلتُ: وحديث أبي أيوب المتقدم، وإن كان قد خرّجه مسلم ليس بصحيح، (١) رواه أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨). (٢) سبق تخريجه. (٣) من هنا انقطاع في النسخة العثمانية حتى نهاية باب: الهدي للمتمتع. واستدرك من (هـ) و (ظ) و (ط). (٤) في (هـ): كصيام. ٢٣٩ (١٠) كتاب الصوم - (٢٣) باب: فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وهو من جُملة الأحاديث الضَّعيفة الواقعة في كتابه (١)، وذلك لأنَّ في إسناده: سعد بن سعيد بن قيس؛ قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وغيره يُضعِّفه؛ كما ذكره الترمذيُّ، وقد انفرد به عن عمر بن ثابتٍ، قال أبو عمر بن عبد البر: أظنُّ أن الشيخ عمر بن ثابت لم یکن عند مالك ممَّن یعتمد عليه. وإنما أنَّث ((ستاً)) - وكان حقُّها أن تُذكَّر من حيث: إنَّ الصومَ إنما يوقعُ في الأيام، واليوم مذكرٌ، لأنه غلّب على الأيام الليالي، كما تفعله العرب؛ لأنَّ أول الشهر ليله، وكذلك الصوم: إنما يُعزم عليه غالباً بالليل، وفيه حُجَّةً للمالكية في اشتراط نيَّ التبييت في صوم النفل. والله تعالى أعلم. (١) سبق وأشار القرطبي - رحمه الله - في مقدمة ((المفهم)) إلى وجود أحاديث منتقدة على صحيح مسلم، وهذا أحدها. وقد جاء الانتقاد من قِبَل الدارقطني وغيره، وقد ردَّ عليهما ابنُ كثير في الباعث الحثيث (ص ٢٩) مستنداً إلى ما قاله ابنُ الصلاح وغيره. وبعد تأمُّل هذه المناقشات نجد أنفسنا ترتاح إلى تعليق الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في قوله: ((الحقُّ الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحقّقين أنَّ أحاديثَ الصَّحيحين صحيحةٌ كلُّها، ليس في واحدٍ منها مطعنٌ أو ضَعْف». ٢٤٠ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر - (١) باب: لا اعتكاف إلا في مسجد (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر (١) باب لا اعتكاف إلا في مسجد وبصوم [١٠٣٤] عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: إنَّ رسولَ الله ◌ِِّ اعتَكَفَ (١١) أبواب الاعتكاف وليلة القدر الاعتكاف في اللغة: هو ملازمة الشيء والإقامة فيه. ولما كان المعتكفُ ملازماً للعمل بطاعة الله مدة اعتكافه لزمه هذا الاسم. وهو في عُرف الشرع: ملازمةُ طاعةٍ مخصوصةٍ، على شرط مخصوصٍ، في موضعٍ مخصوصٍ، على ما يأتي تفصيلُه. وأُجْمِع على: أنه ليس بواجب، وهو قُرْبةٌ منَ القرب، ونافلةٌ من النوافل، عمل بها رسولُ الله ◌َ ل﴿ وأصحابه، وأزواجه، ويُكره الدخول فيه لمن يُخاف عليه العجزُ عن الوفاء بحقوقه. واختلف منه في مسائل: المسألة الأولى: هل من شرطه الصوم، أم لا؟ فذهب مالكٌ وجمهور العلماء إلى أنه شرطٌ فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِّفُونَ فِ اَلْمَسِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولأنَّه ◌َله لم يعتكف قطُّ إلا وهو صائم. قال مالك: وعلى ذلك: الأمرُ عندنا. قال أبو إسحاق التونسيُّ: ودليلُنا على ذلك: ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري؛ عن عروة؛ عن عائشة: أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قال: ((لا اعتكافَ إلا هل الصوم شرط للاعتكاف؟