النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
(٦) كتاب الصوم - (٦) باب: النهي عن الوصال في الصوم
وفي روايةٍ: ((لستُم في ذلكَ مِثْلِي، إنِّي أَبِيتُ يُطعمُني رَبِّي ويَسْقِيني،
فاكْلُفوا مِن العَمَلِ ما تُطيقونَ)).
رواه أحمد (٥١٦/٢)، والبخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣)
(٥٧ و ٥٨).
[٩٧٢] وعن أنس، قالَ: واصلَ رسولُ اللهِ ◌ّ﴿ في آخرِ شهرٍ
رمضانَ، فواصلَ ناسٌ مِّنَ المسلمينَ فبَلَغَه ذلكَ،
في بعض ألفاظ هذا الخبر: ((إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني)). و (ظلَّ) إنَّما
تُقالُ فيمن فَعَل الشيء نهاراً، و (بات) فيمن فَعَله ليلاً، وحينئذٍ كان يلزمُ عليه فساد
صومه، وذلك باطلٌ بالإجماع. ولذلك قيل في معنى الحديث: إنَّ الله تعالى يخلقُ
فيه من الشِّبع والرِّيِّ مثل ما يخلقه فيمن أكل وشرب. وهذا القولُ يبعده أيضاً النظرُ
إلى حاله وَّر؛ فإنه كان يجوُ أكثر مما يشبع، ويربطُ على بطنه الحجارة من
الجوع، وكان يقول: ((الجوع حرفتي))(١) على ما روي عنه، ويبعده أيضاً النظر إلى
المعنى، وذلك أنه لو خلق فيه الشِّبعُ والرِّيُّ لما وجد لعبادة الصوم روحَها الذي هو
الجوعُ والمشقّةُ، وحينئذٍ كان يكون تركُ الوصال أولى. وقيل: معنى ذلك: أن
الله تعالى يحفظُ عليه قوَّته من غير طعامٍ ولا شرابٍ، كما يحفظها بالطعام
والشَّراب، [فكأنه قال: إن الله تعالى يحفظ عليَّ قوتي بقدرته، كما يحفظها بالطعام
والشراب](٢)، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((واصل رسولُ الله ◌ِوَ ل﴿ل في آخر شهر رمضان))) كذا الصواب، الوصال في
الصيام
(١) في إشارة المؤلف ما يدل على ضعف هذا القول، ولم نجده. ويردُّه الحديث الحسن
الذي رواه أبو داود (١٥٤٧)، والنسائي (٢٦٣/٨)، وابن ماجه (٣٣٥٤) ولفظه:
((اللهم إني أعوذ بك من الجوع)).
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
١٦٢
(١٠) كتاب الصوم - (٦) باب: النهي عن الوصال في الصوم
فقال: ((لو مُذَّ لنَا الشَّهرُ لواصلتُ وِصالاً يَدَعُ المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهُم، إنَّكم
لَستم مِثْلِي، إني أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِيني)).
رواه أحمد (١٢٤/٣ و٢٣٥)، والبخاري (٧٢٤١)، ومسلم
(١١٠٤) (٦٠) والترمذي (٧٧٨).
[٩٧٣] وعن عائشة، قالتْ: نهَاهم النبيُّ لِ ﴿ عن الوِصالِ رَحْمةً
لهم، قَالُوا: إنَّكَ تُواصل. قالَ: ((إِنِّي لستُ كَهَيْئَتِكُم، إنِّي يُطعِمُني رَبِّي
ويَسْقیني)).
رواه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).
*
وكذلك رواه الهروي، ووقع للعذريِّ، والطبريٍّ، والسِّجزيِّ، والباجيّ، وفي أكثر
النسخ: أول شهر رمضان. وهو وهمٌ، والصحيحُ ما تقدم؛ بدليل قوله في الرواية
الأخرى عن أنس: وذلك في آخر الشهر. و (التعمق): الانتهاء إلى عمق الشيء
وغايته، مأخوذٌ من عمق البئر، وهو: أقصى قعرها. وكونه بَّهُ واصَلَ بهم يدلُّ:
على أنَّ الوصالَ ليس بحرامٍ؛ ولا مكروهٍ من حيث هو وصال، لكن من حيث
يذهبُ بالقوة. وكان نهيُهُ وَ ل﴿ عنه رحمةً لهم، ورفقاً بهم؛ كما نصَّت عليه عائشة.
و (قوله: «لو [مُدَّ لنا] (١) الشهر))) أي: لو كمل ثلاثين لزاد اليومَ الآخر إلى
اليومين المتقدِّمين، ولو واصلَ بهم باقي ذلك الشهر لظهر ضعفُه عليهم لصدق
حجَّته وَلِهِ .
(١) في (ظ): لو تماذَّ بي.
١٦٣
(١٠) كتاب الصوم - (٧) باب: ما جاء في القُبْلة للصائم
(٧) باب
ما جاء في القُبْلة للصائم
[٩٧٤] عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِوَِّ يُقَبِّلُني وهو صَائمٌ،
(٧) ومن باب: القبلة للصَّائم
(قول عائشة: كان رسولُ اللهِ وَل﴿ يُقبِّلني وهو صائم) هذا الحدیث؛
وحديث عمر (١) الآتي بعد هذا؛ وحديث عمر بن الخطاب حيث سأل النبيَّ وَلِّ عن
القبلة؟ فقال له: ((أرأيت لو تمضمضتَ من الماء وأنت صائم؟)) قال: لا بأس به.
قال: ((فمه))(٢). يدل: على إباحة القُبْلة للصائم مطلقاً. وهو مذهبُ جماعةٍ من
الصحابة والتابعين، وأحمد، وإسحاق، وداود. وكرهها قومٌ مطلقاً. وهو مشهور
مذهب مالك. وفرَّق قومٌ: فكرهوها للشَّابِّ، وأجازوها للشيخ. وهو مرويُّ عن
ابن عبَّاسٍ، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشَّافعيُّ، والثَّورِيُّ، والأوزاعيُّ. وحكاه
الخطابيُّ عن مالك. وقد روى ابنُ وهبٍ عن مالك: أنه أباحها في النَّفل، ومنعها
في الفرض. وسببُ هذا الخلاف معارضةُ تلك الأحاديث لقاعدة سدِّ الذَّريعة.
