النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
(٨) كتاب الجنائز - (١٤) باب: الأمر بالقيام للجنازة، ونسخه
[٨٢٩] وعن قيس بن سعدٍ وسهلٍ بن حُنيفٍ - وكانا بالقادسيَّة -
فَمَرَّت بهما جَنَازةٌ، فقامًا، فقيلَ لهما: إنَّها مِنْ أهلِ الأرضِ، فقالا: إنَّ
رسولَ الله:﴿ مِرَّتْ به جَنَازةٌ فقامَ، فقيل: إنَّه يَهُودِيٌّ. فقالَ: ((أليستْ
نَفْساً؟!)).
رواه أحمد (٦/٦ - ٧)، والبخاري (١٣١٢)، ومسلم (٩٦١)،
والنسائي في الكبرى (٢٠٤٨).
[٨٣٠] وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ، قال في شأن الجَنَائزِ: إنَّ
رسولَ الله ◌َِّ قامَ ثم قَعَدَ.
وفي روايةٍ: قالَ: رأينَا رسولَ الله لَّهِ قامَ فَقُمْنا، وقعدَ فقَعَدْنا.
يعني: في الجَنائزِ.
رواه مسلم (٩٦٢) (٨٢) و (٨٤)، وأبو داود (٣١٧٥)، والترمذي
(١٠٤٤)، والنسائي (٧٧/٤ - ٧٨).
وغيره، ولذلك قال في الميت الذمي: ((أليستْ نفساً؟!)) معناه: أليستِ الجنازةُ
نفساً قُبِضت. وقيل: إنما قامَ النبيُّ# إجلالاً للملائكة الذين مع الميت. وقيل:
إنما قام النبيُّ ◌َ﴿ لجنازة اليهودي لأنه كره أن تعلوَ جنازةُ اليهودي رأسَه. وقيل:
لأنه آذاه نتنُ ريحها. والصحيح الأول.
و (قوله: ((إنها من أهل الأرض))) أي: من أهل هذه الأرض. يعني: أنها من
أهل الجزية المُقرّين بأرضهم.

٦٢٢
(٨) كتاب الجنائز - (١٥) باب: ركوب المُتَّبع للجنازة إذا انصرف منها
(١٥) باب
ركوب المُتَّبع للجنازة إذا انصرفَ منها
[٨٣١] عن جابر بن سَمُرةَ قالَ: صلَّى رسولُ اللهِص ◌ّ على ابن
الدَّحْدَاحِ، ثمَّ أَتِيَ بفَرَسِ عُرْيٍ، فعقلَه رجلٌ، فَرَكِبَه، فجعلَ يَتَوَفَّصُ
به، ونحنُ نَتَّبِعُهُ، نَسعَى خلفه، قالَ: فقال رجلٌ مِن القَوْم: إنَّ النبيَّ وَليو
(١٥) ومن باب: ركوب المتبع للجنازة
قوله: أتي بفرس ◌ُزي) أي: لا سَرْج عليه. يقال: فرس ◌ُزي، وخيل
أعراء، وقد اعرورى فرسه: إذا ركبه عرياً. ولا يقال: رجل عُري، ولکن ◌ُزیان،
ورواية من روى: بفرس معرور: لا وجه لها. و (عقله): حبَسَه ليركبه،
و (يتوقَّص): يتثنى ويقارب الخطوَ.
و (قوله: ونحن نتَّبعه، نمشي خلفه) هو إخبارٌ عن صورة تلك الحالة؛
لأنه تقدَّمهم، وأتوا بعده، لا أنَّ ذلك كانت عادتُهم في مشيهم معه، بل المنقولُ
من سيرتهم: أنه كان يقدمهم ولا يتقدمهم، وينهى عن وَطْء العقب. ولا خلافَ في
جواز الركوب عند الانصراف من الجنازة، وإنما الخلافُ في الركوب لمتبعها؛
فكرهه كثيرٌ من العلماء، سواء كان معها، أو سابقها، أو خلفها. والصَّحیحُ: جوازٌ
الركوب، إلا أنه يتأخَّر عنها؛ لما خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه عن المغيرة بن شُعْبة
قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((الراكبُ خَلْفَ الجنازة، والماشي حيث شاء منها،
والطفل يُصلَّى عليه))(١) وهذا أصحُ من الأحاديث التي ذُكِر فيها مَنْعُ الركوب مع
الجنازة.
جوازُ الركوب
خلف الجنازة
(١) رواه الترمذي (١٠٣١).

٦٢٣
(٨) كتاب الجنائز - (١٥) باب: ركوب المُتَّبع للجنازة إذا انصرف منها
قالَ: ((كَمْ مِن عِذْقٍ مُعَلَّقٍ (أو مُدَلَّى) في الجَنَّةِ لابن الدَّحداح (أو قال لأبي
الدَّحْدَاحِ).
وفي روايةٍ: أَتِيَ بفرس مُعْرَوْرَى فَرَكِبَهُ حينَ انصرَفَ مِن جَنَازةٍ
ابن الدَّحداحِ ونحنُ نَمشي حَوْلَه.
رواه أحمد (٩٠/٥ و٩٥)، ومسلم (٩٦٥)، والترمذي (١٠١٣
و ١٠١٤)، والنسائي (٢٢/٤ -٢٣).
و (قوله: ((كم من عِذْقٍ مُعَلَّقٍ أو مدلَّى في الجنة لابن الدَّحداح))) العِذق: بكسر
العين: العُرجون، وبفتحها: النخلة، وهو هنا بالكسر، والدحداح: الرجلُ القصير
دون الربعة، وقال شُعْبة: أبو الدَّحداح. وقال غيرُه: ابن الدحداح. وقال أبو عمر:
أبو الدَّحداح، ويقال: أبو الدَّحداحة فلان ابن الدَّحداحة، وإنما قال النبيُّ وَّ له
ذلك القولَ لقصَّةٍ جَرَتْ، وهي: أنَّ يتيماً خاصَمَ أبا لبابة في نخلةٍ فبكى الغلام،
فقال له النبيُّ وَّهِ: ((أعطه إيَّاها، ولك بها عِذْقٌ في الجنة)) قال: لا، فسمع ذلك
ابنُ الدحداح، فاشتراها من أبي لبابة بحديقةٍ له، ثم قال للنَّبِي ◌َّه: ألي بها إن
أعطيتُ اليتيمَ إيَّاها عِذْقٌ في الجنة؟ قال: ((نعم))(١). فلمّا قَبِل ذلك، قال له
النبيُّ ﴾ هذا الكلام. ورُوي غير ذلك.
(١) رواه أحمد (١٤٦/٣)، والحاكم (٢٠/٢)، وابن حبان (٧١٥٩) من حديث أنس
رضي الله عنه .
٠٠

