النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (١٠) كتاب الصوم - (١١) باب: من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه [٩٨٨] وعنه، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي سفرٍ، فرأَى رَجُلاً قد اجتمعَ النَّاسُ عليه، وقد ظُلِّلَ عليه، فقال: ((ما لَه؟)) قَالُوا: رجلٌ صائمٌ. فقالَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ: ((ليسَ مِنَ البِرِّ أنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ)). رواه أحمد (٣١٩/٣)، والبخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والنسائي (١٧٧/٤). من الصوم عَصَى بصومه، وعلى هذا يُحملُ قولُهُ وَّلفيه: ((أولئك العصاة)). وقوله: ((ليس من البرِّ الصِّيام في السفر)) فإنه خرجَ على قوم سقطوا من جهد الصوم، حتى ظلل عليهم. فيتناول من كان على مثل حالهم. وأمَّا من لم يكن كذلك؛ فحكمه ما تقدم من التخيير. وبهذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، وتجتمع الأدلة كلُّها، ولا يحتاج إلى فرض النسخ؛ إذ لا تعارض. والله تعالى أعلم. و (قوله: ليس من البرِّ الصيام في السفر) هذا القول و(قوله: ((أولئك العصاة)) من حديث جابرٍ). الظاهرُ: أنَّ القضيةَ واحدة، وأنَّ النبيَّ وَّر قال القولين في تلك القضية الواحدة. وقد تأوَّلَ بعضُ علمائنا قوله: ((ليس من البر)) أي: البرّ الواجب. وهذا التأويلُ إنما يحتاجُ إليه من قطع الحديث عن سببه، وحَمَله على عمومه. وأمَّا على ما قرَّرناه؛ فلا حاجةً إليه. ورُوي هذا الحديثُ هنا: ((ليس البر)) بغير ((من)) وقد روي من طريقٍ أخرى: ((ليس من البرِ)) وهي (من)) الزائدة التي تُزاد لتأكيد النفي. وقد ذهب بعضُ الناس: إلى أنها: مبعضة هنا. وليس بشيء. وقد روى أهلُ الأدب: ((ليس من امبرٍ امصيامٌ في امسفر)) فأبدلوا من اللام ميماً، وهي لغةُ قوم من العرب. وهي قليلةٌ. والله تعالى أعلم. ١٨٢ (١٠) كتاب الصوم - (١٢) باب: الفطر أفضل لمن تأهّب إلى لقاء العدو (١٢) باب الفطر أفضل لمن تأهَّبَ إلى لقاءِ العدو [٩٨٩] عَن أنس، قالَ: كُنَّا مع النبيِّ وَ ﴿ فِي السَّفرِ فِمِنَّا الصَّائمُ، ومنَّا المُفطرُ، قال: فنزَلْنا مَنْزِلاً في يوم حارٌّ، أَكْثَرُنا ظِلَّ صَاحِبُ الكِساءِ، ومِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمسَ بيدِه. قال: فسقطَ الصُّوامُ، وقام المُفطِرونَ، فضربُوا الأَبْنية، وسَقَوا الرِّكَابَ، فقالَ رسول الله ◌ِ له: ((ذهَبَ المُفطرونَ اليومَ بالأجْرِ)). رواه البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩) (١٠٠)، والنسائي (٤/ ١٨٢). [٩٩٠] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، قالَ: سافرنَا معَ رسولِ اللهِ وَلول (١٢) ومن باب: الفطر أفضل لمن تأهَّب للقاء العدوّ (قوله: أكثرنا ظلاّ صاحب الكساء) يعني: أنَّهم لم يكن لهم فساطيط ولا أخبية. و (يتَّقي الشمس بيده) يستترُ منها. و(الأبنية): جمع بناء، يعني بها: الخصوص. و (الرِّكاب): الإبل. و (قوله: ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)) يعني: أنَّهم لما قاموا بوظائف ذلك الوقت؛ وما يحتاج إليه فيه؛ كان أجرُهم على ذلك أكثر من أجر مَن صام ذلك اليوم؛ ولم يقم بتلك الوظائف. وفيه ردٌّ على مَن يقول: إنَّ المسافر لا يصحُّ صومه. ١٨٣ (١٠) كتاب الصوم - (١٢) باب: الفطر أفضل لمن تأهّب إلى لقاء العدو إلى مَكَّةَ، ونحن صِيَامٌ، قال: فنزلْنا مَنْزِلاً، فقالَ رسولُ الله وَلِّ: ((إنَّكم قد دَنَوْتُم مِن عَدوّكم، والفِطرُ أَقْوَى لكم)) وكانت رُخصةً، فَمنَّا مَنْ صَامَ، ومِنَّا مَنْ أَقْطَرَ، ثم نزلنَا منزلاً آخرَ، فقالَ: ((إنَّكم مُصبِّحو عدوُّكُم، والفِطْرُ أقوى و (قوله: ((إنكم قد دنوتم من عدوّكم والفطر أقوى لكم))) دليلٌ: على أنَّ حِفْظَ القوة بالفطر أفضلُ لمن هو منتظر (١) للقاء العدوِّ. و (قوله: فكانت رخصة) يعني: أنَّهم لم يفهموا من هذا الكلام الأمر بالفطر، ولا الجزم به. وإنَّما نَّه به على أنَّ الفطرَ أولى لمن خاف الضَّعف. وسُمِّي هذا: رخصةً بناءً على أنَّ كُلَّ مكلَّفٍ مخاطَبٌ بصوم رمضان، كما قد أفهمه قوله تعالى: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أو بالنسبة إليهم إذ كان النبيُّ ◌َله قد صام من حين خروجه من المدينة، وصام الناسُ معه إلى أن بلغ الكديد، كما تقدَّم، فلما خافَ عليهم الضَّعفَ نبَّههم على جواز الفطر، وأنّه الأفضل. فسُمِّي ذلك رخصةً