وذلك: أن القبلةَ قد يكون معها الإنزال؛ فيفسد الصَّوم، فينبغي أن يُمْنَعَ ذلِك
حمايةً للباب. وَوَجْهُ الفَرْق بين الشَّيخ والشَّابُ: أن المظنَّة في حقِّ الشَّابٌ مُحقَّقةٌ
غالباً، فيترتَّب الحكمُ عليها، ويشهدُ لصحة الفرق: ما رواه أبو داود من حديث
قيس مولى تجيب(٣): ((أنَّ النبيَّ وَّ أرخص في قُبْلة الصائم للشيخ ونهى عنها
(١) في الأصول: ابن عمر، وليس في صحيح مسلم ولا في التلخيص حديث لابن عمر في
قُبلة الصائم. وإنما الصحيح: عمر بن أبي سلمة، وهو الحديث الآتي بعد حديث
عائشة، كما أشار المصنف - رحمه الله -.
(٢) رواه أحمد (٢١/١)، وأبو داود (٢٣٨٥).
(٣) قال في لسان الميزان (٤/ ٤٨٠): قال ابن حزم في المحلى: قيس مولى تجيب:
مجهول.
١٦٤
(١٠) كتاب الصوم - (٧) باب: ما جاء في القُبْلة للصائم
وأيُّكم يملكُ إِرْبَه كما كانَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ يَهْلِك إِرْبَه.
وفي روايةٍ: ولكنَّه أمْلَكُكُم لإزِبِهِ.
وفي روايةٍ أخرى: كان يُقَبِّل في شهرِ الصَّوم.
رواه أحمد (٦ /٤٠٠)، ومسلم (١١٠٦) (٦٤ و ٦٥ و٧٠) وابن
ماجه (١٦٨٤).
[٩٧٥] وعن عمرَ بن أبي سَلمةَ، أنَّه سألَ رسولَ اللهِوَلِ أَيُقَبُّلُ
الصَّائمُ؟ فقالَ له رسولُ الله ◌َِّ: ((سَلْ هَذه - لِأُمِّ سَلمةَ -)) فأخبرته أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ يَصْنَعُ ذلكَ فقالَ: يَا رسولَ الله! قد غَفَرِ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ مِن
ذَنْبِك وما تَأَخَّرَ.
للشَّابِّ)). وفي معناه عن أبي هريرة (١)، ولا يصح منها شيءٌ.
و (قولها: وأيُّكم يملك إرْبَه كما كان رسولُ الله ◌َ ليه يملك إربه) قد تقدم
القبلة للصائم
هل هي من الكلامُ في الإرب، وأنه يُقال: بفتح الهمزة وكسرها، وأن أصله: العضو. وهو هنا
خصائصه ؟
كنايةٌ عن الجماع. وهذا يدلُّ: على أنَّ مذهبَها مَنْعُ القبلة مُطلقاً في حقِّ غير
النبيِّ ◌َ﴿، وأنَّها فهمتْ خصوصيّه بجواز ذلك، وهو خلافُ ما في حديث أمّ
سلمة، فإنه ◌َّهُ سوَّى بينه وبين غيره في إباحة ذلك. والأخذُ بحديث أمّ سلمة
أولى؛ لأنَّه مُبيِّنٌ للقاعدة، ونصٍّ في الواقعة، وقولُ عائشة اجتهادٌ منها.
و (قوله: قد غفر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك) قولُ مَن خَطَر بباله: أنه يلزمُ
من كونه مغفوراً له مسامحته في بعض الممنوعات، وهذا الخاطرُ مهما أُصغي إليه
(١) رواه أبو داود (٣٣٨٧) من حديث أبي هريرة. وإسناده ضعيف.
١٦٥
(١٠) كتاب الصوم - (٧) باب: ما جاء في القُبلة للصائم
فقالَ له رسولُ الله ◌َّهِ: ((واللَّهِ إِنِّي لأَتقاكُم للَّهِ وأَخْشَاكم له)).
رواه مسلم (١١٠٨).
لزمَ منه إسقاطُ التكاليف، وكذلك قد يقعُ مثله أيضاً عند سماع قوله وَ ◌ّ في حقِّ
التَّائب بعد الثالثة: ((اعمل(١) ما شئت فقد غفرتُ لك))(٢). وهذا الخاطرُ باطلٌ
بدليل قوله وَله: ((إنِّي لأتقاكم لله وأشدُّكم له خشيةً»، وبدليل الإجماع المعلوم: التكاليف لا تسقط
عمَّن حصلت له
شروطها
على أنَّ التكاليفَ لا تسقطُ عمَّن حصلتْ له شروطها، وإنما محملُ هذه الظواهر
الموجبة للغفران في المستقبل على المعونة على الطَّاعات، والحفظ عن
المخالفات، بحيث لا تقعُ الذُّنوب منه فيما يأتي، ويصُ أن يعبّر عن هذا المعنى
بالمغفرة؛ لأنَّ المغفرة هي السّتر، وهذا قد سُتِرِ بالطاعات عن المعاصي؛ بحيث
لا تقعُ منه، أو لأنَّ حالَه حالُ المغفور له؛ من حيث أنه لا ذَنْبَ له، والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((إنِّي لأتقاكم لله وأخشاكم له))) أي: لأكثركم تقوى. وقد قدَّمنا: التقوى والخشية
أنَّ التقوى بمعنى الوقاية. والخشيةُ: الخوف. وقد فرَّق بعضُ الناس بينهما. فقال:
الخشيةُ أشدُّ الخوف. وقيل: الخوف: التطلُّع لنفس الضَّرر، والخشيةُ: التطلُّح
الفاعل الضَّرر. وإنما كان النبيُّ ◌َ﴿ أشدَّ الناس لله خشيةً لأنه أعظمهُم له معرفةً .
(١) في (ع): افعل.
(٢) رواه أحمد (٤٩٢/٢)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة.
١٦٦
(١٠) كتاب الصوم - (٨) باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب
(٨) باب
صوم من أدرگه الفجر وهو جنب
[٩٧٦] عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ أبا هريرةَ
يقولُ، يقصُّ في قَصَصِه: مَنْ أَدْركه الفجرُ جنُباً فلا صَوْمَ له. قال: فذكرتُ
ذلكَ لعبدِ الرحمن بن الحَارثِ، فأنكرَ ذلكَ، فانطلقَ عبدُ الرحمن وانطلقتُ
معه، حتَّى دخلْنَا على عائشةَ وأُمّ سلمةَ، فسألَهما عبدُ الرحمن عن ذلكَ،
(٨) ومن باب: صوم من أدركه الفجر وهو جُنُب
(قوله: سمعت أبا هريرة يقصُّ) أي: يتبَّعُ الأحاديثَ والأخبار، ويذكرها،
ویُعلِّم العلم.
