النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
(٨) كتاب الجنائز - (٨) باب: في تكفين الميت وتسجيته
[٨١١] وعن جابرٍ بن عبدِ اللهِ، أَنَّ النبيَّ ◌َهِ خَطَبَ يَوماً، فذَكَرَ
رجُلاً من أصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ في كَفَنٍ غيرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلاً، فَزَجَرَ
النبيَُّ﴿ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجلُ باللَّيلِ حتَّى يُصَلَّى عليه، إلّا أنْ يُضْطَرَّ إنسانٌ إلى
(حلة)) وإضافتها. واختلف في القميص الذي غُسِّل فيه النبيُّ ◌َ ﴿ الذي نُهُوا عن
نزعه(١). فقال بعضُ العلماء: أنه نُزع عنه حين كُفِّن، وسُتِرِ بالأكفان؛ لأنَّه كان
مبلولاً، ولا يتَّفْقُ تكفينُه فيه كذلك. قد ذكر أبو داود عن ابن عبَّاس: كفِّن النبيُّ لَه
في ثلاثة أثوابٍ نجرانية(٢): الحلةُ: ثوبان، وقميصه الذي مات فيه(٣). وهذا
مخالفٌ لحديث عائشة - رضي الله عنها - المتقدم. وقد نصَّت على: أنه لم يُكفَّن
في الحلة. و (قولها: ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ) محتملٌ لما ذكرناه، والله أعلم.
و (قوله: ((في كفن غير طائلٍ))) أي: لا خَطَر له ولا قيمة، أو لا ستر فيه ولا
كفاية، أو لا نظافةً له ولا نقاوة.
و (قوله: زَجَر النبيُّ : ﴿ أن يُقبر الرجلُ بالليل) أَخَذَ به الحسن؛ فكره أن حكم الدفن
يُقبر الرجلُ بالليل إلَّا لضرورةٍ. وذهب الجمهورُ إلى جواز ذلك. وكأنهم رأوا أنَّ بالليل
ذلك النهيَ خاصٌّ بذلك الرجل لئلا تفوته صلاةُ النَّبِيِّنَّهِ. وقيل: يمكنُ أن
يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير طائل. قال الشيخ - رحمه الله -:
وهذه التأويلات فيها بُعْدٌ، ولا تصلحُ لدفع ذلك الظاهر؛ لأنَّ النبي ◌َّ إنما صدر
عنه النهيُ المطلقُ بعد دَفْن الرجل بالليل. فقد تناول النهيُ غيره قطعاً، فتأمله.
ويمكن أن يُعْضَدَ مذهبُ الحسن بأنَّه: إن قُبِر ليلاً قلَّ المصلُّون عليه؛ لأنَّ عادةَ
(١) انظر: البداية والنهاية (٢٦٠/٥) طبعة المعارف، بيروت. وأبو داود (٣١٤١)،
والموطأ: جنائز: ٢٧ .
(٢) من سنن أبي داود.
(٣) رواه أبو داود (٣١٥٣).

٦٠٢
(٨) كتاب الجنائز - (٩) باب: الإسراع بالجنازة
ذلكَ، وقالَ النبيُّ وَّهِ: ((إذا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أَخَاه فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ».
رواه أحمد (٢٩٥/٣ و٣٢٩)، ومسلم (٩٤٣)، وأبو داود
(٣١٥٠)، والترمذي (٩٩٥).
(٩) باب
الإسراع بالجنازة، وفضل الصلاة عليها، واتباعها
[٨١٢] عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((أَسْرِعُوا بالجَنَازة، فإنْ تَكُ
صالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَها إليهِ، وإنْ تكُ غَيْرَ ذلكَ فَشَرٍّ تَضَعُونَه عن رِقَابِكم)).
رواه أحمد (٢٢٠/٢) والبخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) (٥٠)،
وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي (٤٨/٤)، وابن ماجه
(١٤٧٧).
الناس في الليل ملازمةُ بيوتهم، ولا يتصرَّفون فيه، ولأنه إذا قُبِر ليلاً تُسومح في
الكفن؛ لأنَّ الليلَ يستره. ودلَّ على صحته قولُهُ وَلَه في آخره: ((إذا كفّن أحدُكم
أخاه فليُحَسِّنَ كفْنه)» ضبطه أبو بحر: كفْنه، بسكون الفاء. وغيره: بفتحها. يعني:
الكفن نفسه. وهو الأولى، والله أعلم.
(٩) ومن باب: الإسراع بالجنازة
(قوله وَلير: ((أسْرعوا بالجنازة))) أي: أسرعوا بحملها إلى قبرها في مشيكم.
يدلُّ عليه قولُه في آخره: ((فخيرٌ تقدمونها إليه، أو شرّ تضعونه عن رقابكم)).
وقيل: يعني به: الإسراع بتجهيزها بعد موتها لئلا تتغيّر. قال الشيخ - رحمه الله -:

٦٠٣
(٨) كتاب الجنائز - (٩) باب: الإسراع بالجنازة
[٨١٣] وعنه، عن النبيِّ لَ ﴿ قَالَ: ((مَنْ صلَّى على جَنَازةٍ ولم يَتْبَعْها
فَلَهَ قِيراطٌ، فإن تَبِعَها فله قيراطَانِ)) قيلَ: وما القِيراطَ؟ قالَ: أَصْغَرُهُما مثلُ
أُحُدٍ».
رواه أحمد (٤٧٠/٢)، والبخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥)(٥٣)،
وأبو داود (٣١٦٨)، والترمذي (١٠٤٠)، والنسائي (٧٦/٤ - ٧٧)،
وابن ماجه (١٥١٧).
والأول أظهرُ. ثم لا يبعدُ أن يكون كلُّ واحدٍ منهما مطلوباً؛ إذ مقتضاه: مطلقٌ
الإسراع. فإنه لم يقيِّدْه بقيد. والله أعلم. ثم على الأول: فذلك الإسراع يكون في
رفقٍ ولطفٍ؛ فإنه إن لم يكن كذلك تعب المتبع، ولعلَّه يضعفُ عن كمال الاتباع،
وانخرقت حرمةُ الميت لكثرة تحريكه، وربما يكون ذلك سببَ خروج شيءٍ منه،
فيتلطخ به، فيكون ذلك نقيضُ المقصود الذي هو النظافة. ومقصودُ الحديث: أَلَّا
يُتباطأ في حَمْله بالمشي، فيؤخَّر عن خير يَقْدَمُ به عليه. أو يستكثر من حمل الشرِّ
إن كان من أهله. ولأنَّ المبطىءَ في مشيه يخاف عليه الزهو والتكبر، وهذا قول
الجمهور.
وقد تضمَّن هذا الحديث: الأمرَ بحمل الميت إلى قبره. وهو واجبٌ على
الکفایة إن لم یکن له مال یحملُ منه.
و ((الجنازة)): بفتح الجيم وكسرها: لغتان للميت، والكسر أفصح. قاله
القتبي. وقال أبو علي: بالكسر: السّرير الذي يُحمل عليه الميت. قال ابنُ درید:
جنزت الشيء: سترته. ومنه: سمى الميت جنازة؛ لأنه يُستر. وعن ابن الأعرابي:
الفتح: للميت، والكسر للنعش.
و ((القيراط)): اسم لمقدارٍ معلوم في العرف، وهو جزءٌ من أربعةٍ وعشرين

٦٠٤
(٨) كتاب الجنائز - (٩) باب: الإسراع بالجنازة
[٨١٤] وعن سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، أنَّه كانَ قَاعِداً عندَ عبدِ اللهِ بن
عمرَ، إذْ طَلَعَ خبَّابٌ صَاحِبُ المَقْصُورة، فقال: يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ، ألا
تَسْمَعُ ما يَقُول أبُو هُرَيْرَة، إنّه سَمِعَ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ: ((مَنْ خَرَجَ مع
جَنَازَةٍ من بَيْتِها وَصَلَّى عليهَا، ثُمَّ تَبِعَها حتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيِرَاطَانِ من
الأجْرِ، كلُّ قِيرَاطٍ مِثلُ أُحُدٍ، ومَنْ صَلَّى عليها ثم رَجَعَ كانَ له مِن الأَجْرِ
مِثْلُ أُحُد)) فَأَرْسَلَ ابنُ عمرَ خَبَّاباً إلى عائشةَ يسألُها عن قولِ أبي هُريرةَ، ثم
يرجعُ إليه فيخبرُهُ ما قالَتْ، وأخذَ ابنُ عمرَ قَبْضَةً من حَصْباءِ المَسْجِدِ يُقَلِبُها
فِي يَدِهِ، حتَّى رجعَ إليه الرسولُ فقالَ: قالتْ عائِشةُ: صَدَقَ أبو هريرةَ،
فَضَرَبَ ابنُ عمرَ بالحَصَى الذي كانَ في يَدِهِ الأرضَ ثم قالَ: لقد فرَّطْنَا في
قَرارِيطٌ كَثِيرةٍ.
رواه مسلم (٩٤٥) (٥٦)، وأبو دود (٣١٦٩).
جزءاً. وقد يُراد به: الجزء مطلقاً. ويكون عبارةً عن الحظّ والنَّصيب، ألا ترى أنه
قال: ((كلُّ قيراطٍ مثل أحد))؟ !.
فضل الصلاة
ومقصودُ هذا الحديث: أن من صلَّى على جنازةٍ كان له حظّ عظيم من
على الجَنازة الثَّواب والأجر. فإن صلَّى عليها واتَّبعها كان له حظّان عظيمان من ذلك؛ إذ قد
واتباعها
عمل عملين؛ أحدهما: صلاته. والثاني: كونه معه إلى أن يُدْفَن.

٦٠٥
(٨) كتاب الجنائز - (١٠) باب: الاستشفاع للميت
(١٠) باب
الاستشفاع للميت، وأن الثناء عليه شهادة له،
وأنه مستريح ومستراح منه
[٨١٥] عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((ما مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عليه أُمَّةٌ
مِنَ المسلمينَ يَبْلُغُونَ مئةً، كُلُّهم يَشْفَعُون له إلَّا شُفِّعُوا فيه)).
رواه أحمد (٣٢/٦ و٤٠)، ومسلم (٩٤٧)، والترمذي (١٠٢٩)،
والنسائي (٤/ ٧٥ - ٧٦).
[٨١٦] وعن عبدِ الله بن عبَّاس أنَّه ماتَ ابنٌ له بِقُدَيْدٍ أو بِعُسْفَانَ،
فقالَ: يا كُرَيبُ انظرْ ما اجتَمَعَ له مِنَ النَّاس، قالَ: فَخَرَجْتُ فإذَا ناسٌ قد
اجتمعُوا له، فَأَخْبَرْتُه، فقالَ: تقولُ: هُّم أَرْبَعُونَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ:
أخْرِ جُوهُ؛ فإِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ له يقولُ: ((مَا مِن رجلٍ مُسلم يَمُوتُ
فيقومُ على جِنَازِتِهِ أربَعونَ رَجُلاً، لا يُشْركونَ باللهِ شيئاً إلا شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيه)).
رواه أحمد (٢٧٧/١)، ومسلم (٩٤٨)، وأبو داود (٣١٧٠)،
وابن ماجه (١٤٨٩).
(١٠) ومن باب: الاستشفاع للميت
(قوله وي جر: ((من صلّى عليه مئة من المسلمين شفعوا فيه))) وفي الحديث
الآخر: ((أربعون))، قيل: سَبَبُ هذا الاختلاف: اختلافُ السؤال، وذلك أنه سُئِل
مرَّةً عمَّن صلَّى عليه مئةٌ واستشفعوا له. فقال ((شُفِّعوا)). وسُئل مرة أخرى عمَّن
صلَّى عليه أربعون، فأجاب بذلك؛ ولو سُئل عن أقلّ من ذلك؛ لقال ذلك، والله
أعلم؛ إذ قد يُستجاب دعاءُ الواحد ويُقبل استشفاعُه. وقد رُوي عنه وَلِّ أنه قال:

٦٠٦
(٨) كتاب الجنائز - (١٠) باب: الاستشفاع للميت
[٨١٧] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: مُرَّ بجنازةٍ فَأَثْنِيَ عليها خيرٌ،
فقالَ نبِيُّ اللهِ نَّهِ: ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ))، ومُرَّ بجنازةٍ فَأَثْني عليها
شرٌّ، فقالَ نبِيُّ اللهَِّهِ: ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ)) فقالَ عمرُ: فِداكَ أبي
وأُمِّي مُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها خيرٌ فقلتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، ومُرَّ
بجنازةٍ فأُثْني عليها شرٌّ فقلتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ؟ فقالَ
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَثْنَيْتُم عليه خيراً وَجَبَتْ له الجَنَّةُ، ومَنْ أَثْنَيْتُم عليه شرّاً
وَجَبَتْ له النَّارُ وأنْتُم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ، أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ،
أَنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ)).
(من صلَّى عليه ثلاثةُ صفوف شَفَعُوا له))(١). ولعلهم يكونون أقلّ من أربعين.
و (قوله: ((أنتم شهداءُ الله في الأرض))) قال الداودي: معنى هذا عند
الفقهاء: إذا أثنى عليه أهلُ الفضل والصِّدْق؛ لأنَّ الفسقةَ قد يثنون على الفاسق،
فلا يدخل في الحديث. ولذلك لو كان القائلُ فيه عدوّاً له وإن كان فاضلاً؛ لأنَّ
شهادته له في حياته كانت غير مقبولةٍ له وعليه وإن كان عدلاً. وقيل: ذلك فيمن
علم اللهُ أنه لا يحمله الحسدُ والعداوة، أو فرط المحبة، وكثرةُ الإطراء، والغلوّ
المذموم، فيقول ما ليس فيه من خير أو شرٍ، ولكن إنما ذلك لمن وفَّق اللهُ له من
يقولُ قولاً عَذْلاً بما عَلِمه ممَّن يريدُ به الله، فيوجبُ اللهُ له ما قالاه. وهو الذي
وفَّقهما اللهُ له، وسبق له في عِلْمِه تعالى. وربَّما قبل علمهما وترك علمه من
سريرته، فلم يؤاخذْه به إذا كان مُسْلماً، تفضُّلاً منه تعالى، وستراً عليه، وتحقيقاً
لظنّهم. وقال بعضُهم: في تكرار ((أنتم شهداء الله في الأرض)) - ثلاثاً - إشارة إلى أنَّ
القرونَ الثلاثة الذين قال ◌َّهِ فيهم: ((خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
ثناء أهل
الفضل
والصدق
للمیت
(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٩٢٥٢) من حديث ميمونة.

٦٠٧
(٨) كتاب الجنائز - (١٠) باب: الاستشفاع للميت
رواه أحمد (١٨٦/٣ و٢٤٥)، والبخاري (٢٦٤٢)، ومسلم
(٩٤٩)، والنسائي (٤٩/٤ - ٥٠)، والترمذي (١٠٥٨)، وابن ماجه
(١٤٩١).
[٨١٨] وعن أبي قتادةَ بن رِبْعِيٍّ، عن النبيِّ بَِّ أنَّه مُرَّ عليه بجَنازةٍ
فقالَ: ((مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَراحٌ منه)) فقالوا: يا رسولَ الله! ما المُستريحُ
والمُستراحُ منه؟ فقالَ: ((العبدُ المؤمنُ يستريحُ من نَصَب الدُّنيا، والعَبْدُ
الفَاجِرُ تَسْتَريح منه العِبَادُ والبلادُ والشَّجرُ والذَّوابُ)).
يلونهم))(١). والأظهرُ فيه: التأكيدُ على ما تقرر من أنّه و ﴿ كان إذا تكلّم بكلمةٍ
أعادها ثلاثاً حتى تُفْهَمَ عنه](٢).
و(قوله ◌َّاقي: ((من أثنيتم عليه شراً وجبتْ له النار))) يشكل بالنهي عن سبِّ
الموتى، ولقوله: ((اذكروا محاسنَ موتاكم، وكُقُوا عن مساوئهم))(٣) وقد انفصلَ
عنه من أوجهٍ :
أحدها: أنَّ هذا الذي تُحُدِّث عنه بالشر كان مُستظهراً له ومشهوراً به، فيكون
ذلك من باب: ((لا غيبةَ لفاسق)) (٤).
(١) رواه البخاري (٣٦٥٠)، ومسلم (٢٥٣٥)، وأبو داود (٤٦٥٧)، والترمذي (٢٣٠٣)،
والنسائي (١٧/٧ - ١٨).
(٢) ساقط من (ع)، واستدرك من (هـ) و(ظ).
(٣) رواه أبو داود (٤٩٠٠)، والترمذي (١٠١٩)، والحاكم (٣٨٥/١) من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما.
(٤) انظره في كشف الخفاء (٣٦٦/٢).

٦٠٨
(٨) كتاب الجنائز - (١٠) باب: الاستشفاع للميت
وفي روايةٍ: ((يَستريحُ مِن أَذَى الدُّنيا ونَصبِها إلى رحمةِ الله)).
رواه أحمد (٢٩٦/٥ و٣٠٤)، والبخاري (٦٥١٢)، ومسلم
(٩٥٠)، والنسائي (٤٨/٤).
وثانيها: أنَّ محملَ النَّهي إنما هو فيما بعد الدَّفن، وأما قبله فمسوّغ؛ ليتعظَ
به الفسَّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفَضْل الصلاة على المعلن بالبِدَع والكبائر.
وثالثها: أنَّ الذي أثنى عليه الصحابةُ بالشَّر يحتملُ أن يكونَ من المنافقين
ظهرت عليه دلائلُ النفاق، فشهدتِ الصحابةُ بما ظَهَر لهم، ولذلك قال ◌َّ:
((وَجَبَتْ له النار)) والمسلمُ لا تجبُ له النار، وهذا هو مختارُ عِیاض.
ورابعها: أن يكونَ النهيُ عن سبِّ الموتى متأخِّراً عن هذا الحديث، فيكون
ناسِخاً.
والثناءُ: ممدود، مقدّم الثاء المثلثة على النون، إنما يقال في الخير غالباً،
والذي يقال في الشر: هو النثي، بتقديم النون وتأخير الثاء، والقصر، إلا أنَّ هذا
الحديثَ جاء في الثناء في الشر [لمطابقته للفظ](١) الثناء في الخير.
(١)) ساقط من (ع).