٦٢٤
(٨) كتاب الجنائز - (١٦) باب: في كيفية القبور
(١٦) باب
في كيفية القبور، وكراهية تخصيصها والبناء
عليها، وهل يُجعل في القبر شيء؟
[٨٣٢] عن سعدٍ بن أبي وَقَّاصٍ، أنَّه قالَ في مرضِه الذي هَلَكَ فيه:
الْحَدُوا لي لَحْداً، وانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْباً، كما صُنِعَ برسولِ الله وَِّ.
رواه أحمد (١٨٤/١)، ومسلم (٩٦٦)، والنسائي (٨٠/٤)،
وابن ماجه (١٥٥٦).
(١٦) ومن باب: كيفية القبور
(قوله: (اتخذوا لي لَحْداً)) اللحد: هو أن يُشَقَّ في الأرض، ثم يُخْفر قبر
آخر في جانب الشّق من جهة القبلة، يُدْخَلُ فيه الميتُ ويُسدُّ عليه باللَّبِن، وهو
أفضلُ عندنا من الشقِّ، وكلُّ واحدٍ منهما جائز، غير أنَّ الذي اختار الهُ لنبيهِ لِ هو
اللحد؛ وذلك أنه لما أراد الصحابةُ أن يحفروا النَّبيِّ # اشتوروا في ذلك، وكان
في المدينة رجلان، أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد، فقالت الصحابة: اللهم اخترْ
لنبيك، فجاء الذي يلحد أولاً فلحدوا. اشتوارهم في ذلك وتوقُّفهم يَدُلُّ: على أنه
لم يكنْ عندهم في أفضلية أحدهما من النَّبيِ ﴿ تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء
في تعيين الأفضل، ولم يقعْ في كتاب مسلم ذِكْرُ غسله وَّ، ولا الصَّلاة عليه، وقد
ذكر في غيره. فأما غَسْلُهُ وَه، فغُسِّل في قميصه، وذلك أنهم أرادوا أن ينزعوا
قميصَه ليغسِّلوه فسمعوا قائلاً يقول: ((لا تنزعوا القميص)) كما ذكره مالك في
الموطأ(١). وأما الصلاة عليه: فصلَّى الناس عليه أفواجاً: الرجال، والنساء،
والصِّبيان من غير إمامٍ، صلَّوا فوجاً بعد فوجٍ على ما ذكر أهلُ السير. واختلف في
(١) رواه مالك بلاغاً في الموطأ (٢٣١/٢).
جواز اللَّحْد
والشَّق،
والنَّحْد أفضل

٦٢٥
(٨) كتاب الجنائز - (١٦) باب: في كيفية القبور
[٨٣٣] وعن فَضَالَة بن عُبيد، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ،وَله يأمرُ
بتسويَتِها، (يعني: القُبُورَ).
رواه مسلم (٩٦٨)، وأبو داود (٣٢١٩)، والنسائي (٨٨/٤).
[٨٣٤] وعن أبي الهَيَّاج الأسديِّ، قالَ: قالَ لي عليٍّ: ألا أَبعَثُكَ
على ما بَعثِي عليه رسولُ اللهِ وَ ﴿ أَلَّ أدعَ تِمْثالاً إلا طَمَسْتُه، ولا قَبْراً مُشْرِفاً
إلا سَوَيْتُه.
سَبَبٍ ذلك على أقوال؛ فقيل: لأنَّهم لم يكن لهم إمام، وهذا خطأ؛ لأن إمامةً
الفريضة لم تتعطّل، ولأن البيعةَ لأبي بكر تمَّت قبل دَفْنه، وهو إمامُ الناس. وقيل:
بل صُلِّي عليه كذلك ليأخذَ كلٌّ من الناس بنصيبه من الأجر والفَضْل.
ومات النبيُّ ◌َ﴿ يوم الإثنين وأُخِّر دَفْنُه إلى يوم الثلاثاء؛ [وأُخِّر دَفْنُه]((١)
لأنهم اشتغلوا بأمر الإمامة؛ لأنهم خافوا ثورانَ فتنة.
و (التمثال): مثالُ صورة مافيه روح. وهو يعمُّ ما كان متجسِّداً، وما كان تغيير الصور
مصوَّراً في رقم أو نقش. لا سيما وقد روي: ((صورة)) مكان ((تمثال)). وقيل: إنَّ مُطلقاً
المرادَ به هنا ما كان له شخصٌ وجسد، دون ما كان في ثَوْب أو حائطٍ منقوشاً.
وسيأتي الكلامُ عليهما. وحاصلُ هذا الحديث: الأمرُ بتغيير الصور مطلقاً، وإن
إيقاءها كذلك منكر، و (طمسها): تغييرها، وذلك يكون بقطع رؤوسها، وتغيير
وجوهها، وغير ذلك مما یذهبها .
و (قوله: ولا قبراً مُشْرِفاً إلَّا سويته) ظاهره: مَنع تسنيم القبور ورَفْعها، منع تسنيم
وأنْ تكون لاطيةً، وقد قال به بعضُ أهل العلم، وذهب الجمهورُ: إلى أنَّ هذا القبور ورفعها
(١) ساقط من (ع).