و (قوله: من أدركه الفجرُ جُنُباً فلا صومَ له) هذه الفتيا من أبي هريرة،
وهو قولُه الأول. وقد اختلفَ في ذلك: فروي عن الحسن بن صالح مثل قول
أبي هريرة. وعن الحسن والنخعي: لا يجزئه إذا أصبح عالماً بجنابته، وإن لم يعلم
أجزأه. وروي عن الحسن والنخعي: لا يجزئه في الفرض، ويجزئه في النفل.
وروي عن الحسنين: يصومه ويقضيه. ومذهبُ الجمهور، وهو الصحيح: الأخذُ
بحديث أمِّ سلمة وحديثي عائشة الآتيين. ومقتضاها: أنَّ صوم الجنب صحيحٌ.
وهو الذي يُفهم من ضرورة قوله تعالى: ﴿فَلْقَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْمَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ حَتَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَبْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإنه لما
مدَّ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر فبالضرورة يعلم: أن الفجرَ يطلعُ عليه وهو
جنب، وإنما يتأتَّى الغسلُ بعد الفجر. وفي معنى هذه المسألة: الحائض تطهر قبل
الفجر، وتترك التطهُّر حتى تصبح، فجمهورهم على وجوب تمام الصوم عليها
وإجزائه، سواء تركته عمداً، أو سهواً. وشدَّ محمد بن مسلمة فقال: لا يجزئها.
وعليها القضاء والكفارة. وهذا في المفرطة المتوانية، فأمَّا التي رأت الطُّهر
صوم الحائض
إذا ظهرت قبل
الفجر
١٦٧
(١٠) كتاب الصوم - (٨) باب: صوم من أدركه الفجر وهو جنب
قال: فكِلْتَاهُما قالت: كانَ النبيُّ وَّهِ يُصْبِحُ جُنُباً من غيرِ حُلُم، ثم يصومُ.
قال: فانطلقنا حتَّى دخلنا على مروانَ، فذكرَ ذلكَ له عبدُ الرحمن، فقالَ
مروانُ: عَزَمْتُ عليكَ إلَّ ما ذهبتَ إلى أبي هُريرَةٍ، فَرَدَدْتَ عليه ما يقولُ.
قال: فجِئْنا أبا هريرَة وأبو بكرٍ حَاضِرٌ ذلك كُلَّه. قال: فذكَر له
عبدُ الرحمن، فقالَ أبو هريرةَ أهما قالتَاهُ لكَ. قالَ: نعم. قال: هُمَا أَعْلَمُ.
فبادرت، فطلع الفجر قبل تمامه، فقد قال مالك: هي کمن طلع عليها وهي حائضٌ،
يومها يوم فطرٍ، وقاله عبدُ الملك. وقد ذكر بعضُهم قول عبد الملك هذا في
المتوانية. وهو أبعدُ من قول ابن مسلمة.
و (قولھما: کان یصبحُ جنباً من غیر حلم) یفید فائدتین:
إحداهما: أنَّ النبيَّ ◌َهُ كان يجامعُ ويؤخِّر غُسْله حتى يطلع الفجر، ليبيِّن
المشروعية، كما قال: ((عمداً فعلته يا عمر))(١).
وثانيهما: دَفْع توهّم من يتوهّم: أنَّ النبيَّ ◌ِ ﴿ كان يحتلمُ في منامه؛ فـ ((إنَّ
الحُلُمَ من الشَّيطان))(٢)، والله قد عصمه منه.
و (قول أبي هريرة: هما أعلم) يدلُّ على رجوعه في قوله الأول. وقد صرَّح
بالرُّجوع في آخر الحديث.
(١) رواه أحمد (٣٥٠/٥)، ومسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (١١)،
والنسائي (١٦/١) من حديث بريدة.
(٢) رواه أحمد (٣١٠/٥)، والبخاري (٦٩٩٥)، ومسلم (١/٢٢٦١ و٢)، وأبو داود
(٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٩٧ و٩٠٠
و ٩٠١)، وابن ماجه (٣٩٠٩) من حديث أبي قتادة.
قال في فتح الباري (١٤٤/٤): في قولها: (من غير احتلام)): إشارة إلى جوار
الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى.
١٦٨
(١٠) کتاب الصوم - (٨) باب: صوم من أدر كه الفجر وهو جنب
ثُمَّ ردَّ أبو هريرةَ ما كانَ يقولُ في ذلكَ إلى الفَضْلِ بنِ العَبَّاسِ. فقالَ
أبو هريرةَ: سمعتُ ذلكَ مِن الفَضْل، ولم أسْمعه من النبيِّ وَّرِ. قال:
فرجع أبو هريرةَ عمَّا كانَ يقولُ في ذلكَ.
رواه البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (١١٠٩) (٧٥).
[٩٧٧] وعن عائشةَ، قالت: قد كانَ رسولُ اللهِوَهِ يُدْرِكُه الفَجْرُ في
رمضانَ وهو جُنُبٌ مِن غيرِ حُلُمٍ فيغتسلُ ويَصومُ.
رواه أحمد (٢٨٩/٦)، والبخاري (١٩٢٦)، ومسلم (١١٠٩)
(٧٦)، والترمذي (٧٧٩).
[٩٧٨] وعنهَا، أَنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّ وَهِ يَستفتيه، وهي تسْمَعُ مِن
وَرَاء الْبَابِ، فقال: يا رسولَ الله! تُذْرِكُنِي الصَّلاةُ وأَنَا جُنُبٌ فأصوم؟ فقالَ
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((وأنَا تُدْرِكُني الصَّلاةُ وَأنَا جُنُبٌ فأصومُ)). فقالَ: لَستَ مِثْلَنا
يا رسولَ الله! قد غفرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخّرَ. فقال: «واللهِ
و (قوله: ثم ردَّه إلى الفضل) يعني بذلك: أنه سمعه من الفضل، كما قد
نص عليه بعدُ. وفي النَّسائي(١): أنه سمعه من أسامة بن زيدٍ. وهذا محمولٌ على
أنه سمعه منهما. وحديثُ الفضل وأسامة كان متقدِّماً. قال بعضُ العلماء: كان
حال الصيام في ذلك في أول الإسلام، في الوقت الذي كان الحكم فيه: أنَّ الصائمَ إذا نام بالليل
حَرُمَ عليه الأكلُ والشُّرْب والنكاح أن يمدّ ذلك إلى طلوع الفجر، كما جاء في
البخاري(٢) من حديث البراء بن عازبٍ في قصة قيس بن صرمة. وعلى الجملة:
أول الإسلام
(١) رواه النسائي في الكبرى (٢٩٣١ و٢٩٣٢).