بالنسبة إلى تَرْك ما كانوا قد اختاروه من الصَّوم، ولما فهموا: أنَّ هذا من باب الرُّخص كان منهم من هو موفورُ القوة فصام، وكان منهم من خاف على نفسه فأفطر. ثم بعد ذلك قال لهم: ((إنكم مصبِّحو عدوكم، والفطرُ أقوى لكم، فأفطروا)) قال: وكانت عزمة. أي: أنهم فهموا من أمره بالفطر أنَّه جزءٌ، ولا بُدَّ منه، وأنَّه واجب، فلم يصمْ منهم أحدٌ عند ذلك فيما بلغنا، ولو قُدِّر هنالك صائم لاستحقَّوا أن يُقال لهم: أولئك العصاة. وقد حمل بعضُ علمائنا قوله: ((أولئك العصاة)) على هذا، بناءً على أنَّ منهم مَن صام بعد الأمر بالفطر. ولم يسمع ذلك في حديث مروي، وإنّما هو تقديرٌ مِن هذا القائل. (١) في (هـ): مستنظر. ١٨٤ (١٠) كتاب الصوم - (١٢) باب: الفطر أفضل لمن تأهّب إلى لقاء العدو لكم، فأفْطِروا)) وكانتْ عَزْمَةً، فأفطرنَا، ثم لقد رأيتُنا نصومُ مع رسول الله ◌َ ﴿ بعد ذلك في السَّفرِ. رواه مسلم (١١٢٠)، وأبو داود (٢٤٠٦)، والترمذي (٧١٢ و ٧١٣)، والنسائي (١٨٨/٣ -١٨٩). [٩٩١] وعن أبي الدَّرْداءِ، قال: لقد رأيتُنا معَ رسولِ اللهِ وَّ في بعضٍ أسْفَارِه في يوم شديدِ الحَرُّ، حتَّى إنَّ الرجلَ ليضعُ يدَه على رأسِه مِن شِدَّة الحَرِّ، ومَا مِنَّا أَحَدٌ صَائمٌ إلا رسولُ اللهِوَّهِ وعبدُ الله بنُ رَوَاحة. رواه البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١٢٢) (١٠٩)، وأبو داود (٢٤٠٩)، وابن ماجه (١٦٦٣). الصوم في السفر هو الأصل والأفضل و (قوله: ثم لقد رأيتنا نصومُ مع رسول الله وَلي بعد ذلك في السفر) دليلٌ على أنَّ الصومَ هو الأصلُ والأفضل. وأن الفطرَ إنما كان لعلَّةٍ وسبب، ولما زال ذلك رجع(١) إلى الأفضل. والله تعالى أعلم. و (قوله: وما منَّا أحدٌ صائمٌ إلا رسول اللهِ وَ له وعبد الله بن رواحة) يدلُّ: على أنَّ الصومَ أفضلُ، كما قد صار إليه مالك ومَن سمَّینا معه. (١) ساقط من (ع). ١٨٥ (١٠) كتاب الصوم - (١٣) باب: فضل صيام يوم عرفة (١٣) باب فضل صيام يوم عرفة، وترك صيامه لمن كانَ بعرفة [٩٩٢] عن أبي قتادة الأنصاريٍّ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ سُئل عن صَومِهِ، قال: فغضبَ رسولُ الله ◌َێے، (١٣) ومن باب: فَضْل صيام يوم عرفة (قول أبي قتادة: سُئِلِ رسولُ اللهِوَه عن صَوْمه فغضب) غَضَبُه عند هذا السؤال يحتملُ أوجهاً: أحدها: أنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن صَوْمه ليلتزمه، وربما يعجز عنه، فغضب لذلك، ولم يُجبه. وثانيها: أنه فهم أنَّ السّائلَ إنما سأل ليعلمَ مقدار ذلك فيزيدُ عليه، كما قد سأل نفرٌ عن عبادة رسول الله وَل﴿ فتقالُوها، وقالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك. فقال أحدهم: أمَّا أنا: فأصومُ ولا أفطر. وقال الآخر: أمَّا أنا: فأصلِّي الليل ولا أنام. وقال الآخرُ: أمَّا أنا: فلا أنكح النِّساء. فقال النبيُّ ◌َلِّ: ((أمَّا أنا: فأصلِّي وأنام، وأصومُ وأفطر، وأنكح النِّساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي))(١). وثالثها: لعلَّه إنما غضب لما يؤدِّي إليه من إظهار عمل السرِّ، كما قال ◌َّهِ: إِنَّ من شر (إنَّ من شرِّ الناس المجاهرين)) قيل: ومن هم؟ قال: «الرجل يعملُ العملَ بالليل، الناس فيقول: يا فلان! عملتُ البارحة كذا. فيبيت يستره ربُّه، ويصبحُ فيكشف سترَ الله عنه))(٢). وقد ذكر في ذلك أوجه هذه أقربها. والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (٢٤١/٣ و٢٨٥)، ومسلم (١٤٠١). (٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٩٧). المجاهرين ١٨٦ (١٠) كتاب الصوم - (١٣) باب: فضل صيام يوم عرفة فقالَ عمرُ: رَضينَا باللَّهِ رَبّاً وبالإسلام دِيناً وبمحمَّدٍ رسولاً، وبيعتُنا بيعةٌ. زاد في روايةٍ: نعوذُ بالله من غَضب اللّهِ وغضبٍ رسولِهِ. فجعلَ عمرُ يُردِّد هذا الكلامَ حتَّى سكنَ غَضَبُهُ. قالَ: فسُئِلِ عن صِيامِ الذَّهر؟ فقالَ: ((لا صامَ ولا أفطرَ. أو ما صامَ وما أَفْطَر)) قال: فسُئِل عن صيام يَومَيْن وإفطارِ يَومِيْن. قال: ((ومَنْ يُطيقُ ذلكَ؟! قال: وسُئِل عن صَومِ يومٍ وإفطارِ يَومينٍ؟ قالَ: ((ليتَ أنَّ اللَّهَ قَوَّانا على ذلكَ)) قال: وسُئِلَ عن صِيامٍ يومٍ و (قول عمر: رضينا ... الخ) يقتضي تسكين غضب رسول الله وَلقدر من حيث: إنه يقتضي الطّواعية الكليّة، والانقياد التَّام، ويتضمَّنُ ذلك: مرنا بأمرك ننفذه على أيٍّ وجهٍ، وفي أيِّ محلٌّ، ومن حيث: التعوذ بالله وبرسوله، وهو الالتجاءُ إليهما، والاستجارةُ بهما من غضبهما. وقد كان عمر - رضي الله عنه - جعل هذا الكلامَ هجِّيراه(٣) مع رسول الله ◌َ ﴿ كلما غضب، فإنه قد رُوي: أنه قال له هذا الكلامَ مِراراً في مواطن مُتعدِّدةٍ. و(قوله وَّه وقد سُئِل عن صيام الأبد فقال: ((لا صام ولا أفطر») يحتملُ أن يكون دعا عليه، لا أنه أخبر عنه، ويُحتملُ أن يكونَ خبراً عن أنه لم يأتِ بشيءٍ. ووجْهُ ذلك: أنَّ من سرد الصوم صار له عادةً، ولم يجد له مشقّةً، فيعودُ النهار في حقّه كالليل في حقِّ غيره، فكأنه ما صام؛ إذ لم يجد ما يجده الصائم، ولا أفطر لصورة الصَّوم، وتكون (لا) بمعنى (ما) كما قال تعالى: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَ﴾ [القيامة: ٣١]. وحمل كثيرٌ من العلماء هذا على ما إذا صام الأيام المحرمة، فأمّا لو أفطرها: فكرهه قومٌ، وأجازه آخرون. وقال أبو الطَّاهر بن بشير: وهو مستحبٌّ. وهذا أبعدُها. و (قوله - وقد سُئِل عن صوم يومٍ وإفطار يومين -: ((ليت أنَّ الله قوَّانا على ذلك))) يشكلُ مع وصاله، وقوله: ((إنِّي أَبيتُ أطعم وأُسقى)). ويرتفعُ الإشكالُ: بأنَّ (١) «هجیراه»: أي: دابه وعادته مع الولع به. حرص عمر على تسكين غضب رسول الله صيام الأبد صیام یوم وإفطار يومين ١٨٧ (١٠) كتاب الصوم - (١٣) باب: فضل صيام يوم عرفة وإفطارٍ يوم؟ قال: ((ذلكَ صِيامُ أَخِي دَاوُدَ)) قال: وسُئِل عن صَومِ يومٍ الإثنين؟ قالَ: ((ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومَ بُعِثْتُ، أو أَنْزِلَ عليَّ فيه)). قال: فقال: ((صومُ ثلاثةِ مِن كلِّ شهرٍ، ورمضانُ إلى رمضانَ صومُ الدَّهْرِ)) قَال: هذا كان منه* في أوقاتٍ مختلفةٍ: ففي وقتٍ: يواصلُ الأيام بحكم القوّة الإلهية. وفي آخر: يضعف؛ فيقول هذا بحكم الطُباع البشريّة. ويمكنُ أن يقال: تمنَّى ذلك دائماً، بحيث لا يخلُّ بحقِّ من الحقوق التي يخلُّ بها مَن أدام صومه: من القيام بحقوق الزوجات، واستبقاء القوة على الجهاد، وأعمال الطاعات. والله تعالى أعلم. و (قوله في يوم الإثنين: ((فيه ولدتُ، وفيه أُنبئت، وفيه أُنزل عليَّ)) (١)) قلتُ: فضيلة يوم الإثنين وفيه مات. وكلُّ هذا دليلٌ على فَضْل هذا اليوم مع ما قد ثبت: أنَّه چ# كان يصومُ يوم الخميس، ويقول فيه وفي يوم الإثنين: (إنهما يومان تُعرض فيهما الأعمالُ والخميس على ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُعْرَضَ عملي وأنا صائم))(٢). و (قوله: ((صيامُ ثلاثة أيام من كلّ شهرٍ، ورمضان إلى رمضان صوم الدَّهر))) صيام ثلاثة أيام هذا إنما كان لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها. فثلاثٌ من كلِّ شهر كالشهر بالتَّضعيف، من كل شهرٍ ورمضان بغير تضعيف شهرٌ، فيكمل دهر السنة. فإن اعتبر رمضانُ بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتّضعيف، وعلى مقتضى مساق هذا الحديث، وعلى ما تقرَّر من معناه: تستوي أيامُ الشهر كلُّها، ولا فَرْقَ بين أن يصومَ هذه الثلاثة أيام أول الشهر، أو وسطه، أو آخره. وكذلك قالت عائشةُ: لم يكن يبالي من أيٍّ أيام الشهر كان يصومُها(٣). غير أن (١) الحديث بهذا اللفظ ليس في التلخيص ولا في مسلم. (٢) رواه الترمذي (٧٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) رواه مسلم (١١٦٠)، وأبو داود (٣٤٥٣)، والترمذي (٧٦٣). ١٨٨ (١٠) كتاب الصوم - (١٣) باب: فضل صيام يوم عرفة وسُئِلَ عن صَوْمِ يومِ عَرَفَةَ، فقالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَة المَاضِيةَ والبَاقِيَةَ)) قال: وسُئل عن صَوْم يوم عاشوراءَ. فقال: ((يُكَفِّرُ السَّنَةِ الماضِيَةَ)). رواه أحمد (٢٩٦/٥ - ٢٩٧)، ومسلم (١١٦٢) (١٩٦ و١٩٧)، وأبو داود (٢٤٢٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٧). النَّسائي روى هذا الحديث عن جرير (١)، وقال فيه: ((صيامُ ثلاثة أيَّامٍ من كل شهرٍ صيامُ الدهر))(٢). (أيام البيض): صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض. وهذا - والله تعالى أعلم - لأنَّ الليالي البيض وقتُ كمال القمر، ووسط الشهر، وخيرُ الأمور أوساطها. وقد قال رسول الله ◌َ﴿ لرجلٍ: ((هل صمتَ من سُرَّة شعبان شيئاً؟))