٦٢٦
(٨) كتاب الجنائز - (١٦) باب: في كيفية القبور
وفي رواية: ولا صُورةً إلا طَمسْتُها.
رواه أحمد (٩٦/١ و١٢٩)، ومسلم (٩٦٩)، وأبو داود (٣٢١٩)،
والترمذي (١٠٤٩)، والنسائي (٨٨/٤ -٨٩).
[٨٣٥] وعن جابرٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ◌َّهِ أن يُجَصَّص القَبرُ، وأَنْ
يُفْعَدَ عَلَيهِ، وأَنْ يُبْنَی علیهِ.
رواه أحمد (٣٣٢/٣)، ومسلم (٩٧٠) (٩٤)، والنسائي (٨٨/٤)،
وابن ماجه (١٥٦٢).
الارتفاعَ المأمورَ بإزالته ليس هو التَّسنيم، ولا ما يُعرف به القبر كي يُحترم، وإنما
هو الارتفاعُ الكثير الذي كانتِ الجاهليةُ تفعله. فإنها كانت تُعلي عليها، وتَبْني
فوقها؛ تفخيماً لها وتعظيماً، وأما تسنيمها: فذلك صفةُ قبر رسول الله وَلاَ، وقبر
أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - على ما ذكر في الموطأ. وقد جاء عن عمر:
أنه هَدَمها وقال: ينبغي أن تُسوَّى تسويةَ تسنيم. وهذا معنى قول الشافعي: تسطحُ
القبور ولا تبنى، ولا ترفع، وتكونُ على وجه الأرض، وتسنيمها اختيارُ أكثر
العلماء، وجملة أصحابنا، وأصحاب أبي حنيفة، والشافعي.
قلتُ: والذي صار إليه عمر أولى، فإنه جَمَعَ بين التَّسوية والتَّسنيم.
و (قوله: نهى أن يُجَصَّصَ القبرُ، ويُبنى عليه) التخصيصُ، والتَّقصيص:
هو البناء بالجص، وهو: القص والقصّة، والجصَّاص والقصَّاص واحد، فإذا خُلط
حكم تخصيص الجص بالرماد فهو الجيَّار. وذكر معنى ذلك أبو عُبيد وابن الأعرابي، وقد تقدَّم في
الحيض ذكر القصَّة البيضاء(١). وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناءَ
والجصَّ على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديثُ حجَّةٌ عليه، وَوجْهُ النهي عن
القبور
(١) ((القصة)): القطنة أو الخرقة البيضاء التي تحتشي بها المرأة عند الحيض.

٦٢٧
(٨) كتاب الجنائز - (١٦) باب: في كيفية القبور
[٨٣٦] وعن ابنِ عبَّاس قالَ: جُعِلَ في قبرِ رسولِ اللهِلَّ قَطِيفَةٌ
حَمْراءُ.
رواه مسلم (٩٦٧)، والترمذي (١٠٤٨)، والنسائي (٤/ ٨١).
*
*
البناء والتَّجصيص في القبور: أنَّ ذلك مباهاةٌ، واستعمالُ زينة الدنيا في أول منازلٍ
الآخرة، وتشئُّهُ بمن كان يُعظُّم القبور ويَعْبُدُها، وباعتبار هذه المعاني، وبظاهر هذا
النَّهي ينبغي أن يقال: هو حرام، كما قد قال به بعضُ أهل العلم.
و (قوله: وأن يقعدَ عليها) وقوله: ((لا تجلسوا على القبور))(١)، وقوله: حكم
(أن يجلس أحدُكم على جمرة فتحرق ثيابه خيرٌ له من أن يجلس على قبر))(٢)) الجلوس على
اختلف في معناه: فمنهم مَن حَمَلَهُ على ظاهره من الجلوس، ورأى أنَّ القبر يُحترم
القبور
كما يُحترم المسلم المدفون فيه، فيُعامَل بالأدب، وبالتَّسليم عليه، وبغير ذلك.
ومنهم من تأوَّله: على أنه كنايةٌ عن إلقاء الحدث في القبور، وهو تأويلُ مالك.
ولا شكّ في أن التخلِّي على القبور وبينها ممنوعٌ، إمَّا بهذا الحديث، وإما بغيره،
الحديث الملاعن الثلاث، فإنه مجلسُ الزائر للقبر، فهو في معنى التخلِّي في
الظلال، والطرق، والشجر المثمر، وغير ذلك، ولأن ذلك استهانةٌ بالميت
المسلم، وأذى لأوليائه الأحياء، والله أعلم.
و (قوله: ((جُعل في قبر رسولِ الله قطيفةٌ حمراء))) هذه القطيفةُ كان النبيُّ ال
يَلْبَسُها، ويفترشها، فلما مات اختلفَ في أخذها عليٍّ وعبَّاس، وتنازعا فيها،
فأخذها شُقْران(٣) وجعلها في القبر وقال: والله لا يلبسها أحدٌ بعده أبداً. وقيل:
إنما جُعِلت في قبره لأنَّ المدينةَ سبخة. والله تعالى أعلم.
(١) سيأتي تخريجه في التلخيص برقم (٨٣٨).
(٢) سيأتي تخريجه في التلخيص (٨٣٧).
(٣) هو مولى رسول الله وَ﴿، وكان مملوكاً ثم عُتِقٍ.

٦٢٨
(٨) كتاب الجنائز - (١٧) باب: النهي عن الجلوس على القبور
(١٧) باب
النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها
[٨٣٧] عن أبي هريرة، قال: قالَ رسول اللهِوَله: ((لَأَنْ يجلسَ
أحدُكم على جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثيابَه، فَتَخْلُصَ إلى جِلْدِهِ خيرٌ له مِن أنْ يجلسَ
علی قَبْرِ)).
رواه أحمد (٣١١/٢ و٣٨٩)، ومسلم (٩٧١)، وأبو داود
(٣٢٢٨)، والنسائي (٤ / ٩٥)، وابن ماجه (١٥٦٦).
[٨٣٨] وعن أبي مَرْئدِ الغَنَويِّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَه يقولُ:
((لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ، ولا تَجْلِسوا عليها)).
رواه أحمد (١٣٥/٤)، ومسلم (٩٧٢) (٩٨)، والترمذي (١٠٥٠).
(١٧) ومن باب: النهي عن الجلوس على القبور والصلاة إليها
(قوله: ((لا تُصلُّوا إلى القبور))) أي: لا تتَّخذوها قبلةً، وهذا مثل ما قدَّمناه
في النهي عن اتخاذ قبره مسجداً، وفي ذمّ اليهود بما فعلوا من ذلك، وكلُّ ذلك
لقطع الذَّريعة أن يعتقدَ الجهَّالُ في الصلاة إليها أو عليها الصَّلاة لها، فيؤدِّي إلى
عبادة مَن فيها، كما كان السببُ في عبادة الأصنام.

