النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(١٠) كتاب الصوم - (١٦) باب: النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام
رواه أحمد (٤٩٥/٢)، والبخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)
(١٤٧)، والترمذي (٧٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٣).
[١٠١٠] وعنه، عن النبيِّينَ ﴿ِ قالَ: ((لا تَخْتَصُّوا ليلةَ الجُمعةِ بقيامٍ
مِن بَيْنِ اللََّالي ولا تَخْتَصُّوا يومَ الجُمُعة بِصيامٍ مِن بَيْن الأيَّامِ، إلَّا أن يكونَ
في صَوْم یصومُه أحدُكُم)).
رواه أحمد (٣٩٤/٢)، ومسلم (١١٤٤) (١٤٨).
بظاهر هذا الحديث قال الشَّافعيُّ وجماعة. وأمَّا مالكٌ فقال في موطئه: لم أسمعْ
أحداً من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه
حسنٌ، وقد رأيتُ بعضَ أهل العلم يصومه وأراه كان يتحرَّاه. وقيل: إنَّه محمد بن
المنكدر. قال الداودي: لم يبلغ مالكاً هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. قلتُ:
ومقصودُ هذا الحديث: ألا يخصَّ بصومٍ يعتقدُ وجوبه، أو لئلا يلتزم الناس من
تعظيمه ما التزمه اليهود في سبتهم: من تركهم الأعمال كلها، يُعظِّمونه بذلك.
والحديثُ الثاني نص في النهي عن خصوصية يوم الجمعة وليلته بصيامٍ
وقيام، فليعمل عليه.

٢٠٢
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
(١٧) باب
نسخ الفدية، ومتی بُقضی رمضان
[١٠١١] عن سلمةَ بن الأكوع، قالَ: لمَّا نَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَعَلَ
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كانَ مَنْ أرادَ أن يُفْطِرَ
ويَفْتَدِيَ حتَّى نزلتِ الآيةُ التي بعدَها فَنَسخَتْها.
(١٧) ومن باب: نسخ الفدية
معنى: ﴿وعلى
الذين يطيقونه
فدية ... ﴾
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]
اختلف في قراءتها، وفي معناها، فأمَّا قراءتُها: فالجمهورُ على: (يُطِيقُونَه) [بكسر
الطاء وسكون الياء، وأصله: يطوقونه](١). وكذلك قراءة حميد، ومشهور قراءة
ابن عباس: (يُطَوَّقُونَه). وقد رُوي عنه: (يَطَّيَّقُونَه). وقرأت عائشة وطاووس
وعمرو بن دينار: (يَطَّوَّقونه). فأمَّا قراءةُ الجمهور فمعناها: يقدرون عليه. وعلى
هذا تكونُ الآيةُ منسوخةً كما قال سلمةُ بن الأكوع، وابن عمر، ومعاذ بن جبل،
وعلقمة، والنخعيُّ، والحسن، والشعبيُّ، وابن شهابٍ. وقال السدّيُّ: هم الذين
كانوا يطيقونه وهم بحال الشباب ثم استحالوا بالشيخ فلا يستطيعون الصوم. وهي
عنده محكمةٌ، وتلزم الشيوخ عنده الفدية. ونحوه عن ابن عباس، وزاد: المريض
الذي لا يقدرُ على الصوم، وعضد هذا بقراءته المذكورة قَبلُ. قال القاضي
أبو محمد (٢) بن عطية: الآية عند مالك إنما هي فيمن يدركه رمضانُ وعليه صومٌ
من رمضان المتقدم، فقد كان يطيقُ في تلك المدة الصوم، فترك، فعليه الفدية.
وحكى الطبري عن عكرمة: أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يطيقونه فأفطروا ... )
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) في الأصول (أبو بكر) والمثبت من (ع)، وانظره في السير (٥٨٧/١٩).

