النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٩) كتاب الزكاة - (٢٧) باب: يجب الرضا بما قسم رسولُ الله ◌ِ﴾ [٩٣٦] وعن عُبيد الله بن أبي رافع، مولى رسولِ الله وَ أنَّ الحَرُورِية لمّا خَرجَتْ وهو مع عليّ بن أبي طالبٍ، فقالُوا: لا حكم إلا لله. فقالَ عليٍّ: كلمةُ حَقِّ أُرِيدَ بها باطلٌ إنَّ رسولَ اللهِوَّهِ وصَفَ نَاساً، إنِّي لأعرفُ صِفَتَهم في هَؤلاءِ: ((يَقولونَ الحقَّ بألسِنَتِهِم لا يَجوزُ هذا منهم (وأشارَ إلى حَلْقِهِ) مِن أَبْغَضِ خَلْقِ اللهِ إليه منهم أَسْوَدُ، إحدى يَدَيْهِ طُبْيُ شَاةٍ، أو حَلَمَةُ ثَذْي)) فلمَّا قتلَهم عليّ بن أبي طالب، قالَ: انظُروا، فَتَظِرُوا فلم يَجدوا شيئاً. فقالَ: ارْجِعُوا. فوالهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِّبْتُ مَرّتينِ أو ثلاثاً. ثم وَجَدُوه في خَرِبَةٍ. فَأَتَوْا به حتَّى وَضَعُوه بينَ يَدِيْهِ. قال عُبيد الله : وأنا حاضرٌ ذلكَ مِن أمرهم وقولِ عليٍّ فيهم. رواه أحمد (٨٣/١ و ٨٤)، ومسلم (١٠٦٦) (١٥٧). [٩٣٧] ومن حديثٍ عبدِ الله بن الصَّامتِ: ((يَخرجونَ مِن الدِّين كما يخرجُ السَّهِمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثم لا يَعودُون فيه، هم شرُّ الخَلْقِ والخَلِيقَةِ)). رواه أحمد (٣١/٥)، ومسلم (١٠٦٧) (١٥٨)، وابن ماجه (١٧٠). [٩٣٨] ومن حديثٍ سَهْلِ بن حُنَيْفٍ، عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((يَتِيهُ قومٌ قِبَلَ المَشْرِقِ، القسم. وهو قسمٌ أقسم عليه به لتزيدَ طمأنينة قلبه، لا ليدفع شكاً عن نفسه. و (قوله: ((يتيهُ قومٌ قبل المشرق))) أي: يتحيَّرون ويذهبون في غير وجهٍ صحيح. يقال: تاه الرجل: إذا ذهبَ في الأرض غير مهتدٍ. ومنه: تيه بني إسرائيل. وقيل: المشرق يدلُّ على صحة تأويل من تأول: قرن الشيطان بأنهم الخوارج، والفتن التي طلعتْ من هناك. والله تعالى أعلم. ١٢٢ (٩) كتاب الزكاة - (٢٧) باب: يجب الرضا بما قسم رسولُ الله آلآ مُحَلَّقَةٌ رؤوسُهم، يقرؤونَ القرآنَ .. )) نحو ما تقدم. رواه مسلم (١٠٦٨) (١٥٩). و (قوله: ((محلقة رؤوسهم))) وفي حديث آخر: ((سيماهم التحليق))) أي: جعلوا ذلك علامةً لهم على رَفْضهم زينةَ الدُّنيا. وشعاراً لِيُعْرَفوا به، كما يفعل البعضُ من رهبان النصارى يفحصون عن أوساط رؤوسهم. وقد جاء في وَصْفهم مرفوعاً: ((سيماهم التسبيد))(١) أي: الحلق يقال: سبد رأسه؛ إذا حلقه. وهذا كله منهم جهلٌ بما يُزْهَدُ فيه، وما لا يُزْهَدُ فيه، وابتدائٌ منهم في دِيْن الله تعالى شيئاً كان النبيُّ وَّ﴿ والخلفاء الراشدون وأتباعهم على خلافه. فلم يُرْوَ عن واحدٍ منهم: أنهم انَّسموا بذلك، ولا حَلَقُوا رؤوسهم، في غير إحلال، ولا حاجة. وقد كان لرسول الله وَ ﴿ شعرٌ فتارة فرقه، وتارة صيَّرَه جُمّة، وأخرى لمّة. وقد روي عنه أَّل أنه قال: ((من كانت له شعرة أو جمّةً فليكرمها))(٢) وقد كره مالك الحلاق في غير إحرام، ولا حاجة ضرورية. (١) رواه أحمد (٦٤/٣)، وأبو داود (٤٧٦٦). (٢) رواه أبو داود (٤١٦٣) بلفظ: ((من كان له شعر فليُكْرِمْهُ)). ١٢٣ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد (٢٨) باب لا تَحِلُّ الصَّدقة لمحمّد ولا لَآلِ محمّد، ومَنْ يُستعمل على الصَّدقة [٩٣٩] وعن أبي هريرةَ، قالَ: أخذَ الحسنُ بنُ عليّ تمرةً من تَمْرِ الصَّدقةِ فجعلَها في فيهِ، فقالَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّرَ: ((كِخْ كِخْ، ارمٍ بها، أمَّا علمتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقةَ؟!)). رواه أحمد (٤٠٩/٢ و٤١٠)، والبخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩). [٩٤٠] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((واللهِ إنِّي لأَنْقَلِبُ إلى أَهلي فأجدُ الثَّمْرَةَ ساقطةً على فِراشي - أو في بيتي - فأرفَعُهَا لَآَكُلَهَا ثم أَخْشَى أنْ تكونَ صدقةً فَأُلْقِيَها)). رواه مسلم (١٠٧٠) (١٦٣). (٢٨) ومن باب: لا تحلُّ الصَّدقة لمحمد ولا لآل محمد (قوله: ((كِخْ، كِخْ))) روايتنا فيه بكسر الكاف وسكون الخاء. وقد يُقال بفتح الكاف وتسكين الخاء وتنوينها. وهي لغاتٌ، وهي كلمةٌ يُزْجَر بها الصِّبيانُ عن أَخْذ شيء، قال الداودي: هي كلمةٌ أعجميةٌ عزَّبتها العرب. وإلى هذا أشار البخاريُّ حيث ترجم على هذا الحديث من تكلّم بالفارسية. والصَّحيحُ الأول. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن الصغارَ يُمنعون مما يحرم على الكبار المكلفين حتى يحرم على الصغار ما يتدرَّبوا على آداب الشريعة، ويتأدَّبوا بها، ويعتادوها. وعلى هذا فلا يُلبس الذكورُ يحرم على الصغار الحرير، ولا يُحلَّون بالذهب. ويُخاطب الأولياءُ بأن يجنِّوهم ذلك، كما الكبار ١٢٤ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد [٩٤١] وعن أنس بن مَالكِ، أنَّ رسولَ الله وَلَه مَرَّ بتمرةٍ بالطّريقِ، فقال: ((لَوْلا أنْ تَكونَ مِنَ الصَّدقةِ لأكلتُها)). رواه أحمد (١١٩/٣)، والبخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥١ و ١٦٥٢). يُخاطبون بأن يُجنِّوهم شربَ الخمور، وأكل ما لا يحل. و (قوله ◌َّه ـ وقد وَجَد تمرةً في الطريق -: ((لولا أني أخافُ أن تكونَ من الصدقة لأكلتها))) هذا منه وَّ﴿ ورعُ وتنُّه. وإلا فالغالبُ تمرُ غير الصدقة؛ لأنه الأصل. وتمرُ الصدقة قليل، والحكمُ للغالب في القواعد الشرعية. وفيه دليلٌ: على أن اللُّقْطَة اليسيرةُ التي لا تتعلَّق بها نفسُ فاقدها لا تحتاجُ إلى تعريف. وأنها تُستباح من غير ذلك، لأنه علَّل امتناعه من أكلها: هو خوفُه من أن تكونَ من الصَّدقة. ثم إنَّ دليلَ خطابه أنها لو سلمتْ من ذلك المانع لأكلها. وهذه الأحاديثُ كلُّها مع قوله: ((إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد)) تدل: على أن الصدقةَ على رسول اللهِل ◌َّهَ وعلى آله مُحرَّمة. وهل يعمُّ التحريمُ الواجبات وغيرها أو يخصّ الواجبة؟ اختلفَ فيه: فذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفة في أحد قوليه: إلى أن المحرَّمَ الواجبةُ فقط. وحكى ابنُ القصار عن بعض أصحابنا: أن المحرَّم صدقةُ التطوع دون الفريضة؛ لأنها لا مِنَّة فيها. وقال أبو حنيفة أيضاً: إنها كلّها حلالٌ لبني هاشم وغيرهم. وإنما كان ذلك مُحرَّماً عليهم إذ كانوا يأخذون سَهْم ذي القربى، فلما قُطِع عنهم حلَّثْ لهم. ونحوه عن الأبهري من شيوخنا. ورُوي عن أبي يوسف: أنها حرامٌ عليهم من غيرهم، حلالٌ لهم صدقة بعضهم على بعض. قلتُ: والظاهرُ من هذه الأحاديث: أنها محرمةٌ على رسول الله وَلتر وعلى آله، فرضها ونَفْلها، تمشُّكاً بالعمومات. ومن جهة المعنى: بأنَّ الصدقة أوساخُ حكم اللقطة اليسيرة الصدقة عليه وعلى آله مُحرَّمة عموم التحريم ١٢٥ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد [٩٤٢] وعن عبد المُطَّلِبِ بن ربيعةَ بن الحَارثِ والعبَّاس بن عبدٍ المطلب، فقالا: والله لو بعثنَا هُذينِ الغُلاميْنِ - قالَ لي وللفضلِ بن عبَّاس - إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ فكلَّماه، فَأَمَّرَهُما على هذِهِ الصَّدقاتِ فَأَذَّيا ما يؤدي النَّاسُ، وأصابًا مما يُصيبُ النَّاسُ، قال: فبينما هما في ذلكَ جاءَ عليّ بنُ أبي طالبٍ، فوقفَ عليهما. فذكرا له ذلكَ، فقال عليّ: لا تفعَلا. فواللهِ الناس، وبأن اليدَ العليا خيرٌ من اليد السفلى، ولا يَدٌ أعلى من يدِ رسولِ اللهِ وَّر، ولا أيدي آله. فقد أكرمهم الله، وأعلى مقاديرهم، وجعل أيديهم فوق كلِّ يد. وسهمُ ذي القربى واجبٌ إخراجه وإيصالُه إليهم على كلِّ مَن ولي شيئاً من أمور المسلمين إلى يوم القيامة. فلو مُنِعوا ولم يقدروا على إيصالهم إلى حقوقهم وَجَبَ سدُّ خلاتهم، والقيام بحاجاتهم على أهل القدرة من المسلمين لا على وَجْه الصَّدقة، بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال. ويكون حكمُهم كحكم الحقوق المرتبة على بيت مال المسلمين، فلا يوصل إليها لفكاك الأسارى ونَفَقة اللُّقطاء، وسدّ خلات الضَّعفاء والفقراء إذا لم يوصل إلى أخذ ذلك من بيت المال. واختلفَ في: مَنْ آَلَ النَّبِي ◌ََّ؟ فقال مالك وأكثرُ أصحابه: هم بنو هاشم آل النبي ◌َّ خاصة. ومثله عن أبي حنيفة، واستثني آلُ أبي لهب. وقال الشافعي: هم بنو هاشم، ويدخلُ فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف، لقول النبي ◌َله: ((أنا وبنو المطلب شيءٌ واحد))(١) ولقسم النبي وَ ل لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم. ونحا إلى هذا بعضُ شيوخنا المالكية. وقال أصبغُ: هم عشيرةُ النَّبِي ◌َ ﴿ الأقربون الذين أُمِر بإنذارهم: آل قصي. قال: وقيل: قريش كلُّها. قلتُ: وفي الأم: أنَّ زيد بن أرقم سُئِل عن أهل بيت النبي والر من هم؟ فقال: أهل بيته من حُرِمِ الصدقةَ بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل (١) رواه أبو داود (٢٩٨٠) من حديث جبير بن مطعم. ١٢٦ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ما هو بفاعلٍ، فانْتَحاهُ ربيعةُ بن الحارثِ فقالَ: والله ما تصنعُ هذا إلَّ نَفَاسَةً منكَ علينا، فواللهِ لقد نلتَ صِهِرَ رسول اللهِ وَ﴿ فما نَفِسْنَاه عليكَ. قالَ عليّ أرسلُوهما، فانطلقًا. واضْطَجَع عليٍّ، فلمَّا صَلَّى رسول اللهِوَِّ الظُهرَ سبقنَاه إلى الحجرةِ، فقمنا عندَها حتَّى جاءَ، فأخذ بآذانِنَا، ثم قالَ: ((أخرجَا ما تُصَرِّرانِ)) ثم دخلَ ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جَخْشٍ، قال: فَتَوَاكَلْنا الكَلامَ، ثم تكلَّم أحدُنا فقالَ: يا رسول الله! أنتَ عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. فقال: كلُّ هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نعم(١). وهذا يؤيِّدُ قولَ مالك. فإنَّ هؤلاء كلّهم بنو هاشم، واختلف في مواليهم، فمالك والشافعي: يبيحانها(٢) لهم، والكوفيون وكثير من أصحاب مالك: يُحرِّمونها علیھم. و (قوله: ((فانتحاه ربيعةُ بن الحارث))) أي: عَرَض له وقصده. والنحو: القصد. ومنه: عِلْم النحو. و (قوله: ((واللهِ ما يفعلُ هذا إلا نفاسةً علينا))) هذه يمينٌ وقعتْ من ربيعة على اعتقاده، فهي من قبيل اللغو. والنفاسة: في الخير. ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُنَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. و (قوله: ((فما نفسناه عليك))) أي: ما تمنّينا أن يكونَ لنا دونك. و (قوله: ((أخرجا ما تُصرران))) أي: ما تجمعانه في صُدوركما. وكُلُّ شيءٍ جمعته فقد صَرَرته. ومنه: صرُّ الدراهم: وهو جَمْعُها في الصُّرَّة. (١) رواه مسلم (٢٤٠٨). (٢) في الأصول: يبيحها، وما أثبتناه هو الصواب. ١٢٧ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد أَبَرُّ النَّاس وأوصلُ النَّاس، وقد بلغنَا النَّكاحَ، فجئنا لتُؤمِّنَا على بعضِ هذه الصَّدقاتِ، فنؤدِّيَ إليكَ كما يُؤدِّي النَّاسُ، ونُصيبَ كما يُصيبونَ. قال: و (قوله: ((قد بلغنا النكاح))) أي: الحُلُم. ومنه قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ التِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. و (قول علي في الأم: أنا أبو حسن القرم، والله لا أُريم مكاني حتى يرجعَ إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به). إنما قال: أبو حسن القرم؛ لأجل الذي كان عنده من عِلْم ذلك. وكان - رضي الله عنه - يقول هذه الكلمةَ عند الأخذ في قضيةٍ تُشْكِل على غيره وهو يعرفها. ولذلك جرى كلامُه هذا مجرى المثل، حتى قالوا: قضية ولا أبا حسن. أي: هذه قضيةٌ مشكلة، وليس هناك من يُبيِّتها، كما كان يفعلُ أبو حسن الذي هو عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأتوا بأبي حسن بعد لا النافية للنكرة على إرادة التنكير. أي: ليس هناك واحدٌ ممن يسمَّى أبا حسن. كما قالوا: أَرى الحاجاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ نَكِذْنَ ولا أميَّةَ فِي البِلادِ أي: لا واحد ممن يُسمَّى أمية. والقرم: أصله الفحل من الإبل. ويُستعار للرجل الكبير المجرِّب الأمور. وهذه روايةُ القاضي الشَّهير - بالراء - والرفع على النعت لأبي حسن. وقد رُوي: بالواو مكان الراء بإضافة حَسَن إليه، وهي روايةُ ابن أبي جعفر. وَوَجْهُها: كأنه قال: أنا عالم القوم، وذو رأيهم. وقد روي عن أبي بحر: أبو حسنٍ، بالتنوين، وبعده: القرم، بالرفع. أي: أنا من علمتم أيها القوم. وهذه الرواية أبعدها . و (قوله: ((لا أريم))) أي: لا أزال، ولا أبرحُ من مكاني هذا. قال زهير: ١٢٨ (٩) كتاب الزكاة - (٢٨) باب: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد فسكتَ طَوِيلاً، ثم أردنا أنْ نكلِّمَه. قالَ: وجعلتْ زينبُ تُلْمِعُ إلینَا مِنْ وراءِ الحِجَابِ أنْ لا تكلِّماهُ. قالَ: ثم قالَ: إنَّ الصَّدقةَ لا تَنْبغي لَآلِ محمّد، إنما هي أوساخُ النَّاس، ادعُوا لي مَحْمِيَّة - وكانَ على الخمس - ونوفلَ بن لِمَنْ طَلَلٌ بِرَامَةَ لا يَرِيْمُ عَفَا وَخَلَالُه عقبٌ(١) قَدِيْمُ؟ و (بحور ما بعثتما به) أي: بجوابه. يقال: كلَّمته فما ردَّ حَوْراً ولا حويراً. أي: جواباً. قلت: وأصل الحور: الرجوع. ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُرَ﴾ [الانشقاق: ١٤] أي: أن لن يرجع. و (ابناكما) على التثنية هو الصَّحيح، ووقع لبعض الشيوخ: أبناؤكما. على الجمع. وهو وهمٌ؛ فإنه قد نُصَّ على أنهما اثنان. و (قوله: ((فتواكلنا الكلام») أي: وكل بعضُهم إلى بعضٍ الكلام، فكأنهما توقَّفا قليلاً إلى أن بَدَرَ أحدُهما فتكلم. و (قوله: ((فجعلتْ زينب تُلْمِعُ من وراء الحجاب))) أي: تُشير. يقال: ألمع بثوبه وبیده، وأومأ برأسه، وأومض بعينه. تسمية الصدقة بأوساخ الناس و (قوله: ((إنما هي أوساخ الناس))) إنما كانت الصَّدقةُ كذلك لأنها تطهرهم من البخل، وأموالهم من إثم الكنز، فصارت كماء(٢) الغُسَالِةِ التي تعابُ. ومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحلُّ لأحدٍ من آل النَّبِيِّ وَ غُ على ما قدَّمناه وإن كانوا عاملين عليها. [وهو رأيُ الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها](٣) أبو يوسف والطحاوي. والحديثُ ردِّ عليهم. و (مَخْمية) مخففة الياء على وزن مَفْعلة، من: حميتُ المكان، أحميه. وهو: ابنُ جزءٍ، بهمزةٍ بعد (١) في (ع) و(ط): حقب. (٢) زيادة من (ع). وفي (ظ): كأنها. (٣) ساقط من (ع). ١٢٩ (٩) كتاب الزكاة - (٢٩) باب: الصدقة إذا بلغت محلّها الحارث بن عبد المطلب)). قال: فَجاآَه فقالَ لِمَحْمية: ((أنكحْ هذا الغلامَ ابنتَك)) (للفضلِ بن عبَّاس) فَأَنْكَحه وقال لنَوْفلَ بن الحارثِ: ((أنكحْ هذا الغلامَ ابنتك لي))، فأنكحَني، وقال لمَحْمِية: ((أَصْدِقْ عنهما من الخُمُس كذا وكذا). وفي رواية: ((وإنَّها لا تَحِلُّ لمحمَّدٍ ولا لَآلِ محمَّد)». رواه مسلم (١٠٧٢)، وأبو داود (٢٩٨٥)، والنسائي (١٠٥/٥ و ١٠٦). (٢٩) باب الصدقة إذا بلغت مَحِلُّها جاز لمن كان قد حَرُمتْ عليه أن يأكلَ منها [٩٤٣] عن جُوَيرية زوج النبيِّوَ ﴿، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّه دخلَ عليها فقالَ: ((هل مِن طَعام؟)) قالتْ: لا واللهِ يا رسولَ الله! ما عندَنا طَعَامٌ إلَّا عَظْمٌ من شاةٍ أُعْطِيَتْه مَوْلاتي مِنَ الصَّدقة، فقال: ((قَرِّبِهِ قد بَلَغتْ مَحِلَّها)). رواه أحمد (٤٣٠/٦)، ومسلم (١٠٧٣) (١٦٩). الزَّاي الساكنة على وزن: كَلْبٍ. كذا قاله الحقَّاظُ المتقنون. قال عبد الغني: ويقال: جزي، بكسر الزاي. وقال أبو عبيد: هو عندنا: جزٍّ. مشدَّد الزاي. وقال مسلم: إنَّه من بني أسد. والمشهورُ المحفوظُ: أنه من بني زُبَيْدٍ. (٢٩) ومن باب: الصدقة إذا بلغت مَحِلَّها (قوله: ((قرِّبيها فقد بلغتْ مَحِلَّها))) يعني: أنَّ المتصدَّق عليها قد ملكتْ تلك الصدقة وسيلة مشروعة للتملك ١٣٠ (٩) كتاب الزكاة - (٢٩) باب: الصدقة إذا بلغت محلّها [٩٤٤] وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ في بَرِيرَة ثلاثُ قَضِيَّات: كانَ النَّاسُ يَتصدْقونَ عليها، وتُهْدي لنَا، فذكرتُ ذلك للنبيِّ وَِّ، فقال: ((هُو عليهَا صَدقةٌ، ولكم هَدِيَّةٌ فكلُوه)». وفي رواية: ((ولَنَا هَدِيَّةٌ)). رواه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٠٧٥) (١٧٣)، والنسائي (١٠٢/٦). [٩٤٥] وعن أُمّ عَطِيَّة، قالتْ: بعثَ إليَّ رسولُ اللهِ ◌ّه بشاةٍ من الصَّدقةِ، فبعثتُ إلى عائشة منها بشيءٍ، فلما جاءَ رسولُ اللهِوَ لَه إلى عائشةَ قالَ: ((هل عندَكم شيءٌ؟)) قالتْ: لا إلَّا أنَّ نُسَيْبَةَ بعثتْ إلينَا مِن الشَّاةِ التي بعثتُم بها إليهَا. قالَ: ((إنَّها قد بلغت مَحِلَّها)). رواه أحمد (١٠٧/٦ - ١٠٨)، والبخاري (١٤٤٦)، ومسلم (١٠٧٦) (١٧٤). الصدقة بوجهٍ صحيح جائزٍ. فقد صارتْ كسائر ما تملكه بغير جهة الصَّدقة، وإذا كان كذلك فمن تناوّل ذلك الشيءَ المُتصدَّق به من يد المُتصدَّق عليه بجهةٍ جائزةٍ غير الصدقة جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقةً بالنسبة إلى الآخِذ من يد المُتَصدَّق عليه؛ وإن كان مِمَّن لا تحلُّ له الصدقةُ في الأصل. ويخرج عليه: مِن أحكام صحةُ أحد القولين فيمن تُصُدِّق عليه بلحم أضحية، فإنه