٦٢٩
(٨) كتاب الجنائز - (١٨) باب: الصلاة على الميت في المسجد
(١٨) باب
الصلاة على الميت في المسجد
[٨٣٩] عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: لمَّا تُؤُنِّي سعدُ بن أبي وقَّاص أرسلَ
[(١٨) ومن باب: الصلاة على الميت في المسجد](١)
إنكارُ الناس إدخال الميت في المسجد يدلُّ: على أنَّ العملَ المستمرَّ كان
على خلافِ ذلك، وأن الصلاةَ على سُهيل وأخيه في المسجد إما منسوخٌ كما قاله
الطّحاوي، وأنَّ التركَ آخرُ الفعلين، وإما أن يكون خاصّاً بهما، وهذا العملُ هو
مُتَمَسَّكُ مَنْ مَنَعَ ذلك، وما تقدَّم من خروج النَّبِيِّ ◌َ ﴿ للصلاة على النجاشي من
المسجد، وهم جماعةٌ منهم: مالك في المشهور عنه، وبعض أصحابه،
وأبو حنيفة، وابن أبي ذئب، والطحاوي. وقد دلَّ على المنع أيضاً: ما خرَّجه
أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن صلَّى على جنازةٍ في المسجد فلا شيءً
له))(٢)، وفي إسناده صالح مولى التوأمة، وكان قد اختلط حديثُه بأخرة، فقال مالك
فيه: ليس بثقة. وقال فيه غيره: حديثُه قبل الاختلاط صحيح، وهذا الحديثُ مما
رواه عنه ابنُ أبي ذئب قبل الاختلاط، على ما قاله أبو أحمد بن عدي وغيره من
أئمة المحدِّثين. وقد اعتضد المانع أيضاً: بأن الميتَ نجسٌ فلا يُدْخَل المسجد.
وقد اختلفَ في نجاسة الميت قولُ مالك، والشافعي، وأصحابهما. وقال الاختلاف في
بعضُ المتأخرين: الخلافُ إنما يصحُّ في المسلمين لا الكافرين، فإنهم متَّفقون نجاسة الميت
على تنجيس الميت منهم، وهذا القول حسن؛ لأنه قد تقرَّر الإجماع: على أنَّ
الموتَ بغير زكاة سببُ التنجيس فيما له نفس سائلةٌ مطلقاً. وهذا يقتضي تنجيس
(١) العنوان ساقط من الشرح، واستدرك من التلخيص.
(٢) رواه أبو داود (٣١٩١)، وابن ماجه (١٥١٧).

٦٣٠
(٨) كتاب الجنائز - (١٨) باب: الصلاة على الميت في المسجد
أزواجُ النبيِّ وَ﴿ أَنْ يَمُرُّوا بجنازتهِ في المسجدِ فَيُصَلِّينَ عليه، ففعلُوا،
الميت المسلم، إلا أنه قد صحّ عنه وَ﴿ أنه قال: ((إنَّ المؤمنَ لا يَنْجَسُ))(١) فهل
يحمل هذا على أنه لا ينجس حياً ولا ميتاً، فيستثنى تلك القاعدة الكلية؟ أو
يحمل: على أنه لا ينجس ما دام حياً، وهو الذي خرج عليه الحديث، وتحمل
تلك القاعدة الكلية على أصلها، ويبقى الكافرُ على أصل القاعدة، وإنما الخلافُ
في نجاسة عين الكافر في حال حياته، فقال بنجاسته: الشافعيُّ وغيره، مُتمسِّكاً
بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسَُّ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال مالك وغيره بطهارته
مُتمسِّكاً بنوع من القياس، وهو المسمَّى: بقياس العكس عند أصحابنا، وهو من
باب قياس الدَّلالة. تلخيصه أن يقال: لما كان الموتُ علَّةَ التنجيس شرعاً، لزم أن
تكون الحياةُ علةَ الطهارة شرعاً ضرورة عدم الواسطة بين التنجيس والطهارة. وقد
استدلَّ بعضُ أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ مَادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ
وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠]. وتقرير الججَّة فيهما فيه طولٌ، وموضعُه الفقه، وقد تأوَّلَ
أصحابُنا قولَه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] بأن معنى ذلك: أنهم
لا ينفكُّون عن النجاسة لعدم تحرُّزهم منها. ومنهم مَن حَمَله على معنى الذَّم.
حكم الصلاة
المسجد
ثم نرجعُ إلى أصلِ المسألة ونقول: لو سلَّمنا أن الميت المؤمنَ ليس بنجسِ،
على الميت في فلا ينبغي أن يدخلَ المسجد، لإمكان أن ينفصلَ منه شيءٌ من النجاسات، فيتلطّخ
المسجد، وقد تمسَّك مَن أجاز إدخالَ الميت في المسجد للصلاة عليه بما تمسكت
به عائشة رضي الله عنها، ورأوا: أنه حُكم متعدٍّ لغير سُهيل وأخيه، وتأوَّلوا
قولَهِ وَله: ((مَن صلَّى على جنازة في المسجد فلا شيءَ له)): على أنَّ معناه: فلا
شيء عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: عليها، وممن
ذهب إلى جواز ذلك الشافعيُّ في أحد قوليه، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من
(١) رواه أحمد (٢٣٥/٢ و٣٨٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)،
والترمذي (١٢١)، والنسائي (١٤٥/١)، وابن ماجه (٥٣٤).