(٢) رواه البخاري (١٩١٥).
١٦٩
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
إنِّي لَأَرجُو أنْ أكونَ أَخْشَاكُمْ للَّهِ وأعلَمَكُم بما أتَّقي)).
رواه أحمد (٦٧/٦ و١٥٦)، ومسلم (١١١٠)، وأبو داود
(٢٣٨٩).
(٩) باب
كفّارة من أفطر متعمِّداً في رمضان
[٩٧٩] عن أبي هريرةَ، قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّلَ﴿ِ، فقالَ:
هَلَكْتُ يا رسولَ الله! قالَ: ((وما أَهْلَكَكَ؟)) قالَ: وَقَعْتُ على امْرأَتِي في
فذلك الحكمُ متروكٌ عند جمهور العلماء بظاهر القرآن، وبصحيح الأحاديث.
والخلافُ فيه من قبيل الخلاف الشاذِّ المتقدِّم.
(٩) ومن باب: كفَّارة من أفطر مُتعمِّداً في رمضان
(قول المجامع في رمضان: هلكت! احترقت!) استدلَّ به الجمهورُ على أنه
كان مُتعمِّداً، وقصروا الكفارة على المتعمِّد دون الناسي، وهو مشهورُ قول مالكٍ
وأصحابه. وذهب أحمد، وبعضُ أهل الظاهِر، وعبد الملك، وابن حبيب: إلى
إيجابها على الناسي. وروى ذلك عن عطاءٍ ومالكِ متمسِّكين بترك استفسار
النبيِّ ◌َ﴿ السائل، وإطلاق الفتيا مع هذا الاحتمال. وهذا كما قاله الشافعي في
الأصول: تركُ الاستفصال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال. وهذا
ضعيفٌ؛ لأنه يمكنُ أن يقال: إنه ترك استفصاله لأنه قد تبيَّن حاله، وهو: أنه كان
عامداً، كما يدلُّ عليه ظاهرُ قوله: هلكت! واحترقت؟.
١٧٠
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
رمضانَ. قالَ: ((هلْ تجدُ ما تُعْتِقِ رَقَبَةً))؟ قال: لا. قال: ((هل تستطيعُ أن
تصومَ شَهريْن مُتتابعيْنٍ))؟ قال: لا. قال: ((فهل تجدُ ما تُطْعم ستِينَ
مسكيناً)؟ قال: لا.
و (قوله: ((هل تجدُ ما تعتق رقبةً؟))) رقبة: نصب على البدل من ((ما))
الرقبة التي الموصولة(١)، وهي مفعولة بتجد. وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو
تكون كفارة في مذهبُ أبي حنيفة، وجواز المعيبة، وهو مذهبُ داود، والجمهورُ على خلافهما؛
الإفطار
المتعمَّد
فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة بالإيمان، بدليل تقييدها به في كفَّارة القتل، وهي
مسألةُ حمل المطلق على المقيد، المعروفة في الأصول، وبدليل: أنَّ مقصودَ
الشرع الأول بالعتق تخليصُ الرِّقاب من الرِّقُّ؛ ليفرضوا إلى عبادة الله، ولنصر
المسلمين. وهذا المعنى مفقودٌ في حقِّ الكافر. وقد دلَّ على صحة هذا المعنى
قولُه في حديث السَّوداء: ((أعتقها فإنها مؤمنة))(٢). وأما العيب: فنقص في المعنى
وفي القيمة، فلا يجوزُ له؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث، والربع. وهو ممنوعٌ
بالاتفاق.
و (قوله: ((فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابعين؟))) تستطيع: تقوى وتقدر.
والتتابع: التوالي. وهو حُجَّةٌ للجمهور في اشتراط التتابع في الكفَّارة على ابن أبي
لیلی؛ إذ لم يشترطه.
التابع في
صيام الكفارة
و (قوله: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟))) حجةٌ للجمهور في اشتراط
عدد الستين على الحسن؛ إذ قال: يطعم أربعين. وعلى أبي حنيفة؛ إذ يقولُ بجواز
إعطاء طعام ستين مسكيناً لمسكين واحدٍ. وهو أصلُه في هذا الباب.
الإطعام في
الكفارة
(١) في (ع): الموصوفة.
(٢) رواه أحمد (٤٤٨/٥)، ومسلم (٥٣٧)، والنسائي (١٤/٣) من حديث معاوية بن
الحكم الشُّلَمي.
١٧١
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
قال: ثم جلسَ، فَأَتِيَ النبيُّ ونَ ﴿ِ بعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، فقال: ((تَصَدَّق بهذا)). قال:
على أَفْقَرَ مِنَّا؟ فما بينَ لابَتَيْها أَهْلُ بَيْتِ أَحوجُ إليهِ مِنَّا، فَضَحِك النبيُّ ◌َِه
و (قوله {َفي للأعرابي: ((اجلسْ))) انتظارٌ منه لوجهٍ يتخلَّصُ به ممَّا حصلَ فيه،
أو لِيُوحى إليه في ذلك.
و (قوله: فأتي [النبيُّونَ﴾](١) بعرق فيه تمر) العَرَق، بفتح الراء لا غير،
وسُمِّي بذلك لأنه جمع عرقة، وهي الظّفيرة من الخوص، وهو الزِّنبيل، بكسر
الزاي على رواية الطبري، ويفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان. وسُمِّي بذلك لأنه
يُحمل فيه الزبل. ذكره ابنُ دريد. وهذا العَرَقُ تقديره عندهم: خمسة عشر صاعاً،
وهو مفسَّرٌ في الحديث، وقد تقدَّم: أنَّ الصَّاعَ أربعةُ أمداد. فيكون مبلغ أمداد
العَرَق ستين مدّاً، ولهذا قال الجمهورُ: إنَّ مقدارَ ما يُدْفَع لكلِّ مسكينٍ من الستين ما يدفع لكل
مدٌّ. وفيه حُجَّةٌ للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزىء أقلُّ من مسكين
نصف صاع لكل مسکین.
