النص المفهرس
صفحات 1-20
المقدّهـ
نوملا كى
◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَّخِصِ كَِّ مُسْلِمِ
تَألِيف
الإمام الحافظ أبي العَّاسرأحمدبن عمربن إبراهيم القرطبي
٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية
اُلْجُ الثَّالِثُ
حقَّقَهُ وَعَلََّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَلَهُ
محي الدّين ديبتو
أحمد محمّد السيّد
يوسف علي بديوي
محمود إبراهيم زال
دَارِنَتََّ
له زيفها
دمشق - بيروت
دَارُ الكَلِ الظّنّة
دمشق - بيروت
الفهرس الألفبائي
للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم
اسم الکتاب ورقمه
الجزء والصفحة
اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة
آداب الأطعمة (٢٧)
٢٩٣/٥
الرؤيا (٣٢)
٥/٦
الاستسقاء (٦)
٣٥٨/٢
الزكاة (٩)
٥/٣
الاعتكاف وليلة القدر (١١)
٣/ ٢٤٠
الزهد (٣٩)
٧/ ١٠٧
٥/ ٤٥٣
الأدب (٣٠)
الصدقة والهبة والحبس (٢٠) ٥٧٨/٤
الأذكار والدعوات (٣٧)
٥/٢
الصلاة (٣)
٥/٧
٥٢٣/٢
٣٤٧/٥
الأضاحي (٢٨)
الصوم (١٠)
١٣٥/٣
١٤٧/٥
الأقضية (٢٤)
٥/ ٢٠٤
الصيد والذبائح (٢٥)
٤/ ٢٢٤
الطلاق (١٦)
٤/ ٥
الإمارة والبيعة (١٤)
١٣١/١
الإيمان (١)
٥٠٨/٦
٣٠٩/٤
العتق (١٧)
البر والصلة (٣٤)
٤ /٣٦٠
٦٨٤/٦
العلم (٣٦).
الفتن وأشراط الساعة (٤١) ٢٠٦/٧
٤٧٨/٢
الجمعة (٤)
٥٦٩/٢
الجنائز (٨)
٦٤٩/٦
القدر (٣٥)
القسامة والقصاص والدیات (٢٢) ٥/٥
كسوف الشمس والقمر (٧) ٥٤٩/٢
٥/ ٣٨٥
اللباس (٢٩)
٥١١/٣
الجهاد والسير (١٣)
٢٥٥/٣
الحج (١٢)
الحدود (٢٣)
٧٠/٥
٤٦/٦
النبوات (٣٣)
٤/ ٦٠٤
النذور والأيمان (٢١)
٤/ ٨٠
النكاح (١٥)
١٤٢/٧
ذكر الموت وما بعده (٤٠)
٦٩/٧
الرقاق (٣٨)
٤/ ٥٣٩
الوصايا والفرائض (١٩)
٥ /٥٦٣
الرقى والطب (٣١)
١/ ٤٧٣
الطهارة (٢)
البيوع (١٨)
٧/ ٣١٤
التفسير (٤٢)
صلاة العيدين (٥)
٢٤٦/٥
أشربة (٢٦)
بسم الله الرحمن الرحيم
حُقُوقُ الطَّيعِ وَالتَُّويُر ◌َفُوظَةٌ لِلنَّاشِرَيْنِ
الطّبعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦مـ
دارابي
للطَّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزيْع
دمشق - حَلبوني - جَادة ابن سينا - بناء الجَابي
ص.ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢
بَيروت - برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي
ص. ب: ١١٣/٦٣١٨ تلفون: ٨١٧٨٥٧ - ٢.٤٤٥٩ - ٠٣
ط الع الشايب
ڕەھد والنشر وَالتّوْرِنْعِ﴾
دمشق - حلبوني - شارع مسلّم البارودي
هاتف ٢٩٢٩٨٨٦ م.ب ٣٠٥٥٢ - بروت ص.ب: ١١٣/٦٣١٨
◌َِ أَشْكَلَ مِنْتَّخِيصِ كَّبِ مُسْلِمِ
(٩) كتاب الزكاة ۔ (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
(٩)
كتاب الزكاة
(١) باب
ما تجب فيه الزكاة، و کم مقدار ما يخرجُ
[٨٤٨] عن جابر بن عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ وَ﴿ أَنَّه قالَ: ((ليسَ فيما
دُونَ خَمْس أَوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقٌ،
(٩)
كتاب الزكاة
قد تقدَّم اشتقاقُ الزكاة في كتاب الإيمان. وتُسمَّى أيضاً: صدقة، مأخوذةٌ من معنى الزكاة
الصِّدق، إذ هي دليلٌ على صحَّة إيمانه، وصِدْق باطنه مع ظاهره. وقد تقدَّم والحكمة من
استيفاءُ ذلك(١) المعنى في كتاب الطَّهارة. وشرعها اللهُ تعالى مواساةً للفقراء،
مشروعيتها
وتطهيراً للأغنياء من البُخْل. وإنما تجبُ على مَن كان له مِن المال ماله بال. وأقلُّ
ذلك: النصاب على ما يأتي بيانُه. ثم موضوعُها: الأموال النامية(٢)، أي:
الصَّالحة للنَّماء، وهي: العين، والحرث، والماشية. ثم هذه الأصولُ منها ما ينمي
بنفسه، كالحرث والماشية، ومنها ما ينمو بتغيير عينه وتقليبه، كالعين. والإجماعُ
منعقدٌ على تعلُّق الزكاة بأعيان هذه المسمَّيات، فأما تعلُّق الزكاة بما سواها من
العروض والدُّيون. ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال:
فأبو حنيفة: يُوجبها على الإطلاق. وداود: يُسقطها في ذلك. ومالك:
يوجبها في عروض التجارة، وفي الدُّيون تفصيلٌ يُعرف في كتب فقهه. وستأتي
حُجَّةُ كلِّ فريقٍ في تضاعيف الكلام.