٢٠٣
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
وفي رواية: حتى أَنْزِلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
[البقرة: ١٨٥].
رواه البخاري (٤٥٠٦)، ومسلم (١١٤٥) (١٤٩ و١٥٠)، وأبو داود
(٢٣١٥)، والترمذي (٧٩٨)، والنسائي (١٩٠/٤).
وأمَّا قراءة: (يُطَوَّقُونه) فمعناه: يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم كالمريض
والحامل؛ فإنهما يقدران عليه؛ لكن بمشقةٍ تلحقُ رضيعها، فذهب بعضُ الناس:
إلى أنها محكمة لهؤلاء، فإن صاموا أجزأهم، وإن افتدوا فلهم ذلك، وقاله
ابنُ عباس فيما حكاه عنه البخاريُّ، وأبو داود، ورأيا: أنها ليست بمنسوخةٍ؛ لكنها
مثبتةٌ للشيخ والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، وللحامل والمرضع.
و (يُطَيَّقُونه) بالياء مكان الواو مشددة، مبنياً للمفعول، مثل: (يُطَوَّقُونه) بالمعنى.
فأمَّا قراءة عائشة: فأصلها: (يَتَطَوَّقُونه) فأدغمت التاء في الطاء، ومعناها: يتكلَّفون
ذلك بأنفسهم مع المشقَّة، ويرجعُ ذلك لما تقدَّم في المريض ومَن ذکر معه.
فأما قولُه تعالى: ﴿فدية طعام مسكين﴾ ففدية: مرفوع بالابتداء، والخبر
محذوفٌ، أي: فعليهم فديةٌ، [أو خبر مبتدأ. أي: فحكمهم فديةٌ. وقراءة نافع
وابن عامر. (فقديةُ طعام) بإضافة (فدية) إلى (طعام) وجمع (مساكين). وقرأ
هشام: (فديةٌ طعامٌ)](١) بتنوين (فدية) ورفع (طعام) على أنَّ الطعام بدلٌ منها.
وقرأ بقيةُ السبعة كذلك، إلا أنَّهم وحَّدُوا (مساكين) وهي قراءةٌ حسنٌ؛ لأنها بيَّنت:
أنَّ الواجبَ في فطر يومٍ إطعامُ مسكينٍ واحدٍ، فأما الجمعُ فلا يعرف من مساق
الآية هل هم - أعني: المساكين - بإزاء يومٍ واحدٍ، أو بإزاء أيامٍ؟ وإنما يعلمُ ذلك
من دلیلٍ آخر.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٢٠٤
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
مقدار الفدية
ثمَّ اختلفوا في مقدار هذا الطعام حيث يجبُ: فذهب مالك وجماعةٌ من
العلماء: إلى أنه مدٌّ لكلِّ مسكين بمدِّ النبيِّ وَ ﴿، وقد تقدَّم في الزكاة. وقال
أشهب: مدٌّ وثلث بمدِّ أهل المدينة. وقال قومٌ: قوت يوم عشاء وسحور. وقال
سفيان الثوريُّ، وأبو حنيفة: نصف صاعٍ من قمحٍ، وصاع من تمرٍ أو زبيب.
معنی: ﴿فمن
تطوع خيراً ... ﴾
و (قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]) أي: من تطوّع بزيادةٍ
على إطعام مسكين. قاله ابنُ عباس وجماعةٌ، وقال ابنُ شهابٍ: من أراد الإطعامَ
مع الصوم. وقال مجاهد: من زاد في الإطعام على المدِّ. و (خير) الأول والثاني
بمعنى: أخير، وأفضل. معناه: من تطوَّع بأكثر من ذلك فهو أفضلُ عند الله.
نسخ : ﴿وآن
تصوموا خير
لکم﴾
و (قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]) أي: الصوم خيرٌ.
وكذلك قرأها أُبيّ. ومعناه: أنَّ الصومَ أفضلُ وأولى من الفدية. وقول سَلَمة بن
الأكوع: إنَّ ذلك نُسِخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] هذا
مقبولٌ من قول الصَّحابي؛ لأنه أعلمُ بالمقال، وأقعدُ بالحال، كما إذا قال: أمر
ونهى. ووَجْهُ النسخ في هذا واضح؛ وهو: أنَّ آيةَ الفدية تقتضي التخيير بين الفدية
والصَّوم مطلقاً، كما قال سلمة. وهذه الآيةُ الأخرى جاءت جازمةً بالصوم لمن
شهد الشهر، رافعةً لذلك التخيير. ومعنى: شهد الشَّهر؛ أي: حَضَر فيه مقيماً في
المصر. هذا قولُ جمهور العلماء، وعلى هذا يكون (الشهر) منصوباً على الظرف،
ويكونُ معناه عندهم: أنَّ مَن دخل عليه الشهرُ وهو مسافرٌ؛ أو طرأ عليه فيه سفرٌ؛
لم يجبْ عليه صومُه. وروى عن عليَّ، وابن عباس، وعبيدة السّلماني: أنَّ معنى
(من شهد): مَن حَضَر دخول الشهر، وكان مقيماً في أوله فليكملْ صيامه، سافر
بعد ذلك أو أقام. وإنما يفطرُ في السفر من دخلَ عليه رمضانُ وهو في السَّفر.
قلتُ: وهذا القولُ يردُّه فِطْرُ النبيِّ وَلير وأصحابه في السَّفر الطارىء عليهم بفتح
مكة، على ما تقدَّم. وقد كانوا ابتدؤوا الصومَ في الحضر. وقال أبو حنيفة: من

٢٠٥
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
[١٠١٢] وعن عائشةَ، قالتْ: كان يكُون عليَّ الصَّوْمُ مِن رمضانَ،
فما أُسْتطيعُ أنْ أَقْضِيَه إلَّا في شعبانَ،
شهد الشهرَ بشروط التَّكليف فليصمه، ومَن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به
طولَ الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهدِ الشهرَ بصفةٍ يجبُ بها الصِّيام. ومَن جُنَّ
أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه. قال القاضي أبو محمد بن عطيّة:
ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصَّريح بـ (شهد). قلتُ: وتكميله
أن یکون (شهد) بمعنی: شاهد.
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: أنها يكونُ عليها الصومُ فما تستطيعُ أن قضاء رمضان
تقضيه حتى يأتي شعبان) فيه حُبَّةٌ: على أنَّ قضاءَ رمضان ليس على الفور؛ خلافاً
بين الفور
والتراخي
لداود في إيجابه إيَّاه ثاني شوال، ومن لم يصمْه كذلك فهو آثمٌ عنده. وهذا الذي
صار إليه داود خلافاً لما يُفهم من هذا الحديث ومن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ
· [البقرة: ١٨٤] فإنه لم يُعيِّها، ولا قيَّدها بقيْدٍ، فتعينُها تحگُّمٌ بغير دليل.
وحديثُ عائشة هذا وإن لم تصرِّح فيه برفعه إلى رسول اللّهِ وَ له فإنه يُعلم: أنه
لا يخفى مثلُه عنه، ولا أنَّ أزواجَه ينفردْن بآرائهنَّ في مثل هذا الأمر المهمِّ
الضروري، فالظَّاهر: أنَّ ذلك عن إذن النبيِ وَ﴿ وتسويفه لهنَّ ذلك. فوقتُ قضائه
على هذا: من شوال إلى شعبان. وهو قولُ مالكِ، والشَّافعي. فله أن يُوقعه في أيِّ
وقتٍ من أوقات المدة المذكورة شاء. وحينئذٍ يأثمُ مؤخّره عن شعبان لتفريطه. ثمَّ
هل تلزمه كفارةٌ لذلك، أم لا تلزمه؟ فالأولُ قولُ مالك، والشافعي، ومعظمهم.
وقال به ابنُ عباس، وعائشةُ. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، وداود: إلى أنه
لا كفَّارة عليه. ثمّ اختلف أصحابُنا فيما به يكون مفرطاً: فمعظم الشيوخ: على أنه
لا يكون مفرطاً إلا بترك القضاء عند خروج مقدار ما عليه من أيام الصَّوم من
شعبان. ولو صحَّ من سنته، ثم جاءه ما منعه حتى دخل عليه رمضان؛ لم تلزمه
الكفَّارة. وقال بعضُهم: إنه تُراعى صحته، وإقامته من أول عامه، فمن صح من