٦٠٩
(٨) كتاب الجنائز - (١١) باب: الأمر بالصلاة على الميت
(١١) باب
الأمر بالصلاة على الميت، وكيفية الصلاة عليه، وكم التكبيرات
[٨١٩] عن جابر بن عبدِ الله قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ أخاً لكم
قد ماتَ؛ فَقُومُوا فَصَلُّوا عليهِ)) قال: فقُمنَا، فصفَّنا صَفَّين، (يعني
النجاشي).
رواه أحمد (١٥٥/٣)، ومسلم (٩٥٢) (٦٦)، والنسائي (٤/ ٧٠).
(١١) ومن باب: الأمر بالصلاة على الميت
(قوله وَله: ((إنَّ أخاً لكم قد مات فقوموا فصلُّوا عليه))) دليلٌ على وجوب
الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهورُ من مذاهب العلماء: أنه واجبٌ على
الكفاية. ومن مذهب مالك، وقيل عنه: إنه سُنَّةٌ مُؤكَّدة. وقد استدلَّ عليه بقوله
تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾
[التوبة: ٨٤] وفي تقرير وجه الاحتجاج بهما طولٌ يُعرف في الفقه.
وهذا الميت هو النجاشي، ملك الحبشة؛ الذي هاجرَ إلى أرضه مَن هاجر
من الصَّحابة، واسمه: أصحمة، بهمزة، وصاد مهملة ساكنة، بعدها حاءٌ مفتوحة،
هكذا ذكره البخاري، وابنُ إسحاق. وفي مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث
تسميته: صَخمة، على وزن ركوة، بغير همزة، وبفتح الصاد، وسكون الحاء.
وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صمحة، كذا ذكره، بتقديم الميم بغير همز.
وأصحمة: عطية، بالعربية.
وقال جماعةٌ من اللغويين: النجاشي: اسمٌ لكلِّ ملك من ملوك الحبشة،
وكسرى: اسمٌ لكل مَلِكِ من ملوك الفرس، وهرقل: اسمٌ لكلِّ ملكِ من ملوك
الروم.

٦١٠
(٨) كتاب الجنائز - (١١) باب: الأمر بالصلاة على الميت
[٨٢٠] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ نِعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ في
اليوم الذي ماتَ فيهِ، فخرجَ بهم إلى المُصَلَّى،
و (قوله: نعى للناس النَّجاشي في اليوم الذي مات فيه) مِن أدلِّ الأدلةِ على
صحة نبوة نبينا محمد ◌َله. والنعيُ: إشاعةُ الأخبار بموت الميت. قال الهروي:
جواز الإعلام النَّعْي بسكون العين: الفعل، والنَّعِيّ بكسرها: الرجل الميت. ويجوزُ أن يُجمع:
بموت المیت
نعايا، مثل: صفي وصفايا. وهذا الحديثُ احتجَّ به أثمتُنا على جواز الإعلام بموت
الميت، ولم يره من النَّعي المنهي عنه في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إيَّكم
والنعي، فإن النعيَ مِن عَمِل الجاهلية))(١). وهذا النعيُ الذي كان من عمل الجاهلية
إنما كان أنَّ الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب؛ فيندبون الميت
ویثنون عليه بنیاحةٍ وبکاءٍ وصراخ وغير ذلك، وذلك هو الذي نَهَى عنه. وقد رُوي
عن حذيفة أنه نهى أن يؤذن بالميت أحدٌ، وقال: إني أخافُ أن يكون نعياً. ونحوه
عن ابن المسيّب. وقال به بعضُ السَّلف من الكوفيين من أصحاب ابن مسعود.
قلتُ: وهذا الحديث حُبَّة على مَن كره الإعلام به، وكذلك قوله وَلي: ((هلَّ
آذنتموني به))(٢)، ونعيه ﴾ أهل مؤتة.
حكم الصلاة
على الغائب
و (قوله: فخرج إلى المصلَّى) يستدلُّ به: على أنَّ الجنائزَ لا يُصلَّى عليها
في المسجد، كما قد (٣) رُوي عن مالك، وأبي حنيفة، وجوَّزه الشافعي. وظاهرُ
هذا الحديث جوازُ الصلاة على الغائب، وهو قولُ الشافعي، ولم ير ذلك أصحابُنا
جائزاً؛ لأنه لو كان ذلك لكان أحقّ من صُلِّي عليه كذلك رسول الله وَير في البلاد
النائية عن المدينة، ولم يصح أنه فعل ذلك أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، ولو كان
(١) رواه الترمذي (٩٨٤) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) ساقط من (ع).