[(١) ومن باب: ما تجب فيه الزكاة، وكم مقدار ما يُخْرَج](٣)
(قوله وَلقر: ((ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقة))) أواق: جمع
(١) في (هـ) و (ظ): هذا (٢) ساقط من (ع). (٣) العنوان مستدرك من التلخيص.
٦
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
أُوقّة. قال أبو عبيد: هي اسمٌ لوزن مبلغه أربعون درهماً كيلاً، قال ابن السكيت:
الأوقية: ضم الهمزة وتشديد الياء. وجمعها أواق. ولا يقال: وَقية بفتح الواو من
غير همزة. وحکی اللحياني: أنه يقال، وتُجمع: وقایا.
ودرهمُ الكيل زنته خمسون حبة وخمسا حبةٍ، وسُمِّ درهم الكيل: لأنه
بتكييل عبد الملك بن مروان، أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أنَّ الدراهمَ التي كان
الناسُ يتعاملون بها على وَجْه الدهر نوعان:
نوعٌ علیه نقشُ فارس.
ونوع علیه نقشُ الروم.
التعريف بدرهم
الکیل
أحد النوعين يقال له: البغلية. وهي: السود، الدرهم منها ثمانية دوانق.
والأخرى يقال لها: الطبرية(١). وهي: العتق، الدرهم منها من أربعة دوانق، فجاء
الإسلامُ وهي كذلك، فكان الناسُ يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه
والشطر من هذه لدى الإطلاق؛ ما لم يُعَيُِّوا بالنَّصِّ أَحَد النوعين. وكذلك كانوا
يُؤذُّون الزكاةَ في أول الإسلام باعتبار مئة من هذه، ومئة من هذه في النصاب. ذكر
هذا أبو عبيد وغيره، فلما كان عبدُ الملك بن مروان تحرّج من نقوشها، فضرب
الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرَّى معاملتهم الإطلاقية، فجمع بين درهم بغلي
من ثمانية دوانق، وبين درهم طبري من أربعة دوانق، فكان اثني عشر دانقاً.
فقسمها نصفين، فضرب الدرهم من نصفها وهو ستةُ دوانق. والدانق: ثمان
حبات، وثلث حبة، وثلث خمس حبة من الشعير المطلق.
واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور؛ لموافقته ما كان معتبراً
من عهد النَّبِي وَّهِ وإلى أن ضُرِبت، وأن نصابَ الزكاة مئتا درهم من دراهم الكيل.
نصاب الفضة
(١) نسبة إلى طبرستان.
٧
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
وليسَ فيما دُونَ
وهي الخمسةُ الأواقي المذكورة في الحديث. ولم يخالِفْه في ذلك إلا مَن زَعَم أنَّ
أهلَ كُلِّ بلدٍ يعتبرون النِّصاب بما يجري عندهم من الدراهم، صَغُرت أو كبرت.
وهو مذهبُ ابن حبيب الأندلسي.
والصَّحيحُ ما ذهب إليه الجمهور. ويعضده قولُهُ وَّهِ: ((الوزنُ على وزن أهل
مكة))(١) وهو حديث صحيح. وقد تقدَّم أنَّ هذا المقدارَ المذكور هو الذي كان على
وَزْن أهل مكة، في عَصْرِ الشَّي ◌َّهِ .
وأما دينار الذهب: فهو أربعةٌ وعشرون قيراطاً. والقيراطُ: ثلاثُ حبات من
وسط الشعير. فمجموعه: اثنتان وسبعون حبة. وهو مُجْمَعٌ عليه. والوَرِق: بكسر
الراء على الأصل كَكَبِد، وإسكانها تخفيف، كما يقال: كَبْد وفَخْذ. وهي الدراهمُ
خاصة. ويقال عليها أيضاً (٢): الرِّقَة، بتخفيف القاف.
ومنه قوله: ((في الرقة ربعُ العشر))(٣). قال أبو بكر: جمعها: رقات ورقون.
ومنه قولهم: وجدان الرقين يُغطّي أفنَ الأفين، أي: وجدان الدراهم يغطِّي عيبَ
المعيب. قال الهروي: يقال: رجلٌ وارق: كثير الورق. وقال بعضُهم: لا يقال:
لغير الدراهم وَرِق، ولا رِقة. وإنما يقال لها(٤): فضَّة. وأما الفقهاء: فالفضة
والورِق عندهم سواء. وكذلك قال ابنُ قتيبة: إنَّ الرِّقَة والورِق: الفضة،
مسکوکها، وغير مکسوکها.
و (قوله: ((ليس فيما دون))) ظاهِرُه أنه إذا نقص من النِّصاب ولو أقلّ ما حكم نُقْصان
النصاب
(١) رواه أحمد (٦/٣ و٤٥)، والبخاري (١٤٥٩)، ومسلم (٢/٩٧٩)، والنسائي (٣٦/٥)،
وابن ماجه (١٧٩٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢٥٩٠/١).