٦٣١
(٨) كتاب الجنائز - (١٨) باب: الصلاة على الميت في المسجد
فوُقِفَ به على حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عليه: ثمَّ خُرجَ به من بابِ الجَنَائِزِ الذي كانَ
إلى المقاعدِ، فَبَلَغَهُنَّ أنَّ النَّاسَ عَابُوا ذلكَ، وقَالُوا: ما كانتِ الجَنَائِزُ يُدْخَلُ
بها المسجدَ، فبلغَ ذلك عائشةَ، فقالتْ: ما أسرعَ النَّاسَ إلى أنْ يَعِيبُوا مَا
لا عِلمَ لهم بهِ! عَابُوا علينا أن يُمَرَّ بِجَنَازَةٍ في المسجدِ، وما صَلَّى
رسولُ اللهِ وَّهِ على سُهَيْلِ بنِ بَيْضَاء إلَّ فِي جَوْف المسجدِ.
وفي روايةٍ، فقالتْ: واللهِ لقد صَلَّى رسولُ الله ◌ِوَّهِ على ابْنَي بَيْضَاء
في المسجدِ، سُهیْلٍ وأخِیه.
رواه أحمد (٧٩/٦)، ومسلم (٩٧٣) (١٠٠ و١٠١)، وأبو داود
(٣١٨٩ و٣١٩٠)، والترمذي (١٠٣٣)، والنسائي (٦٨/٤).
أصحابنا، والقاضي إسماعيل. قال أبو عمر: ورواه المدنيون عن مالك. ويعتضدُ
هؤلاء بأن عمر بن الخطاب إنما صُلِّي عليه في المسجد؛ على ما ذكره مالكٌ عن
ابن عمر. وأما صلاة المصلِّي في المسجد على الجنازة: فأجازها مالكٌ إذا ضاق
الموضعُ واتصلتِ الصُّفوف، وكرهه مع عَدَم ذلك. ومستندها خروجُ النَّبِي ◌ِّل
والناسُ من المسجد للصلاة على النجاشي، كما تقدَّم.
و (قولها: فَوُقف به على حُجَرِهن يُصلِين عليه) أي: يَدْعُون له، وهذا بَعْدَ
أن صُلِّي عليه الصلاة الجامعة. [ويحتملُ أن تكون هذه الصلاة هي الصلاة
الجامعة](١) ويكون معنى قوله: فَوُقِف به على حُجَرِهن على هذا، أي: حُبِس
بين حُجَرِهن حتى يجتمعَ الناسُ للصلاة عليه؛ فيصلِين عليه في جُمْلة الناس، والله
تعالى أعلم.
(١) ساقط من (هـ).

٦٣٢
(٨) كتاب الجنائز - (١٩) باب: زيارة القبور، والتسليم عليها
(١٩) باب
زيارة القبور، والتسليم عليها،
والدعاء والاستغفار للموتى
[٨٤٠] عن بُريدةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((نَهيتُكُم عَن زِيَارةِ
القُبُورِ فَزُورُوهَا، ونهيتكم عن لُحُوم الأضَاحِي فَوْقَ ثلاثٍ فَأَمسِكُوا مَا بَدا
لكم، ونهيتُكم عن الشَّيذِ إلا في سِقَاءٍ، فاشربوا في الأسقِيَة كُلُّها، ولا
تشربُوا مُسْكِراً».
رواه أحمد (٣٥٠/٥)، ومسلم (٩٧٧)، والنسائي (٣١٠/٨ -
[٨٤١] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: زارَ رسولُ اللهِوَهِ قَبْرَ أُمَّه فَكَى،
٣١١).
قلتُ: وظاهره أنهن صلَّین علیه صلاةً أخرى، وفيه دليل(١) لمن قال بجواز
بإعادة الصلاة على الميت كما تقدَّم.
(١٩) ومن باب: زيارة القبور
(قوله: ((فزوروها))) نصٌّ في النَّسخ للمنع المتقدم، لكن اختلف العلماءُ: هل
هذا النسخُ عامٌ للرجال وللنِّساء، أم هو خاص للرجال دون النِّساء(٢)؟ والأول
أظهر. وقد دلَّ على صحة ذلك: أنه وَ له قد رأى امرأةً تبكي عند قبرٍ فلم ينكر عليها
الزيارة؛ وإنما أنكر عليها البكاء، كما تقدم.
(١)) في (هـ) و (ظ): حجة.
(٢)) في (هـ): أم هو خاص بالرجال، وبقي حكم النساء على المنع.

٦٣٣
(٨) كتاب الجنائز - (١٩) باب: زيارة القبور، والتسليم عليها
فَأَبْكَىْ مَنْ حولَه، فقالَ: ((استأذنتُ رَبِّي في أَنْ أستغفرَ لَها فلم يُؤذنْ لي،
واسْتَأْذَنْتُهُ في أَنْ أَزُورَ قَبَرَها فَأُذِنَ لي، فَزُورُوا القُبُورَ؛ فإنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ)).
رواه أحمد (١٤١/٢)، ومسلم (٩٧٦) (١٠٨)، وأبو داود
(٣٢٣٤)، والنسائي (٩٠/٤)، وابن ماجه (١٥٧٢).
و (قوله في الحديث الآتي: ((زوروا القبور فإنها تُذكِّر الموت))) وتذكُّر
الموتِ يحتاجُ إليه الرجالُ والنساء، على أنَّ أصحَّ ما في نهي النساء عن زيارة
القبور ما خرَّجه الترمذيُّ عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّر ((لعن زوَّارات
القبور))(١). صحَّحه الترمذي، على أن في إسناده عمر بن أبي سلمة، وهو ضعيف
عندهم. ثم إن هذا اللعنَ إنما هو للمُكْثِرات من الزيارة؛ لأن زوَّارات للمبالغة،
ويمكن أن يقال: إن النساءَ إنما يُمنعن من إكثار الزِّيارة؛ لما يؤدِّي إليه الإكثار من
تضييع حُقُوق الزوج، والتبرج، والشهرة، والتشبُّه بمن يلازم القبور لتعظيمها،
ولِما يُخافُ عليها من الصُّراخ، وغير ذلك من المفاسد. وعلى هذا يُفْرَّق بين
الزائرات والزوارات. والصحيح نَسْخُ المنع، عن الرجال والنساء، كما تقدَّم، والله
تعالى أعلم.
وسيأتي القولُ على نَسْخِ مَنْع ادِّخار لحوم الأضاحي، ومَنْع الانتباذ في الحنتم
والدُّبَّاء والمزفت في بابهما.
وقد زاد مالك في هذا الحديث: ((لا تقولوا هجراً))(٢) وهو الفحشُ من
القول، كالنَّوح والترثُم به وغير ذلك، وبكاؤه ◌َّ على قبر أمه، إنما كان لما فاتها من
أيامه، ومِن الإيمان به.
و (قوله: ((فاستأذنتُه في أن أستغفر لها، فلم يؤذنْ لي)) يحتملُ أن يكونَ هذا
(١) رواه الترمذي (١٠٥٦).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٤٨٥/٢)، والحاكم (٣٧٦/١).