٢٠٦
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
الشُّغُلُ مِن رسولِ اللهِهِ، أو برسولِ اللهَِّه .
وفي رواية: وذلكَ لِمَكَانِ رسولِ الله ◌َِّاهـ
رواه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦)(١٥١)، وأبو داود (٢٣٩٩)،
والترمذي (٧٨٣)، والنسائي (٤/ ١٩١).
شوال فما بعده مدة یمکنه فیه قضاءُ ما علیه فلم يفعل حتى جاءه ما منعه حتى دخل
عليه رمضان؛ فقد لزمته الكفَّارة. ونحوه في المدوَّنة. قلتُ: والقول الأول جارٍ
على القياس في التَّوسيع لوقت الصلاة؛ فإنه لو صحَّ في أول وقت الصلاة؛ ثم
أُغمي عليه مثلاً؛ حتى خرج الوقتُ؛ أعني: وقت الضرورة عند أصحابنا لم يلزمه
قضاء، وعلى ذلك القياس: لو مات في أثناء السنة لم يَقْضٍ. وقد حكى أبو حامد:
إجماع السَّلف على ذلك القياس في الصَّلاة، اللهم إلا أن يخافَ الفوتَ لحضور
سببه؛ فيتعيَّن الفعلُ إذ ذاك، فإن أخَّره أثم. وأمَّا القولُ الثاني: فإنما يتمشَى على
مذهب من يقول: إنه موسعٌ بشرط سلامة العاقبة، كما يقولُه الكرخي. ولا نعلمُ
أحداً من أصحابنا قال به، غير أنَّ هذا الفَرْعَ يقتضي مراعاةَ ذلك الأصل.
والله تعالى أعلم.
هل يشترط
التتابع في قضاء
رمضان؟
ثم اختلف في قضاء رمضان: هل من شرطه التَّتابع؟ وبه قال جماعةٌ من
الصحابة، والتابعين، وأهل الظاهر. أو ليس من شرطه ذلك. وهو مرويٌّ أيضاً عن
جماعةٍ من الصَّحابة، والتَّابعين، وكافة علماء الأمصار متمسّكين بإطلاق قوله
تعالى: ﴿فعدَّة من أيام أُخر﴾ والتقييدُ لا بُدَّ فيه من دليلٍ، ولا حُجَّة في قراءة
عبد الله (متتابعاتٍ) إذ ليست تلك الزيادةُ بقرآنٍ متواتٍ، ولا مرفوعةٍ إلى النبيِّ ◌َّارِ،
فلا يعمل بها، وهي محمولةٌ على أنها من تفسير ابن مسعودٍ لرأي رآه. والله تعالى
أعلم.
و (قولها: الشُّغُلُ من رسول الله : ﴿ ولمكان رسول الله وَيَ) وفي الرواية

٢٠٧
(١٠) كتاب الصوم - (١٧) باب: نسخ الفدية
[١٠١٣] وعنها، قالتْ: إنْ كانتْ إحْدانًا لَتُفْطِرُ في زمنٍ
رسولِ اللهِ وَ﴿، فما تَقْدِرُ على أنْ تقْضِيَهُ معَ رسولِ الله وَّهِ حتَّى يأْتِيَ
شعبانُ.
رواه مسلم (١١٤٦) (١٥٢).
الثالثة: (فما نقدر أن نقضيَه مع رسول الله وَ﴿) كلُّ هذه الألفاظ مُحوِّمةٌ على أنَّ
مراعاةَ حقوق رسول الله: ﴿ في أزواجه كانت الموجبةَ لتأخير قضاء رمضان إلى
شعبان. وتفيدُ أنَّ تأخيرَ القضاء إلى شعبان مسوَّغ، وأن المبادرةَ به أولى، وأنَّ ذلك
التأخير كان عن إذنه وَ ﴾. وارتفع (الشُّغْلُ) في الرواية الأولى على أنه فاعل بفعل
مضمر، دلَّ عليه المساق. كأنها قالت: منعني الشُّغلُ. وظاهِرُ مساق الألفاظ: أنها
من قول عائشة، وخصوصاً: في الرواية الثالثة؛ فإنَّ ذلك نص، غير أنَّ البخاريَّ
ذكر الرواية الأولى، ثم قال: قال يحيى: الشُّغْل برسول الله وَله. فقال لذلك بعضُ
علمائنا: إنَّ ذلك القول في الرواية الأولى ليس من قول عائشة، وإنما هو من قول
غيرها، وسكت عنه. قلت: وهبك أنَّ الرواية الأولى قابلةٌ للاحتمال، لكنَّ الثالثةَ
لا تقبلُ شيئاً من ذلك. فتأمَّلها.
و (قولها: إنْ كانت إحدانا لتفطرُ في زمن رسول الله وَ﴾) يفيدُ هذا اللفظُ:
أنَّ التأخيرَ لأجل الشُّغل لم يكن لها وحدها، بل لها ولغيرها من أزواج النبيِّ ◌َّهِ.
و (قولها: فما نقدر على أن نقضيه مع رسول الله ◌َي) يعني: أنها كانت
تتوقَّع حاجته إليها على الدَّوام. فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقُّه فيها
وقد كان له تسعُ نسوةٍ، وكان يقسم بينهنَّ، فلا تصل النوبةُ لإحداهنَّ إلا بعد ثمانٍ،
فكان يمكنها أن تصومَ في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟! فالجواب: أَنَّ
القسم لم يكن عليه واجباً لهنَّ، وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهنَّ، ودَفْعاً لما