(٤) ساقط من (ع).
٨
(٩) كتاب الزكاة ۔ (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
خَمْسٍ ذَوْدٍ مِن الإبلِ صَدَقةٌ،
ينطلق عليه اسمُ النقص؛ لم تجبْ فيه زكاة. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: إذا
كان النقصانُ يسيراً لم تسقطِ الزكاة. واختلف أصحابُه في مقدار اليسير، فمنهم مَن
قال: هو ما لا يُتَشاحُ فيه في العادة. ومنهم من فسَّره: بأنه المقدارُ الذي تختلفُ فيه
الموازين. وهذا عندهم بشرط جوازها بجواز الوازنة. وحُكي عن عمر بن
عبد العزيز: أنَّ نصابَ الدراهم إن نقصَ ثلاثةَ دراهم، ونصاب الذهب إن نقصَ
ثلثَ دينار لم تسقطِ الزكاة. والظاهِرُ مع أبي حنيفة، والمعنى مع أصحابنا.
و ((دون)) في كلِّ مواضع هذا الحديث بمعنى: أقل، أي: ليس في أقل من خمسٍ
صدقة، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة، كما زعم بعضُهم في قوله: ((ليس فيما
دون خمسة أوسق صدقة)) أنها(١) بمعنى غير.
معنى الذَّْد
و (قوله: ((خَمْسٍ ذَوْدٍ))) الروايةُ المشهورةُ فيه على الإضافة، ومنهم من
يرويه بالتنوين على البدل. والصَّحيح في الرواية إسقاطُ الهاء من خمس على
التأنيث. وأثبتها بعضُهم على التذكير. وهذا على الخلاف في الذّود؛ هل يُطلق
على الإناث أو على الذكور؟ على ما يأتي، وأصلُ وَضْع الذود إنما هو مَصْدر: من
ذاد، يذود: إذا دفع شيئاً، فكأنَّ من كان عنده دَفَعَ عن نفسه معرَّة الفقر، أو شدّة
الفاقة والحاجة. واختلف اللغويون فيه، فقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى
التسع، ومن الإناث دون الذكور. ونحوه عن سيبويه في التأنيث، فقال: يقال:
ثلاث ذود؛ لأن الذود أنثى، وليس باسم كُسِرَ عليه مذكره. وقال الأصمعي:
الذّود: ما بين الثلاث إلى العشر. والضُّبة: خمس أو ست. والصِّرمة: ما بين
العشر إلى العشرين، والفكرة: ما بين العشرين إلى الثلاثين. والهجمة: ما بين
الستين إلى السبعين. والهُنَيْدة: مئة. والخِطر: نحو المئتين. والعَرْج: من خمسمئة
إلى الألف. قال غيره: وهند - غير مصغَّر -: مئتان. وأمامة: ثلاثمئة. وأنكر
(١) ساقط من (ع).
٩
(٩) کتاب الزكاة ۔ (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
ولَيسَ فيما دُونَ خَمْسةٍ أَوْسُقٍ مِنَ الثَّمْرِ صَدَقَةٌ)).
رواه مسلم (٩٨٠).
ابنُ قتيبة أن يُراد بالذود: الواحد. وقال: لا يصحُّ أن يُقال: خمس ذود، كما
لا يقال: خمس ثوب. وقال القاضي عياض: الذود: ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا
واحدَ له من لفظه، إنما يقال في الواحد: بعير. كما يقال للواحدة من النساء:
امرأة. وقال غيره: خمس ذود، كما يقال خمس أبعرة، وخمسة جِمال، وخمس
نوق. وقد نصَّ بعضُ اللغويين: على أن الذود يكون وحداً. وقال أبو حاتم: تركوا
القياسَ في الجمع فقالوا: ثلاث ذود لثلاثٍ من الإبل. وأربع ذود، وعشر ذود على
غير قياس. كما قالوا: ثلاثمئة وأربعمئةٍ. والقياس: مئتين، ومئات، ولا يكاد
يقولونه.
قلتُ: وهذا صريحٌ بأنَّ الذودَ واحدٌ في لفظه، والأشهرُ ما قاله المتقدِّمون:
أنه لا يُقال على الواحد. والله أعلم.
و (قوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))) الأوسق: جمع قلة الوَسْق،
كفَلْس، وأفلُس. ويقال: أوساق: جمع وِسق، بكسر الواو، كما يقال: عِدل
وأعدال. واختلفوا في اشتقاقه، فقال شمر: كلُّ شيء حملته فقد وسقته. يقال:
ما أفعلُ كذا ما وسقتْ عيني الماء: أي: ما حملته. وقال غيره: الوسق: ضمُّك
الشيء إلى الشيء وجَمْعُه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]
أي: جمع وضمّ. ويقال للذي يجمعُ الإبل: واسق، وللإبل نفسها: وسقت. وقد
وسقتُها فاستوسقت، أي: اجتمعت وانضمَّت. وقال الخطابي: الوسق؛ تمام
حَمْل الدواب النقالة، وهو ستون صاعاً. [قال غيره] (١): والصاع: أربعة أمداد.
والمد: رطل وثلث بالعراقي. والرطل العراقي: هو اثنا عشر أوقية. والأُوقِيَّةُ هنا:
(١) من (هـ) و(ظ).
١٠
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
[٨٤٩] وعن أبي سعيدِ الخُدريِّ، أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ِ قالَ: ((ليسَ فِي حَبِّ
ولا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حتَّى يبلغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ... )) الحديث.
هي زِنةُ عشرة دراهم وثلثي درهم، من دراهم الكيل. فمبلغ زنة الرطل من دراهم
الكيل: مئة درهم وثمانية وعشرون درهماً.
نصاب الذهب
ولم يَجْرِ في هذا الحديث ذِكْرٌ لنصاب الذهب، ولا وقع في الصَّحيحين. ولا
ما يدلُّ على اشتراط الحول في الزكاة. وقد ذكر أبو داود ما يدلُّ عليهما، فروى
بإسنادٍ صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي، عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور،
عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن التَّبِي وَ لغير قال: ((إذا كانت لك مئتا
درهم، وحال عليها الحولُ، ففيها خمسةُ دراهم، وليس عليك شيء - يعني: في
الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً. فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها
الحولُ، ففيها نصفُ دينار، فما زاد فبحساب ذلك)). قال: ولا أدري أعليٍّ يقول
بحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي وَله: ((وليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحول عليه
الحول))(١).
قلتُ: هذا الحديثُ غايةُ ما قيل فيه: أنَّ جرير بن حازم رواه عن أبي
إسحاق، وقَرَن فيه بين عاصم بن ضمرة، وهو ثقة. وبين الحارث الأعور، وهو
كذَّاب، ورواه جماعةٌ من الأئمة عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفاً على عليّ،
فقال من ردَّ ذلك الحديثَ: لعلَّ جريراً سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفاً،
وسمعه عنه الحارث(٢) في هذا الحديث مُسنداً، ولذلك قَرَن بينهما، وكأنَّ الإسنادَ
مُتلقَّى عن الحارث. وهذا لا ينبغي أن يُرَدَّ الخبرُ له، لأنه وَهَم وظنٌّ غيرُ محقق.
بل هو مردودٌ؛ لأنَّ المعتمدَ ثقةُ جرير وأمانته، وقد أخبر بأنه سمعه منهما في مساق
(١) رواه أبو داود (١٥٧٣).
(٢) ساقط من (ع).
١١
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
رواه أحمد (٤٤/٣ - ٤٥)، والبخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩)،
وأبو داود (١٥٥٨)، والنسائي (١٧/٥).
واحد. وظاهره: أنه تلقَّاه عن كلِّ واحدٍ منهما على نحو ما تلقَّاه عن الآخر، فيُعْتَمَدُ
على رواية الثقة، وتُلغى روايةُ غيره، ولا يضرُّه وقفُ مَن وقفه، إذا كان الذي رفعه
ثقة .
قال القاضي عياض: فأما نصابُ الذهب فهو عشرون ديناراً، والمعولُ في
تحديده على الإجماع. وقد حُكي فيه خلافٌ شادٌّ، وورد فيه أيضاً حديثٌ عن
النَّبي آپ﴾.
قلتُ: وأما نصابُ الإبل والغنم فلم يُخرَّجْ في كتاب مسلم من ذلك شيء. نصابُ الإبل
وقد خرَّج البخاريُّ فيه كتابَ النَّبِي ◌َّهِ لأبي بكر الصِّديق. وأما نصابُ البقر فلم والغنم والبقر
يقع في الصَّحيحين شيءٌ من ذلك. وقد رَوَى في ذلك النَّسائيُّ عن مسروق، عن
معاذ بن جبل قال: لما بَعَثَه رسولُ الله وَلَه إلى اليمن أمره أن يأخذَ من كلِّ ثلاثين
من البقر تبيعاً أو تبيعة. ومن كلِّ أربعين مُسنّةً، ومن كل حالم ديناراً. أو عذله
معافر(١). غير أنه منقطع، لم يلق مسروقٌ معاذاً. وقد خرَّجه الترمذيُّ عن
أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه. ورواه
مالك عن طاووس، عن معاذ من فِعْله موقوفاً، وطاووس لم يدرك معاذاً. وأحسنُ
ما في الباب ما خرَّجه الدارقطني، عن الشعبي، عن أنس قال: قال رسولُ الله ◌ِّت:
((في كلِّ أربعين من البقر مُسِنَّة، وفي كلِّ ثلاثين تبيع أو تبيعة))(٢)، قال: هذا يُروى
مرسلاً عن الشعبي، وهو الصَّواب.
قال أبو محمد بن حزم: قد صحَّ الإجماعُ المتيقن المقطوع به، الذي
(١) رواه النسائي (٢٦/٥)، والترمذي (٦٢٥)، ومالك في الموطأ (٢٥٩/١).
((المعافر)): برود (ملابس) يمنية، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن.
(٢) رواه الدارقطني (١٠٣/٢)، والطبراني في الكبير (١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس.