٦٣٤
(٨) كتاب الجنائز - (١٩) باب: زيارة القبور، والتسليم عليها
[٨٤٢] وعن عائشة: ألا أُحدِّثُكُم عنِّي وعن رسولِ الله وَّهِ؟ قُلْنا:
بلى. قالتْ: لمَّا كانتْ لَيْلَتِي التي كانَ النبيُّ وَّ فيها عِندي انقلبَ فَوَضَعَ
رِداءَه، وخَلَعَ نَعْلَيْهِ فوضعَهما عند رِجْلَيْه، وبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ على فِرَاشِه
فاضطَجَعَ فلم يَلْبث إلَّا رِيْثَمَا ظَنَّ أنْ قد رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِداءَهُ رُوَيْداً، وانتعلَ
رُوَيْداً، وفتحَ البابَ رُوَيْداً فخرجَ، ثم أجَافَهُ رُوَيْداً، فجعلتُ دِرْعِي في
رَأْسِي، واخْتَمَرْتُ، وتقتَّعْتُ إِزَارِي، ثم انْطَلقْتُ على إثْرِهِ، حتَّى جَاءَ البَقِيعَ
فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثم رفعَ يَدِيْه ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم انحَرَفَ فانحرَفْتُ، فَأَسْرَعَ
وأسرعتُ فهَرْوَل فَهَرْوَلتُ، فأحضرَ فأحضرْتُ، فسَبَقتُه فدخلتُ، فليسَ إلّا
الاستئذانُ قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا
لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ﴾ [التوبة: ١١٣] ويحتملُ أن يكون بعد ذلك؛
وارتجى خصوصية أمِّه بذلك، والله تعالى أعلم. وهذا التأويلُ الثاني أولى.
و (قول عائشة: فلم يلبثْ إلا ريثما ظنَّ أني قد رقدت) أي: مقدار ذلك،
و (رويداً) أي: مترفقاً متمهلاً؛ لئلا ينبهها، وهو مصدرٌ في موضع الحال.
و (قولها: ثم أجافه رويداً) أي: أغلقه بلطف؛ لئلا تعلمَ بخروجه وبقائها
في الليل وحدها فتستوحشَ وتُذْعر، وظاهِرُ خروجها خَلْفه إنما كان لأنها ظنّتْ
خروجه إلى بعض أزواجه.
و (البقيع): هو بقيع الغرقد. [وهو مدفنُ أهل المدينة](١)، والغرقد: شجر
العوسج. ومعنى: انحرف: مال للرجوع، والهرولة: فوق الإسراع، والإحضار:
فوق الهرولة. وكلُّها مراتبُ الجري.
(١) ساقط من (هـ).

٦٣٥
(٨) كتاب الجنائز - (١٩) باب: زيارة القبور، والتسليم عليها
أنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ فقال: ((مَا لَكِ؟ يا عَائِشُ حَشْيَا رَابيةً)) قالتْ: قلتُ:
لا بِي شيءٌ. قالَ: ((أتُخبِرِيني؟ أو ليُخْبِرَنِّ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)) قالتْ: قلتُ:
يا رسولَ الله! بأبي أنتَ وأُمِّي، فَأَخْبَرْتُه. قَالَ: ((فَأَنْتِ السَّوَادُ الذي رأيتُه
أَمَامِي؟)) قلتُ: نعم. فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي، ثم قال: ((أَظَنَنْتِ
أنْ يَحِيفَ اللهُ عليكِ ورسولُه؟)) قالت: مهما يَكْتُمُ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ. قال
رسولُ اللهِ وَاحِ: ((فإنَّ جبريل عليه السلام - أَتَانِي حَيَنَ رَأَيْتِ فَنَادَاني، فَأَخْفَاهُ
منكِ، فأجبتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ. ولم يكنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ،
وظَتَنْت أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فكرهتُ أن أُوقِظَكِ، وَخَشيتُ أن تَسْتَوحِشي. فقَالَ:
إِنَّ رَيَّك يَأْمُرُكَ أنْ تأتيَ أهلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُم)). قالتْ: قلتُ: كيف أقُولُ
و (قوله: ((ما لك يا عائش حشيا رابيةً))) عائش: منادى مرخم: وحشيا
رابيةً: وقع بها الربو، وهو البهر الذي يلحق من الجري. قال الهروي: يقال منه:
امرأة حشیا، وحشية، ورجل حشیان، وحَشٍ.
و (قولها في جوابها: لابي شيءٌ) قيَّد الأسدي هذا الحرفَ: لأيِّ شيء؟،
بالياء باثنتين. وخفض شيء على الاستفهام تغطيةً لحالها، كأنها تقولُ: لأيِّ شيء
تسأل؟ ورواه العذري: ((لا بي شيءٌ)) بالباء الواحدة، ورفع شيء، على أن تكون
لا بمعنى ليس، أي: ليس بي شيء، وهي روايتنا، وفي بعض النُّسخ: لا شيء. وهي
أقربُها، و (السواد): الشخص. و (لهدني): ضربني ودفعني قال ابنُ القوطية:
لهدته لهداً: دفعتُه، وألهدت به: قصرت به.
و (قوله: ((أظننتِ أن يحيفَ اللهُ عليك ورسولُه؟))) أي: يجور، وهذا يؤيِّدُ
أنها ظنَّتْ أن قد سار إلی بعضٍ أهله.
و (قوله: ((أُمرت أن آتيَ أهلَ البقيع وأستغفرَ لهم))) يدلُّ على أنَّه دعا لأهل
البقيع، واستغفر، وأنَّ هذا هو الذي عبّر عنه في الرواية الأخرى: يصلي، وقد