يجوزُ له أن يبيعَه. والقول الثاني: لا يجوزُ فيه ذلك؛ لأنَّ أصلَ مشروعية الأضحية ألَّا يُبَاعَ منها شيءٌ مطلقاً. الأضحية و (قوله ◌َّ لجويرية: ((قرِّبيه))) إنما قال ذلك فيه لعلمه بطيب قَلْب المولاة بذلك، أو تكون المولاةُ قد أهدتْ ذلك لجويرية؛ كما جاء في حديث بريرة الآتي الصدقة على بعد هذا. وفي حديث عائشة ما يدلُّ: على جواز الصدقة على موالي قريشٍ؛ لأنَّ موالي قريش عائشة تيمية، وتيمٌ من قريش، وجويرية مولاةُ النبيِّ ◌َِّهِ، وحُكْم مولاتها حُكْمُها. ١٣١ (٩) كتاب الزكاة - (٣٠) باب: دعاء المصلِّق لمن جاء بصدقته [٩٤٦] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ النبيَّ وَ ﴿ كانَ إذا ◌ُتِي بطعامٍ سألَ عنه، فإنْ كانَ هديّةً أكلَ منها، وإنْ قيلَ: صدقةٌ لم يأكلْ منها. رواه أحمد (٤٩٢/٢)، ومسلم (١٠٧٧). # (٣٠) باب دعاء المُصَدِّق لِمن جاءَ بصدقته، والوَصاة بالمُصَدِّق [٩٤٧] عن عبد اللهِ بن أبي أَوْفَى، قالَ: كانَ رسولُ الله إذا أتاه قومٌ والثلاث القضيات التي كانت في بريرة إحداها: ما ذكره في هذه الطريق. والثانية: ((قوله: ((إنما الولاءُ لمن أعتق)). والثالثة: تخييرها في زوجها، وسيأتي الكلامُ في ذلك إن شاء الله تعالى. وكونه * يسألُ عن الطعام، هل هو صدقةٌ أو هديّةٌ؟ يدلُّ: على أنَّ للمتَّقِي للمتقي أن يسأل أن يسأل عمَّا خَفِي عليه من أحوال الهديَّة والمُهْدي حتى يكونَ على بصيرةٍ من عما خفي عليه أمره؛ لكنَّ هذا ما لم يؤذِ المُهْدي والمُطْعِم؛ فإن أدَّى إلى ذلك فالأولى تَرْفُ من أحوال السُّؤال إلا عند الرِّيبة. الهداية وهذا الحديثُ يدلُّ؛ على أنه نَّهِ ما كان يأكلُ صدقةَ التطوُّع، كما كان لا يأكلُ صدقةَ الواجب، وأنَّها لا تحلُّ له كما قدَّمنا. (٣٠) ومن باب: الدُّعاء للمتصدِّق وإرضاء المصدِّق لمَّا أمر اللهُ تعالى نبيَّهَ وَ﴿ بأخذ الصَّدقة من الأموال والدُّعاء للمتصدّق بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ ... ) الآية [التوبة: ١٠٣] امتثل ذلك، فكان يدعو ١٣٢ (٩) كتاب الزكاة - (٣٠) باب: دعاء المصلِّق لمن جاء بصدقته بِصَدَقَتِهِم قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عليهم)) فأتاه أبو أوْفَى بصدقتِه فقالَ: ((اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أَوْفَى)). رواه أحمد (٣٥٣/٤ و٣٥٥)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (١٥٢/٢). لمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقولُ لهم: ((اللهم صلِّ عليهم))، أي: ارحمهم. وقال: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)). وقال كثيرٌ من علمائنا: إنه أراد بآل أبي أوفى: نفس أبي أوفى، وجعلوا هذا مثلَ قوله ◌َله لأبي موسى: «لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود))(١). وإنما أراد: داود نفسه، وهو محتملٌ لذلك. ويحتملُ أن يريدَ به: مَن عمل مثل عمله من عشيرته وقرابته، فيكون مثل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد. والله تعالى أعلم. الدعاء وهل يتعذَّى الأمرُ لكلِّ مصدِّقٍ عند أَخْذه الصدقة؟ أو هو خاصٌّ بالنبيِّ ◌َ ◌ّ المتصدّق من قولان لأهل العلم: المتصدّق عليه فِذَهَبَ الجمهورُ: إلى أنهم يُندبون إلى ذلك؛ للاقتداء بفعل النبيِّ وَ * لما يحصلُ عند ذلك من تطييب قلوب المتصدقين. وقال أهلُ الظاهر: هو واجبٌ أخذاً بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ولا يُسلَّم لهم ذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] يُشْعِر بخصوصيته ◌ِوَ﴿ بالدُّعاء، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ﴾ تعليلٌ للأمر بالدعاء لا لأخذ الصَّدقة؛ كما قد توقَّمه أهلُ الرِّدة الذين تقدَّم ذكْرُهم في كتاب: الإيمان. وعلى هذا: فلا يكونُ للظاهرية متمسّكٌ في الآية، ويتجه قولُ (١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٢٣٦/٧٩٣)، والترمذي (٣٨٥٥) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ١٣٣ (٩) كتاب الزكاة - (٩) كتاب الزكاة - (٣٠) باب: دعاء المصدِّق لمن جاء بصدقته [٩٤٨] وعن جرير بن عبدِ اللهِ، قالَ: جاءَ ناسٌ مِن الأعرابِ إلى رسولِ اللهِ بَّه، فقالوا: إنَّ أُنَاساً مِنَ المُصدِّقينَ يأتونَنَا