٦١١
(٨) كتاب الجنائز - (١١) باب: الأمر بالصلاة على الميت
فصلَّى وكَبَّرَ أربعَ تكبيراتٍ.
وفي رواية، فقال: ((استغْفِروا لأخِيْكُم)).
رواه أحمد (٤٣٨/٢ و٤٣٩)، والبخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١)
(٦٢ و٦٣)، وأبو داود (٣٢٠٤)، والنسائي (٤/ ٧٢).
ذلك مشروعاً لَلَزِمَ أن يُفعلَ ذلك دائماً إلى غير غايةٍ، لعدم القاصر له على زمانٍ
معین، واعتذروا عن حديث النَّجاشيّ بأمور:
أحدها: أن ذلك مخصوصٌ بالنجاشي؛ لِيُعْلِمِ النبيُّ وَلِ أصحابَهُ بإسلامه،
وليستغفروا له، كما جاء في الحديث.
وثانيها: أنه كان قد رُفع وأُخْضِر له حتى رآه، فصلَّى على حاضرٍ بين يديه،
كما رُفِع لِلنََِّّ بيتُ المقدس، كما تقدَّم في كتاب: الإيمان.
وثالثها: أنَّه كان (١) لم يُصلُ عليه أحد؛ لأنه مات بين قوم كفَّار، وكان يكتمُ
إيمانه منتظراً التخلُّصَ منهم، فمات قبل ذلك، ولم يُصلِّ عليه أحد، وعلى هذا
فَيُصَلَّى على الغريق، وأكيل السَّبُع، وهو قولُ ابنِ حبيب من أصحابنا، ولم يَرَ ذلك
مالك ولا جماعةٌ من العلماء.
قلتُ: وهذا الوجه الثالث أقربُها، وفيما تقدَّم نظر.
و (قوله: وكبَّر أربع تكبيرات) وفي حديث زيد بن ثابت: ( أنه كبّر عدد تكبيرات
خمساً) وقد اختلف العلماءُ من السّلف في ذلك: من ثلاث تكبيرات إلى تسع. صلاة الجنازة
فروي عن عليٍّ: أنه كان يُكَبِّرُ على أهل بَذْر ستاً، وعلى سائر الصَّحابة خمساً،
أربع
وعلى غيرهم أربعاً. وقد جاء من رواية ابنٍ أبي خيثمة: أنه ◌َِّ كان يُكبِّر أربعاً،
(١) ساقط من (ع).

٦١٢
(٨) كتاب الجنائز - (١١) باب: الأمر بالصلاة على الميت
[٨٢١] وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قالَ: كانَ زيدٌ يُكَبِّرُ على
وخَمْساً، وستّاً، وسبعاً، وثمانياً، حتى مات النجاشي؛ فكبَّر أربعاً وثَبَتَ عليها؛
حتى توفي ﴾﴾ .
قال أبو عمر: وانعقد الإجماعُ بَعْدُ على أربع. قال عِياض: وما سواه شذوذ،
ولا يُلتفتُ إليه اليوم، ولا نعلمُ أحداً من فُقهاء الأمصار قال بخمس تكبيرات إلا
ابن أبي ليلى. قال الإمام: وهذا المذهبُ متروكٌ الآن؛ لأنَّ ذلك صار عَلَماً على
القول بالرفض.
ولم يقعْ في الصحيح ذِكْرُ السَّلام من صلاة الجنازة على الخُصُوص، لكن
حکم التسليم
الجنازة
من صلاة يستدلُّ عليه بعموم قوله ◌َله: ((تحريمُ الصلاة التكبير، وتحليلُها التسليم))(١) وهو
صحيح. واختلف في عَدَده: فالجمهورُ من السَّلف وغيرهم على أنه واحدة.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وجماعة من السّلف: إلى أنه
تسليمتان. ثم هل يجهرُ الإمامُ بالتسليم أو يُسِرُّ؟ قولان عن مالك، والجهر لأبي
حنيفة، والإسرار للشافعي. وهل يردُّ المأموم على إمامه أو لا؟ قولان لمالك.
وهل تُرفع الأيدي مع التكبير أم لا؟ اختلف فيه قولُ مالك على ثلاثة أقوال: الرفع
في الأولى فقط، وفي الجميع، ولا يرفع في شيء منها. واختلف هل يقرأ في
حكم القراءة صلاة الجنازة بأمِّ القرآن أم لا؟ فذهب مالكٌ في المشهور عنه: إلى تَرْك القراءة.
في صلاة وكذلك: أبو حنيفة، والثوري، وكأنهم تمسّكُوا بظاهر ما أخرجه أبو داود من
الجنازة
حديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ اللهِ له يقول: ((إذا صلَّيْتُم على الميت
فأخْلِصُوا له في الدُّعاء))(٢). وبأن مقصودَ هذه الصلاة إنما هو: الدعاء له،
(١) رواه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥) من حديث علي رضي الله
عنه .
(٢) رواه أبو داود (٣١٩٩)، وابن ماجه (١٤٩٧)، وابن حبان (٣٠٧٦).
ء

٦١٣
(٨) كتاب الجنائز - (١١) باب: الأمر بالصلاة على الميت
جَنَائِزِنَا أربعاً، وأَنَّه كَبَّرَ على جَنَازَةٍ خَمْساً، فسَألتُه، فقالَ: كانَ
رسول الله ﴾ يُگَبِّرُها.
رواه أحمد (٣٦٧/٤ - ٣٦٨)، ومسلم (٩٥٧)، وأبو داود
(٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٧٢/٤)، وابن ماجه (١٥٠٥).
واستفراغ الوسع بعمارة كلِّ أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. وذهب
الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن مسلمة، وأشهب من أصحابنا، وداود:
إلى أنه يُقرأ فيها بالفاتحة لقوله وَلي: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) (١) حَمْلاً له على
عمومه. وبما خرَّجه البخاريُّ عن ابن عباس: وصلَّى على جنازة فقرأ بفاتحة
الكتاب. وقال: لتعلموا أنها سُنَّةُ(٢). وخرّج النسائيُّ من حديث أبي أمامة قال:
(السُّنةُ في الصلاة على الجنائز أن يُقرأ في التَّكبيرة الأولى بأمّ القرآن مُخافتةً، ثم
يُكبِّر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة))(٣). وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة
أيضاً قال: ((السُّنَّة في الصلاة على الجنازة أن يُكبِّرِ، ثم يقرأ بأمِّ القرآن، ثم يُصلَّى
على النبي وَّر، ثم يُخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم
يُسلِّم))(٤). وهذان الحديثان صحيحان، وهما مُلْحَقَان عند الأصوليين بالمسند،
والعملُ على حديث أبي أمامة أولى، إذ فيه جَمْعٌ بين عموم قوله: ((لا صلاة)
وبين: ((إخلاص الدعاء للميت))، وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاحُ للدعاء،
والله تعالى أعلم.
(١) رواه أحمد (٣١٤/٥)، والبخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٥/٣٩٤)، وأبو داود (٨٢٢)،
والنسائي (١٣٧/٢)، وابن ماجه (٨٣٧) من حديث عبادة بن الصامت.
(٢) رواه البخاري (١٣٣٥).
(٣) رواه النسائي (٤/ ٧٥).
(٤) انظر: تخريج الحديث السابق، وتحفة الأشراف (٦٧/١ و٢٠٣/٤).