٢٠٨
(١٠) كتاب الصوم - (١٨) باب: قضاء الصيام عن الميت
(١٨) باب
قضاء الصيام عن الميت
[١٠١٤] عن عائشةً، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَ له قالَ: ((مَنْ ماتَ وعليه صِيامٌ
صامَ عنه وَلِيُّه».
رواه أحمد (٦٩/٦)، والبخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)،
وأبو داود (٢٤٠٠).
يتوقَّع من الشرور، وفساد القلوب. أَلَّ ترى قولَ الله تعالى: ﴿﴿ تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ
وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ آَبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنََّحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] فلما علم
نساؤه هذا - أو مَن سألته منهن - كنَّ يتهيأن له دائماً، ويتوقَّعن حاجته إليهنَّ في أكثر
الأوقات. والله تعالى أعلم.
صوم المرأة
القضاء
ويُستفاد من هذا: أن المرأة لا تصوم القضاء وزوجُها شاهد إلا بإذنه، إلا
أن تخافَ الفوات، فيتعيَّن، وترتفع التوسعة. وقد قال بعضُ شيوخنا: لها أن تصومَ
القضاءَ بغير إذنه؛ لأنَّه واجب؛ وإنما محملُ الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم
إلا بإذنه على التطوع. فأمَّا الواجباتُ فلا یحتاجُ فيها إلى إذْن واحد.
(١٨) ومن باب: قضاء الصِّيام عن الميِّت
(قوله: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه))) بظاهره قال جماعةٌ منهم:
إسحاق، وأبو ثور، وأهل الظاهر. وقال به أحمد، والليث، وأبو عبيد إلا أنهم
خصَّصوه بالنذر. وروي مثله عن الشَّافعي - رحه الله ورحمهم - وأمَّا قضاء رمضان
فإنه يطعم عنه من رأس ماله، ولا يُصام عنه، وهو قولُ جماعةٍ من العلماء.
ومالك لا يوجب عليه إطعاماً إلا أن يوصي به فيكون من الثلث كالوصايا. وأجمع
المسلمون بغير خلاف: أنّه لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ في حياته [ولا بعد موته، وأجمعوا:

٢٠٩
(١٠) كتاب الصوم - (١٨) باب: قضاء الصيام عن الميت
[١٠١٥] وعن ابن عبّاس، قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ◌َ﴿ فقالَ:
أنه لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ في حياته](١) وإنما الخلافُ في ذلك بعد موته، وإنما لم
يقل(٢) مالك بالخبر لأمورٍ:
أحدها: أنه لم يجد عملهم عليه.
وثانيها: أنه اختلف [واضطرب](٣) في إسناده.
وثالثها: أنه رواه أبو بكرٍ البزار، وقال في آخره: لمن شاء. وهذا يرفعُ
الوجوبَ الذي قالوا به.
ورابعها: أنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله: ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾
[النجم: ٣٩].
وخامسها: أنه معارَضٌ بما خرَّجه النسائي عن ابن عبّاسٍ عن النبيِّ وَلايرى أنه
قال: ((لا يصلي أحدٌ عن أحد، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ؛ ولكن يطعم عنه مكان كل
يوم مداً من حنطة)) (٤).
وسادسها: أنه معارضٌ للقياس الجليِّ، وهو: أنه عبادة بدنية [لا مدخلَ
للمال فيها](٥) فلا تفعل عمَّن وجبتْ عليه، كالصلاة. ولا يُنْقَض هذا بالحجِّ؛ لأنَّ
للمال فيه مدخلاً.
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ع): يفعل.
(٣) ساقط من (ع).
(٤) رواه النسائي في الكبرى (٢/ ١٧٥) موقوفاً.
(٥) ساقط من (ع).

٢١٠
(١٠) كتاب الصوم - (١٨) باب: قضاء الصيام عن الميت
يا رسولَ الله! إنَّ أُمِّي مَاتتْ وعليها صَومُ شهرٍ، أفأَقَضِيه عنهَا؟ فقال: ((لَوْ
كانَ عَلى أُمُّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عنْهَا؟)) قال: نعم. قال: ((فَدَيْنُ اللَّهِ أحقُّ».
رواه أحمد (٢٥٨/١)، ومسلم (١١٤٨) (١٥٥).
[١٠١٦] وعنه، قالَ: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ لَهُ فقالتْ:
يا رسول الله! إنَّ أُمِّي ماتتْ وعليها صَوْمُ نَذْرٍ . - وفي روايةٍ: صومُ شهرٍ -
أنأصُومُ عنها؟ قال: ((أرأيتٍ لو كانَ على أُمُكِ دَيْنٌ فَقَضْتِهِ، أكانَ يُؤَدِّي
ذلكَ عنها؟)) قالتْ: نعم. قال: ((فَصُومي عن أمِّكِ)).
رواه أحمد (٢٥٨/١)، والبخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)
(١٥٦)، وأبو داود (٣٣١٠)، والترمذي (٧١٦)، وابن ماجه (١٧٥٨).
[١٠١٧] وعن عبدِ الله بن بُريدة، عن أبيه، قالَ: بَيْنا أنَا جالسٌ عندَ
رسولِ الله وَ﴾ إذا أَتَنْهُ امرأةٌ، فقالتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ على أُمِّي بجاريةٍ وإنَّها
و (قوله: ((لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيه؟))) مشعرٌ: بأنَّ ذلك على
الندب لمن طاعتْ به نفسه؛ لأنه لا يجبُ على وليِّ الميّت أن يؤديَ من ماله عن
الميّت دَيْناً بالاتفاق، لكن مَن تبرَّعَ به انتفعَ به الميّت، [وبرئت ذمته](١)، ويمكن
أن يقال: إنَّ مقصودُ الشرع: أنَّ وليّ الميت إذا عمل العملَ بنفسه من صومٍ، أو
حج، أو غيره، وصيَّه للميت انتفعَ به الميِّتُ، ووصلَ إليه ثوابُه. ويعتضدُ ذلك:
بأنَّهِ﴿ شبَّه قضاء الصوم عن الميّت بقضاء الدَّين عنه، والدَّينُ إنما يقضيه الإنسان
عن غيره من مالٍ حصَّله لنفسه، ثم بعد ذلك يقضيه عن غيره، أو يهبه له.
(١) ساقط من (ع).