١٢
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
لا اختلافَ فيه: أنَّ في كلِّ خمسين بقرة: بقرة. فوجب الأخذُ بهذا، وما دون ذلك
مختلفٌ فيه، ولا نصَّ في إيجابه. قلتُ: وحديث جابر وأبي سعيد يدلّان: على أن
حكم ما نقص ما نقصَ عن هذه النصب ليس فيه زكاة، ولا خلافَ في ذلك. إلا ما ذهبَ إليه
أبو حنيفة، وبعضُ السلف من أنَّ الحبَّ تُخْرَجُ الزكاةُ من قليله وكثيره. والحديثان
من النُّصُب
حُجَّتان عليهم. وقال داود: كلُّ ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسةُ الأوسق،
وما عداه مما لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة. قال القاضي عياض: وأجْمَعُوا على
أنَّ في عشرين ديناراً الزكاة. ولا تجبُ في أقل منها، إلَّا ما روي عن الحسن
والزُّهري مما لم يتابعا عليه: أنْ لا صدقةَ في أقلّ من أربعين ديناراً، والأشهر
عنهما ما رُوي عن الجماعة. ورُوي عن بعض السَّلف: أنَّ الذهبَ إذا كانت قيمتُه
مئتي درهم فيها الزكاة، فإن نقصتْ عن ذلك فلا شيء فيه. واتفقوا: على أنَّ ما زاد
حكم الأوقاص من الحبِّ على خمسة أوسق أنَّ الزكاة في قليله وكثيره. ولا وقص فيه، واتفقوا
على الأوقاص في المواشي. واختلفوا في الذهب والفضة: فذهب مالك والشافعيُّ
وبعضُ السلف والجمهور إلى أن لا وَقْصَ فيهما. وذهب أبو حنيفة وبعضُ الجماعة
إلا أنه لا شيءَ فيما زاد على المنتي درهم حتى تبلغ أربعين، ولا على العشرين
ديناراً حتى تبلغَ أربعةَ دنانير. فإذا زادتْ على ذلك ففي كلِّ أربعين درهماً درهمٌ.
وفي كلِّ أربعة دنانير درهم. ومعتمدُهم في هذا: حديثٌ ضعيفٌ لا أصل له.
ومالك وجمهورُ علماء الأمصار يرون ضمَّ الذهب والفضَّة على اختلافٍ بينهم:
فمالك وجماعة يراعون الوزن، والضم على الأجزاء لا على القيم، وينزلون كلّ
دينار منزلة عشرة دراهم على الصَّرف القديم. وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون
ضمَّها على القيمة في وقت الزَّكاة. وقال الشَّافعي وداود وأبو ثور وأحمد: لا يضُّ
منها(١) شيءٌ إلى شيء، ويُراعى نصابُ كلّ واحدٍ منهما بنفسه. وذهب آخرون إلى
(١) ساقط من (ع).
١٣
(٩) كتاب الزكاة - (١) باب: ما تجب فيه الزكاة
[٨٥٠] وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّه سمعَ النبيَّ بِّهِ قالَ: ((فيمَا سَقَتِ
الأَنْهارُ والغَيْمُ: العَشُورُ، وفيمَا سُقِيَ بالسَّانيةِ: نِصْفُ العُشْرِ)).
" رواه أحمد (٣٤١/٣)، ومسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٩٧)،
والنسائي (٤٢/٥).
أنَّه إنما يضمُّ إذا كمل من أحدهما نصابٌ فيضمّ الآخر، ويُزَّى الجميع.
و (قوله: ((فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سُقي بالسّانية نصف زكاة الزرع
العشر))) كذا ساق حديث جابرٍ هنا. وفي البخاري من حديث ابن عمر مرفوعاً:
((فيما سقت السماءُ والعيونُ أو كان عشرياً: العشر، وما سُقي بالنّضح نصف
العشر)). والأنهار: جمع نهر. وقد تقدم اشتقاقُه. والغيم هنا: هو المطر. وقد
رُوي في غير مسلم: الغيل، باللام. قال ابنُ السكّيت: هو الماءُ الجاري على
الأرض. و((العشري)) قال أكثرُهم: هو ما يشرب بماء السماء. وسُمِّ بذلك لأنه
يكسر حوله الأرض، ويعسر جريُه إلى أصول النخل بتراب يرتفعُ هناك. قالوا:
والبعلُ ما لا يحتاجُ إليه، وإنما يشرب بعروقه. و((السانية)): هي السَّاقية، يقال:
...
سنا يسنو سنواً؛ إذا استقى، وهو النضح أيضاً. و((النواضح)): هي الإبل التي
بُتقى عليها الماء.
وقد أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في قدر ما يؤخذ. واستدل
أبو حنيفة بعمومه على وجوب الزَّكاة في كلِّ ما أخرجتِ الأرضُ من الثمار،
والرَّياحين، والخضر، وغيرها، إلا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب، وما لا
يُثْمر من الشَّجر كالسَّمُر وشبهه. وخالفه جماعةُ العلماء في ذلك على اختلافهم فى
تفاصيل ذلك. وقد أجمعوا على الحنطة، والشعير، والتمر، والزَّبيب. ورأيُ
الحسن، والثَّوري، وابن أبي ليلى في آخرين: أنه لا زكاةَ إلَّ في هذه الأربعة.
١٤
(٩) كتاب الزكاة - (٢) باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
(٢) باب
ليس فيما اُّخِذ للقِنْة صدقةً،
وتقدیمُ الصدقة وتحمُّلها عمَّن وجبتْ عليه
[٨٥١] عن أبي هُريرةَ أنَّ رسولَ اللهِنَّه قالَ: ((لَيس على المسلم في
عبدِه ولا فَرْسِه صَدَقةٌ».
وذهب مالكٌ في المشهور عنه: إلى أنها تجبُ في كلِّ ما يُقتات ويُدَّخر للعيش
غالباً. ونحوه قال الشافعيُّ وأبو ثور، إلا أنهما استثنيا الزيتون. وقال
ابنُ الماجشون من أصحابنا: تجبُ في ذوات الأصول كلّها ما ادُّخر منها، وما لم
يُدَّخر.