٦١٤
(٨) كتاب الجنائز - (١٢) باب: الدعاء للميت
(١٢) باب
الدعاء للميت، وأين يقومُ الإمام من المرأة
[٨٢٢] عن عوفٍ بن مالكِ، قالَ: صلَّى رسولُ اللهِ وَحِ على جَنازةٍ
فحفِظْتُ مِنْ دُعَائِه وهو يقولُ: ((اللَّهُمَّ اغفِرْ له وارحَمْهُ، وعَافِهِ واغْفُ عنه،
وأَكْرِمِ نُزُلَه، ووَسِّعْ مُدْخَلَهُ، واغسلْه بالمَاء والثَّلْجِ والبَرَدِ، ونقُّه مِنَ الخَطَايَا
كما يُتَّقَّى الثَّوْبُ الأبيضُ مِن الدَّنَسِ، وأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِن دَارِهِ، وَأَهْلاً خَيْراً
مِن أهْلِهِ، وزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ وأَعِذْهُ مِن عَذَابِ القَبْرِ (أو
مِن عَذابِ النَّارِ)) قال: حتّى تَمَنَيتُ أنْ أَكونَ أَنَا ذلكَ المَيِّتَ.
رواه أحمد (٢٨/٦)، ومسلم (٩٦٣)، والترمذي (١٠٢٥)،
والنسائي (٤/ ٧٣).
(١٢) ومن باب: الدُّعاء للميت
وليس فيه دعاءٌ محدودٌ عند العلماء، بل يدعو المصلِّي بما تيسّر له، لكن
الأولى أن يكونَ بالأدعية المأثورة في ذلك، كحديث(١) عوف بن مالك هذا،
وحديث أبي هريرة، وما أشبه ذلك.
و (قوله: ((وأَكْرِمْ نُزله))) النُّزل: ما يُعدُّ للنازل، وهو الضِّيافة، وزايُه
مضمومة، وقد تُسكّن.
و (قوله: ((ووسِّع مدخله))) أي: قبره، ومنزله في الجنة، وقد تقدم القولُ في
قوله :﴿: ((واغْسِلْه بالماء والثلج والبَرَد)) وأنَّ هذا على معنى المبالغة والتمثيل.
والأهل هنا: عبارةٌ عن الخَدَم والخول، ولا تدخل الزوجةُ فيهم؛ لأنه قد خصَّها
(١) في (هـ): لحديث.

٦١٥
(٨) كتاب الجنائز - (١٢) باب: الدعاء للميت
[٨٢٣] وعَن سَمُرة بن جُنْدبٍ، قالَ: صَلَّيت خلفَ النبيِّ وَّه
وصَلَّى على أُمِّ كَعْبٍ، ماتَتْ وهي نُفَسَاءُ، فقامَ رسولُ اللهِ وَّهِ الصَّلاةِ
وَسْطَها.
بالذكر بعد ذلك حيث قال: ((وزَوْجاً خيراً من زَوْجه» ويُحتمل أن يكون من باب:
﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَفْلٌّ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ويفهم منه: أن نساءَ الجنة أفضلُ من نساء
الآدميات وإن دخلن الجنة، وقد اختلف في هذا المعنى، وسيأتي إن شاء
الله تعالى.
و (قوله: «فقام وسطها)) صحیحُ تقییدنا فيه بالُّكون، وكذا ضبطه أبو بحر
والجياني، وقال ابنُ دينار: وسْط الدار، وَوَسَطُها، معاً بمعنى واحد. والصواب:
أن الساكن ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلتَ: حفرت وسْط الدار بئراً؛ كان معناه:
حفرت في الجزء المتوسط منها، ولا تقول: حفرت وسَط الدار؛ إلا أن تعمَّ الدار
بالحفر، وعلى هذا فالصوابُ في الرواية السكون.
وقد اختلفوا في أيِّ موضعٍ يقومُ الإمامُ من الجنازة بعد إجماعهم على أنه أين يقف الإمام
لا يقومُ ملاصقاً لها، وأنه لا بُدَّ من فُرْجة بينهما؛ على ما حكاه الطبري، فذهب في صلاة
قوم إلى أنه يقومُ عليها وسطها، ذكراً كان أو أنثى. وقال آخرون: هذا حُكْم
الجنازة؟
المرأة؛ كي يسترها عن الناس، وأما الرجلُ: فعند رأسه لئلا ينظرَ الإمامُ إلى فَرْجه،
وهو قولُ أبي يوسف، وابن حنبل. وقال ابنُ مسعود بعكس هذا في المرأة
والرجل. وذُكِر عن الحسن التوسعةُ في ذلك، وبها قال أشهب وابن شعبان. وقال
أصحابُ الرأي: يقومُ فيها بحذاء الصَّدر، وقد روى أبو داود ما يرفعُ الخلافَ عن
أنس - وصلَّى على جنازة - فقال له العلاءُ بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان
رسولُ اللهِ وَ* يصلي على الجنازة كصلاتك؛ يُكبِّر عليها أربعاً، ويقومُ عند رأس
الرجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم(١).
(١) رواه أبو داود (٣١٩٤)، والترمذي (١٠٣٤)، وابن ماجه (١٤٩٤).