٢١١
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
مَاتَتْ. قال: فقالَ: ((وَجَبَ أجرُكِ، وردّها عليكِ الميراثُ)). قالتْ:
يا رسولَ الله! إنَّه كان عليها صَومُ شهرٍ .
وفي روايةٍ: صومُ شهرين، أَفَأَصومُ عنها؟ قال: ((صُومي عنها)).
قالتْ: إنَّها لم تَحُجَّ قَطَّ أفأَحُجُ عنها؟ قال: ((حُجِّي عنها)).
رواه مسلم (١١٤٩) (١٥٧ و ١٥٨)، وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي
(٦٦٧).
(١٩) باب
فضل الصيام، والأمر بالتَّحفظ به
من الجهل والرَّفث
[١٠١٨] عن أبي هُريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّةِ، قالَ اللَّه
عزَّ وجلّ: ((كُلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلَّ الصِّيَامُ فإنَّه لي وأنا أَجْزي به،
و (قوله: ((وجب أجرك))) أي: في الصدقة (وردّها) أي: إلى مُلكك، وهذا
لأنَّ مُلْكَ الميراث جبريٌّ، بخلاف غيره من جميع التمليكات، ولذلك جعل
النبيُّ ◌َّر المشتري لصدقته كالعائد فيها (١). وسيأتي الكلام على قوله: ((حجي
عنها» في الحجّ.
(١٩) ومن باب: فضل الصِّيام
(قوله: ((كلُّ عمل ابن آدم له إلاَّ الصِّيام فإنَّه لي))) اختلفَ في معنى هذا على
أقوال:
(١) رواه البخاري (١٤٨٩) من حديث ابن عمر.

٢١٢
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
أحدها: أنَّ أعمالَ بني آدم يمكنُ الرَّياء فيها، فيكون لهم؛ إلا الصِّيام فإنه
لا يمكنُ فيه إلا الإخلاص؛ لأنَّ حال الممسك شبعاً كحال الممسكِ تقرباً، وارتضاه
المازريُّ.
وثانيها: أنَّ أعمالَ بني آدم كلَّها لهم فيها حظٍّ إلا الصِّيام فإنهم لا حظَّ لهم
فيه. قاله الخطابيُّ.
وثالثها: أنَّ أعمالَهم هي أوصافهم، ومناسبةٌ لأحوالهم إلا الصِّيام؛ فإنه
استغناءٌ عن الطَّعام؛ وذلك من خواصٌ أوصاف الحقِّ سبحانه وتعالى.
ورابعها: أنَّ أعمالَهم مضافةٌ إليهم إلا الصِّيام فإنَّ الله تعالى أضافه إلى نفسه
تشريفاً، كما قال: (بيتي - وعبادي).
وخامسها: أنَّ أعمالهم يقتصُّ منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصِّيام فإنه لله،
ليس لأحدٍ من أصحاب الحقوق أن يأخذَ منه شيئاً. قاله ابنُ العربي. وقد كنتُ
استحسنته إلى أن فكرتُ في حديث المُقَاصّة، فوجدتُ فيه ذكْر الصوم في جملة
الأعمال المذكورة للأخذ منها، فإنَّه قال فيه: ((هل (١) تدرون من المفلس؟)) قالوا:
المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاع. فقال: ((المفلسُ هو الذي يأتي يوم القيامة
بصلاةٍ وصدقةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، [وضرب هذا](٢) وسفك
دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناتُه قبل أن
يقضي ما عليه أُخِذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النَّار))(٣). وهذا يدلُّ:
على أنَّ الصوم يُؤخذ كسائر الأعمال.
(١) في (هـ): أ.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه أحمد (٣٠٣/٢ و٣٣٤)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذي (٢٤١٨).

٢١٣
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
والصِّيامِ جُنَّةٌ
وسادسها: أنَّ الأعمالَ كلَّها ظاهرةٌ للملائكة، فتكتبها إلا الصوم، وإنما هو
نيةٌ وإمساكٌ، فاللهُ يعلمه، ويتولَّى جزاءه. قاله أبو عبيد.
وسابعها: أنَّ الأعمالَ قد كشفت لبني آدم مقاديرُ ثوابها، وتضعيفها إلا
الصيام فإنَّ الله يثيبُ عليه بغير تقدير، ويشهدُ لهذا مساقُ الرواية الأخرى التي فيها:
((كلُّ عمل ابن آدم يُضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعفٍ، قال الله: إلا
الصَّوم، فإنه لي، وأنا أجزي به)) يعني : - والله تعالى أعلم - أنه يجازي عليه جزاءً
كثيراً من غير أن يُعيِّن مقدارَهُ، ولا تضعيفه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿ إِنََّا يُوَقَّ
الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين.
وهذا ظاهرُ قول الحسن، غير أنه قد تقدَّم، ويأتي في غير ما حديثٍ: أنَّ صومَ اليوم
بعشرةٍ، وأنَّ صيامَ ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ؛ وصيام رمضان صيام الدَّهر. وهذه
نصوصٌ في إظهار التَّضعيف، فَبَعُدَ هذا الوجهُ، بل بطل. والأولى حَمْلُ الحديثِ
على أحد الأوجه الخمسة المتقدِّمة؛ فإنها أبعدُ عن الاعتراضات الواقعة.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((يذر شهوته وطعامه من أجلي))) تنبيهٌ على الجهة التي بها يستحقُّ
الصوم أن يكونَ كذلك، وهو الإخلاصُ الخاصُّ به، كما قدَّمناه في الوجه الأول.
و (قوله: ((الصِّيام جُنَّةٌ))) مادة(١) هذه اللفظة التي هي: الجيم والنون كيف معنى: الصيام
ما دارت صورُها بمعنى: السّترة؛ كالجنِّ، والجنَّة، والجنون، والمجنُّ. فمعناه: جنّةً
أنَّ الصومَ سترة. فيصحُّ أن يكونَ (جنة) بحسب مشروعيته. أي: ينبغي للصَّائم أن
يعريه مما يفسده، وممَّا ينقص ثوابه؛ كمناقضات الصِّيام، ومعاصي اللسان. وإلى
هذه الأمور وقعتِ الإشارة بقوله: ((فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا
(١) ساقط من (هـ).

