النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل [٩٠٣] وعنه، قالَ: سألتُ النبيَّ وَّهِ فَأَعطانِي، ثم سألتُه فَأَعْطَاني، ثم سألتُهُ فَأَعْطَانِي، ثم قال: ((إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَنْ أخذَه بطيبٍ نفس بُورِكَ له فیه، ومَنْ أخذَه بإشْرافٍ نَفْس لم يُبارَك له فيه، وکان کالّذي يأكلُ ولا يشبعُ، واليدُ العُليا خيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلى)). عرض ما له مئة ألف فتصدَّق بها))(١). فقد أفاد مجموعُ ما ذكرنا: أنَّ صدقةَ المؤثِر فضلُ صدقة والمقلِّ أفضل. وحينئذٍ يثبت التعارضُ بين هذا المعنى وبين قوله: ((خيرُ الصدقة ما المُؤْثِر والمُقِلّ كان عن ظهر غِنِىّ)) على تأويل الخطّبي. فأمَّا على ما أوَّلنا به الغِنى فيرتفعُ التعارض. وبيانه: أن الغنى يعني به في الحديث: حصول ما تُدفع به الحاجاتُ الضَّرورية؛ كالأكل عند الجوع المشوِّش الذي لا صَبْر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى. وما هذا سبيله؛ فهذا ونحوه ممَّا لا يجوز الإيثارُ به، ولا التصدُّق، بل يحرم. وذلك: أنه إن آثر غيره بذلك أدَّى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشْف عورته، فمراعاة حقِّه أولى على كلّ حال. فإذا سقطتْ هذه الواجباتُ صحَّ الإيثار، وكأنَّ صدقته هي الأفضلُ، لأجل ما يحمله من مَضَض الحاجة وشدَّة المشقة. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إن هذا المالَ خَضِرةٌ حلوة))) أي: روضة خضراء، أو شجرة ناعمة غضَّة مستحلاة الطَّعم. و (قوله: ((فمن أخذه بطيب نَفْس))) أي: بسخاوتها، وقلَّة حرصها، بُورِك له فيه. أي: انتفَع صاحبُه في الدُّنيا بالتنمية، وفي الآخرة بأَجْر النفقة. وإشراف النفس: هو حرصُها وتشؤُّفها. و (قوله: ((ولم يُبارَكْ له فيه))) أي: لا ينتفعُ به صاحبُه؛ إذ لا يجدُ لذَّةَ نفقته، الحرص على المال والدنيا مذموم (١) رواه أحمد (٣٧٩/٢)، والنسائي (٥٩/٥)، وابن ماجه (٣٦٨٤). ٨٢ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل رواه أحمد (٣٣٤/٣)، ومسلم (١٠٣٥)، والنسائي (٦٠/٥ و ١٠٠). [٩٠٤] وعن أبي أمامةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ بَّهِ: ((يابنَ آدمَ إِنَّكَ أنْ تبذل الفضلَ خيرٌ لكَ، وأن تُمْسِكَه شرّ لكَ، ولا تُلامُ على كَفَافٍ، وابدأ بمن تعولُ، واليدُ العُليا خيرٌ مِنَ اليدِ السُّفلى)). رواه مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٤). ولا ثوابَ صدقته، بل يتعبُ بجمعه، ويُذَمُّ بمنعه، ولا يصلُ إلى شيءٍ مِن نَفْعه. ولا شكّ في أنَّ الحرصَ على المال وعلى الحياة الدنيا مَذْموم، مُفْسِدٌ للدِّين، كما قال ﴿: ((ما ذِئْبان جائعان أُرْسِلا في زريبة غنمٍ، بأفسدَ لها من حرص المرءِ على المال والشَّرف لدينه))(١). الخير والأجر في بذل الفضل و (قوله: ((إنك إن تبذل الفَضْل خيرٌ لك، وإن تمسك شرٌّ لك))) الفضل يعني به: الفاضل عن الكفاية(٢)، ولا شك في أن إخراجَه أَفْضَل من إمساكه. فأما إمساكُه عن الواجبات فشرٌّ على كلِّ حال. وإمساكُه عن المندوب إليه فقد يقال فيه شرٌّ بالنسبة إلى ما فَوَّت الممسِكُ على نفسه من الخير. وقد تقدَّم بيانُ هذا المعنى في قوله وَله: ((وشرٌّ صفوف الرجال آخرها))(٣) وأن معنى ذلك: أنها أقلّ ثواباً. و (قوله: ((ولا تُلام على كَفَاف))) يُفهم منه بحكم دليل الخطاب: أنَّ ما زاد على الكفاف يتعرّضُ صاحبُه للذَّم. (١) رواه أحمد (٤٦٠/٣)، والترمذي (٢٣٧٦) من حديث كعب بن مالك. (٢) في (ع): الكفاف. (٣) رواه مسلم (٤٤٠)، وأبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٩٣/٢)، وابن ماجه (١٠٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٨٣ (٩) كتاب الزكاة - (١٩) باب: أي الصدقة أفضل [٩٠٥] وعن معاوية بن أبي سُفيانَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِليتٍ: (لا تُلْحِفُوا في المَسْأَلِةِ، فواللهِ لا يَسأَلُني أحدٌ مِنكُم شَيئاً فتُخرِجُ له مَسألتُه مِنّي شَيئاً وأنَا له كارهٌ فيُباركَ له فيما أعطيتُه)). رواه أحمد (٩٨/٤)، ومسلم (١٠٣٨)، والنسائي (٩٧/٥ - ٩٨). و (قوله: ((لا تُلْحفوا في المسألة))) هكذا صحيحُ الرِّواية. ومعناه: لا تنزلوا النهي عن بي المسألة الملحف فيها، أي: لا تلُوا عليَّ في السؤال. والإلحاف: الإلحاح. الإلحاح في المسألة وإنما نهى عن الإلحاح لما يُؤدِّي إليه من