فِيَظْلُمُونَنَا. فقال رسولُ الله ◌ِِّ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيْكُم)). قال جريرُ: ما صَدَر عَنِّي مُصَدِّقٌ منذ سمعتُ هَذا مِن رسولِ الله وَّـ إلاّ هو عنّي رَاضٍ. وفي روايةٍ: ((إذا أتاكُم المُصَدِّقُ فليَصْدرْ عنكم وهُو رَاضٍ)). رواه أحمد (٣٦٢/٤)، ومسلم (٩٨٩) و (١٧٧/٩٨٩)، وأبو داود (١٥٨٩)، والنسائي (٣١/٥). من ادَّعى خصوصية ذلك بالنَّبِيِّ وَّهِ. وقال كثيرٌ من المفسّرين في معنى ((سكن لهم)): أي: طمأنينةٌ، وتثبيت، وبركة، وتزكيةٌ. و (قول جرير: جاء ناسٌ من الأعراب) يريد: أهل البادية. وقد ذكرنا الفرقَ من صفات بين الأعرابي والعربي، ولا شكَّ أن أهل البادية أهلُ جفاءٍ وجَهْل غالباً؛ ولذلك قال الأعراب تعالى: ﴿اَلْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَانًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ [التوبة: ٩٧] ولذلك نسبوا الظلمَ إلى مصدِّقي النبيِّ وَّه، وإلى فُضلاء أصحابه؛ فإنه ما كان يستعملُ على ذلك إلا أعلمَ الناس وأعدلهم؛ لكن لجهل الأعراب بحدودِ الله ظلُّوا: أنَّ ذلكَ القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظُلْم. فقال لهم وَلّى: (أرضُوا مصدِّقيكم وإن ظلمتم)) أي: على زعمكم وظنكم، لا أنَّ النبيَّ وَّرِ سوَّغ للعمال الظّلم، وأمر الأعرابَ بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكونُ ذلك منه إقراراً على ١٣٤ (٩) كتاب الزكاة - (٣٠) باب: دعاء المصلِّق لمن جاء بصدقته منكرٍ، وإغراءَ بالظلم، وذلك محالٌ قطعاً، وإنما سَلَكَ النبيُّ وَ لّ مع هؤلاء هذا الطريقَ دون أن يُبيِّن لهم: أنَّ ذلك الذي أخذه المصدِّقون ليس ظلماً؛ لأنَّ هذا يحتاجُ إلى تطويلٍ وتقريرٍ، وقد لا يَفْهَمُ ذلك أكثرُهم. وأيضاً: فليحصل منهم الانقيادُ الكليُّ بالتَّسليم وترك الاعتراض الذي لا يحصلُ الإيمانُ إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَقِّ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. والله تعالى أعلم. ١٣٥ (١٠) كتاب الصوم - (١) باب: فضل شهر رمضان (١٠) كتاب الصوم (١) باب فضل شهر رمضان، والصَّوم والفِطر لرؤية الهلال [٩٤٩] عن أبي هُرِيرَة، أنَّ رسولَ الله وَِّ قالَ: ((إذا جاء رمضانُ (١٠) كتاب الصيام قد تقدَّم الكلامُ على الصوم اللغوي، وأنه الإمساكُ مطلقاً، وهو في العُرْف الصوم: لغة الشرعيِّ: إمساٌ مخصوص عن أشياء مخصوصةٍ في زمانٍ مخصوصٍ، بشرطٍ وشرعاً مخصوص. وهذه القيودُ تحتاجُ إلى تفصيلٍ يُذكر في كتب الفقه. وعلى الجملة: فهذه القيودُ منها متفق عليه، ومنها مختلفٌ فيه. فأما حدُّه على مذهب مالك: فهو إمساكُ جميع أجزاء اليوم عن أمورٍ مخصوصةٍ، بنيةٍ موقعةٍ قبل الفجر. (١) [ومن باب: فضل شهر رمضان](١) (قوله وَ﴾: ((إذا جاء رمضان))) دليلٌ على مَن قال: لا يُقال إلا: شهر هل يقال: رمضان، متمسِّكاً بأنه ول﴿ قال: ((لا تقولوا: رمضان؛ فإن رمضانَ اسمٌ من أسماء رمضان؟ (١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص. ١٣٦ (١٠) كتاب الصوم ۔ (١) باب: فضل شهر رمضان فُتِّحتْ أبوابُ الجَنّةِ، وغُلِّقَت أبوابُ النَّارِ، وصُفِّدت الشَّيَاطِينُ)). رواه أحمد (٣٥٧/٢)، والبخاري (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩). الله تعالى)) (١) وليس بصحيح، فإنه من حديث: أبي معشر نجيح. وهو ضعيف. و (رمضان): مأخوذٌ من: رَمَض الصائم، يرمض: إذا حرَّ جوفُه من شدة العطش. والرَّمضاء: شدَّةُ الحر. قاله أبو عبيد الهروي. تصفید الشياطين في رمضان و (قوله: ((فتحت أبوابُ الجنة، وغلقت أبوابُ النَّار، وصُفِّدت الشَّياطين))) فتحت: بتخفيف التاء، وتشديدها. ويصحُّ حَمْلُه على الحقيقة، ويكون معناه: أنَّ الجنَّة قد فتحت وزخرفت لمن مات في شهر رمضان؛ لفضيلة هذه العبادة الواقعة فيه، وغلقت عنهم أبوابُ النَّار؛ فلا يدخلها منهم أحدٌ مات فيه. وصُفِّدت الشياطين: غلّت وقيّدت. والصّفد: الغلُّ، وذلك لئلا تُفْسِد الشياطينُ على الصائمين. فإن قيل: فنرى الشرور والمعاصي تقع في رمضان كثيراً؛ فلو كانت الشياطينُ مصفَّدةً لما وقع شرٌّ. فالجوابُ من أوجهٍ : أحدها: إنما تُغَل عن الصَّائمين الصوم الذي حُوفظ على شروطه، ورُوعيت آدابُه، أما ما لم يُحافظ عليه فلا يُغْلُّ عن فاعله الشيطان. والثاني: أنا لو سلَّمْنَا أنها صُفِّدت عن كلِّ صائم، لكن لا يلزم من تصفيد جميع الشياطين ألَّ يقع شرٍّ؛ لأنَّ لوقوع الشرِّ أسباباً أُخَر غير الشياطين، وهي: النفوس الخبيثة، والعادات الرَّكيكة، والشياطين [الإنسيَّة. والثالث: أن يكونَ هذا الإخبارُ عن غالب الشَّياطين] (٢) والمردة منهم، وأما مَن ليس مِن المردة فقد لا يُصفَّد. والمقصود: تقليلُ الشرور. وهذا موجودٌ في شهر رمضان؛ لأنَّ وقوعَ الشرور والفواحش فيه قليلٌ بالنسبة إلى غيره من الشهور. (١) رواه البيهقي (٢٠١/٤). وانظره في الأذكار برقم (٩٩٢). (٢) ما بين حاصرتين، ساقط من (ع). ١٣٧ (١٠) كتاب الصوم ۔ (١) باب: فضل شهر رمضان [٩٥٠] وعن ابن عُمَر، عن النبيِّوَ﴿ه، أنَّه ذَكَرِ رمضانَ فقالَ: ((لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ، فإنْ أُغْمِيَ عليكُم فاقْدُرُوا له». رواه البخاري (١٩٠٧)، ومسلم (١٠٨٠) (٩). وقيل: إنَّ فتحَ أبواب الجنَّة وإغلاقَ أبواب النار علامةٌ على دخول هذا الشهر [العظيم للملائكة وأهل الجنة؛ حتى يستشعروا عظمةَ هذا الشهر](١) وجلالته. ويُحتملُ أن يقال: إنَّ هذه الأبوابَ المفتحةَ في هذا الشهر هي: ما شرعَ اللهُ فيه من العبادات، والأذكار، والصَّلوات، والتلاوة؛ إذ هي كلُّها تؤدّي إلى فتح أبواب الجنة للعاملين فيه، وغلق أبواب النار عنهم. وتصفيدُ الشَّياطين: عبارةٌ عن كَسْر شهوات النفوس التي بسببها تتوصَّل الشياطينُ إلى الإغواء والإضلال، ويشهدُ لهذا قوله: ((الصومُ جُنَّةٌ)(٢). وقوله: ((إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيِّقوا مجاريه بالجوع والعطش))(٣) على ما قد ذكر، وقد تقدَّم اشتقاقُ الشيطان. و (قوله: ((فإن أغمي عليكم فاقدُرُوا له») في: أغمي ضمير يعود على الهلال، فهو المغمى عليه لا الناظرون. وتقديره: فإنْ أغمي الهلالُ عليكم. وأصل الإغماء: التغطية، والغم. ومنه: المغمى عليه؛ كأنه غُطَّي عقلُه عن مصالحه. ويقال: أغمي الهلال، وغُمِّ (مشدد الميم) وكلاهما مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله. ويقال أيضاً: غُمَّ، مبنياً لما لم يسمَّ فاعلُهُ مُشدَّداً. وكذلك جاءت روايةُ أبي هريرة. فعلى هذا يُقال: أُغمي، وغُمِي (مخففاً ومشدداً) رباعياً وثلاثياً، وغمَّ. فهي أربع (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ). (٢) رواه أحمد (٢٢/٤ و٢١٧)، والنسائي (١٦٧/٤)، وابن خزيمة (٢١٢٥)، وابن حبان (٣٦٤٩) من حديث عثمان بن أبي العاص. (٣) رواه أحمد (١٥٦/٣ و٢٥٨)، والدارمي (٣٢٠/٢). ١٣٨ (١٠) كتاب الصوم - (١) باب: فضل شهر رمضان [٩٥١] وعنه، عن النبيِّ ◌َ﴾ قالَ: ((إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ لا نكتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهرُ هُكذا وهكذا وهكذا، وعقدَ الإبهامَ في الثالثة. والشَّهرُ هَكذا وهَكذا وهَكذا)) يعني تمامَ الثلاثينَ. رواه أحمد(٤٣/٢ و٥٢)، ومسلم (١٠٨٠) (١٥)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي (١٣٩/٥). [٩٥٢] وعن أبي هُريرة أنَّ النبيَّ نَّ قالَ: ((صُوموا لرؤيتِهِ، وأَفْطِرُوا لرؤيتِهِ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العَدَدَ». لغاتٍ. ويقال: قد غامت السَّماء، تغيم، غيمومةً، فهي غائمة، وغيمة، وأغامت، وتغيمت، وغيمت، وأغمت، وغَمَت. وفي حديث أبي هريرة: ((فإن غمي)) أي: خفي. يقال: غمي عليَّ الخبر. أي: خفي. وقيل: هو مأخوذٌ من الغماءِ، وهو السَّحاب الرقيق. وقد وقع للبخاريٍّ: (غَبِيّ) بالباء وفتح الغين، أي: خفي. ومنه الغباوة. و (قوله: ((فاقدروا له))) أي: قدِّروا تمامَ الشهر بالعَدَد ثلاثين يوماً. يقال: قدَّرتُ الشيءَ أقدُرُه وأقدِرُهُ (بالتخفيف) بمعنى: قدَّرته (بالتشديد) كما تقدَّم في أول كتاب: الإيمان. وهذا مذهبُ الجمهور في معنى هذا الحديث. وقد دلَّ على صحة ما رواه أبو هريرة مكان: فاقدروا له: فأكملوا العدَّة ثلاثين. ( المنازل القمرية واعتبار حسابها وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن حمل: ((فاقدروا له)) على معنى: تقدير المنازل القمرية، واعتبار حسابها، وإليه صار ابنُ قتيبة من اللغويين، ومطرف بن عبد الله بن الشخير من كبراء التَّابعين. ومن الحجَّة أيضاً على هؤلاء قوله وَّلفيه: ((إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتب، ولا نحسب)» فألغى الحسابَ، ولم يجعله طريقاً لذلك. و(قوله ◌َله: ((صُوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته))) يقتضي لزوم حكم الصوم ١٣٩ (١٠) كتاب الصوم ۔ (١) باب: فضل شهر رمضان وفي لفظٍ آخرَ: ((فإنْ غُمِيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْرَ فَعُدُّوا ثلاثينَ)). رواه أحمد (٤٥٤/٢ و٤٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) (١٨)، والنسائي (١٣٣/٤). والفطر لمن صحَّتْ له الرؤية، سواءٌ شُورك في رؤيته، أو انفرد بها. وهو مذهبُ الجمهور. وذهب عطاء وإسحاق: إلى أنه لا يلزمه حكمُ شيءٍ من ذلك إذا انفرد بالرُّؤية. وهذا الحديثُ رةِّ عليهما. و (قوله وَله: ((إنَّا أمَّة أمِّيَّةٌ، لا نكتب ولا نحسُبُ(١))) أي: لم نُكلَّف في تعرُّف مواقيتٍ صومنا ولا عباداتنا ما نحتاجُ فيه إلى معرفةٍ حسابٍ ولا كتابةٍ، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحةٍ، وأمورٍ ظاهرةٍ، يستوي في معرفة ذلك الحُسَّاب وغيرهم. ثم تمَّم هذا المعنى وكمَّله حيث بيَّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفَّظْ بعبارةٍ عنه نزولاً إلى ما يفهمه الخرص(٢) والعجم. وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرَّاتٍ: أنَّ الشهرَ يكون ثلاثين. ومِن خَنْسِه (٣) إبهامه في الثالثة: أنَّ الشهرَ يكون تسعاً وعشرين الشهر تسع كما قد نصَّ عليه في الحديث الآخر. وعلى هذا الحديث: من نذر أن يصومَ شهراً وعشرون أو غير معيَّنٍ؛ فله أن يصومَ تسعاً وعشرين؛ لأنَّ ذلك يقال عليه: شهرٌ. كما أنَّ من ثلاثون نذر صلاةً أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنَّه أقلُّ ما يصدقُ عليه الاسم. وكذلك من نذر صوماً فصام يوماً أجزأه. وهو خلافُ ما ذهب إليه مالك. فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يوماً؛ فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهرُ من رؤية هلاله. (١) هذا الحديث لا يفيد إلزام المسلمين أن يبقوا أميِّين، بل يقرِّر واقعاً وُجِد آنذاك. والآيات والأحاديث الحاضَّةُ على العلم تدلُّ على طَلَب التَّغيير لذلك الواقع؛ كقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ وقوله ◌َ له: ((طلب العلم فريضة)). (٢) هكذا في الأصول، ولعله: الخُرْس، جمع أخرس. (٣) ((خنسه): قبضه. ١٤٠ (١٠) كتاب الصوم - (١) باب: فضل شهر رمضان [٩٥٣] وعن عائشةَ قالتْ: لمَّا مَضَتْ تسعٌ وعشرونَ ليلةٌ أَعُدُّهُنَّ دخلَ عليَّ رسولُ الله ◌َّهِ، قالتْ: بَدأَ بِي، فقلتُ: يا رسولَ الله! أقسمتَ ألَّا تدخلَ علينا شَهْراً، وإنَّك دخلتَ مِن تسع وعشرينَ أَعُدُّهُنَّ. قال: ((إِنَّ الشَّهْرَ تسعٌ وعشرونَ)). رواه أحمد (٣٣/١ - ٣٤)، والبخاري مختصراً (٨٩)، ومسلم (١٤٧٥) (٣٥)، والترمذي (٣٣١٨)، والنسائي (١٣٧/٤-١٣٨). وفيه من الفقه: أنَّ يومَ الشك محكومٌ له بأنه من شعبان، وأنَّه لا يجوزُ صومُه عن رمضان؛ لأنَّ علَّق صوم رمضان بالرُّؤية، ولم فلا. و (قول عائشة: لما مضت تسع وعشرون ليلةٌ) هذا الحديثُ هو جزءٌ من حديث طويل يتضمَّنُ: أنَّ نساءَ النَّبيِّ وَهَ كثَّرْن عليه، وطالبنه بتوسعة النفقة، واجتمعن في ذلك، وخُضْنَ فيه، فوَجَدَ عليهنَّ، فأدَّهُنَّ بأن أقسمَ ألَّ يدخلَ عليهن شهراً، فاعتزلهنَّ في غرفةٍ تسعاً وعشرين، فدخل عليه عمرُ فكلَّمه في ذلك، وتلطَّف فيه، إلى أن زالت موجدتُه عليهنَّ، وأنزل اللهُ آيةَ التخيير، فنزل رسولُ اللهِوَ﴾ ليلة ثلاثين، فبدأ بعائشة، فذكَّرته بمقتضى يمينه، وأنه أقسم على شهرٍ ظانةً أن الشهر لا يكون أقلّ من ثلاثين، فبيَّن لها النبيُّ وَِّ أنَّ الشهر يكون تسعاً وعشرين(١)، وظاهره: أنه اعتزلهنَّ في أول ليلةٍ من ذلك الشهر، وأن ذلك الشهر كان تسعاً وعشرين، ويشهدُ له قوله: ((إن الشهرَ تسعٌ وعشرون)) أي: هذا الشهر؛ لأنه هو المتكلّم فيه. ويحتملُ أن يكون اعتَبَر أوَّل زمان اعتزاله بالأيام، وكمل تسعاً وعشرين بالعَدَد، واكتفى بأقلّ ما ينطلقُ عليه اسمُ الشهر. وعليه يخرجُ الخلافُ فيمن نذر صوم شهرٍ غير معيَّنٍ، فصامه بالعدد؛ فهل يصومُ ثلاثين؟ أو (١) انظر الحديث بطوله في صحيح مسلم (١٤٧٩).