٢١٤
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
فإذا كانَ يومُ صَوْم أحدِكُم فلا يَرْفُثْ يومئذٍ ولا يَسْخَبْ (وفي رواية:
ولا يَجهلْ) فإنْ سَابَّه أَحدٌ أو قَاتَله فليقلْ: إنِّي امرؤٌ صَائِمٌ، والذي نفسُ
يسخب ... الخ)) ويصحّ أن يسمَّى: ((جُنَّةً)) بحسب فائدته، وهو إضعافُ شهوات
النفس، وإليه الإشارةُ بقوله: ((ويذر شهوته وطعامه من أجلي)). ويصحُّ أن يكون
(جُنَّةَ)) بحسب ثوابه. وإليه التصريحُ بقوله: ((من صامَ يوماً في سبيل الله باعَدَ اللهُ
بذلك اليوم وَجْهَهُ عن النَّار سبعين خريفاً».
النھی عن
الرفث
والسخب في
الصوم
و (قوله: ((فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفُت ولا يسخب))) لا يُفْهَمُ من
هذا الشرط: أنَّ غير يوم الصَّوم يُباح فيه الرفث والسخب؛ فإنهما ممنوعان على
الإطلاق، وإنما تأكّد منعُهما بالنسبة إلى الصوم. والرفث: الفحش من الكلام،
والسخب منه. يُقال: (رفَث) بفتح الفاء، يرفُِث، بضمها، وكسرها. [و (رفِث)
بكسرها في الماضي (يرفَث) بفتحها في المستقبل (رفْئاً) بسكونها في المصدر،
وفتحها في الاسم. ويقال: (أرفث) أيضاً، وهي قليلةٌ. و (السَّخب): اختلاطُ
الأصوات، وكثرتها](١)، ورفعها بغير الصواب. يقال: بالسين والصاد. وعند
الطبري: مكان: (لا يسخب) (لا يسخر). يعني: السخرية بالنَّاس. والأول هو
المعروف. والجهل في الصوم: هو العملُ فيه على خلاف ما يقتضيه العلم. وقد
روى النَّسائيُّ من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من لم يدع قولَ الزُّور؛ والعمل به؛
والجهل في الصوم؛ فليس لله حاجةٌ في ترك طعامه وشرابه))(٢).
و (قوله: ((فإن أحدٌ سابَّه أو قاتله فليقل: إنِّي صائم))) المسابَّة والمقاتلةُ ممَّا
لا تكون إلا من اثنين غالباً؛ ولم تقعْ هنا إلا من أحدهما، لكنه لما عرّض أحدُهما
ماذا يقول
الصائم لمن
سابَّه أو قاتله؟
(١) ما بين حاصرتين ساقط م (هـ).
(٢) رواه أحمد (٤٥٢/٢ و٤٥٣)، والبخاري (١٩٠٣)، وأبو داود (٢٣٦٢)، والترمذي
(٧٠٧)، والنسائي في الكبرى (٣٢٤٥)، وابن ماجه (١٦٨٩).

٢١٥
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
مُحمَّدٍ بَيَدِه لخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أطيبُ عندَ اللَّهِ يَوْمَ القيامةِ من رِيحِ المِسْكِ،
الآخر لذلك صَدَق اللفظُ عليهما. وظاهره: أنَّ الصائمَ يقول ذلك القولَ المأمور به
للسابٌ ليسمعه؛ ولِيُعْلِمَه اعتصامه بالصَّوم، فينكفّ عن سبِه. ويحتملُ أن يُرادَ أنَّه
يقولُ ذلك لنفسه مُذكِّراً لها بذلك، وزاجراً عن السِّباب. واختلفَ إذا سبَّ الصائمُ
أحداً، أو اغتابه: فالجمهورُ على أنَّ ذلك ليس بمفسدٍ للصَّوم. وذهب الأوزاعيُّ:
إلى أنَّ ذلك مُفْطِرٌ، مُفْسِدٌ. وبه قال الحسنُ فيما أحسب.
و (قوله: ((الخُلُوفُ فم الصَّائم))) هكذا الروايةُ الصَّحيحة؛ بضم الخاء؛ ومن
لا يُحقِّق بقوله بفتح الخاء. وقال الخطابيُّ: هو خطأ. قال الهروي: خلف فوه: إذا
تغيَّر، يخلُفُ، خُلوفاً. ومنه: حديث عليٍّ وسُئِل عن قُبلة الصائم فقال: وما أَرَبُّكَ
إلى خُلُوفٍ فيها؟ ويقال: نومةُ الضحى مخلفةٌ للفم. أي: مغيِّرة. قال صاحبُ
الأفعال: خلف فوه، وأخلف.
وقد أخذ الشَّافعي من هذا الحديث مَنْعَ الصَّائم من السّواك من بعد الزوال. حكم الاستباك
قال: لأنَّ ذلك الوقتَ مبدأُ الخلوف؛ قال: والسواك يُذْهِبُه. وربما نظم بعضُ للصائم
الشافعية في هذا قياساً، فقال: أَثَر عبادةٍ فلا يزال، كدم الشهيد. وهذا القياسُ تردُ
عليه أسئلةٌ من جملتها القول: ومع أن السّواك يزيلُ الخلوفَ فإنَّه من المعدة
والحلق، لا من محلِّ السّواك، وحينئذٍ لا يلزمُ شيءٌ من ذلك. وقد أجاز كافَّةُ
العلماء للصائم أن يتسؤَّكَ بسواكٍ لا طَعْمَ له في أيِّ أوقات النَّهار شاء.
و (قوله: ((أطيب عند الله من ريح المسك))) لا يتوهّم: أنَّ اللهَ تعالى يستطيبُ معنى: أطيب
الرَّوائحَ، ويستلذُّها، كما يقعُ لنا من اللذة، والاستطابة؛ إذ ذاك من صفات عند الله ...
افتقارنا، واستكمال نقصنا، وهو الغنيُّ بذاته، الكامل بجلاله وتقدُّسه. على أنَّا
نقول: إنَّ الله تعالى يدركُ المدركات، ويبصر المبصرات، ويسمع المسموعات
على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه مخلوقاته، وإنما معنى هذه
الأطيبية عند الله تعالى راجعةٌ إلى أنَّ الله تعالى يُئيبُ على خُلوف فم الصائم ثواباً