و (قوله: ((تصدَّقْ بهذا)) يلزمُ منه أن يكونَ قد ملَّكه إياه؛ ليتصدَّقَ به عن
كفَّارته، ويكون هذا كقول القائل: أعتقتُ عبدي عن فلان، فإنه يتضمّنُ سبقيَّةً
الملك عند قوم. وأباه أصحابُنا، مع الاتفاق على أنَّ الولاء للمعتق عنه، وأن
الكفارة تسقط بذلك.
و (قوله: ((على أفقر منَّا؟))) هو محذوفُ همزة الاستفهام. تقديره: أعلى
أفقر منّا؟ والمجرورُ متعلُّقٌ بمحذوفٍ تقديره: أنتصدَّقُ به على أحدٍ أفقر منَّا؟ وقد
جاء في طريقٍ أخرى: بحذف على، والرِّوايةُ فيه حينئذٍ بالنصب على إضمار
الفعل: أتجد أفقر منّا؟ وقد يجوزُ رفعُه على خبر مبتدأ، أي: أأحدٌ أفقر منّا؟.
واللابتان: حرَّتا المدينة، وقد تقدَّم. وضَحِكُ النبيِّ مَّ تعجُّبٌ من حاله، وسرعة
(١) ما بين حاصرتين من التلخيص.
١٧٢
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
حتَّى بدتْ أَنْيَابُه، ثم قال: ((اذهبْ فأَطْعِمْهُ أهلَكَ)).
رواه أحمد (٢٨١/٢)، والبخاري (٢٦٠٠)، ومسلم (١١١١)
(٨١)، وأبو داود (٢٨٩١).
قسمه، وإغيائه في ذلك. والأنياب: جمع نابٍ، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا،
وهي: أربعةٌ.
حكم من لم
يجد الكفارة
و (قوله: ((اذهبْ فأطعمه أهلك))) تخيل قومٌ من هذا الكلام سقوط الكفارة
عن هذا الرجل. فقالوا: هو خاصٌّ به. وليس فيه ما يدلُّ على ذلك. بل نقول: إنَّ
النبيَّ ◌َ ﴿ لما بيَّن له ما يترتَّبُ على جنايته من الكفَّارة لزم الحكم، وتقرَّر في الذمَّةِ،
ثم لمَّا تبيَّن من حال هذا: أنه عاجزٌ عن الكفَّارة سقطَ عنه القيام بما لا يقدرُ عليه
في تلك الحال، وبقي الحكمُ في الذِّمة على ما رَبه أولاً، فبقيتِ الكفارةُ عليه إلى
أن يستطيعَ شيئاً من خصالها. وهذا مذهبُ الجمهور، وأئمة الفتوى. وقد ذهبَ
الأوزاعيُّ، وأحمد: إلى أنَّ حُكْمَ مَن لم يجدِ الكفارةَ من سائر النّاس سقوطها
عنه. ولم يتعرَّض النبيُّ وَّله في هذا الحديث لقضاء ذلك اليوم، ولذلك قال بسقوط
القضاء عنه طائفةٌ من أهل العلم. وأنه ليس عليه إلا الكفارة. والجمهورُ على لزوم
القضاء مع الكفارة؛ إذ الصومُ المطلوبُ منه لم يفعله، فهو باقٍ عليه، كالصَّلوات
وغيرها إذا لم تُفْعَلْ بشروطها. ويتمُّ النظرُ في هذا الحديث برسم مسائل اختلف
فيها:
الأولى: إنَّ هذه الكفارةَ هل هي على الجاني وحده؟ وهذا كما هو مذهبُ
الجمهور. أو عنه وعن موطوءته؟ كما صار إليه الشافعيُّ وأهل الظاهر. وليس في
الحديث ما يدلُّ على ذلك، لكنَّ الحديثَ إنما تعرَّض للرَّجل، وسكت عن المرأة،
فيُؤْخَذُ حُكمُها من دليلٍ آخر. ولعلَّه إنما سكتَ عنها؛ لأنها كانت غير صائمةٍ؛
لأنها طهرتْ من حيضتَها في أضعاف اليوم، أو كتابيةً. وعلى الجملة: فحالُها
مجهولٌ، ولا سبيلَ إلى التحكّم بأنها كانت مُكْرَهةً، أو مُختارةً، أو غير ذلك.
كفارة الوطء
في رمضان؛
هل هي على
الجاني وحده؟
١٧٣
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
ومشهورُ مذهب مالك في المكرهة: أنَّ مكرهها يُكفر عنها؛ لأنه هَتَك صومين
بالنسبة إليها وإليه. فكأنه هتك يومين. قال سحنون: لا شيءَ عليه لها ولا عليها.
وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ولم يختلف المذهبُ في أنَّ عليها القضاء.
المسألة الثّانية: إنَّ قولَه: هل تجد؟ وبعده: فهل تستطيع؟ وبعده: فهل تجدُ حكم الترتيب
ما تطعم؟ ظاهِرُ هذا: الترتيبُ في هذه الخصال. بدليل عطف الجمل بالفاء المرتِبة في خصال
المعقبة. وإليه ذهب الشافعيُّ، والکوفیون، وابنُ حبیبٍ من أصحابنا، وذهب مالكٌ
الكفارة
وأصحابُه: إلى التخيير في ذلك، إلا أنَّه استَحبَّ الإطعامَ لشدَّة الحاجة إليه،
وخصوصاً بالحجاز. واستدلَّ أصحابُنا لمذهبهم بحديث أبي هريرة الآتي بعد هذا،
وهو: أنه قال: أفطر رجلٌ في رمضان فأمره النبيُّنَ ﴿ أن يعتقَ رقبةً، أو يصوم
شهرين، أو يُطعم ستين مسكيناً. فخيَّره بـ (أو) التي هي موضوعةٌ للتخيير.
المسألة الثالثة: هذه الكفَّارة، هل هي خاصَّةٌ بمن أفطر بالجماع؟ وهو هل الكفارة
مذهبُ الشَّافعيِّ، وأحمد، وجماعة من السّلف، أو هل يلحق بذلك كلُّ هاتكٍ
خاصة بمن
لصوم نهار رمضان بأيّ وجهٍ كان من أكْل، أو شربٍ أو غيره؟ وهو مذهب مالك
وجماعةً. واستدلَّ أصحابُنا بحديث أبي هريرة الآتي، وبالنظر إلى المعنى.
وتحقيقُه في الفروع، وبسط ذلك في الفقه.