(٣) يعني: وسطه. وفي رواية أخرى: (من سرر) مكان (سرة) وسيأتي. وقال ابنُ حبيب: تُصام الثلاثةُ الأيام أول يومٍ من الشهر، والعاشر، والعشرين. قال: وبلغني: أنَّ هذا صوم مالك. سبب تسمية عرفة وفي تسمية عرفة: بعرفة؛ قولان: أحدهما: أنَّ جبريل كان يُري إبراهيم المناسك؛ فيقول: عرفتُ، عرفتُ. وثانيهما: أنَّ آدم وحواء تعارفا هنالك. و (قوله في صيام يوم عرفة: ((يكفِّر السَّنة التي قبله))) يعني: السَّنة التي هو (١) في الأصول: جابر، والتصحيح من مصدر التخريج وجامع الأصول (٣٢٩/٦). (٢) رواه النسائي (٤/ ٢٢٢). (٣) سيأتي برقم (١٠٣١) آخر باب صوم شعبان رقم (٢٣). ١٨٩ (١٠) كتاب الصوم - (١٣) باب: فضل صيام يوم عرفة [٩٩٣] وعَنْ أُمِّ الفَضْلِ بنتِ الحَارثِ؛ أنَّ ناساً تَمارَوْا عندَها يومَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رسولِ اللهِ﴿ِ. فقالَ بعضُهُم: هُو صَائمٌ. وقال بعضُهم: ليس بصائمٍ. فَأرسلتُ إليه بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو واقفٌ على بَعِيرِهِ بِعَرَفَة فِشَرِبَه. رواه أحمد (٣٤٠/٦)، والبخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣) (١١٠)، وأبو داود (٢٤٤١). فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها: يعني التي تأتي مُتَّصلة بشهر يوم عرفة. وعاشوراء: يُكفِّر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية. و (قول أمِّ الفضل: إنَّ الناسَ تماروا يوم عرفة في صيام رسول الله وَّه يوم صوم يوم عرفة عرفة) معنى تماروا: اختلفوا وتجادلوا. وسببُ هذا الاختلاف: أنه تعارض عندهم ترغيب النبيِّ ◌َ ل18 في صوم يوم عرفة وسبب الاشتغال بعبادة الحج. فشكُّوا في حاله، فارتفع الشكُّ لِمَّا شَرِبَ، وفهم منه: أن صوم عرفة إنما يكونُ فيه ذلك الفضلُ بغير عرفة، وأنَّ الأولى ترك صومه بعرفة؛ لمشقَّة عبادة الحج. وقد روى النَّسائيُّ عن أبي هريرة قال: نهى رسولُ الله ◌ِ لفر عن صيام يوم عرفة بعرفة(١). وهذا لما قلناه. والله تعالى أعلم. (١) رواه النسائي (٢٨٣٠) في الكبرى. ١٩٠ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله (١٤) باب في صيام يوم عاشوراء وفضله [٩٩٤] عن عائشةَ، قالتْ: كانتْ قريشٌ تصومُ عاشوراءَ في الجاهليّةِ، وكان رسولُ الله ◌َ ﴿ يصومُهُ، فلما هاجرَ إلى المدينةِ صَامَه، وأُمَر معنی: عاشوراء (١٤) ومن باب: صيام عاشوراء وزنه: فاعولاء، والهمزة فيه للتأنيث، وهو معدولٌ عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل: صفة للَّيلة العاشرة؛ لأنَّه مأخوذٌ من العَشْر الذي هو اسمٌ للعقد الأول. واليومُ مضافٌ إليها، فإذا قلتَ: يوم عاشوراء. كأنك قلتَ: يوم الليلة العاشرة. إلا أنهم لما عدلوا به عن الصِّفة غلبت عليه الإسمية. فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، وعلى هذا: فيوم عاشوراء هو العاشر. قاله الخليلُ وغيره. وقيل: هو التاسع. وسُمِّي: عاشوراء على عادة العرب في الإظماء. وذلك أنهم: إذا وردوا الماء لتسعة سمّوه: عشراً. وذلك أنهم: يحسبون في الإظماء يوم الورود، فإذا أقامتِ الإبلُ في الرعي يومين، ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رِبْعاً. وإذا وَرَدَتْ في الرابع قالوا: وردت خمساً؛ لأنَّهم حَسَبُوا في كلِّ هذا بقية اليوم الذي وردتْ فيه قبل الرعي وأول اليوم الذي تردُ فيه بعده. وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لا يمكنُ أن يُعتبر في عدد ليالي العشر وأيامه ما يعتبر في الإظماء، فتأمَّلْه. وعلى القول الأوَّل سعيدٌ والحسنُ ومالكٌ وجماعةٌ من السَّلف. وذهب قومٌ: إلى أنه التاسع. وبه قال الشافعي متمسِّكاً بما ذكر في الإظماء، وبحديث ابن عباس الآتي إن شاء الله. وذهب جماعةٌ من السَّلف: إلى الجمع بين صيام التاسع والعاشر. وبه قال الشافعيُّ في قوله الآخر، وأحمدُ، وإسحاق. وهو قولُ من أشكل عليه التعيينُ، فجمع بين الأمرين احتياطاً. و (قول عائشة - رضي الله عنها -: كانت قريشٌ تصومُ عاشوراء في الجاهلية) يدلُّ: على أنَّ صومَ هذا اليوم كان عندهم معلومُ المشروعية والقدر، صيام عاشوراء في الجاهلية والإسلام ١٩١ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله بصومِهِ، فلمَّا فُرِضَ شهرُ رمضانَ، قال: ((مَنْ شَاءَ صامَه ومَنْ شاءَ تَرَكِه)). رواه أحمد (١٦٢/٦)، والبخاري (٣٨٣١)، ومسلم (١١٢٥) (١١٣)، والترمذي (٧٥٣). [٩٩٥] ومِثلُه عن ابن عمر، وقال: لما افتُرِضَ رمضانُ قالَ رسول الله وَ له: ((إنَّ يومَ عاشوراءَ يومٌ مِن أيَّام اللَّهِ فمنْ شَاءَ صَامَه ومَنْ شَاءَ تَرَكَه». وفي روايةٍ: كانَ عبدُ الله لا يَصومُهُ إلا أنْ يُوافقَ صِيَامَه. رواه أحمد (٥٧ و ١٤٣)، والبخاري (٤٥٠١)، ومسلم (١١٢٦) (١١٧ و١١٩)، وأبو داود (٢٤٤٣). ولعلَّهم كانوا يستندون في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيم وإسماعيل - صلوات الله وسلامه عليهما - فإنَّهم كانوا ينتسبون إليهما، ويستندون في كثيرٍ من أحكام الحج وغيره إليهما. وصومُ رسول اللهِ وَّي له يحتملُ أن يكون بحكم الموافقة لهم عليه، كما وافقهم على أنْ حَجَّ معهم على ما كانوا يحُّون. أعني: حجَّته الأولى التي حِجَّها قبل هجرته. وقبل فرض الحج؛ إذ كلُّ ذلك فِعْلُ خيرٍ . ويمكن أن يُقال: أَذِنَ اللهُ تعالى له في صيامه، فلما قدم المدينةَ وجد اليهودَ يصومونه، فسألهم عن الحامِل لهم على صومه؟ فقالوا ما ذكره ابنُ عباس: إنه يومٌ عظيم، أنجى اللهُ فيه موسى وقومَه، وغرَّق فرعونَ وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومُه. فقال النبيُّ وَ﴿رَ: ((فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم)) فحينئذٍ صامه بالمدينة، وأمر بصيامه. أي: أوجبَ صِيامه، وأكَّد أمره حتى كانوا يُصوِّمون الصِّغار، فالتزمِهِ وَهَ، وألزمه أصحابَهُ إلى أن فُرِض شهرُ رمضان، ونُسِخ وجوبُ صوم يوم عاشوراء، فقال إذ ذاك: (إنَّ الله لم يكتب عليكم صيام هذا اليوم)) ثم خيَّر فِي صَوْمه وفِطْره، وأبقى عليه الفضيلةَ بقوله: ((وأنا صائم)) كما جاء في حديث ١٩٢ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله [٩٩٦] وعن حُميد بن عبد الرحمن، أنَّه سمعَ معاويةَ خطبَهم بالمدينةِ في قَدْمةٍ قَدِمَها يومَ عَاشُوراءَ، فقال: أينَ عُلماؤُكم يا أهلَ المدينةِ؟ سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّهِ يقولُ لهذا اليوم: ((هُذا يَومُ عَاشُوراءَ ولم يَكتُبِ اللَّهُ عليكم صِيَامَه وأَنَا صَائمٌ، فمن أحبَّ منكم أنْ يصومَ فَلَيَصُمْ، ومَنْ أَحَبَّ أنْ يُقْطِرَ فليُفْطِرْ)). رواه أحمد (٩٥/٤)، والبخاري (٢٠٠٣)، ومسلم (١١٢٩). [٩٩٧] وعن ابنِ عبَّاس، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَلِهِ قَدِمَ المدينةَ فوجدَ اليهودَ صِياماً يومَ عاشوراءَ، فقالَ لهم رسولُ اللهِ ◌ِّ: ((ما هُذا اليومُ الذي تَصُومُونَه؟)) فقالُوا: هذا يومٌ عظيمٌ أَنجى اللَّهُ فيه مُوسى وقَومَه، وغَرَّقَ فِرِعَونَ وقومَه، فصامَه مُوسى شُكْراً، ونحنُ نصومُه. فقالَ رسولُ الله ◌ِّ: (فنحنُ أَحَقُّ وأَوْلَى بمُوسى منكم)) فصامَهُ رسولُ اللهِ وَّهرِ وأمرَ بصِيامِه. رواه أحمد (٢٩١/١ و٣١٠)، والبخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠) (١٢٨)، وأبو داود (٢٤٤٤)، وابن ماجه (١٧٣٤). معاوية. وعلى هذا: فلم يَصُم النبيُّ ◌َغير عاشوراء اقتداءً باليهود؛ فإنه كان يصومُه قبل قدومه عليهم، وقَبْل علَمِه بحالهم، لكن الذي حَدَثَ له عند ذلك إلزامه والتزامه استثلافاً لليهود، واستدراجاً لهم، كما كانت الحكمةُ في استقباله قبلتهم، وكان هذا الوقتُ هو الوقت الذي كان النبيُّ ◌َ ﴿ يحبُّ فيه موافقةَ أهل الكتاب فيما لم يُنْهَ عنه. و (قول معاوية لأهل المدينة: أين علماؤكم؟) إنما خصَّ العلماءَ بالنداء ليلقُّنوا عنه، وليصدِّقوه؛ إذ قد كان عِلْمُ ذلك عند كثيرٍ منهم، وذلك لأنهم أعلم بأحاديث رسولِ اللهِ ﴿ وأحواله من غيرهم. وسؤالُ النبيِّ يَّر لليهود عن يوم ١٩٣ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله [٩٩٨] وعنه: وسُئل عن صيام يوم عاشوراءَ، فقالَ: ما علمتُ أنَّ رسولَ الله وَّهِ صامَ يوماً يَطْلُبُ فَضْلَه علىَ الأَيَّامِ إلَّ هذا اليوم، ولا شهراً إلاَّ هذا الشَّهرَ، يعني: رمضانَ. رواه مسلم (١١٣٢)، والبخاري (٢٠٠٦) بنحوه، وانظره في الترغيب والترهيب برقم (١٥٠٦). [٩٩٩] وعنه، قالَ حينَ صامَ رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ عاشوراء وأمَرَ بصيامِه، قَالُوا: يا رسولَ الله! إنَّه يومٌ يُعظِّمُه اليهودُ والنَّصارى، فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((فإذَا كانَ العَامُ المُقْبِلُ إنْ شاءَ اللَّهُ صُمْنا اليَومَ التَّاسِعَ))، قالَ: فلم يَأَتِ العَامُ المُقبلُ حتى تُؤُنِّي رسولُ اللهِ. عاشوراء إنما كان ليستكشفَ السَّببَ الحاملَ لهم على الصوم، فلمَّا علم ذلك قال لهم كلمةَ حقِّ تقتضي تأنيسهم واستجلابهم، وهي: ((نحن أحقُّ وأولى بموسى منكم)) ووَجْهُ هذه الأولوية (١): أنه عَلِمَ من حال موسى وعظيم منزلته عند الله، وصحَّة رسالته وشريعته، ما لم يعلموه هم، ولا أحدٌ منهم. وفي حديث ابن عبّاس الآخر قول الصَّحابة للنبيِّ وََّ: إِنَّ يومَ عاشوراء يومٌ تُعظِّمه اليهود ... كان هذا القولُ من النبيِّ ◌َ ﴿ بعد أن تمادى على صومه عشر سنين أو نحوها، بدليل: أنَّ أمَرَهُ بصومه إنما كان حين قدم المدينة، وهذا القولُ الآخرُ كان في السَّنة التي توفي فيها في يوم عاشوراء من محرم تلك السنة، وتوفي هو تَّير في شهر ربيع الأول منها، لم يختلفْ في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا في أيٍّ يومٍ منه. وأصُّ الأقوال: في الثاني عشر منه. والله تعالى أعلم. و (قولهِ وَ﴾: ((فإذا كان العامُ المقبل صُمْنا اليوم التاسع))) إنما قال هذا نَّهِ مخالفة رسول الله * لأهل الكتاب (١) في (هـ): الأولية. ١٩٤ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله وفي روايةٍ: ((لئن بقيتُ إلى قَابِلَ لأصومنَّ التَّاسعَ)). رواه أحمد (٢٢٥/١ و ٢٣٦)، ومسلم (١١٣٤) (١٣٣ و١٣٤)، وابن ماجه (١٧٣٦). [١٠٠٠] وعن الحكم بن الأعرجِ، قالَ: انتهيتُ إلى ابنِ عبَّاس وهو مُتَوَسِّدٌ رداءَه في زَمْزَمَ، فقلتُ له: أخبرني عن صَوْم عاشُوراءَ. فقالَ: إذا رأيتَ هِلال المُحَرَّمِ فاعْدُذْ وأَصْبِخْ يومَ النَّاسعِ صَائماً. قلتُ: هكذا كانَ محمّدٌ فَلَهِ يَصومُه؟ قال: نَعَمْ. رواه أحمد (٢٣٩/١ و٢٨٠)، ومسلم (١١٣٣)، وأبو داود (٢٤٤٦)، والترمذي (٧٥٤). لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم. وکانت فائدته: إصغاءهم لما جاء به حتى يتبيَّن لهم الرشدُ من الغيِّ، فيحيا من حيَّ عن بينةٍ ويهلك من هلك عن بيّنةٍ. ولما ظهر عِنادهم كان يحبُّ مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم يُؤْمَرْ به. وبهذا النَّظر، وبالذي تقدَّم يرتفعُ التعارضُ المتوهَّم في كونه وَّرِ كان يحبُّ موافقةَ أهل الكتاب، وكان يحبُّ مخالفتهم. وأن ذلك في وقتين وحالتين، لكنَّ الذي استقرَّ حالُه عليه: أنه كان يحبُّ مخالفتهم؛ إذ قد وضح الحقُّ، وظهر الأمرُ ولو كره الكافرون. صوم التاسع من محرم و (قوله: ((لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع))) ظاهره: أنه كان عَزَمَ على أن يصومُ التاسعَ بدل العاشر. وهذا هو الذي فهمه ابنُ عباس، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيتَ هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً. وبهذا تمسَّك من رآه التاسع. ويمكنُ أن يقولَ من رأى صومَ التاسع والعاشر: ليس فيه دليلٌ: على أنه يترك صوم العاشر، بل وَعَدَ بأن يصومَ التاسع مضافاً إلى العاشر. وفيه بُعْدٌ عند تأمُّل مساقِ الحديث، مبنياً على أنه جوابُ سؤالٍ سبق. فتأمَّلْه. و (قول ابن عباسٍ: هكذا كان رسولُ اللهِ وَ لَ يصومُه) يعني: أنه لو عاش ٠ ٠ ١٩٥ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله [١٠٠١] وعن الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ بن عَفْراءَ، قالتْ: أَرْسَلَ رسولُ اللهِ وَ﴿ِ غَدَاةَ عَاشُوراءَ إلَى قُرى الأَنْصارِ التي حَوْلَ المدينةِ: ((مَنْ كانَ أَصبحَ صَائماً فليُمَّ صومَهُ، ومنْ كانَ أصبحَ مُفطراً فليُتِمَّ بَقَيَّةَ يومِهِ))، فكُنَّا لصامه كذلك، نِوَعْدِه الذي وَعَدَ به، لا أنَّ رسولَ الله ◌َ لاغير صام اليوم التاسع بدل العاشر؛ إذ لم يُسْمَعْ ذلك عنه، ولا رُوي قطّ. و (قول الرُّبَيِّع: أرسل رسولُ اللهِوَله غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار) أي: صوم عاشوراء إلى قرى المدينة. وإنما خصَّ هذا الوقتَ بالإرسال؛ لأنه الوقتُ الذي أُوحي إليه كان واجباً فيه في شأن صَوْم عاشوراء. وهذا مما يدلُّ: على أنَّه كان واجباً؛ إذ لا ينتهي الاعتناءُ بالندب غالباً إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به، وبيان أحكامه، والإبلاغ لمن بَعُدَ، وشدة التهمُّم. ولمَّا فهمت الصحابةُ هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين ليسوا بمخاطبين بشيءٍ من التكاليف تدريباً، وتمريناً، ومبالغةً في الامتثال والطواعية. على أنَّ جمهورَ مَن قال من العلماء: إنَّ الصغار يُؤمرون بالصلاة وهم أبناء سَبْع، ويُضْرَبون عليها وهم أبناء عشرٍ؛ ذهبوا إلى أنهم: لا يؤمرون بالصوم لمشقّته عليهم، بخلاف الصلاة. وقد شذَّ عروة فقال: إنَّ من أطاق الصومُ منهم وَجَبَ عليه. وهذا مخالفٌ لما عليه جمهورُ المسلمين، ولقوله ◌َله: ((رُفع القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يبلغ، وعن المجنون حتَّى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ))(١)، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْعُلُمُ فَلْيَسْتَْذِئُوا﴾ [النور: ٥٩]. و (قوله في حديث سلمة بن الأكوع(٢): ((من كان لم يصم فليصمْ، ومن كان حكم تبييت نية أكلَ فليتمَّ صومَه إلى الليل))) ظاهرُ هذا: جوازُ إحداث نيّةِ الصوم في أضعاف الصوم من الليل (١) رواه أبو داود (٤٣٩٩ و ٤٤٠٠)، والترمذي (١٤٢٣) من حديث ابن عباس. (٢) انظر حديث سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم (١١٣٥). وعبارته في تبييت النية تتفق مع عبارة رواية الربيع. فتأمَّل. ١٩٦ (١٠) كتاب الصوم - (١٤) باب: في صيام يوم عاشوراء وفضله بعد ذلك نصومُهُ ونُصَوِّمُ صِبيانّنَا الصِّغَارَ منهُم إنْ شاءَ اللَّهُ، ونذهبُ إلى المسجدِ فنجعلُ لهم اللُّغْبَةَ من العِهْنِ، فإذا بَكَى أحدُهم على الطَّعامِ أعطيناها إيَّه عندَ الإِفطارِ . النّهار، ولا يلزمُ التبييت. وقد اختلف في ذلك: فذهب أبو حنيفة، والثوريُّ، والشَّافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثورٍ: إلى جواز ذلك في النَّل. وخصَّ طائفةٌ منهم جوازَ ذلك بما قبل الزَّوال، منهم: الشَّافعيُّ في أحد قوليه. وذهب مالكٌ، وابن أبي ذئب، والليث، والمزنيُّ: إلى أنه لا يصحُّ صومٌ إلَّ بنيةٍ من الليل. وذهب الكوفيون: إلى أنَّ كل ما فُرِض من الصوم في وقتٍ مُعيَّنٍ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نِيَّةٍ، ويُجزئه إذا نواه قبل الزَّوال. وهو قولُ الأوزاعي. وإليه ذهَبَ عبد الملك بن الماجشون، ورواه عن مالكٍ فيمن لم يعلمْ برمضان إلا في يومه. وذهب مالكٌ في المشهور عنه، والشَّافعي، وأحمدُ، وعامتهم: إلى أنَّ الفرضَ لا يُجزىء إلا بنيةٍ من الليل. وهذا هو الصَّحيح بدليل ما رواه النَّسائي عن حفصة، والدارقطني عن عائشة، أن رسولَ اللهِ وَطِّ قال: ((لا صيامَ لمن لم يُبَيِّتِ الصيامَ من الليل)) (١) وغاية ما قيل في هذا الحديث: أنه روي موقوفاً. والمسندون له(٢) ثقاتٌ. ولا حُجَّة فيما تقدَّم من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر. وهو منسوخٌ كما قد تقدَّم. ولو سُلُّم أنه ليس بمنسوخٍ لأمكن أن يُقال بموجبه: فإنَّ من تذكَّر فَرْضَ صوم يوم هو فيه، أو ثبتَ أنه صُومُ يومه لزمه إتمامُ صومه. وهذا مما لا يختلفُ فيه، لكن عليه قضاؤه؛ إذ الصومُ المطلوبُ منه لم يأتِ به؛ فإنه طلب منه صوم يومٍ كاملٍ، وهذا بعضُ يومٍ. هذا مع ما قد رواه أبو داود من أنه قال آلآت: ((فأتموا بقيّة يومكم واقضوه)»(٣) يعني: عاشوراء. و (قولها: ونصنعُ لهم اللعبةَ من العِهْن) اللعبة: ما يُلْعَبُ به. والعِهْن: (١) رواه النسائي (١٩٦/٤)، والدار قطني (١٧٣/٢). (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه أبو داود (٢٤٤٧). ١٩٧ (١٠) كتاب الصوم - (١٥) باب: النهي عن صيام يوم الفطر وفي روايةٍ: ونَصْنَعُ لهم اللُّعبةَ من العِهْنِ، فَنَذْهَبُ به معنَا، فإذا سَأَلُوا الطَّعامَ أعطيناهم اللُعبة تُلْهيهم حتَّى يُتُوا صَوْمَهم. رواه أحمد (٣٥٩/٦ - ٣٦٠)، والبخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦) (١٣٦ و ١٣٧). (١٥) باب النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، وكراهية صوم أيام التشريق [١٠٠٢] عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسول الله وَّهِ نهى عن صِيامٍ يَوْمين: يومِ الأضْحَى، ويومِ الفِطر. رواه أحمد (٥١١/٤)، والبخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨). الصوفُ الأحمر. ونلهيهم: نشغلهم. وهذا أمرٌ فَعَله النِّساءُ بأولادهنَّ، ولعلَّ النبيَّ ◌َ﴿ لم يعرف ذلك، وبعيدٌ أن يأمرَ النبيُّ ◌َ ﴿ِ بذلك؛ لأنه تعذيبُ صغيرٍ بعبادٍ شاقةٍ غير متكررة في السنة . (١٥) ومن باب: النهي عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى نَهْيُهُ وَّر عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى محمولٌ على التَّحريم عند كافَّة العلماء، فلا يجوزُ الإقدامُ على صومهما، أيّ نوع من أنواع الصَّوم كان، لا يختلفُ في ذلك. ثم لا ينعقدُ صومُه إن وقع عند عامَّتهم غير أبي حنيفة؛ فإنه ينعقدُ عنده إذا أُوقِع. واختلفَ فيمن نذرهما، هل يلزمه قضاؤهما أو لا يلزمه؟ قولان؛ وبالأول قال أبو حنيفة وصاحباه، والشَّافعيُّ والأوزاعيُّ في أحد قوليهما. ١٩٨ (١٠) كتاب الصوم - (١٥) باب: النهي عن صيام يوم الفطر [١٠٠٣] ونحوه عن أبي سعيد. رواه مسلم (٨٢٧) (١٤١) في الصوم. [١٠٠٤] وعن عائشة: نهى رسول الله وَ طهر عن صومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى. رواه مسلم (١١٤٠). [١٠٠٥] وعن أبي عُبيدٍ مولى ابن أزهرَ، أنَّه قالَ: شَهِدتُ العيدَ مع عُمرَ بنِ الخَطَّاب، فجاءَ فصلَّى، ثم انصرفَ، فخطبَ النَّاسَ، فقالَ: إنَّ هُذَين يَومانِ نهَى رسولُ اللهِوََّ عن صِيامِهما؛ يَومُ فِطْرِكِم مِن صِيامِكم، والآخَرُ يومٌ تَأْكُلُون فيه مِن نُسُكِكُم. رواه البخاري (٥٥٧١)، ومسلم (١١٣٧)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١)، وابن ماجه (١٧٢٢). [١٠٠٦] وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَيه وبالثاني قال مالك، وزفر. وهو قولُ الشافعي. وسببه: هل النهيُ عن صومهما راجعٌ إلى ذات المنهي عنه، أو إلى وَصْفٍ فيه، كما يُعْرف في الأصول؟. حكمة تحريم و (قول عمر: يوم فطركم من صيامكم، ويوم تأكلون فيه من نُسككم) تنبيهٌ صوم يوم الفطر على الحكمة التي لأجلها حرم صومُ هذين اليومين. أمَّا يوم الفطر: فيتحقّق به انقضاءُ زمان مشروعيةِ الصوم. ويوم النحر: فيه دعوة الله التي دعا عبادَه إليها من ويوم الأضحى تضييفه، وإكرامه لأهل مِنِىّ وغيرهم، بما شَرَعَ لهم من ذبح النُّسك والأكل منها. فمن يصومُ هذا اليوم فإنه ردّ على الله كرامته. وإلى هذا أشار أبو حنيفة. والجمهورُ على أنه شُرِع غير مُعلَّل. ١٩٩ (١٠) كتاب الصوم - (١٥) باب: النهي عن صيام يوم الفطر يقولُ: ((لا يَصْلُحُ الصِّيامُ في يَوْمينِ: يَوْمِ الأضْحى، ويَومِ الفِطْر مِن رمضانَ». رواه البخاري (١٩٩٥)، ومسلم (٨٢٧) (١٤٠) في الصوم، وأبو داود (٢٤١٧)، والترمذي (٧٧٢)، وابن ماجه (٢٨٩٨). [١٠٠٧] وعن نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َفيِ: ((أَيَّام التَّشریقِ أُیَّامُ أكْلٍ وشربٍ وذِكْرٍ لله)). رواه مسلم (١١٤١). و (قوله وَلٌ: ((لا يصلح الصيامُ في يوم الأضحى ويوم الفطر))) حجةٌ للجمهور: على أنَّ الصومَ فيهما لا ينعقد. نُبَيْشَة الهُذَلي: بالنون المضمومة، والباء المفتوحة، وياء التصغير: كأنه تصغير نبشة، وهو صحابيُّ معروف، وهو ابنُ عمِّ سلمة بن المحبَّق، وهو نبيشة بن عمرو بن سلمة الهذلي، وسمَّاه رسولُ الله ◌ِّلته: نبيشة الخير، ووقع في نسخة ابن ماهان: الهذلية، تخيَّله امرأةً، وهو وهمٌّ، وليس في الصحابيَّات من تُسمَّى بهذا الاسم، وإنما فيهن: نسيبة، بتقديم السِّين المهملة. و (قوله: ((أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكر الله))) هذا المساقُ يدل: على صوم أيام أنَّ صومها ليس محرماً كصوم يومي العیدین؛ إذ لم ينه عنها كما نهى عن صوم يوم التشريق العيدين، ولذلك قال بجواز صومها مطلقاً بعضُ السَّلف، ومنع أبو حنيفة صومها حتى للمتمتع الذي لا يجدُ الهدي، وروي عن الشَّافعي مثل ذلك. وأجاز مالك والشَّافعيُّ - في أشهر قوليه - والأوزاعيُّ صومها للمتمتِّع خاصةً، وهو الصحيحُ؛ لما رواه البخاريُّ عن عائشة، وابن عمر: أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي(١). وفي مذهب مالك خلافٌ فيمن نذرها، أو (١) رواه البخاري (١٩٩٨). ٢٠٠ (١٠) كتاب الصوم - (١٦) باب: النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصيام [١٠٠٨] وعن ابنٍ كَعْبٍ بنِ مَالكِ، عن أبيه، أنَّ رسول الله وَّهِ بعثَه وأَوْسَ بنَ الْحَدَثان أَيَّمَ التَّشْرِيقِ، فنادَيا: ((إنَّه لا يَدْخِلُ الجَنَّةَ إلا مُؤْمن. وأيَّامُ مِنَّى أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ؟». رواه مسلم (١١٤٢). # (١٦) باب النهي عن اختصاص يوم الجمعة بصیام واختصاص ليلته بقيام [١٠٠٩] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَصُمْ أَحَدُكُم يومَ الجُمُعَةِ إلَّا أنْ يصومَ قَبْلَه أو يصومَ بَعْده)) . نذر صوماً هي فيه، هل يصومُها أم لا؟ فإذا لم يصمْها، فهل يلزمُه قضاؤها أم لا؟ كلُّ ذلك مفضَّلٌ في كتب مذهبه. وقوله: ((وذكرٍ لله)) حُجَّةٌ لندبية التكبير في أيام العید . وسُمِّيت أيام التشريق: لأنَّ لحومَ الأضاحي تشرقُ فيها. وأضافها إلى ((مِنى)): لأن الحاجَّ فيها في مِنى. سبب تسمية أيام التشريق وإنما أَمَرَ بَّهِ أن يُنادى في الموسم: ((لا يدخل الجنَّة إلا مؤمن)) ليسمع من لم يحضرْ خطبةَ النبيِّ لَّة، وليسمع من كان هنالك من المنافقين، حتى يحقِّقوا إیمانهم، ویجدِّدوا یقینھم. (١٦) ومن باب: التَّهي عن اختصاص يوم الجمعة بصومٍ (قوله وَّر: ((لا يصمْ أحدُكم يوم الجمعة إلا أن يصومَ قبله، أو يصوم بعده))) صيام يوم الجمعة