الإبرام واستثقال السائل، وإخجال المسؤول، حتى أنه إن أخرجَ شيئاً أخرجه عن غير طيب نَفْس، بل عن كراهة وتبرُم، وما اسْتُخْرِج كذلك لم يُبارَكَ فيه؛ لأنه مأخوذٌ على غير وجهه، ولذلك قال: ((فتخرجُ له المسألة شيئاً وأنا كارهً له)). ثم قد كانوا - أعني المنافقين - يُكثِرون سؤالَ رسول الله ﴿ ليبخُّلوه، فكان يُعطي العطايا الكثيرةَ بحسب ما يُسأل؛ لئلا يتمَّ لهم غرضُهم من نسبته إلى البخل. كما قال: ((إنَّ قوماً خيَّروني بين أن يسألوني بالفحش، وبين أن يبخُّلوني ولستُ بباخل))(١). (١) رواه أحمد (٢٠/١ و٣٥)، ومسلم (١٠٥٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ٨٤ (٩) كتاب الزكاة - (٢٠) باب: من أحقّ باسم المسكنة؟ (٢٠) باب من أحق باسم المسكنة وكراهة المسألة للناس [٩٠٦] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَه قالَ: ((ليسَ المسكينُ بهذا الطَّوّافِ الذي يَطوفُ على النَّاس فتردُّه اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ والتَّمْرَةُ والثَّمرتان))، قَالُوا: فما المسكينُ يا رسولَ الله! قال: ((الذي لا يَجدُ غِنى يُغْنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتَصدَّقُ عليه، ولا يَسألُ النَّاسَ شَيئاً)). رواه أحمد (٢٦٠/٢ و٤٦٩)، والبخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٨٤/٥ -٨٥). [٩٠٧] وعن عبدِ الله بن عمرَ، أنَّ النبيَّ وَ﴿ِ قالَ: ((لا تزالُ المسألةُ (٢٠) ومن باب: من أحقُّ باسم المسكنة المسكين: مفعيل من السكون؛ فكأنه من عَدَم المال سكنتْ حركاتُه ووجوه مكاسبه، ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَقِ﴾ [البلد: ١٦] أي: لاصقاً بالتراب. وعند الأصمعي: أنه أسوأ حالاً من الفقير. وعند غيره: عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمَّی واحد. (ومعنى قوله: ((ليس المسكينُ بالطَّواف عليكم ... )) إلى آخره) أي: الأحقُّ باسم المسكين هذا الذي لا يجدُ غِنىّ، ولا يُتصدَّق عليه. وهذا كقوله: ((لیس الشَّديدُ بالصُّرَعة، وإنَّما الشَّديدُ الذي يملكُ نفسَه عند الغضب))(١). ومثل هذا کثیر . مَن هو کین؟ (١) رواه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٨٥ (٩) كتاب الزكاة - (٢٠) باب: من أحقّ باسم المسكنة؟ بأحدِكُم حتى يَلْقَى اللهَ وليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ لحٍ)). رواه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠)، والنسائي (٩٤/٥). [٩٠٨] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسول الله وَِّ: (مَنْ سألَ النَّاسَ أموالَهُم تَكَثُّراً فإنما يسألُ جَمْراً فَلْيَستَقِلَّ أو لِيَسْتَكْثِرْ)). رواه أحمد (٢٣١/٢)، ومسلم (١٠٤١)، وابن ماجه (١٨٣٨). و (قوله: ((وليس في وجهه مزعة لحم))) أي: قطعة لحم، ومنه: مزعتٍ المرأةُ الصوف؛ إذا قطَّعته لتهيّه للغَزْل. وتمزع أنفُه: أي: تشقَّق. وهذا كما قيل في الحديث الآخر: ((المسائلُ كدوحٌ، أو خدوشٌ، يخدشُ بها الرجلُ وجهَه يوم المسائل كدوح القيامة))(١). وهذا محمولٌ على كلِّ مَن سأل سؤالاً لا يجوزُ له. وخصَّ الوجه بهذا النوع؛ لأنَّ الجنايةَ به وقعت، إذ قد بذل من وجهه ما أُمِر بصونه عنه، وتصرَّف به في غير ما سُوغ له. و (قوله: ((من سأل الناسَ أموالهم تكثُّراً)) أي: استكثاراً منها من غير حاجةٍ ولا ضرورة. و (قوله: ((فإنما يسألُ جَمْراً)) أي: يُعذَّب بحسب مسائله التي هي غيرُ جائزة . و (قوله: ((فليستكثر من ذلك أو ليستقلل))) هو أمرٌ على جهة التَّهديد، أو عقوبة من يسأل على جهة الإخبار عن مآلِ حاله. والمعنى: فإنه يُعاقَبُ عن القليل من ذلك لغير حاجة والكثير . . (١) رواه أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (١٠٠/٥)، والترمذي (٦٨١) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه. ٨٦ (٩) كتاب الزكاة - (٢٠) باب: من أحقّ باسم المسكنة؟ [٩٠٩] وعنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقول: ((لَأَنْ يَغْدُو أحدُكم فيَحتطبَ على ظَهرِه فيتصدَّق به ويَسْتَغْنيَ به مِن النَّاس خيرٌ مِن أنْ يسألَ رَجُلاً أَعْطَاهُ أو منعَه ذلك، فإنَّ اليدَ العُليا أفضلُ مِن اليَدِ السُّفلى وابداً بمن تَعولُ». رواه أحمد (٤٧٥/٢)، ومسلم (١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠). [٩١٠] وعن عوف بن مالكِ الأشجعيِّ، قالَ: كنَّا عند رسولِ الله وَليه تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً، فقال: ((أَلَا تُبايعُون رسولَ الله؟)) وكنّا حديثي عهدٍ ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعنَاك يا رسولَ الله! ثم قال: ((ألا تُبايعونَ رسولَ الله؟)) فقلنا: قد بايعنَاك يا رسولَ الله، ثم قالَ: ((ألا تُبايعون رسولَ الله؟)) قال: فبَسَطْنا أيديَنا وقلنا: قد بَايَعْنَاكَ يا رسولَ الله فعلامَ نُبايعُكَ؟ قالَ: ((على أنْ تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئاً، والصلواتِ الخمس، وتُطيعُوا اللهَ) وأسرَّ كلمةٌ خَفِيَّةً ((ولا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيئاً» فلقد رأيتُ بعضَ أولئكَ النَّفْرِ يَسقطُ سَوطُ أحدِهِم فما يَسألُ أحداً بُناولَه إِيَّاهُ. رواه أحمد (٢٧/٦)، ومسلم (١٠٤٣)، وأبو داود (١٦٤٢)، والنسائي (٢٢٩/١)، وابن ماجه (٢٨٦٧). مبايعنه #1 وأخذه وَله على أصحابه في البيعة: ((ألَّ يسألوا أحداً شيئاً) حَمْلٌ منه على لأصحابه على مكارم الأخلاق، والترفُّع عن تحمُّل مِنَن الخَلْق وتعليم الصَّبر على مَضَض عدم السؤال الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزَّة النفوس. ولما أَخَذَهم بذلك التزموه في جميع الأشياء، وفي كل الأحوال، حتى فيما لا تلحقُ فيه مِنَّة، طرداً للباب، وحسْماً للذَّرائع. ٨٧ (٩) كتاب الزكاة - (٢١) باب: من تحلّ له المسألة؟ (٢١) باب من تحلُّ له المسألة؟ [٩١١] عن قَبِيصَةَ بن مخَارِقٍ الهِلاليّ، قالَ: تَحَمَّلْت حَمَالةً فأتيتُ رسولُ اللهِ وَ﴿ أسألُه فيها، فقالَ: ((أَقِمْ حتَّى تَأْتِينَا الصَّدقةُ، فنأمُرَ لكَ بِها)) قالَ: ((ثم قالَ يا قَبيصةُ: ((إنَّ المسألةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأحدٍ ثلاثةِ: رجلٌ تحمَّلَ (٢١) ومن باب: من تحلُّ له المسألة (قوله: ((تحمَّتُ حَمالة))) أي: ألزمتُها نفسي. والحمالة: ما لزم الإنسانَ تحمُّلُه من غُرم أو دية. وكانت العربُ إذا وقعتْ بينهم ثائرةٌ اقتضتْ غُرماً في دية مساعدة من أو غيرها، قام أحدُهم فتبرَّع بالتزام ذلك، والقيام به. حتى ترتفعَ تلك الثائرة، تحمَّل حمالة ولا شكَّ أنَّ هذا من مكارم الأخلاق، ولا يصدرُ مثله إلا عن سادات النَّاس وخِيارهم. وكانت العربُ لكرمها إذا علمتْ بأنَّ أحداً تحمَّل حَمالةً بادروا إلى معونته، وأعطوه ما يُتِمُّ به وَجْهَ مكرمته، وتبرأ به ذمَّتُه. ولو سأل المتحمِّلُ في تلك الحمالة لم يَعُدَّ ذلك نقصاً، بل شَرَفاً وفخراً. ولذلك سأل هذا الرجلُ رسولَ الله: ﴿ في حمالته التي تحمَّلها على عاداتهم، فأجابه له إلى ذلك بحُكْم المعونة على المكرمة، ووعده النبيُّ ◌َله بمالٍ من الصَّدقة؛ لأنه غارمٌ من جُملة الغارمين المذكورين في آية الصدقات. و (قوله: ((إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثةً))) لما قرَّر النَّبِيُّ لِلْهِ مَنْعَ قاعدة من تحلُّ لهم المسألة من الناس بما تقدَّم من الأحاديث، وبمبايعتهم على ذلك، وكانت المسألة الحاجاتُ والفاقاتُ تنزلُ بهم، فيحتاجون إلى السُّؤال، بيَّن لهم النبيُّ وَ ل﴿ مَن يخرجُ من عموم تلك القاعدة، وهم هؤلاء الثلاثةُ. و (الجائحة) ما اجتاحت المالَ وأتلفته ماهي إتلافاً ظاهِراً، كالسَّيل، والمطر، والحرق، والسَّرق، وغلبة العدو، وغير ذلك مما الجائحة؟ يكون إتلافُه للمال ظاهراً و(الفاقة): الفقر. و (القِوام) بكسر القاف: ما يقومُ به ٨٨ (٩) كتاب الزكاة - (٢١) باب: من تحلّ له المسألة حَمَالةٌ فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصيبَها ثم يُمسكَ، ورجلٌ أصَابَتْهُ جائِحَةٌ اجتاحَتْ مالَه، فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوَاماً مِن عَيْشٍ، أو قال: سِداداً مِن عَيْشٍ، ورجلٌ أصابتهُ فاقةٌ، حتى يقومَ ثلاثةٌ مِن ذَوي الحِجَى مِن قَومِه: لقد أصابتْ فلاناً فاقةٌ فحلَّتْ له المَسألةُ حتى يُصيبَ قِواماً مِن عَيْشٍ أو قال: سِداداً مِن عَيْشٍ فما سِواهُنَّ مِن المَسألةِ يا قَبَيصةُ سُحْتاً يأكلُهَا صاحبها سُختاً). العيش. وبفتحها: الاعتدال. و(السِّداد) بكسر السين: ما يسدُّ به الشيء، كسدٌ القارورة، وبفتحها: الإصابة . حكم الشهادة علی مَن سال و (قوله: ((حتى يقوم ثلاثةٌ من ذوي الحِجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة») أي: يقوم ثلاثةٌ فيقولون: لقد أصابتْ فلاناً فاقة. وفي كتاب أبي داود: (حتى يقول) باللام