٦٣٦
(٨) كتاب الجنائز - (١٩) باب: زيارة القبور، والتسليم عليها
لَهُم؟ يا رَسُول اللهِ! قال: ((قُولي السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِن المؤمنينَ
والمُسلمينَ، وَيَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا والمستَأْخِرِينَ، وإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بكم
للاحقون».
قيل: إنه صلَّى عليهم صلاته على الجنازة، ويؤيِّد هذا القول: أنه قد جاء في
حديث مالك: ((فأصلِّي عليهم)).
وقولها: فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرار) ثم الذي يقول بهذا
يرى: أنّ ذلك خصوصٌ بالنبيِّ وَّرِ. والأول أظهر، وهذا محتمل.
السلام على
الأموات
و (قوله: ((السلامُ على أهل الدِّيار من المؤمنين والمسلمين))) هذا يدلُّ: على
أن السلامَ على الموتى كالسَّلام على الأحياء، خلافاً لمن قال: إنَّ تحيةَ الميت:
عليك السلام، بتقديم عليك السلام، تمشُّكاً بما روي: أنَّ النبيَّ ◌ََّ سلَّم رجلٌ
عليه فقال: عليك السلام يا رسول الله! فقال: ((لا تقل: عليك السلام؛ فإنَّ عليك
السلام تحية الميت))(١). وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه و ﴿ إنما كره منه أن يبدأ بعليك
السلام؛ لأنه كذلك كانت تحيةُ الجاهلية للموتى؛ كما قال شاعرهم:
عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ قيسَ بِنَ عاصمٍ
وَرَحْمَتُهَ مَا شاءَ أَنْ يَتَرَكَّما
ومقصوده وَله: أنَّ سلامَ المؤمنين(٢) على الأحياء والموتى مخالفٌ لما كانت
الجاهليةُ تفعله وتقوله. واللهُ أعلم.
وقد تقدَّم قولُه: ((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) في الطهارة. وفي إسناد هذا
الحديث قال ابن جريج: أخبرني عبد الله رجل من قريش، عن محمد بن قيس بن
(١) رواه أحمد (٦٣/٥)، وأبو داود (٤٠٨٤)، والترمذي (٢٧٢١)، وابن حبان (٥٢٢).
(٢) في (ع): المسلمين.

٦٣٧
(٨) كتاب الجنائز - (٢٠) باب: من لا يُصلَّى عليه
وفي رواية: ((أَسْأَلُ الله لنا ولكم العافية)).
رواه أحمد (٢٢١/٦)، ومسلم (٩٧٤) ١٠٣ و (٩٧٥)، والنسائي
(٧٢/٧ - ٧٣)، وابن ماجه (١٥٤٦) مختصراً.
(٢٠) باب
من لا يصلى عليه
[٨٤٣] عن جابرٍ بن سَمُرة، قال: أَتِيَ النبيُّ وَّهُ بِرَجُلِ قَتَلَ نفسَه
بِمَشَاقِصَ، فلم يُصَلِّ عليه.
رواه مسلم (٩٧٨)، والترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (٦٦/٤).
مخرمة، هذا الرجل هو عبد الله بن أبي مليكة على ما قاله النَّسائي، وأبو نعيم
الجرجاني، وأبوبكر، وأبو عبد الله الجيزي. وقال الدارقطني: هو عبد الله بن
كثير بن المطلب بن أبي وداعة السّهمي.
(٢٠) ومن باب: من لا يُصَلَّى عليه
(قوله: قتل نفسه بمشاقص) هكذا صحيحُ الرواية فيه، وهو جمع مشقص،
وهو السكين، على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب الإيمان، وقد رواه الطبري:
بمشقاص، بألف، وليس بشيء، وصوابه: مشقص.
ولعل هذا القائلَ لنفسه كان مستحِلّاً لقتل نفسه فمات كافراً، فلم يُصَلِّ عليه لا يُصلَّى عليهم
لذلك، وأمَّا المسلمُ القاتلُ لنفسه فَيُصلَّى عليه عند كافَّة العلماء. وكذلك المقتول بعد الموت
ذكر من

٦٣٨
(٨) كتاب الجنائز - (٢٠) باب: من لا يُصلّى عليه
[٨٤٤] وعن ابن عمرَ، قالَ: لما تُؤُنِّيَ عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلول،
جاءَ ابنُه عبدُ الله بن عبدِ الله إلى رسولِ اللهِ وَّ﴿ فسألَه أنْ يُعطيَه قميصَه،
في حدٍّ أو قصاص، ومرتكب الكبائر وولد الزنى، غير أنَّ أهلَ الفضل يجتنبون
الصلاة على المبتدعة والبغاة، وأصحاب الكبائر، رَدْعاً لأمثالهم، ويجتنب الإمامُ
خاصةً الصلاةَ على مَن قتله في حدٍّ. وحُكي عن بعض السلف خلافٌ في بعض
صورٍ. فعن الزهري: لا يُصلَّى على المرجوم ويُصلَّى على المقتول في قود. وقال
أحمد: لا يُصلِّي الإمامُ على قاتل نفس، ولا غالٌ. وقال أبو حنيفة: لا يُصلَّى على
محارب، ولا على مَن قُتِل من الفئة الباغية، وقال الشافعي: لا يُصلَّى على من
ترك الصلاةَ إذا قُتِل، ويُصلَّى على مَن سواه. وعن الحسن: لا يُصلَّى على النُّفساء
تموت مِن زنى، ولا على ولدها. وقاله قتادة في ولد الزنى. وعن بعض السَّلف
خلافٌ في الصلاة على الطفل الصغير؛ لِما جاء: أنَّ النبيَّ وَِّ لم يُصلِّ على إبراهيم
ابنه(١). وقد جاء عنه: أنه صلَّى عليه(٢). ذكر الحديثين أبو داود، وقد علَّل ترك
الصلاة عليه بعللٍ ضعيفة أشبهها: أنه لم يُصلِّ عليه هو بنفسه لِشُغْله بكسوف
الشمس، وصلَّى عليه غيرُه. واللهُ أعلم.
حكم الصلاة
على السَّقط
واختلفوا في الصَّلاة على السَّقط: فذهب بعضُ السلف، وفقهاءُ المحدِّثين:
إلى الصلاة عليه، والجمهورُ: على أنه لا يُصلَّى عليه، حتى يستهلَّ صارخاً، أو
تُعرف حياته. وقال بعضُ السلف: يُصلَّى عليه متى نُفِخ فيه الروح، وتمَّت له أربعةُ
أشهر، وأما المقتولُ في معترك العدو: فلا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه عند مالك.
ويفعل ذلك به عند غيره، وفرَّق أبو حنيفة بين الغُسُل والصلاة، فأثبتها، وأسقطه.
واختلف أصحابُنا لو كان الشهيدُ جُنُباً؛ هل يُغَسَّل أم لا؟ قولان.
حکم الشهید
وعبد الله بن أبي ابن سَلُول هو عبد الله بن أُبيّ بن مالك، وسلول: أم
التعريف بعبد الله
أبن أُبيِّ وابنه
(١) رواه أبو داود (٣١٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) رواه أبو داود (٣١٨٨).