أفطر بالجماع؟
المسألة الرابعة: ذهب جمهورُهم: إلى أنَّ الكفَّارةَ ثلاثةُ أنواع، كما جاء في الكفارة ثلاثة
الحديث. وذهب الحسنُ وعطاء: إلى أن المكفِّر إن لمْ يجد رقبةً أهدى بدنةً إلى أنواع
مكة. قال عطاء: أو بقرة. وتمسّكوا بما رواه مالك في الموطأ من مرسل سعيدٍ بن
المسيب: أنَّ النبيَّي ◌َّهِ [قال له: ((هل تستطيعُ أن تعتقَ رقبةً]))(١) قال: لا. قال:
((فهل تستطيعُ أن تهديَ بدنةً؟)) قال: لا(٢). والصحیحُ: المسندُ من الأحاديث، وليس
(١) ساقط من (ع).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢٩٧/١).
١٧٤
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
[٩٨٠] وعنه، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أمَر رجلاً أفْطَرَ في رمضانَ أن يُعتِقَ
رقبةً، أو يصومَ شَهْرَيْنِ، أو يُطْعِمَ ستينَ مِسكيناً.
رواه البخاري (٦١٦٤)، ومسلم (١١١١) (٨٤).
[٩٨١] وعن عائشة، قالتْ: أَتَّى رَجُلٌ إلى رسول اللهِ وَّه في
المسجدِ في رمضانَ. فقالَ: يا رسول اللَّه! احتَرَقْتُ، احتَرَقْتُ. فسألَه
رسولُ اللهِ وَِّ: ((ما شَأْنُه))؟ فقالَ: أَصَبْتُ أهلي. قال: ((تصدَّق)). فقالَ:
والله! يا نبيَّ اللَّهِ ما لي شيءٌ، وما أَقْدِر عليه. قال: ((اجلسْ)). فجلسَ.
فبينًا هو على ذلكَ أقبلَ رجلٌ يسوقُ حماراً عليه طَعامٌ، فقالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أينَ المُخْتَرقُ آنِفً))؟ فقامَ الرَّجلُ. فقالَ رسول الله وَّه:
فيه شيء من ذلك.
و (قوله: إنَّ رسولَ اللهِوَله أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يعتقَ رقبةً، أو
يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكيناً) هذا هو متمسّكُ أصحابنا: على أنَّ الكفَّارة
معلّقةٌ على كلِّ فِطْرِ قُصِدَ به هَتْك الصيام؛ على ما تقدَّم. ووجهُ استدلالهم: أنَّه
علَّق الكفَّارةِ على مَن أفطر مُجرَّداً عن القيود، فيلزم مطلقاً، وهذا على قول
الشَّافعي في مسألة تَرْك الاستفصال. فإن قيل: فهذا الحديثُ هو الحديثُ الأول،
والقضيةُ واحدةٌ فتردّ إليها. قُلنا: لا نسلِّم. بل هما قضيتان مختلفتان؛ لأنَّ
مساقَهما مختلفٌ. وهذا هو الظاهرُ، والله تعالى أعلم.
و (قوله {َله في حديث عائشة: ((تصدَّق)) - ولم يذكر غيرُه -) دليلٌ لمالكِ على
اختياره الطعام. بل وظاهرُ هذا الحديث: الاقتصارُ عليه. وهو أيضاً ظاهرُ قولِ
مالكِ في المدوّنة، فإنه قال: قلتُ: وكيف الكفارة في قول مالك؟ قال: الطعام،
لا يعرف غير الطعام، لا يأخذُ مالك بالعتق ولا بالصيام.
١٧٥
(١٠) كتاب الصوم - (١٠) باب: جواز الصوم والفطر في السفر
((تصدَّقْ بهذا)). فقالَ: يا رسول الله! أغَيْرَنا؟ فوالله إنَّا لَجِيَاعٌ ما لَنا شيءٌ.
قالَ: ((فَكُلُوه».
رواه أحمد (٢٧٦/٦)، والبخاري (١٩٣٥)، ومسلم (١١١٢) (٨٧)،
وأبو داود (٢٣٩٤).
(١٠) باب
جواز الصوم، والفطر في السفر،
والتخيير في ذلك
[٩٨٢] عن ابن عبَّاس؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهُ خرجَ عامَ الفتحِ في
و (قوله: أغيرنا؟) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديره: أتُّعطيه غيرنا؟.
(١٠) ومن باب: جواز الصَّوم والفِطر في السَّفر
(الكديد) ما بينه وبين مكة اثنان وأربعون ميلاً. و (عُسْفان) قريةٌ جامعةٌ على
سنَّةٍ وثلاثين ميلاً من مكة. وفي الحديث الآتي: ((كُراع الغَميم)). والغَميم؛ بفتح
الغين: وادٍ أمام عُسْفان بثمانيةِ أميالٍ. وكراعٍ: جبل أسود هناك يُضاف إلى الغَميم.
والكراع لغة: هو كل أنفٍ مال من جبل أو غيره. وهذه الأحاديثُ المشتملةُ على
ذِكْر هذه المواضع الثلاثةِ کلها ترجعُ إلى معنىّ واحدٍ. وهي حكايةُ حاله ێے عن
سفره في قدومه إلى فتح مكة. وكان في رمضان في ستة عشر منه، كما جاء في
حديث أبي سعيدٍ. وهذه المواضعُ متقاربةٌ، ولذلك عبَّر كل واحدٍ من الرواة بما
حضر له من تلك المواضع لتقاربها. واختلفَ في حُكْم الفِطر في السفر: حكم الفطر في
فالجمهور: على أن المسافرَ إن صام في سفره أجزأه. وذهبَ بعضُ أهل الظاهر: السفر
١٧٦
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: باب: كفّارة من أفطر متعمداً في رمضان
رمضانَ، فصامَ حتَّى بلغَ الكَدِيدَ، ثم أفطرَ،
إلى أنه لا يجزئه، ولا ينعقد، وعليه القضاءُ أبداً. وحكي عن ابن عمر: أنه قال:
من صامَ في السفر قضى في الحضر. وحُكي أنه مذهب عمر. ومتمسَّكُ هؤلاء:
ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا أَوْ عَ سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾
[البقرة: ١٨٤]، أي: فعليه عدّة، أو فالواجب عدة. وتأوَّله الجمهورُ: بأن هناك
محذوفاً، تقديره: فأفطر. واستدلُوا على صحته بما يأتي بعد هذا من الأحاديث
الآتية في هذا الباب. وكره أحمد بن حنبل الصومَ في السَّفر، ولم يأمر بالقضاء.