من القول، فلا يحتاجُ إلى تقدير محذوف. و (الحِجى): العقل. واشترطه؛ لأن مَنْ عَدِمَه لا يحصلُ بقوله ثقة، ولا يصلح للشَّهادة. أو لعلّه عبَّر به عمَّا يشترط في المخبر والشَّاهِد من الأمور التي تُوجِبُ الثقة بأقوالهم، ويكون الموصوفُ بها عَذْلاً مرضياً. و (قوله: ((من قومه))) لأنهم أعلمُ بدخيلة أمره. واستظهر بالثالث ليلحقَ بالمنتشر. ولم يحتجْ فيمن أصابته الجائحةُ إلى مثل هذا؛ لظهور أَمْر الجائحة، فأما الفاقةُ فتخفی . حدّ الإباحة في السؤال و (قوله: ((حتى يصيبها ثم يمسك)) ((وحتى يصيب قواماً)) فيه حَدُّ الإباحة إلى زوال الموجِب لها، ثم عَوْده إلى الأصل السَّابق الممنوع. و (قوله: ((فما سواهنَّ من المسألة سُخت))) الشُّحْت: الحرام، وسُمِّي به: لأنه يسحتُ ويمحق. وفيه لغتان: سكون الحاء وضمّها. وروايتنا في سحت الأول الرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو ما الموصولة. وقد وقع لبعضهم سحتاً ٨٩ (٩) كتاب الزكاة - (٢٢) باب: إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير سؤال رواه أحمد (٤٧٧/٣)، ومسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٨٩/٥). (٢٢) باب إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير سؤالٍ ولا استشراف [٩١٢] عن عبدِ الله بن عمرَ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ يقولُ: قد كانَ رسولُ الله ◌َّهَ يُعطِينِي العَطَاءُ فأقولُ: أعطِهِ أفقَرَ إليه مِنِّي، حتَّى بالنصب، وليس وجهه ببيِّن، وهو عائدٌ على الحالات الثلاثة، لا على لفظ الثلاث فإنها للذكور . و (قوله: ((فما سواهُنَّ سحت))) أي: ما سوى هؤلاء الثلاثة. ثم هو بعد ذلك مخصوصٌ بحديث سَمُرة الذي خرَّجه أبو داود مرفوعاً: ((المسائل كدوحٌ يكدح الرجل بها وجهه، إلا أن يسألَ الرجلُ ذا سُلْطان، أو في أمرٍ لا يجدُ منه بدا))(١) وما تدعو الحاجةُ والضَّرورة إلى المسألة فيه يزيدُ على الثلاثة المذكورين في هذا الحديث الذي نحن باحثون فيه. (٢٢) ومن باب: إباحة الأخذ من غير سؤال (قولُ عمر - رضي الله عنه -: ((أعطه أَفْقَرَ إليه منِّي))) دليلٌ: على زهده، وإيثاره لغيره على نفسه. و (قوله له: ((خُذْه))) أمرٌ على جهة الندب والإرشاد للمصلحة . (١) رواه أبو داود (١٦٣٩). ٩٠ (٩) كتاب الزكاة - (٢٢) باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال أَعْطَاني مَرَّةً مالاً، فقلتُ: أعطهِ أفقرَ إليه مِنِّي. فقالَ رسولُ الله ◌َّته: ((خُذْهُ، وما جاءَكَ مِن هذا المَالِ وأنتَ غيرُ مُشْرِفٍ ولا سَائلِ فَخُذْهُ، وما لا ، فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ)). رواه البخاري (٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥)، وأبو داود (١٦٧١)، والنسائي (١٠٥/٥). النهي عن الاستشراف لأخذ المال و (قوله: ((وأنت غير مشرف ولا سائل))) إشراف النفس: تطّلعها، وتشوّفها، وشرحها لأخذ المال، ولا شكَّ أنَّ هذه الأمورَ إذا كانت هي الباعثةُ على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليلٍ على شدَّة الرغبة في الدنيا والحبُّ لها، وعَدَمِ الزُّهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها. وكلُّ ذلك أحوالٌ مذمومةٌ، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة، اجتناباً للمذموم، وقَمْعاً لدواعي النفس، ومخالفةً لها في هواها، فإن مَن لم يكنْ كذلك جازَ له الأخذُ للأَّمْن من تلك العِلل المذمومة. قال الطَّحاوي: وليس معنى هذا الحديث في الصَّدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمامُ على أغنياء الناس وفقرائهم. وقال الطبريُّ: اختلفَ الناسُ فيما أمر النبيُّ ◌َّ به عمر - رضي الله عنه - من ذلك، بعد إجماعهم على أنه أمرُ ندبٍ وإرشاد. فقيل: هو نَذْبٌ إلى عطية السلطان وغيره. وقيل: بل ذلك إلى عطية غير السلطان. وأما عطية السلطان فقد حرَّمها قوم وكرهها آخرون. فأما مَن حَمَل الحديثَ على عطية السُّلطان، وأنها مندوبٌ إليها، فذلك إنما يصحُّ أن يقال: إذا كانتْ أموالُهم كما كانت أموال سلاطين السّلف مأخوذة من وجوهها، غير ممنوعةٍ من مستحقُّيها. فأمّا اليوم: فالأخذُ إما حرام وإما مكروه. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((فلا تتبعه نفسك))) أي: لا تُعْلِقْها، ولا تطمعها في ذلك، فإذا فعلتَ ذلك بها سكنتْ ويئست. وهذا النَّهيُ على الكراهة يرشد إلى المصلحة التي ٩١ (٩) كتاب الزكاة - (٢٢) باب: إياحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال [٩١٣] وعن عبدِ اللهِ بن السَّعديِّ المالكيِّ، أنَّه قالَ: استعملَني عمرُ بنُ الخَطَّابِ على الصَّدقةِ، فلمَّا فرغتُ منها وأدّيتُها إليه، أمَرَ لي بِعُمَالةٍ، فقلتُ: إنما عَمِلتُ للهِ وأَجْري على اللهِ، فقال: خذْ ما أُعْطِيتَ فإنِّي عَملتُ على عهدِ رسولِ اللهِوَِّ فَعَمَّنِي، فقلتُ مثلَ قَوْلِكَ، فقال لي رسولُ اللهِ وَله: ((إذَا أُعْطِيتَ شَيئاً مِن غير أَنْ تَسألَ فَكُلْ وتَصدَّقْ)). رواه أحمد (٥٢/١)، ومسلم (١٠٤٥) (١١٢)، وأبو داود (١٦٤٧)، والنسائي (١٠٢/٥). # في الأعراض. والعُمالة: ما يُعْطاه العاملُ على عَمَله، وهي الأجرةُ. وعمَّلني: أعطاني أَجْر عملي. و (قوله: ((فَكُلْ وتصدَّق))) يحصلُ منه: أنه حلالٌ طيب، يصلح للأكل والتصدق وغيرهما. فأمَّا ما لا يكونُ كذلك؛ فلا يصلحُ لشيء من ذلك كما تقدَّم، وحديث عبد الله بن السَّعدي هذا فيه انقطاع، فإنَّ مسلماً رواه من حديث السَّائب بن يزيد عن ابن السَّعدي، وبينهما رجلٌ وهو: حُويطب بن عبد العزَّى. قاله النَّسائي وغيره. وفي هذا الإسناد أربعةٌ من الصَّحابة، يروي بعضُهم عن بعض: السائب، وحويطب، وعبد الله بن السعدي، والسعدي اسمه: قدامة(١). وقيل: عمرو، وهو قرشي عامري، مالكي من بني مالك بن حِسْل. وهذا الحديثُ أصلٌ في أنَّ كلَّ مَن عَمِل للمسلمين عملاً من أعمالهم العامة: كالولاية، والقضاء، أرزاق من عمل والحسبة، والإمامة، فأرزاقُهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعْطَون ذلك بحسب عملاً للمسلمين عملهم . (١) انظر: صحيح مسلم (٢/ ٧٢٣). ٩٢ كتاب الزكاة - (٢٣) باب: كراهية الحرص على المال والعمر (٢٣) باب كراهية الحرص على المال والعُمر [٩١٤] عن أبي هُريرة، أنَّ رسولَ اللهِ وَهْ قالَ: ((قَلْبُ الشَّيخ شابٌّ على حُبِّ اثنتين: طولِ الحَياةِ وحُبِّ المَالِ)). رواه أحمد (٣٣٥/٢ و٣٣٨)، والبخاري (٦٤٢٠)، ومسلم (١٠٤٦)، والترمذي (٢٣٣٨)، وابن ماجه (٤٢٣٣). [٩١٥] وعن أنس، قالَ: قالَ رسولُ الله وَلّهِ: ((يَهْرَمُ ابنُ آدَمَ وتَشِبُّ منه اثنتان: الحِرْصُ علىَ المَالِ والحِرْصُ على العُمُرِ)). رواه أحمد (١٩٢/٣ و٢٥٦)، والبخاري (٦٤٢١)، ومسلم (١٠٤٧)، والترمذي (٢٤٥٥)، وابن ماجه (٤٢٣٤). (٢٣) ومن باب: كراهية الحرص على المال والعمر ذمّ الحرص أحاديثُ هذا الباب كلُّها متواردةٌ على الإخبار عمَّا جُبِل الإنسانُ عليه من حُبُّ على حبّ المال المال، والحرص على البقاء في الدُّنيا، وعلى أن ذينك ليسا بمحمودَيْن بل مذمومَيْن، ويحقق الذَّ في ذلك قولُهُ وَلِهِ: ((ويتوبُ اللهُ على مَن تاب)). وقد نصَّ اللهُ تعالى على ذمَّ ذلك في قوله: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْصََ النَّاسِ عَلَ حَيَوْقٍ﴾ [البقرة: ٩٦] وغيره مما في معناه. وقوله وَله: ((ما ذِئبان جائعان أُرسلا في زريبة غنمٍ بأفسدَ لها من حرصٍ المرء على المال والشَّرف لدينه))(١) وقد تقدَّم: أنَّ القراء في الصَّدر الأول هم كانوا الفقهاء؛ لأنهم كانوا يتفقَّهون في القرآن. وحديثُ أبي موسی هذا يدلُّ علیه. (١) سبق تخريجه (٨٢). ٩٣ (٩) كتاب الزكاة - (٢٣) باب: كراهية الحرص على المال والعمر [٩١٦] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((لو كانَ لابنِ آدمَ وادِیَانِ مِنْ مَالٍ لابتَغَى وَادِياً ثَالِثاً، ولا يملُّ جَوْفَ ابن آدمَ إلَّ التُّرابُ، ويتوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ)). رواه أحمد (٢٤٣/٣)، والبخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨)، والترمذي (٢٣٣٧). [٩١٧] وعن أبي موسى الأشعريٍّ، أنَّه بعثَ إلى قُرَّاءِ البَصْرةِ، فدخلَ عليه ثلثمئة رجلٍ قدْ قَرَأُوا القرآنَ، فقال: أنتم خِيَارُ أهلِ البَصْرةِ وقُرَّاؤهم، فاتْلُوه ولا يَطُولنَّ عليكُم الأَمَدُ، فتقسُو قلوبُكم، كما قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كانَ قبلَكم، وإنَّا كَّا نقرأُ سُورةً كنا نُشَبِّهُها في الطُّول والشِّدةِ ببراءة، فأُنْسيتُها، غيرَ أنَّي حَفظتُ منها: لَوْ كانَ لابنِ آدمَ وَادِيَانِ مِن مَالٍ و (قوله: ((ولا يطولن عليكم الأمدُ فتقسو قلوبكم))) يعني به: لا تستطيبوا(١) ذمّ الحرص مُدَّةَ البقاء في الدنيا؛ فإن ذلك مفسدٌ للقلوب بما يجرُّه إليها من الحرص والقسوة، على البقاء في حتى لا