النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه ابنُ عبّاس: قد كان عمرُ يقولُ بعضَ ذلكَ، ثم حَدَّثَ فقالَ: صَدَرْتُ مع عمرَ مِن مَكَّة، حتى إذا كُنَّا بِالبَيْداءِ إذا هو بركبٍ تحتَ ظِلِّ سَمُرَة، فقال: اذهبْ فانظرْ مَنْ هؤلاء الرَّكبُ؟ فنظرتُ فإذَا صُهَيْبٌ. قالَ: فأخبرته، فقال: اذْعُهُ لي. قالَ: فرجعتُ إلى صُهَيْبٍ، فقلتُ: ارتحلْ فَالْحَقْ أميرَ المؤمنينَ، فلمَّا أنْ أُصِيبَ عمرُ دخلَ صهيبٌ يَكي يقولُ: وا أخَاه! واصَاحِبَاه! فقالَ عمرُ: يا صُهِيبُ! أتبكي عَلَيَّ؟ وقد قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ ببعضٍ بُكاءِ أهلِه عليهِ)) فقالَ ابنُ عبَّاس: فلمَّا ماتَ عمرُ ذكرتُ ذلكَ لعائشةَ، فقالتْ: يرحمُ اللهُ عمرَ، لا واللهِ! ما حَدَّثَ رسولُ اللهِ وَِّ، ((إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ المؤمنَ بِبُكاءِ أحدٍ)) ولكنْ قالَ: ((إنَّ اللهَ يزيدُ الكافرَ عذاباً بِبَكَاءِ أهلِه عليه)) قالَ: وقالتْ عائشةُ: حَسْبُكُمُ القرآنَ: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِيٌ إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبٍ وَأَقَمُواْ الصَّلَوَةَ وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا يَتَزََّّ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اَللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨] قال: وقالَ ابنُ عبَّاس عندَ ذلكَ: واللهُ أضحكَ وأَبكى. فأنكرته عائشة - رضي الله عنها - وصرَّحتْ بتخطئة الناقل أو نسيانه، وحَمَلَها على ذلك: أنها لم تسمعه كذلك، وإنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا فيه نظر؛ أمَّا إنكارُها؛ ونسبةُ الخطأ لراويه فبعيدٌ، وغير بيِّن، ولا واضح، وبیانُه من وجهين: أحدهما: أن الرواة لهذا المعنى كثير؛ عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة. وهم جازمون بالرّواية، فلا وَجْهَ لتخطئتهم، وإذا أُقْدِم على ردّ خبر جماعةٍ مثل هؤلاء مع إمكان حَمْله على مَحْمَل الصَّحيح فلأن يُرَدَّ خبر راوٍ واحد أولى، فردّ خبرها أولى، على أنَّ الصَّحيحَ: ألا يردَّ واحدٌ من تلك الأخبار، ويُنظر في معانيها كما نبيِّنُه. ٥٨٢ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه قال ابنُ أبي مليكة: فوالله ما قالَ ابنُ عمرَ مِن شيءٍ. وفي روايةٍ: لمَّا بلِغَ عائشةَ قولُ عمرَ وابنٍ عمرَ، قالت: إنَّكم لَتُحَدِّثوني عن غيرِ كَاذِبَيْنِ ولا مُكَذَّبَيْنٍ ولكنَّ السَّمعَ يُخطىءُ. رواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٨) (٢٣) و (٩٢٩)، والنسائي (١٨/٤ - ١٩). وثانيهما: أنه لا مُعارضةً بين ما روتْ هي ولا ما رَوَوْا هُمْ، إذ كلُّ واحدٍ منهم أخبر عمَّا سَمِع وشاهد، وهما واقعتان مُختلفتان، وأما استدلالُها على ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فلا حُجَّةَ فيه، ولا معارضةً بين هذه الآية والحديث، على ما نُبديه من معنى الحديث إن شاء الله تعالی. وقد اختلفَ العلماءُ فيه: فقيل: مَحْمَلُهُ على ما إذا كان النَّوحُ من وصيته وسُنَّته، كما كانتِ الجاهليةُ تفعل، حتى قال طَرَفَةُ : إِذَا مِتُّ فانْعِيْنِي بما أَنَا أَهْلُه وشُقِّي عليَّ الجَيْبَ يابْنَةَ مَعْبَدٍ وقد جمع عبدُ المطلب بناته عند موته وأمرهنَّ أن ينعينه ويندبنه(١) ففعلن، وأنشدتْ كلُّ واحدةٍ منهن شعراً تمدحهُ فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلَّمهن: أحسنتنَّ، هكذا فانعينني، وإلى هذا نحا البخاريُّ. وقيل: معناه: أنَّ تلك الأفعالَ التي يُبكى بها الميتُ ممَّا كانوا يفعلونه في الجاهلية: من قَتْل النفوس، وأَخْذ (١) ساقط من (ع). . ٥٨٣ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه [٧٩٧] وعن عروةَ، قالَ: ذُكِرَ عندَ عائشةَ أنَّ ابنَ عُمرَ يرفعُ إلى الأموال، وإِخْراب البلاد، وغير ذلك، فأهلُه يمدحونه بها، ويُعدِّدونها عليه، وهو يُعذّب لسببها. وعلى هذا تُحْمَلُ روایةُ مَن رواه: ((ببعض بكاء أهله)) إذ ليس(١) كلُّ ما يُعدِّدونه مِن خصاله یکون مذموماً، فقد یکون من خصاله کرم، وإعتاق رقاب، وكَشْف کرب. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل حديثُ عبد الله بن رواحة، حيث أُغميَ عليه، فجعلت أختُه عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تُعدِّد عليه، فأفاق، وقال لها: ما قلتِ شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟! فلما مات لم تَبْكِ يُعَذَّب الميت عليه(٢). خرَّجه البخاري. وذهب داود وطائفةٌ إلى اعتقاد ظاهِر الحديث: وأنّه إنما بنوحٍ أهله إذا أهملَ نھیھم يُعذَّب بنوحهم؛ لأنه أَهْمَلَ نهيهَم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك، فيُعَذَّبُ بتفريطه في عن ذلك ذلك، ويتركُ ما أَمَرَ اللهُ تعالى به من قوله تعالى: ﴿قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وقيل: معناه: أنه يُعذَّب بسماع بكاء أهله لرقّته لهم(٣) وشَفَقته عليهم؛ لما يُصِيبهم من أجْله. وقد دلَّ على صحَّة هذا المعنى حديثُ قيلة بنت مخرمة العنزية، وبكتْ على ابنها مات عند رسولِ الله وَّ فقال لها، وأنكر عليها: ((والذي نفسُ محمد بيده! إنَّ أحدكم ليبكي فيستغفر له صويحُبه، يا عباد الله! لا تُعذِّبوا إخوانكم)) ذكره أبو بكر بن أبي شيبة(٤)، وهو حديثٌ طويلٌ مشهور، وهذا التأويلُ حسنٌ جدّاً، ولعلَّه أولى ما قيل في ذلك، والله أعلم. وسكوتُ ابن عمر عن عائشة حين قالت ما قالت ليس لشكِّه فيما رواه لا هو ولا أبوه عمر - رضي الله عنهما - فإنَّهما قد صرَّحا برفع ذلك إلى النَّي وَّهَ، وإنما كان - والله تعالى أعلم - لأنه ظَهَرَ له: أنَّ الحديثَ قابلٌ للتأويل، ولم يتعين له محمل، أو (١) في (ع): إذ كل ما يعدِّدونه من خصاله لا يكون مذموماً. (٢) رواه البخاري (٤٢٦٧). (٣) ساقط من (ع). (٤) ذكره ابن حجر في الإصابة (١٧١/٨ - ١٧٣). ٥٨٤ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب بيكاء الحي عليه النبيِّ وَ ﴿: ((إنَّ الميِّتَ يُعَذَّبُ في قبرِه ببكاءِ أهلِه عليهِ)). فقالتْ: وَهِلَ، إنَّما قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّه لَيُعَذَّبُ بخطيئتهِ أو بذنبهِ، وإنَّ أهلَه لَيَيْكُون عليهِ الآنَ)) وذلكَ مثلُ قولِه: إنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قامَ على القَلِيبِ يومَ بَدْرٍ، وفيه قَتْلَى بَدْرٍ مِن المشركينَ فقالَ لهم ما قال: ((إنهم لَيَسْمَعُونَ ما أقولُ)) وقد وَهَلَ، إنَّما قالَ: ((إنَّهم ليعلمونَ أنَّ ما كنتُ أقولُ لهم حَقٌّ)) ثم قرأتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُتَمِعُ الْمَوْنَ﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِىِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. يقول: حين تَبَوَّءُوا مقاعدهم من النار. رواه مسلم (٩٣٢) (٢٦)، وأبو داود (٣١٢٩)، والنسائي (١٨/٤). [٧٩٨] وفي رواية عن ابن عمر: ((المَيِّتُ يُعَذَّبُ في قبرِه بما نیحَ علیهِ)). رواه أحمد (٦١/٢)، والبخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧) (١٧)، والترمذي (١٠٠٠)، وابن ماجه (١٥٩٣). سكت مُخْتَرِماً لها عن أن يُراجِعَها في ذلك المجلس، وفي ذلك الوقت، وأخَّر ذلك لوقتٍ آخر، مع أنَّه لم تُرْهِقْ إليه في ذلك الوقتِ حاجةٌ يعتدُ(١) بها، والله تعالى أعلم. و (قولها: وَهَلَ أبو عبد الرحمن). قال الهروي: يقال: وَهَل يَهِل إلى الشَّيء: إذا ذهب