واختلف الجمهورُ في الأفضل: هل هو الصوم أو الفطر؟ أو لا فضيلة لأحدهما
على الآخر. وممن ذهب إلى الأول أنس بن مالك، ومالك في المشهور عنه،
والشَّافعيُّ، على أن الفطر من باب الرُّخص، وأن فِعْل الصوم مبادرةٌ إلى تخليص
الذِّمم، ومسابقةٌ إلى الخيرات، وقد أمر اللهُ بذلك في قوله: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ اَلْخَيْرَتِ﴾
[البقرة: ١٤٨]. وإلى الثاني ذهب ابنُ عباس، وابنُ عمر، وغيرهما. وعلى الثالث
جلُّ أهل المذهب، وهو التخيير. وعليه تدلُّ الأحاديثُ المذكورةُ في هذا الباب.
ثم هل هذا في كلِّ سفرٍ: طاعةً كان أو معصيةً، طويلاً كان أو قصيراً؟ وقد
تقدَّم ذِكْرُ الخلاف فيه في باب: قصر الصلاة في السَّفر.
و (قوله: خرج رسولُ اللهِ وَ﴿ عامَ الفتح في رمضان؛ فصام، فلمَّا بلغ
الكديد أفطر) هذا حُجَّةٌ على من يقول: إن الصومَ لا ينعقدُ في السَّفر، فإنَّ
النبيَّ ◌َل﴿ قد صام من خروجه من المدينة إلى أن بلغ الكديد، وصام الناسُ معه.
وهو حُبَّةٌ لمن يقول: إن من بيَّتَ الصوم في السفر فله أن يُفْطِر، وإن لم يكن له
عُذْر، وإليه ذهب مطرف، وهو أحدُ قولي الشافعي. وعليه جماعةٌ من أصحاب
الحديث. والجمهورُ على مَنْع ذلك إلا لعذر، متمسِّكين بأنه قد شَرَع في أَخْذ ما
خُيِّر فيه، فيلزمه المضيُّ فيه؛ إذ قد عيَّته بفعله، وحملوا فِطرَ النَّبِي وَلِّ على وجود
العذر المسوِّغ من حصول الضَّعف بالصوم عن مقاومة العدو، وعن القيام بوظائف
١٧٧
(١٠) كتاب الصوم - (٩) باب: كفّارة من أفطر متعمداً فى رمضان
وكانَ صَحَابةُ رسولِ اللهِ وَ﴿ يَتَّبِعُونَ الأَحْدَثَ فالأَحْدَثَ مِن أَمْرِهِ. قال
الزهريُّ: وكان الفِطْر آخِرَ الأَمريْنِ، وإنما يُؤْخَذُ مِن أمرِ رسولِ الله ◌ِّ
بِالْآخِرِ فالآخِرِ ويَرَوْنَه الناسِخَ المُحكّم.
رواه أحمد (٢١٩/١)، والبخاري (٢٩٥٤)، ومسلم (١١١٣) (٨٨)،
والنسائي (١٨٩/٤).
[٩٨٣] وعنه، قالَ: سَافَرَ رسولُ اللهِوََّ في رمضانَ، فصامَ حتَّى بلغَ
عُسْفَانَ، ثم دعًا بإناء فيه شَرَابٌ فَشَرِبَه نهاراً لِيَراه النَّاسُ، ثم أَفْطَرَ حتَّى
دخلَ مَّةَ. قالَ ابنُ عبَّاس: فصامَ رسولُ الله ◌َِّ، وأفطرَ، فمن شَاءُ صَامَ،
ومَنْ شَاء أفطرَ.
الجهاد، ولما حصل لهم من الجهل والمشقة بالصوم، كما قال: فسقط الصُّوَّام،
وقد روى البزار من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبيَّ ◌َ ﴿ لمَّا رأى ما هم فيه،
ووصلَ إلى الماء، قال لهم: ((اشْرَبُوا)) فقالوا: لا نشرب حتى تشرب. قال: ((إِنِّي
لستُ مثلكم: إني راكبٌ، وأنتم مشاةٌ)). فقالوا: لا نشرب حتى تشرب، فشربَ،
وشربوا(١). وعلى مذهب المنع فلو أفطر من غير عُذْر فهل تلزمه الكفَّارة، أو
لا تلزمه؟ ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يُفطر بجماع، فتجب. أو بغيره، فلا
تجب. وكذلك اختلفَ فيمن طرأ عليه السفر، وقد بيَّت الصوم في الحضر.
فالجمهورُ: على أنه لا يجوزُ أن يفطر إلا مع العذر. فلو أفطر من غير عذرٍ ففي
الكفارة ثلاثةُ أقوالٍ: يفرق في الثالث بين المتأوِّل، فتسقط عنه، وبين غيره، فلا
تسقط.
و (قوله: وكان صحابته له يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره) وهو قولُ
الزُّهري كما فسَّره في الرواية الأخرى ونَسَبه إليه. ولذلك ذكره مسلمٌ بعده. وظاهرُ
(١) رواه أحمد (٢١/٣)، وابن حبان (٣٥٥٠ و ٣٥٥٦).
١٧٨
(١٠) كتاب الصوم - (١٠) باب: جواز الصوم والفطر في السفر
رواه أحمد (٢٥٩/١)، والبخاري (٤٢٧٩)، ومسلم (١١١٣)
(٨٨)، وأبو داود (٢٤٠٤)، والنسائي (١٨٤/٤)، وابن ماجه (١٦٦١).
[٩٨٤] وعن أبي سعيد الخُدريِّ، قالَ: غَزَونا معَ رسولِ اللهِ وَ﴾
لِسِتَّ عشْرةَ مَضَتْ مِن رمضانَ، فمِنَّا مَنْ صَامَ ومِنَّا مَنْ أفطرَ، فلم يَعِبٍ
الصَّائمُ على المُفطرِ ولا المُفطرُ على الصَّائِمِ.
رواه أحمد (٤٥/٣ و٧٤)، ومسلم (١١١٦) (٩٣).
[٩٨٥] وعن حمزةَ بن عمر الأسلميِّ، أنَّه سألَ النبيَّ وَّهِ فقالَ:
يا رسولَ الله! إني رجلٌ أَسْرُدُ الصَّومَ. أفأَصُومُ في السَّفرِ؟ قال: ((صُمْ إن
شِئتَ وأَفْطِرْ إن شئتَ)).