و ((العَشور)): أكثرُ الرواة على فتح العين. وهو اسم القَدْر المخرَج، وعن
الطبري: العُشْر بضم العين، وتسكين الشين. ويكون العُشور - بالضم - جمع
عشر. والحكمة في فرض العشر: أنه يُكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر
تصدَّق بكل ماله. والله تعالى أعلم.
(٢) ومن باب: ليس فيما الُّخذ للقنية صدقة
(قوله: ((ليس على المسلم في عَبْده ولا فرسه صَدَقة))) هذا الحديثُ أصلٌ في
أنَّ ما هو للقِنية لا زكاةَ فيه. وهو مذهبُ كافة العلماء، وأئمة الفتوى، إلا حمَّاد بن
أبي سلمة، فإنه أوجبَ في الخيل الزَّكاة. وقال أبو حنيفة: إذا كانت إناثاً وذكوراً
يُبتغى نَسْلُها؛ ففي كلِّ رأس دينار، وإنْ شاء قوَّم وأخرج عن كلِّ مئتي درهم خمسة
دراهم. ولا حُجَّة لهم مع هذا الحديث.
١٥
(٩) كتاب الزكاة - (٢) باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
وفي رواية: ((ليسَ في العبدِ صَدَقةٌ إلا صَدَقَةَ الفِطْرِ)).
رواه أحمد (٢٤٢/٢ و٢٥٤)، والبخاري (١٤٦٤)، ومسلم
(٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائي (٣٥/٥)،
وابن ماجه (١٨١٢).
[٨٥٢] وعنه، قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌َّهِ عمرَ على الصَّدَقَةِ فقيلَ:
مَنَعَ ابنُ جميلٍ، وخالدُ بن الوليد، والعبَّاسُ عمُّ رسول الله وَّهِ، فقالَ
و (قوله: ((وليس في العبد صدقةٌ إلا صدقة الفطر))) دليلٌ: على أنَّ على
السيد في عبده زكاةُ الفطر. وهو قولُ الجمهور في العبيد؛ كانوا لخدمةٍ أو غّة، أو
تجارة، خلافاً لداود وأبي ثور في إيجابها على العبد نفسه، وخلافاً لأهل الكوفة
في إسْقاطها عن عبيد التِّجارة فقط.
و (قول أبي هريرة: إنَّ رسولَ اللهِوَه بَعَثَ عُمَرَ على الصَّدقة) ظاهِرُ هذا
اللفظ: أنها الصَّدقةُ الواجبة. وإليه صار الجمهور، وعلى هذا فيلزمُ استبعادُ مَنْعِ
مثل هؤلاء المذكورين لها. ولذلك قال بعضُ العلماء: كانت صدقةً تطوُّع. وقدَ
روى عبدُ الرزاق هذا الحديث، وفيه: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ نَدَبَ الناسَ إلى
الصدقة(١) ... وذكر الحديث. قال ابنُ القصار: وهذا أليقُ بالقصة، فلا يُظَنّ
بأحدٍ منهم مَنْع الواجب. قال: فيكون عذرُ خالدٍ واضحاً؛ لأنه لمَّا أخرج أكثرَ ماله
حُبُساً في سبيل الله، لم يحتملْ صدقةَ التطوع، فعذره النبيُّ # لذلك. ويكون
ابنُ جميل شحَّ في التطوع الذي لا يلزمه، فعتب عليه النبيُّ وَّر، كما جاء في
الحديث. وأخبر: أن العباسَ يَسْمَحُ بما طُلِب منه ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنعُ
مما حضَّه عليه (٢) النبيُّ وَّر، بل يعده كاللازم.
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٢٦).
(٢) ساقط من (ع).
١٦
(٩) كتاب الزكاة - (٢) باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
رسول الله وَّى: ((ما يَنْقِمُ ابنُ جميلٍ إلا أنَّه كانَ فقيراً فأغنَاهُ اللهُ، وأَمَّا خالدٌ
فإنَّكم تظلمونَ خَالداً، قد اخْتَبَسَ أدْراعَه وأعْتَادَه في سبيلِ اللهِ، وأَمَّ العَبَّاس
وأمّا من قال: إنها صدقةُ الفرض. فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكُبراء
والفُضَلاء من الصَّحابة عن أدائها، واحتسابه عليه الصلاة والسلام لخالدٍ فيها بما
كان حُبِس من آلة الجهاد، مع أنه قد كان يَعُدَّها على وجه الحُبْس على ما هو ظاهر
الحدیث.
و (قوله: ((إنَّكم تظلمونَ خالداً)) و (قوله: ((هي عليَّ ومثلها معها))) وقد
انفصل عن استبعاد مَنْعهم بأنهم لم يمنعوها عناداً بل: توقُّفاً من ابن جميل إلى أن
يرى هل يسامح بها. وقال المهلَّب: كان ابنُ جميل منافقاً أولاً، فمنع الزكاة،
فأنزل اللهُ تعالى: ﴿وَمَا نَقَهُوَاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِ﴾ الآية [التوبة: ٧٤]
فقال: استثناني الله. فتاب وصلحتْ حاله. وتأوّلا من خالد بأنه یحتسبُ له بها.
ومن العباس بأنَّ النبيَّ وَ ◌ّ قام بحَمْلها عنه أو بأنه غريم، أو بغير ذلك من أنواع
التأويلات المسوغة، ولم يكن فيهم أبعد تأويلاً من ابن جميل، ولذلك عَتَبَ عليه
النبيُّ أَل﴾.