٢١٦
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
وللصَّائم فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما: إذا أفطرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ، وإذا لَقِيَ ربَّه فَرِحَ
بصومه».
وفي روايةٍ: ((كلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسنةُ عَشْر أمثالِهَا إلى
سبعمئةٍ ضعفٍ، قال: قالَ اللَّهُ: إلَّا الصَّوم فإنَّه لي وأنا أَجْزِي به، يَدَعُ
شَهْوَتَه وطَعامَه مِن أجْلي)).
رواه أحمد (٢٧٣/٢)، والبخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١)
(١٦٣ و١٦٤)، والنسائي (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).
[١٠١٩] وعن سهل بن سعدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَله: ((إنَّ في
الجنَّة باباً بُقَالُ له الرَّيَّان يَدْخُلُ منه الصَّائِمون يومَ القِيامةِ، لا يَدْخُلُ معهم
أكثر مما يثيبُ على استعمال روائح المسك، حيث نَدَبَ الشرعُ إلى استعماله فيها،
كالجُمَعِ والأعياد وغير ذلك. ويحتملُ أن يكونَ ذلك في حقِّ الملائكة، فيستطيبون
ربحَ الخُلوفِ أكثر ممَّا يستطيبون ربحَ المسك.
للصائم فرحتان
و (قوله: ((وللصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره)) أي: فَرِح بزوال عَطَشه؛
وجوعه حين أبيحَ له الفطر. وهذا الفرحُ طبيعيٍّ، وهو السابقُ للفَهْم. وقيل: إنَّ
فَرَحَهُ بفطره؛ إنما هو من حيث إنَّه: تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتحقيق ريُّه
ومعونته على مستقبل صومه. وأمَّا (قوله: ((وإذا لقي ربَّه فرح بصومه))) أي:
بجزاء صومه وثوابه.
و (قوله: ((إنَّ في الجنَّة باباً يقال له: الرَّيَّان))) وزن الرَّيَّان: فعلان، وهو
الكثير الرَّيِّ، الذي هو نقيضُ العطش. وسُمِّي هذا البابُ بهذا الاسم: لأنّه جزاءُ
الصائمين على عطشهم وجُوعهم، واكْتُفِي بذكر الرَّيِّ عن الشِّبع لأنه يدلُّ عليه من
حیث إنه يستلزمه .
باب الرَّیان في
الجنّ

٢١٧
(١٠) كتاب الصوم - (١٩) باب: فضل الصيام
أحدٌ غَيْرُهُم، يُقَال: أينَ الصَّائِمون؟ فَيَدْخُلون مِنْه فإذا دَخَلَ آخرُهُمْ أُغْلِقَ
فلم يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
رواه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥)،
والنسائي (١٦٨/٤)، وابن ماجه (١٦٤٠).
[١٠٢٠] وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَلـ
يقول: ((مَنْ صَامَ يَوماً في سبيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وجهَه عنِ النَّارِ سَبْعِينَ
خَرِیفاً» .
رواه أحمد (٨٣/٣)، والبخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣) (١٦٨)،
والترمذي (١٦٢٢)، والنسائي (١٧٣/٤).
و (قوله: ((من صام يوماً في سبيل الله))) أي: في طاعة الله. يعني بذلك:
قاصِداً به وَجْهَ الله تعالى. وقد قيل فيه: إنه الجهادُ في سبيل الله.
و (قوله: ((سبعين خريفاً))) أي: سَنَّةً، وهو على جهة لِمبالغة في البُعْد عن
النار، وكثيراً ما تجيءُ السبعون عبارةً عن التكثير، كما قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَّم
سَبْعِينَ مَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. و (الخريف): فعيل بمعنى: مفتعل؛
أي: مخترف. وهو الزمان الذي تخترفُ فيه الثمار.

٢١٨
(١٠) كتاب الصوم - (٢٠) باب: فيمن أصبح صائماً متطوعاً ثم يُقطر
(٢٠) باب
فيمن أصبح صائماً متطوعاً ثم يُفطر،
وفیمن أکل ناسیاً
[١٠٢١] عن عائشةَ أُمّ المؤمنينَ، قالت: قال لي رسولُ الله ◌ِوَالآخِ ذاتَ
يومٍ: ((يا عائشةُ! هل عندكم شَيءٌ؟)) قالتْ: فقلتُ: يا رسولَ الله! ما عِنْدَنا
(٢٠) ومن باب: من أصبح صائماً متطوِّعاً ثم يفطر
(قوله - وقد سأل -: هل عندهم طعام؟ فقيل: [لا، فقال](١): إني صائم)
حجةٌ لمن قال: إنَّ صومَ التطوّع يصحُ بغير نيةِ تُبَيَّت، كما قدَّمنا الخلافَ فيه،
ولا حجةَ فيه؛ إذ يحتملُ أن سؤاله أولاً: هل عندهم(٢) شيء؟ كان لضعفه [عن
الصوم فاحتاج إلى الفطر، فسأل، فلمَّا لم يجد بقي على ما قدّم من صومه](٣) أو
سأل عن ذلك وهو صائم ليعلم هل عندهم ما يحتاجُ إليه عند إفطاره فتسكن نفسُه
إليه، فلا يحتاجُ إلى تكلف اكتسابه، ويحتملُ أن يكون قوله: ((أنا صائم)). أي: لم
آكل بعد (٤) شيئاً، فيكون صائماً لغةً. و (الزور): الزُؤَّار، قال ابنُ دريد: وهو
ما يكونُ الواحدُ والجماعةُ فيه سواء. وقيل: الزَّور: المصدر، وبه سُمِّي الواحد
والاثنان والجميع، كما قالوا: رجلٌ صوْمٌ وقوم صوْمٌ وعدْلٌ. ونحوه للخطابي.
و (الحيس) قال فيه الهروي: هو ثريدةٌ من أخلاطِ. قال ابنُ دريد: هو التَّمر مع
الأقط والسّمن. قال الشّاعر:
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ع): عندكم.
(٣) ساقط من (ع).
(٤) ساقط من (ع).