كلام ابن شهاب: أنَّ الذي استقر عليه أمره ، ﴿ إنما كان: الفطر في السفر، وأن
الصوم السّابق منسوخ. وهذا الظاهرُ ليس بصحيح بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا؛
فإنها تدلُّ على أنَّ النبيَّ ◌ِ ﴿ صام بعد ذلك في السفر، وأصحابُه كذلك، وجدَّ فيه
ومن أدلُّ ذلك قولُ أبي سعيدٍ: ثم لقد رأيتنا نصومُ بعد ذلك في السفر مع
رسول الله﴾. وما خرَّجه النّسائي عن عائشة: أنها سافرت مع رسول الله وص له في
عُمرته، فقالت: يا رسولَ الله! قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ. فقال:
(أحسنتِ يا عائشة!)) وما عابه عليَّ(١). ويمكن أن يُحملَ قولُ الزهريٍّ: على أنه
أراد أن يخبرَ بقاعدتهم الكلية الأصولية في الاقتداء بأفعال النبيِّ ◌َ ﴿ فيما تحقَّقتْ
فيه المعارضة، لا في هذا الموضع؛ فإنه لم يتحقَّق فيه المعارضة. والله تعالى
أعلم.
و (قوله ﴿﴿ لحمزة بن عمرو: ((إن شئتَ صم، وإن شئت فأفطر(٢)))) نصُّ في
(١) رواه النسائي (١٢٢/٣).
(٢) هذا لفظ البخاري، وأحد روايتي مسلم. حيث اختار المصنف - رحمه الله - في
التلخيص غيرها بلفظ: ((صم إن شئت ... )).
١٧٩
(١٠) كتاب الصوم - (١٠) باب: جواز الصوم والفطر في السفر
رواه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١) (١٠٤)، وأبو داود (٢٤٠٢)،
والنسائي (١٨٥/٤)، والترمذي (٧١١)، وابن ماجه (١٦٦٢).
[٩٨٦] وعنه، أنَّه قالَ: يا رسولَ الله! أجدُ بي قوَّةً على الصِّيامِ في
السَّفرِ، فهلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((هي رخْصَةٌ مِن اللَّهِ فَمَنْ
أخذَ بها فَحَسَنٌ ومَنْ أَحَبَّ أنْ يصومَ فلا جُناحَ عليه)).
التخيير. ولا يُقال: يحتملُ أنه سأله عن سرد صوم التطوع لوجهين:
أحدهما: قوله في الرواية الأخرى: ((هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها
فحسنٌّ، ومن أحبّ أن يصومَ فلا جُنَاحَ عليه)). ولا يقال في التطوُّع مثل هذا.
والثاني: أنَّ حديثه هذا خرَّجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني
صاحبُ ظهرٍ، أسافرُ عليه، وأكريه في هذا الوجه، وأنه ربّما صادفني هذا الشهر
- يعني: رمضان - وأنا أجدُ القوة، وأنا شابٌّ، وأجدني أن أصومَ أهون من أن
أُؤْخِره فيكون دَيْناً عليَّ، أفأصوم يا رسول الله! أعظم لأجري أو أفطر؟! فقال: ((أيُّ
ذلك شئت یا حمزة))(١). وهذا نصٍّ: في أنه صومُ رمضان.
و(قوله وَله: ((هو رخصةٌ من الله))) دليلٌ: على أنَّ الخطابَ بالصوم متوجُّهُ
لجميع المكلفين - مسافرين وغيرهم - ثم رخّص لأهل الأعذار بسببها. وبيانُ ذلك:
أنَّ الرخصةَ حاصلُها راجعٌ إلى تخلُّف الحكم الجزم مع تحقَّق سببه لأمرٍ خارجٍ عن
ذلك السَّبب. كما تقوله في إباحة الميتة عند الضَّرورة. وبهذا يتحقَّقُ بطلانٌ قول
مَن قال: إنَّ صومَ المسافر لا ينعقدُ. والله تعالى أعلم.
و (قوله: غزونا مع رسول الله ﴿ لستَّ عشرة من رمضان) قد اختلفَ الرواةُ خروج النبيِّ
في هذا: ففي حديث التيمي، وعمر بن عامر، وهشام: لثماني عشرة خلتْ من # بغزوة الفتح
(١) رواه أبو داود (٢٤٠٣).
١٨٠
(١٠) كتاب الصوم - (١١) باب: من أجهده الصوم حتى خاف على نفسه
رواه أحمد (٤٩٤/٣)، ومسلم (١١٢١/م) (١٠٧)، وأبو داود
(٢٤٠٣)، والنسائي (١٨٦/٤ - ١٨٧).
*
(١١) باب
من أجهَده الصَّومُ حتى خاف على نفسه
وجبَ عليه الفطر
[٩٨٧] عن جابرٍ بن عبدِ الله، أنَّ رسولَ الله وَ﴿ه خرَجَ عامَ الفتح إلى
مَكَّة في رمضانَ، فصامَ حتَّى بلغَ كُرَاعَ الغَميم، فصامَ النَّاسُ، ثم دَعا بِقَدح
مِن ماءٍ، فرفعَه حتَّى نظرَ النَّاسُ إليه، ثم شَرِبَ. فقيلَ له بعدَ ذلكَ: إنَّ
بعضَ النَّاس قد صَامَ. فقالَ: (أُولِئِكَ العُصاةُ، أولئكَ العُصاةُ)).
رواه مسلم (١١١٤) (٩٠)، والترمذي (٧١٠)، والنسائي (٤/ ١٧٧).
رمضان. وفي حديث سعيدٍ: في ثنتي عشرة. وفي حديث شعبة: لسبع عشرة، أو:
تسع عشرة. وقال الزُّهريُّ: صبَّح رسولُ اللهِ وَ ل﴿ مكة لثلاث عشرة ليلةً خلتْ من
رمضان. وهذه أقوالٌ مضطربةٌ. والذي أطبقَ عليه أصحابُ السير: أنَّ خروجَ
النبيِّ ◌َ ﴿ لغزوة الفتح كان لعشر خَلَوْنَ من رمضان، ودخوله مكة كان في تسع
عشرة. وهو أحسنها. والله تعالى أعلم.
(١١) ومن باب: مَن أجهده وأضعفه الصَّومُ وَجَبَ عليه الفطر
هذه الترجمةُ معضودةٌ بقاعدة الشريعة المقرّرة في رفع ما لا يُطاق. وبأن
للمريض أن يُفْطِر. ومَن أجهده الصَّومُ وهو (١) مريض؛ فإن خاف على نفسه التلفَ
(١) ساقط من (ع) و(ظ).