وأما (قوله: ((إنَّكم تظلمون خالداً)) فهو خطابٌ منه للعمَّال على الصدقة،
حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدَّة. وكأنَّ خالداً - والله
أعلم - رأى أن الحاجةَ قد تعيَّنت للجهاد في سبيل الله، وقد جعل اللهُ للجهاد حظّاً
من الزكاة، فرأى أن يصرفها فيه، فأخرج زكاته، واشترى بها ما يصلحُ للجهاد،
كما يفعله الإمام. ولما تحقَّق النبيُّ ◌َ غير ذلك قال: ((إنَّكم تظلمون خالداً) فإنه قد
صَرَفها مصرفها، وأنتم تطالبونه بها. وعند ذلك يكون قولُ النَّبِي وَ ﴿ ذلك إمضاءً لما
فَعَل خالد، ويكون معنى احتبس أدراعَهُ وأَعْتُدَهُ في سبيل الله: رفع يده عنها،
وأبانها عن ملكه، وخلَّى بين الناس وبينها في سبيل الله. لا أنه حَبَسَها وَقْفاً(١) على
(١) في (هـ) و (ط): إلا أنه وقفها حبساً.
١٧
(٩) كتاب الزكاة - (٢) باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
فهي عليَّ ومثلُها معَها)) .
التَّبيد. والأدراع: جمع درع الحديد. والأعتاد: جمع عَتَد. وكذلك الأعتد في غير
هذه الرواية، وكلاهما جَمْع قلَّة، وهو الفرس الصلب. وقيل: هو المعدُّ للركوب.
وقيل: السَّريع الوثب. وقال الهروي: هو ما أعدَّه الرجلُ من سلاح، ودواب، وآلة
للحرب. ويُجمع أيضاً: أعتدة. وفي غير مسلم أعتُدَة بضم التاء وفتح الدال.
وروي أيضاً: أعبدة، بالباء بواحدة: جمع عبد.
وأما (قوله ◌َ﴿ في حقِّ العبّاس: ((فهي عليَّ ومثلها معها))) فقد اضطربت
ألفاظُ الرواة فيه، فقيل ما ذكرناه. وفي البخاري: فهي عليه صدقة ومثلها معها،
وفي غيرهما: فهي له ومثلها. فأما روايةُ مسلم فظاهِرُها: أنه تحمَّلها عنه ومثلها.
ويحتملُ أنها كانت له عليه، إذ قد كان قدَّمها له. وفيه بُعدٌ من حيث اللفظ؛ وإن
كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة أنَّ النبيَّ وَ لِ قال: ((إنَّا كنّا
احتجنا فتعجَّلنا من العباس صدقةً ماله سنتين)»(١). وبهذا يَحْتَجُّ مَن يرى تقديمَ حكم تقديم
الزكاة قبل وقت وجوبها. وهو مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والشَّافعي، وفقهاء
الزكاة عن
وقتها
المحدِّثين. ومن هؤلاء من يجيزُ تقديمَ زكاة عامين أَخْذاً بهذا الحديث. ومَنَعَ ذلك
مالك، والليث. وهو قولُ عائشة، وابن سيرين، فقالوا: لا يجوزُ تقديمها على
وقتٍ وجوبها كالصَّلاة. وعن مالك خلافٌ فيما قرب، وكأنَّ هؤلاء لم يصحَّ عندهم
الحديث، والله أعلم، ولا ارتضوا ذلك التّويل.
وقيل في قوله وي: ((هي عليَّ ومثلها)) أنه وَل كان قد تسلَّف من العباس مالاً
احتاجَ إليه في السَّبيل فقاصَّه به عند الحول. وهذا ما لا يختلفُ في جوازه، وحينئذٍ
لا يكون حُجَّةً على جواز التقديم. وأما روايةُ البخاري: فنصٌّ في أنه تَرَكَها له
ومثلها. وذلك لأنَّه كان قد فَدَى نفسه وعَقِيلاً، فكأنه كان غريماً. وإليه يُردُّ قوله:
(١) رواه الدارقطني (١٢٤/٢) من حديث موسى بن طلحة، عن طلحة، أن النبي ....
١٨
(٩) كتاب الزكاة - (٢) باب: ليس فيما اتخذ للقنية صدقة
ثم قال: ((يا عمرُ! أما شعَرْتَ أنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيهِ)).
رواه البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (٩٨٣)، وأبو داود (١٦٢٣)،
والنسائي (٣٣/٥).
((وهي له ومثلها)). ويحتملُ: فهي له عليَّ. كما تقدَّم. وبحسب هذه التأويلات
تنزل عليه الأحكام.
و (قوله: ((ما ينقِم ابنُ جميل))) أي: ما يعيب. يقال: نَقَم يَنْقِم. ونَقِم ينقَم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]. وقال
الشاعر(١):
إِلَّا أَنَّهِم يَحْلُمُون إِنْ غَضِبُوا
ما نَقَمَ النَّاسُ مِنْ أميَّةَ
وَلا تَصْلُحُ إِلَّا عَلَيْهِمُ العَرَبُ
وإِنَّهُمْ سادَةُ المُلُوكِ
تعظيم حقٌّ العمّ
و (قوله: ((أما شعرتَ أن عمَّ الرجل صنوُ أبيه))) أي: یرجُ مع أبيه إلى أصلٍ
واحد. ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] وأصله من النَّخلتين
والنَّخلات التي ترجعُ إلى أصلٍ واحد. والصنوان: جمع صنو، كقنوان. وقنو.