٢١٩
(١٠) كتاب الصوم - (٢٠) باب: فيمن أصبح صائماً متطوعاً ثم يُقطر
شَيءٌّ. قالَ: ((فإِنِّي صَائمٌ)). قالتْ: فخرجَ رسولُ الله ◌َّهِ فَأُهْدِيَتْ لنا هَديَّةٌ
أو جاءَنا زَوْرٌ. قالتْ: فلمّا رَجَعَ رَسولُ اللهَِّ، قلتُ: يا رسول الله!
أُهْدِيَتْ لنا هَديَّةٌ، أو جاءَنا زَوْرٌ، وقد خَبَّأْتُ لَكَ شيئاً. قالَ: ((ما هو؟))
قلتُ: حَيْسٌ. قال: ((هاتيه)) فجئتُ به، فَأَكَلَ، ثم قالَ: ((قد كُنتُ أصبحتُ
صَائماً».
قال طلحة بن يحيى: فحدَّثْتُ مُجاهِداً بهذا الحديث، قال: ذاكَ
بِمَنْزِلة الرَّجلِ يُخْرِجُ الصَّدقةَ مِن مَالِه، فإنْ شَاءَ أَمْضَاها وإِنْ شَاءَ أَمْسَكَها.
رواه أحمد (٢٠٧/٦)، ومسلم (١١٥٤) (١٦٩)، وأبو داود
(٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٣)، والنسائي (١٩٥/٤).
الثَّمْرُ والسَّمْنُ [جميعاً و](١) الأَقِطْ
الحَيْسُ إِلَّا أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ
و (قولها في هذه الرواية: ((فخرج رسولُ اللهِ وَ ﴿ فأهديت لنا هديةٌ))) ظاهِرُه:
أنَّ هذا وما قبله كان في يوم واحدٍ، وليس كذلك، بدليل: ما جاء في الرواية
الأخرى الآتية: (ثم أتانا يوماً آخر) وذكر نحوه.
و (قوله: ((قد كنتُ أصبحتُ صائماً)) فأكل) حجَّةٌ لمن قال: إنَّ صائمَ النافلة هل يجوز
الصائم النافلة
أن یفطر فیه؟
يجوزُ أن يفطرَ فيه، وأن يخرجَ منه. وهو قولُ الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق مع
جماعة من الصَّحابة، مع استحبابهم له إتمامه من غير وجوبٍ. ومنعه ابنُ عمر
وقال: هو كالملاعبُ بدينه. وهذا مذهبُ مالك، وأبي حنيفة، والحسن،
والنخعي، ومكحول، وألزموه إتمامه إذا دخل فيه. فإن أفطر متعمداً قضاه على
(١) في اللسان: معاً ثم.

٢٢٠
(١٠) كتاب الصوم - (٢٠) باب: فيمن أصبح صائماً متطوعاً ثم يُقطر
[١٠٢٢] وعنها، قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ الله ◌ِوَّهِ ذاتَ يومٍ، فقال:
((هل عِنْدَكم شيءٌ؟)) فقلتُ: لا. قال: ((فإِنِّي إذاً صَائِمٌ)) ثم أَتَانا يَوْماً آخرَ،
فقلنا: يا رسولَ الله! أُهْدِي لنا حَيْسٌ. فقال: ((أَرِينِه، فلقد أصبحتُ
صَائماً)) فأكَلَ.
رواه أحمد (٤٩/٦)، ومسلم (١١٥٤) (١٧٠)، والترمذي (٧٣٤)،
والنسائي (١٩٤/٤ - ١٩٥).
مذهب الملزمين لإتمامه. فلو أفطر ناسياً، أو مغلوباً، أو لعذر لم يُلْزَم القضاء،
وأسقط أبو حنيفة القضاءَ عن الناسي خاصّةً، وأوجبه عليه ابنُ عُليَّة. وحكى ابنُ
عبد البر: الإجماع على أنَّ المفطرَ فيه لعذرٍ لا قضاء عليه؛ وكأنه لم يقفْ على
ما ذكر عن ابن عُلَيَّة؛ فإنه خلافٌ شادٌّ. ويُحْمَلُ الحديث عند هؤلاء على أنه وَّ
كان مجهوداً. ومما يستدلُّ به لمالك ومن قال بقوله: حديث النسائي عن عائشة
- رضي الله عنها - قالت: أصبحتُ صائمةً أنا وحفصة، فأُهدي لنا طعامٌ فأعجبنا،
فأفطرنا، فدخل النبيُّ ◌َ ﴿ فبدرتني حفصةُ، فسألته؟ فقال: ((صوما يوماً مكانه))(١).
وقول مجاهد: ذلك بمنزلة الرَّجل يُخْرِج الصَّدقة من ماله؛ فإن شاء أمضاها؛
وإن شاء أمسكها [قياس](٢) ليس بصحيح، فإنَّ الذي يُخْرِج الصدقةَ من ماله ولم
يعطها للفقير؛ ولم يعيِّنها؛ لم يدخلْ في عملٍ يجبُ إتمامه، بخلاف الصائم؛ فإنه
قد دخل في عمل الصوم، وقد تناوله نهيُ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾
[محمد: ٣٣]، وإنما يدخلُ في عمل الصَّدقة بدفعها لمستحقُّها، أو بتعيينها،
وحينئذٍ تجب للفقير (٣)، ويحرمُ على مخرجها الرجوع فيها، وأخذها منه، فأمَّا قبل
(١) رواه النسائي في الكبرى (٣٢٩٩).
(٢) ساقط من (ع).
(٣) ساقط من (هـ).