٦١٦
(٨) كتاب الجنائز - (١٣) باب: ما جاء في الصلاة على القبر
رواه أحمد (١٤/٥ و١٩)، والبخاري (١٣٣١)، ومسلم (٩٦٤)
(٨٧)، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي (١٩٥/١)،
وابن ماجه (١٤٩٣).
(١٣) باب
ما جاء في الصلاة على القبر
[٨٢٤] عن عبدِ الله بن عبّاسِ، قالَ: انتهى رسولُ اللهِنَّهِ إِلَى قَبْرِ
رَطْبٍ فصلَّى عليه، وصَقُّوا خَلْفَهِ، وَكَبَّرَ أَرْبَعاً.
رواه البخاري (٨٥٧)، ومسلم (٩٥٤) (٦٨)، والنسائي (٨٥/٤).
وهذا الحديثُ يدلُّ: على أن مشروعيةَ مقام الإمام كذلك، وهو يبطلُ تأويلَ
مَن قال: إنَّ مقامَ النَّبِيِّ ◌َّهِ وسْط جنازة أمّ كعب إنما كان من أجل جنينها حتى
یکونَ أمامه، بل کان ذلك لأنَّ حُكْم مشروعيته ذلك.
(١٣) ومن باب: ما جاء في الصَّلاة على القبر
(قوله وَّى: ((انتهى إلى قبر رطب فصلَّى عليه))) أي: حديث الدَّفن، لم يَبْلَ
بعدُ لرطوبة ثراه، وقُرْب هيله. وظاهِرُ هذا الحديث وحديث السوداء: جوازُ الصلاة
على القبر. وقد اختلفَ في ذلك: فتحصيلُ مذهبٍ مالك ومشهور أقوال أصحابه:
جوازُ ذلك، إذا لم يُصَلَّ عليه. وعنه أيضاً، وعن أشهب، وسحنون: أنه لا يُصلَّى
عليه لفوت ذلك، وأمَّا من صُلِّيَ عليه فليس لمن فاتته الصلاةُ عليه [أن يصلي
عليه](١) وهو المشهورُ من مذهبُ مالك وأصحابه، وهو قولُ الليث، والثوري،
(١) من (ظ).

٦١٧
(٨) كتاب الجنائز - (١٣) باب: ما جاء في الصلاة على القبر
[٨٢٥] وعن أبي هريرةَ، أنّ امرأةً سَوْداءَ كانتْ تَقُمُّ المسجدَ (أو
شابّاً) فَفَقَدَها رسولُ الله ◌َ ﴿ فسألَ عنها (أو عنه) فقَالُوا: ماتَ. قالَ: ((أَفَلا
وأبي حنيفة. قال: إلا أن يكون وليُّه فله إعادةُ الصلاة عليه، وقد رُوي عن مالك:
جوازُ الصَّلاة عليه، وهو شاذٌّ من مذهبه، وهو قولُ الشافعي، والأوزاعي،
وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
وحيث قلنا بفوت الصَّلاة على الميت فما الذي يقعُ به الفوت؟ اختلف فيه: ما يقع به فوت
الصلاة على
الميت في قبره
فقيل: بهيل التراب، وتسويته. وهو قولُ أشهب، وعيسى، وابن وهب. وقيل:
بخوف تغيُّره، وهو قولُ ابن القاسم، وابن حبيب، وسحنون، وقيل: بالطّول
فيمن لم يُصَلَّ عليه، وهو ما زاد على ثلاثة أيام فأكثر عند أبي حنيفة. وقال أحمدُ
فيمن صُلِّي عليه: تُعاد إلى شهر، وقاله إسحاق في الغائب، وقال في الحاضر:
ثلاثة أيام. قال أبو عمر: وأجمعَ مَن قال بالصَّلاة على القبر: أنه لا يُصلَّى عليه إلا
بالقرب، وأكثر ما قيل في ذلك شهر.
و (قوله: ((تقمُّ المسجد))) أي: تكنسه. والقمامة: الكناسة. وسؤاله ◌َّهِ عن كريمُ أخلاقه
هذه المسكينة يدلُّ: على كمال تفضُّله، وحُسْن تعهُّده، وكَرَم أخلاقه، وتواضعه،
ورأفته، ورحمته، وتنبيهٌ على أَلَّا يُحتقر مسلم، ولا يُصغَّر أمره.
قلت: قال بعضُ مَن لم يُجِزِ الصلاةَ على القبر: إنَّ القبرَ الرطبَ الذي في
حديث ابن عباس، يحتملُ أن يكون قبر السَّوداء التي كانت تقمُّ المسجد، وكانت
صلاتُه عليه خاصَّة به؛ لأنه قد قال: ((إنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإنَّ
الله ينوِّرها بصلاتي عليهم)) فقد عَلِمِ النبيُّ وَّرِ ذلك، وغيره لا يعلمُ ذلك، فكان
ذلك خُصُوصاً به. وهذا ليس بشيءٍ لثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّا وإن لم نعلم ذلك، لكنَّا نظُّه، ونرجو فَضْلَ الله سبحانه، ودعاء
المسلمين لمن صلَّوا عليه.

٦١٨
(٨) كتاب الجنائز - (١٣) باب: ما جاء في الصلاة على القبر
كُنتم آذَنْتُموني؟)) قالَ: وكَأَنَّهم صَغَّروا أَمْرَها (أو أَمرَه) فقالَ: ((دُلُّونِي على
قَبْرِه)) فَدَلُّوهُ، فصَلَّى عليها، ثم قالَ: ((إنَّ هذهِ القبورَ مملوءةٌ ظُلْمَةً على
أهلِها، وإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يُنَوِّرُها لهم بِصَلاتِي عَلَيْهم)).
رواه أحمد (٣٥٣/٢ و ٣٨٨)، والبخاري (٤٥٨)، ومسلم (٩٥٦)،
وأبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧).
وثانيها: أنه رَ﴿ قد قال: ((من صلَّى عليه مئةٌ، أو أربعون من المسلمين،
شُفِعُوا فيه))(١) فقد أعلمنا أنَّ ذلك يكون من غيره.
وثالثها: أنه كان يلزمُ منه ألا يُصَلَّى على ميتٍ بعد النَّبِيَِليهِ؛ لإمكان
الخصوصية فيمن صلَّى عليه النبيُّ مَ ﴿، وهذا باطل. وأشبه ما قيل في حديث
السَّوداء: أنّه ◌ِوَل﴿ه صلَّى على قبرها لأنَّه لم يُصَلِّ عليها صلاةٌ جائزة؛ لأنَّ النبيَّ ◌َه
هو الإمامُ ولم يستخلف، بل قد رُوي: أنه ◌َ﴿ أمرهم أن يُعْلِمُوه بموتها، فلم
يُعْلِمُوه بذلك كراهة أن يشقُّوا عليه، كما ذكره مالكٌ من حديث أبي أمامة بن
سهل بن حنيف: أنَّ مسكينة مرضتْ(٢). وهذه المسكينةُ هي السوداء في هذا
الحديث، والله أعلم.
ويحصلُ منه: أنَّه مَن دُفِن بغير صلاة أنه يُصَلَّى على قبره، ولا يُخرج،
ولا يُتُرك بغير صلاةٍ. وهو الصَّحيحُ. والله تعالى أعلم.
(١) سبق تخريجه برقم (٨١٥ و٨١٦).
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢٢٧/١).