٦٣٩
(٨) كتاب الجنائز - (٢٠) باب: من لا يُصلّى عليه
يُكَفِّنُ فيه أبَاه، فأعطاه، ثم سألَه أنْ يُصَلِّي عليه، فقامَ رسولُ الله وَّهِ لِيُصَلِّي
عليه، فقامَ عمرُ وأخذَ بثوبٍ رسولِ الله وَّهِ، فقالَ: يا رسولَ الله! أَتُّصلِّي
عليه وقد نهاكَ الله أَن تُصَلِّي عليه؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنما خَيَّرْنِي اللهُ
أبي قتادة، ينسب أبيُّ إليها، وتارة إلى أبيه مالك، وكان عبدُ الله هذا سيدَ الخزرج
في آخر جاهليتهم، فلما ظهرَ النبيُّ ◌َ ﴿ِ، وانصرف الخزرجُ وغيرهم إليه، حَسَدَه
عبدُ الله، وناصَبَهُ العداوة، غير أنَّ الإسلامَ غلبه فنافَق، وكان رأساً في المنافقين،
وهو أعظمهم نفاقاً، وأشدُّهم كُفْراً، وكان المنافقون خَلْقاً كثيراً، حتى لقد روي
عن ابن عباس: أنهم كانوا ثلاثمئة رجل، ومئة وسبعين امرأةً، وكان لعبد الله هذا
ولدٌ اسمه: عبد الله، هو من فُضَلاء أصحاب رسول الله وَّهِ، ومن أَصْدَقهم
إسلاماً، وأكثرهم عبادة، وأشرحهم صَدْراً، رضي الله عنه، وكان أبرّ الناس بأبيه هذا.
ومع ذلك؛ فقال يوماً لرسول الله وَله: يا رسول الله! إنك لتعلمُ أَنِّي من أبرِّ الناس بأبي،
ولكن إن أمرتني أن آتيك برأسه فعلت، فقال له رسولُ اللهِ وَالتِ: ((بل نعفو عنه))(١).
فكان من أحرص الناس على إسلام أبيه، وعلى أن ينتفعَ أبوه من بركات
رسول اللهِ وَ﴿ بشيء، ولذلك لما ماتَ سأل ابنُه النبيَّ وَ ◌ّهِ أن يعطيَه قميصَه ليكفّنه
فيه؛ لينال من بركة رسولِ اللهِوَله، فأعطاه رسولُ اللهِ وَّهِ قميصَه، وسأله أن يُصلِّي
عليه فصلّى عليه. كلُّ ذلك إكرامٌ لابنه، وإسعافٌ له في طلبته(٢). وقد رُوي أيضاً:
أن النبيَّ وَّه إنما أعطاه قميصَه؛ لأنَّ عبدَ الله كان قد أعطى العباس عمَّ النبي ◌َّ
يوم بدر قميصاً، وذلك: أنَّ العباسَ أُسِر يوم بدر وسُلِب، فمرَّ به عبد الله فأعطاه
قميصه، فکافأه النبيُّ ټ بذلك.
و (قول عمر - رضي الله عنه - في هذا الحديث: أَتُصَلِّي عليه وقد نهاك اللهُ أن موقف عمر من
تُصلِّي عليه؟) يحتملُ أن يقال: كان هذا قبل نُزول قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَ أَحَدٍ صلاتهَُِّ على
عبد الله بن أبيّ
(١) ذكره ابن هشام في السيرة (٢٩٣/٢). وانظر: فتح الباري (٨/ ٦٥٠).
(٢) حديث صلاة رسول الله وَ﴿ على ابن أبي بن سلول، وَرَدَ في صحيح مسلم برقم
(٢٥/٢٤٠٠).

٦٤٠
(٨) كتاب الجنائز - (٢٠) باب: من لا يُصلّى عليه
فقالَ: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ... ﴾
[التوبة: ٨٠] وسأزيدُ على سبعينَ. قالَ: إِنَّه منافقٌ. فصَلَّى عليه
رسولُ اللهِ وَ﴿، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى
قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ويظهر من هذا المساق: أنَّ عمر - رضي الله عنه - وقع
له في خاطره أنَّ الله نهاه عن الصَّلاة عليه قبل نزول الآية، ويكون هذا من قبيل
الإلهام والتَّحديث(١) الذي شهد له به النبي ◌َّه ويحتملُ أن يكونَ فَهِم ذلك من
سياق قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وهذان التأويلان
فيهما بُعْد، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم -: أنَّ البخاريّ ذكر هذا الحديثَ من
رواية ابن عباس، وساقه سياقةً هي أتقنُ من هذه، وليس فيها هذا اللفظ، فقال عنه
عن عمر: لما مات عبد الله بن أُبيّ ابن سلول دُعي له رسولُ الله ◌َِّ ليصلِّيَ عليه،
فلما قام رسولُ اللهِوَ﴿ه قال عمر: وَثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول الله! أَتَّصَلِّي على ابن
أبيِّ؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا - أُعدِّد عليه - قال: فتبسَّم رسولُ اللهِ وَطِّ، وقال:
((أخُّر عنِّي)) فلمَّا أكثرتُ عليه قال: ((إني خُيِّرتُ فاخترتُ، لو أنِّي أعلمُ أنّي إن زدتُ
على السَّبعين يغفرُ له لزدتُ عليها)) قال: فصلَّى عليه رسولُ الله وَلغز، ثم انصرف،
فلم يمكثْ إلا يسيراً حتى نزلتِ الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾
[التوبة: ٨٤]. قال: فعجبتُ بَعْدُ من جرأتي على رسول اللهِ))(٢). والله ورسوله
أعلم. قلت: وهذا مساقٌ حسن، وترتيب متقن، ليس فيه شيء من الإشكال
المتقدِّم، فهو الأولى.
و (قوله وَله: ((سأزيدُ على السَّبعين))) وَعْدٌ بالزيادة، وهو مخالفٌ لما في
(١) رواه البخاري (٤٦٧١).
(٢)) رواه البخاري (٤٦٧٦)، ومسلم (٢٤)، والنسائي (٩٠/٤ و٩١) من حديث
المسيب بن حزن رضي الله عنه.