ويُجمع أصناء؛ كأسماء. فإذا كثرت قلت: الصِّني، والصُّني. وهذا تعظيمٌ لحقٌّ
العم. وهو مقتضٍ ومناسبٌ لأن يُحمَلَ قوله وَله: ((هي عليَّ)) على أنه تحمَّلَها عنه
احتراماً له، ومِيزة، وإكراماً، حتى لا يتعرَّض له بطلبها أحد، إذ تحمَّلها عنه
رسول الله {چ.
(١) هو ابن قيس الرقيات.
١٩
(٩) كتاب الزكاة - (٣) باب: الأمر بزكاة الفطر
(٣) باب
الأمر بزكاة الفِطر، وعمَّن تُخرج،
ومماذا تُخرج، ومتی تُخرج؟
[٨٥٣] عن ابن عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَّ فَرَضَ زكاةَ الفِطْرِ مِن
رَمَضانَ
(٣) ومن باب: الأمر بزكاة الفِطر
(قوله: فرض رسولُ اللهِوَ له زكاةَ الفطر) جمهورُ أئمة الفتوى على أنها حكم زكاة
واجبة، وهو المنصوصُ عن مالك، محتجين بقوله: ((فرض)) فإن عرفه الشرعي: الفطر
أوجب. وبأنها داخلةٌ في عموم قوله تعالى: ﴿ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وذهب
بعض أهل العراق وبعضُ أصحاب مالك: إلى أنَّها سُنَّة. ورأوا أنَّ فرضَ بمعنى:
قدَّر. وهو أصلُه في اللغة كما قال تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
ولم يروها داخلةً في عموم ما ذكر. وقال أبو حنيفة: هي واجبةٌ، وليست بفريضة
على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.
و (قوله: ((زكاة الفطر من رمضان))) إشارةٌ إلى وَقْت وجوبها. وقد اختلف وقت وجوب
فيه: فعندنا وعند الشافعي: تجبُ بغروب الشمس من آخر رمضان. وقيل عنهما: زكاة الفطر
بطلوع الفجر من يوم الفطر. وذهب بعضُ المتأخرين من أصحابنا: إلى أنها تجبُ
بطلوع الشمس من يوم الفطر، وسَبَبُ هذا الخلاف: أن الشرعَ قد أضاف هذه الزكاة
للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهور؟ فيكون الوجوبُ من وقت
الغروب، أو الفطر المعتاد، في كلِّ يوم؟ فيكون من طلوع الشمس. أو المراد أوَّل
الفِطْر المأمور به يوم الفطر؟ فيكون من طلوع الفجر. وقال ابنُ قتيبة: معنى صَدَقة
الفطر: أي: صدقة النفوس. والفِطرة: أصل الخلقة، وهذا بعيدٌ بل مردودٌ بقوله:
٢٠
(٩) كتاب الزكاة - (٣) باب: الأمر بزكاة الفطر
على كلِّ نفسٍ مِن المسلمينَ، حُرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ .
وفي روايةٍ: فَرَضَ زكاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضانَ على النَّاسِ، صَاعاً مِن تَمْرٍ
أو صَاعاً مِن شعيرٍ على كُلِّ حُرِّ أو عَبدٍ، ذكرٍ أو أُنْثَى مِنَ المسلمينَ.
رواه أحمد (٦٣/٣)، والبخاري (١٥٠٤)، ومسلم (٩٨٤)،
وأبو داود (١٦١١)، والترمذي (٦٧٦)، والنسائي (٤٨/٥)، وابن ماجه
(١٨٢٦).
(صدقةُ الفطر من رمضان))، والأول أظهر.
على مَنْ تجبُ
زكاةُ الفِطر؟
و (قوله: ((على كلِّ نفس))) يقتضي عموم النفوس أغنيائهم، وفقرائهم.
خلافاً لأصحاب الرأي في قولهم: لا تلزم من يحلُّ له أَخْذُها. واختلف قولُ مالك
وأصحابه في ذلك. ومشهورُ مذهبه: أنها تجبُ على مَن فَضَل عن قوته يوم الفطر
بقدرها. ويدخل في ذلك العموم: الحاضر والبادي، خلافاً للَّيْثِ، وربيعة،
والزُّهري، وعطاء في قَصْر وجوبها على أهل الحواضر والقرى، دون أهل العمود
والخصوص(١)
و (قوله: ((من المسلمين))) دليلٌ: على أنها لا تُخْرَجُ عن العبد الكافر. وهو
قولُ الجمهور. وذهب الكوفيون، وإسحاق، وبعض السلف: إلى أنها تُخْرَجُ عن
العبيد الكفّار. وقد تأوّل الطَّحاوي قوله: ((من المسلمين)): أنه عائدٌ إلى السَّادة
المُخْرِجين. وهذا لا يقتضيه مساقُ الحديث، فتأمَّله.
قلتُ: وظاهِرُ هذا الحديث: أنه إنما قصد فيه إلى بيان مقدارها ومن يقدر
عليه. ولم يتعرَّضْ فيه لبيان من يُخْرِجها عن نفسه ممن يُخْرِجها عن غيره. بل
(١) ((العمود): كل خباء يقوم على أعمدة كثيرة يقال لأهله: أهل العمود. والخصوص:
جمع خُصّ، وهو بيت من شعر أو قصب.