تلين لِذِكْر الله، ولا تنتفع بموعظة ولا زجر، كما قال ◌َله: ((إنَّ أخوفَ(٢) الدنيا ما أخاف على أمتي اتِّباعُ الهوى، وطول الأمل، فاتِّباع الهوى يصرفُ قلوبُكُم عن الحق، وطولُ الأمل يصرفُ هِمَمَكم إلى الدنيا، وما بعدهما لأحد خيرٌ من دنيا ولا آخرة)»(٣). و (قوله: ((كنا نقرأ سورة كنَّا نشبهها في الطُّول والشدَّة ببراءة فأنسيتها))) وهذا ضربٌ من النسخ. فإنَّ النسخ على ما نَقَله علماؤنا على ثلاثة أضرب: أقسام النسخ (١) في (ع) و(ظ): تستطيلوا، والمثبت من (هـ). (٢) في (هـ) و(ظ): أشدّ. (٣) رواه ابن عدي في الكامل (١٨٣١)، وانظر: إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٢٣٧). ٩٤ (٩) كتاب الزكاة - (٢٣) باب: كراهية الحرص على المال والعمر لابتغى وَادِياً ثالثاً، ولا يملأُ جَوْفَ ابن آدمَ إلا التَّرابُ. وكُنَّا نقرأ سورةً كنّا نُشبِّهها بإحدى المسَبِّحاتِ، فَأَنْسيتُها، غيرَ أني حَفِظْتُ منها: يا أيها الذينَ آمَنُوا لم تَقولونَ ما لا تفعلونَ فَتُكْتَبُ شَهادةً في أعْنَاقِكم فتُسْأَلُونَ عنها يومَ القيامةِ . رواه مسلم (١٠٥١). أحدها: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. والثاني: عكسه، وهو: نسخ التلاوة وبقاء الحكم. والثالث: نسخ الحكم والتلاوة. وهو كرفع هاتين السُّورتين اللتين ذكرهما أبو موسى؛ فإنهما رُفع حكمُهما وتلاوتهما. وهذا النحو من النَّسْخ هو الذي ذَكَر اللهُ تعالى حيث قال: ﴿﴿ مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على قراءة من قرأ بضم التُّون، وكَسْر السين. وكذلك قوله تعالى: ﴿ سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَ * إِلََّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] وهاتان السورتان مما قد شاء الله تعالى أن ينسيه بعد أن أنزله. وهذا لأنَّ اللهَ تعالى فعَّال لما يريد، قادرٌ على ما يشاء؛ إذ كلُّ ذلك ممكن؛ ولا يتوهّم متوهّمٌ من هذا وشبهه أنَّ القرآنَ قد ضاعَ منه شيء، فإنَّ ذلك باطل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا غَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وبأن إجماعَ الصَّحابة ومَن بعدهم انعقدَ على أنَّ القرآن الذي تُعبِّدْنا بتلاوته وبأحكامه هو ما ثَبَتَ بين دفَّتي المصحف من غير زيادةٍ ولا نقصان، كما قرَّرناه في: أصول الفقه. ذمّ القول من دون فِعْل و (قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]) هو استفهامٌ على حجة الإنكار والتوبيخ. على أن يقولَ الإنسانُ عن نفسه من الخير ما لا يفعله. أما في الماضي: فيكون كذاباً، أو في المستقبل: فيكون خُلفاً. وكلاهما مذمومٌ. وهذا في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْثًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. ٩٥ (٩) كتاب الزكاة - (٢٤) باب: الغِنى غِنى النفس (٢٤) باب الغنی غِنَی النفس، وما يُخاف من زهرة الدنيا، وفضل التَّعقُّف والقَناعة [٩١٨] عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((ليس الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْس)). رواه أحمد (٢٤٣/٢ و٣٨٩)، والبخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧). وأمَّا في هذا الحديث فإنما يتناول أن يُخْبِرَ عن نفسه بشيءٍ فَعَله فيما مضى، ويتمدح به فقط، بدليل قوله وَله: ((فتكتب شهادة في أعناقكم)). (٢٤) ومن باب: الغِنى غِنى النفس (قوله وَّه: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَض))) بفتح العين والراء. وهو: حُطام الدنيا ومتاعُها. فأما العَرْض بفتح العين وسكون الراء فهو: ما خلا العقار والحيوان فيما يدخله الكيل والوزن، هذا قولُ أبي عبيد في العَرَض والعَرْض. وفي كتاب العين: العَرَض: ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] وجمعه: عروض. ومعنى هذا الحديث: أن الغِنى النافع أو العظيم أو الممدوح، هو غنى النفس. وبيانه: أنه إذا استغنت نفسُه كفَّتْ عن المطامع معنى غِنى فعزَّت وعظمت، فجعل لها من الحظوة، والنزاهة، والتشريف، والمدح أكثر ممن النفس كان غنياً بماله، فقيراً بحرصه وشرهه؛ فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله ودناءة همته، فيكثر ذامُّه من الناس، ويصغر قدره فيهم، فيكون أحقر من كلِّ حقير، وأذلَّ من كلِّ صغير. ٩٦ (٩) كتاب الزكاة - (٢٤) باب: الغِنى غنى النفس [٩١٩] وعن أبي سعيد الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَِّ قالَ: ((أخوفُ مَا أخافُ عليكم ما يُخْرِجُ اللهُ لكم من زَهرةِ الدُّنيا)). قَالُوا: وما زَهرَةُ الدُّنيا يا رسولَ الله؟ قال: ((بَرَكَاتُ الأَرضِ)»، قالوا: يا رسولَ الله! وهلْ يَأْتِي الخيرُ بالشَّرِّ؟ قال: ((لا يَأتي الخيرُ إِلَّا بالخيرِ، لا يأتي الخيرُ إِلَّا بالخَيرِ، لا يأتي الخيرُ إِلَّا بالخيرِ)). وفي روايةٍ: ((أَوَ خيْرٌ هو؟ إنَّ كُلَّ ما يُنبتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً أو يُلِّمُ، و (زهرة الدنيا): زينتها، وما يزهر منها، مأخوذٌ من زهر الأشجار، وهو ما يصفرُّ من نُوارها. والنَّور: هو الأبيضُ منها، وهذا قولُ ابن الأعرابي. وحكى أبو حنيفة: أن النَّور والزهر سواء. وقد فسَّرِها وَّ: بأنها بركاتُ الأرض، أي: ما تزهر به الأرضُ من الخيرات والخصب. هل يأتي الخيرُ بالشر؟ و (قول السائل: ((وهل يأتي الخيرُ بالشر)»؟) سؤالُ مَن استبعد حصول شَرٍّ من شيء سماه رسول الله وَله: [بركات، وسماه:](١) خيراً في قوله تعالى: ﴿وَإِنَُّ لِحُبِّ الْخَيِّ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وشبهه مما سمِّي المال فيه: خيراً. فلما فهم وَّ من سؤاله هذا الاستبعادَ أجابه جوابَ من بقي عنده اعتقاد: أن الخيرَ الذي هو المالُ قد يعرضُ له أن يحصلَ عنه شر؛ إذا تعدّى به حدّه وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: أو خير هو؟ - بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصَّحيحة - منكراً على من توهَّم أنه لا يحصلُ منه شئُّ أصلاً، لا بالذات، ولا بالعرض. و (قوله: ((إن كلَّ ما ينبت الربيع يقتل حَبَطاً أو يلمّ))) الربيع: الجدولُ الذي يُسقى به. والجمع: أربعاء. والجدول: النهر الصغير، الذي ينفجرُ من النهر (١) ساقط من (ع). ٩٧ (٩) كتاب الزكاة - (٢٤) باب: الغِنى غِنى النفس إِلَّ آكِلَةَ الخَضِر فإنَّها تأكلُ، حتَّى إذا امتلأتْ خَاصِرَتَاها استقبلتِ الشَّمسَ ثم اجْتَرَّتْ، وبَالَت وثَلَطَتْ، ثم عَادَتْ فأكلتْ، فإنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوةٌ، فمنْ أخذَه بحقِّه ووضعَه في حقٌّه، فِنِعمَ المعونةُ هو. ومَنْ أخذَه بغيرِ حَقِّه كانَ كالذي يأكلُ ولا يَشبعُ». الكبير. والحَبَط: الانتفاخ. يقال: حبطت الدابة تحبط إذا انتفخ بطنُها من كثرة الأكل، وربما تموت من ذلك. وأصل الحَبَط: الإبطالُ والإفساد. ومنه: ﴿ فَطَّتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] أي: بطلت. و (يُلِم) أي: يقرب من الموت. وأصله: من ألمَّ بالمكان؛ إذا نزل به. ومنه قولُ الشاعر: مَتَی تَأْتِنا تلممْ بِنَا فِي دِیَارِنا أي: تنزل. قال الأزهري: هذا الخبرُ إذا بتر لم يكد يُفْهم. وفيه مثلان: ضُرب أحدهما للمفرِّط في جَمْع الدنيا ومَنْعها من حقٌّها. وضُرِب الآخر للمقتصد في أَخْذها والانتفاع بها . فأما (قوله: ((وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطاً))) فهو مثل للمفرِّط الذي مَثَل المفرِّط يأخذُها بغير حقِّ. وذلك أنَّ الربيعَ ينبتُ أحرارَ البقول(١) والعشب فتستكثر منها الذي يأخذ الماشية، حتى تنتفخ بطونُها لما جاوزت حدَّ الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك، المال دون حقّ وكذلك الذي يجمعُ الدُّنيا من غير حلِّها، ويمنعُ ذا الحق حقَّه، فيهلك في الآخرة بدخوله النار. وأما مثل المقتصد؛ فقوله وَله: ((إلَّ آكلة الخَضِر)) إلى آخره. وذلك مَثَل المقتصد أنَّ الخَضِر ليستْ من أحرار البقول التي ينبتها الربيع. ولكنها من الجنبة التي ترعاها المواشي بعد تهيُّج البقول. فضربَ النبيُّ وَّ آكلةَ الخَضِر من المواشي مثلاً لمن (١) هو كلُّ ما أُكِل غير مطبوخ. ٩٨ (٩) كتاب الزكاة - (٢٤) باب: الغِنى عِنى النفس وفي رواية: ((وإنَّ هَذا المَالَ خَضِرٌ حُلوٌ، ونعمَ صَاحبُ المسلم هُو لمن أَعْطَى منه المسكينَ واليتيمَ وابنَ السَّبيل (أو كما قال رسول الله وَظله) وإِنَّه مَنْ يأخذُه بغيرِ حقُّه كانَ كالذي يأكلُ ولا يشبعُ، ويكونُ عليه شهيداً يومَ القِيامةِ)). رواه أحمد (٧/٣)، ومسلم (١٠٥٢)(١٢١ -١٢٣)، وابن ماجه (٣٩٩٥). يقتصدُ في أخذه الدنيا وجَمْعها، ولا يحمله الحرصُ على أَخْذها بغير حقّها، فهو ينجو من وبَالها كما نَجَتْ آكلة الخَضِر. ألا تراهِ لّ قال: ((فإنها إذا أصابتْ من الخَضِر استقبلت عينَ الشمس، فثلطت وبالت)) أراد: أنها إذا شبعتْ منها بركتْ مستقبلةَ الشمس؛ لتستمرىء بذلك ما أكلت، وتجتر، وتثلط، وإذا ثلطت فقد زال عنها الحَبَط، وإنما تحبطُ الماشيةُ لأنها لا تثلط، ولا تبول. هذا آخرُ كلام الأزهري. والثّلط: ما تلقيه الماشيةُ سهلاً رقيقاً. يقال منه: ثلط يثلط ثلطاً. واجترَّتْ: أي مَضَغَتْ جِرَّتها، وهو ما أخرجتْه من جوفها إلى فيها مما رَعَتْهُ. والخَضِر: كَلَّ الصيف. قال الأزهري: هو - هنا - ضربٌ من الجنبة. وهي من الكلأ ماله أصلٌ غامضٌ في الأرض، واحدتها خَضِرة. ووقع في رواية العذري: إلاَّ آكلة الخَضِرة بفتح الخاء، وكسر الضاد على الإفراد. كما قال الأزهري. وعند الطَّرْي: الخُضْرة: بضم الخاء، وسكون الضاد. والرواية الصحيحة: إلَّا آكلة الخضرة بإلاَّ المشددة، للاستثناء، وهو الواضح. ووقع لبعضهم: ألا، التي للاستفتاح. وبُعْدُها واضح، وفيها تكلُّف. و (قوله: ((ويكون عليه شهيداً يوم القيامة))) يَحْتَمِلُ البقاءَ على ظاهره وهو أنه يُجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فُعِل فيه، أو يمثل له أمثال حيوانات، كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه يُمثّل له ماله شجاعاً أقرع، أو يشهد عليه المؤكَّلون بكتب الكَسْب والإنفاق وإحصاء ذلك. والله تعالى أعلم. ٩٩ (٩) كتاب الزكاة - (٢٤) باب: الغِنى غنى النفس [٩٢٠] وعنه، أنَّ ناساً مِن الأنصارِ سَألُوا رسولَ اللهِوَلَ فأعطَاهم، ثم سَألُوه فأعطَاهم، حتى إذا نَفِدَ ما عندَه، قالَ: «مَا يَكنْ عندي مِن خیرِ فلن أَدَّخِرَه عنكم، ومَنْ يستعففْ يُعِفَّه اللهُ، ومن يستغنِ يُغْنِهِ اللهُ، ومَنْ يَصبر يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطِيَ أحدٌ مِن عَطاءٍ خيراً وأوسعَ مِن الصَّبرِ)). رواه أحمد (٩٣/٣)، والبخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣)، وأبو داود (١٦٤٤)، والترمذي (٢٠٢٤)، والنسائي (٩٥/٥ - ٩٦. [٩٢١] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ قالَ: ((قد أَفْلَحَ مَنْ أسلمَ، ورُزِق كَفَافاً، وقَّعَه اللهُ بما آتَاهُ» . رواه أحمد (١٦٨/٢ و١٧٢)، ومسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨). و (قوله: ((ومن يستعفف))) أي: عن السُّؤال للخلق. ((يعفّه الله)) أي: يُجازه فضيلة التعفف على استعفافه بصيانة وجهه، ورفع فاقته. و (قوله: ((ومن يستغن))) أي: بالله، وبما أعطاه ((يغنه)): أي: يخلق في قلبه غنى، أو يُعْطه ما يستغني به عن الخَلْق. و (قوله: ((ومن يتصبَّر)) أي: يستعملِ الصَّبْر. و (يصبره): يقوِّه، ويمكّنه من نفسه حتى تنقاد له، وتذعن لتحمُّل الشدائد، وعند ذلك يكونُ اللهُ معه، فيظفره بمطلوبه، ویوصله إلى مرغوبه. و (قوله: ((قد أفلحَ من أسلم وَرُزِق كَفَافاً)) قد قدَّمنا بيانَ الفلاح ما هو لغةً وعُرْفاً في كتاب الإيمان. و (الكفاف): ما يكفُّ عن الحاجات، ويدفعُ الضُّرورات والفاقات، ولا يلحق بأهل الترفهات. ومعنى هذا الحديث: أنَّ من فَعَل تلك الأمور، واتَّصف بها، فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدُّنيا والآخرة. ١٠٠ (٩) كتاب الزكاة - (٢٥) باب: إعطاء السائل ولو أفحش في المسألة [٩٢٢] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ اجعلْ رِزْقَ آلِ محمّدٍ قُوتاً». رواه أحمد (٤٤٦/٢ و٤٨١)، ومسلم (١٠٥٥) (١٢٦)، والترمذي (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩). (٢٥) باب إعطاء السائل ولو أفْحَشَ في المسألة [٩٢٣] عن عمرَ بنِ الخطّاب، قالَ: قَسَمَ رسولُ اللهِوَلِّ قَسْماً، الكفاف أفضل من الفقر والغنى و (قوله: ((اللهم اجعلْ رزقَ آل محمد قُوتاً)) أي: ما يقوتُهم، ويكفيهم، بحيث لا يشوشهم الجهد، ولا ترهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألةُ والحاجة، ولا يكون أيضاً في ذلك فضولٌ يُخْرِجَ إلى الترفِ والتبسُّط في الدنيا، والركون إليها. وهذا يدلُّ: على زُهْد النَّبيِّ وَّ في الدنيا، وعلى تقلُّلُه منها، وهو حُجَّةٌ لمن قال: إِنَّ الكفافَ أفضلُ من الفقر والغِنى. وقد تقدَّم القولُ في هذه المسألة في كتاب الصلاة، وستأتي. (٢٥) ومن باب: إعطاء السَّائل ولو أفحش في المسألة (قوله: ((قَسَم رسولُ اللهِ﴿ قَسْماً)) كذا رويناه بفتح القاف، وهو المصدرُ. ومعناه: فَعَل النبيُّ وَ﴿ فِعْل القسم. والقِسم بالكسر: الحظ والنصيب، وهو غيرُ مرادٍ هنا. فإنه لم يقسم نصيب أحد، وإنما فعل القسم في المقسوم.