٦١٩
(٨) كتاب الجنائز - (١٤) باب: الأمر بالقيام للجنازة، ونسخه
(١٤) باب
الأمر بالقيام للجنازة، ونسخه
[٨٢٦] عن عامرٍ بن ربيعة، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((إذا رَأيْتُمُ
الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَها: حتَّى تُخَلِّفَكُم أو تُوضَعَ)).
رواه أحمد (٤٤٦/٣)، والبخاري (١٣٠٧)، ومسلم (٩٥٨)(٧٣)،
وأبو داود (٣١٧٢)، وابن ماجه (١٥٧٢).
(١٤) ومن باب: الأمر بالقيام إلى الجنازة
(قوله: ((إذا رأيتم الجنازةَ فقوموا لها حتى تُخَلِّفَكُمْ أو تُوضَعَ)) قلتُ: هذا اختلاف
الأمرُ إنما كان مُتوجُّهاً لمن لم يكنْ مُتَّبعاً للجنازة، بدليل ما جاء في حديث العلماء في
القيام للجنازة
أبي سعيد: ((إذا رأيتمُ الجنازةَ فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى تُوضَع)). وقد
جاء من حديث عليَّ أنه قال: قام رسولُ اللهِوَلّ للجنازة(١) ثم قعد. واختلف
العلماءُ بسبب هذه الأحاديث على ثلاثة أقوال:
أولها: الأمر بالقيام مُطْلقاً لمن مرَّتْ به، ولمن تبعها، وهو قولُ جماعةٍ من
السّلف والصَّحابة، أَخْذاً بالأحاديث المتقدِّمة، وكأنَّ هؤلاء لم يبلغْهم النَّاسخ، أو
لم يروا تركَ قیامِهِ ناسخاً.
وثانيها: لا يقومُ لها أحدٌ لا مروراً به ولا مُتّعاً، وكأنَّ هؤلاء رأوا: أنَّ تَرْكَ
النبيِّ ◌َ ﴿ القيامَ ناسخٌ لمطلق القيام، وهو قولُ [قوم من أهل العلم. وروي عن
أحمد وإسحاق وابن الماجشون من أصحابنا: أن ذلك على التوسعة والتخيير.
وثالثها: أنَّ القيامَ منسوخٌ في حق من مرت به، وهو قول](٢) مالك،
(١) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (هـ).

٦٢٠
(٨) كتاب الجنائز - (١٤) باب: الأمر بالقيام للجنازة، ونسخه
[٨٢٧] وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إِذَا اتَّبَعْتُم
الجنازةَ فلا تَجْلِسُوا حتَّى تُوضَعَ».
رواه أحمد (٣٨/٣)، ومسلم (٩٥٩) (٧٦).
[٨٢٨] وعن جابرٍ بن عبدِ الله، قالَ: مَرَّتْ جَنَازةٌ فقامَ لها
رسولُ الله ◌َِّ، وقُمْنَا معه، فقلْنَا: يا رسولَ الله! إنَّها يهوديَّةٌ! فقال: ((إنَّ
الموتَ فَزَعٌ، فإذا رأيتُم الجَنَازةَ فقومُوا)).
رواه أحمد (٣١٩/٣)، والبخاري (١٣١١)، ومسلم (٩٦٠) (٧٨)،
والنسائي (٤/ ٤٥ - ٤٦).
والشافعي، وأبي حنيفة. وقال أحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، والأوزاعي
اختلاف فمن اتّبعها: لا يجلسُ حتى تُوضَع. وأمَّا من مرَّت به فلا يلزمه القيام، وقد اختلف
العلماء في أيضاً في القيام على القبر حتى يقبر: فكرهه قوم، وعمل به آخرون. وروي ذلك
القيام على القبر
عن عليٍّ، وعثمان، وابن عمر. وقد تقدم في كتاب الإيمان قولُ عمرو بن
العاص: وأقيموا حول قبري قَدْر ما تنحر جزورٌ ويقسم لحمها(١) أي: تثبتوا
وتربَّصوا.
و (قوله: ((إنَّ الموتَ فَزَعُ)») أي: يفزع إليه ومنه، وهو تنبيهٌ على استذكاره،
وإعظامه، وجَعْله من أهمِّ ما يخطر بالإنسان.
والمقصودُ من هذا الحديث ألا يستمرَّ الإنسان على غَفْلته عند رؤية الميت،
فإنه إذا رأى الميت، ثم تمادى على ما كان عليه من الشّغل، كان هذا دليلاً على
غَفْلته، وتَسَاهُلِه بأمر الموت. فَأَمَرَ الشرُ أن يتركَ ما كان عليه من الشّغل، ويقومَ
تعظيماً لأمر الميت، واستشعاراً به. وعلى هذا فيستوي في ذلك الميت المسلم
القيام للجنازة
تعظيماً لأمر
الميت المسلم
وغيره
(١) سبق تخريجه.