وَهمُّك إليه، ومنه قولُ ابن عمر: وَهَل أنس، يريد: غلط، فأما وهلت من كذا، أَوْهَل، فمعناه: فزعت منه، ومنه الحديث: ((فقمنا وهلين)) أي: فَزِعين، وقال أبو عبيد في ((المصنف)): قال أبو زيد: وهلت في الشيء، ووهلت (١) في (هـ) و (ط): تُعُبِّدَ. ٥٨٥ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه [٧٩٩] وفي أخرى: فقالتْ عائشةُ: يغفرُ اللهُ لأبي عبد الرحمن، أمَا إِنَّه لم يكذبْ، ولكنَّه نسيَ أو أخطأً، وإنما مَرَّ رسولُ الله ◌َّهِ على يَهوديةٍ يُبكى عليها، فقالَ: ((إنَّهم لَيَيْكُونَ عليها، وإنَّها لتُعَذَّبُ في قَبْرِها)). رواه أحمد (٣٩/٦)، ومسلم (٩٣٢) (٢٧)، والترمذي (١٠٠٤)، وابن ماجه (١٥٩٥). [٨٠٠] وعن ابن عمرَ، قالَ: لما طُعنَ عمرُ نُعِيَ عليه، فصِيحَ عليهِ، فلمَّا أفاقَ قالَ: أمَا عَلِمتُم أنَّ رسولَ الله و ◌َهِ قالَ: ((إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ ببكاءٍ الحيّ». رواه مسلم (٩٢٧) (١٩). عنه، أيهل، وهَلاَ: [نسيت، وغلطت، ووهلت إلى الشيء أهل وهلاً](١): إذا ذهب وهمك إليه. والقليب: البئر غير المطوية، وأما إنكار عائشة على ابن عمر سماعَ أهل القليب فمن قبيل ما تقدَّم، وذلك أنَّها أنكرتْ ما رواه الثقةُ الحافظُ لأجل أنها ظنَّتْ أن ذلك مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ اَلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، و: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْبِعُ اَلْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠] ولا تعارض بينهما لوجهين: أحدهما: أنَّ الموتى في الآية إنما يُرادُ بهم الكفَّار، فكأنهم موتى في قبورهم والسَّماُ يرادُ به الفهمُ والإجابةُ هنا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَبْرَاً لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ ◌َهُم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] وهذا كما سمّاهم بصم وبكم وعمي، مع سلامة هذه الحواسّ منهم. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ). ٥٨٦ (٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه [٨٠١] وفي روايةٍ: أنَّ حفصةَ بكتْ على عمرَ، فقالَ: مَهْلاً يا بُنَيَّةُ! ألم تَعْلَمي أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((إنَّ المَيِّتَ يعذَّب ببكاءِ أهلِه عليه)». رواه مسلم (٩٢٧) (١٦). [٨٠٢] وعن المغيرةَ بن شُعبةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَِّ يقولُ: ((مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فإنَّه يُعَذَّبُ بما نِيْحَ عليه يومَ القيامةِ)). رواه أحمد (٢٤٥/٤)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣) (٢٨)، والترمذي (١٠٠٠). وثانيهما: أنَّ لو سلَّمنا أنَّ الموتى في الآية على حقيقتهم؛ فلا تَعَارُضَ بينها سماع بعض الموتى في وبين أنَّ بعضَ الموتى يسمعون في وقتٍ ما، أو في حالٍ ما، فإنَّ تخصيصَ العموم قبورهم ممكنٌ وصحیحٌ إذا وجد المخصص، وقد وُجِد هنا، بدليل هذا الحديث، وحديث أبي طلحة الذي قال فيه النَّبِيُّ وَّه في أهل بدر: ((والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم)»(١) وهو متفق عليه، وبما في معناه. مثل قوله عليه في الميت: ((إنَّه ليسمعُ قَرْعَ النعال)»(٢)، بالمعلوم من سُؤال الملكين للميت في قبره، وجوابه لهما، إلى غير ذلك ما لا يُنْكَر. فحديثُ ابنِ عمر صحيحُ النقل، وما تضمَّنه يقبله العقلُ، فلا طريقَ لتخطئته، والله تعالى أعلم. وأيضاً فقد رواه عمر عن النَّبي ◌َّ فقال: ((ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم)»(٣) ورواية من روى: ((إن الميتَ ليعذَّبُ ما نِيح عليه)) يشهدُ لما اخترناه في تأويل الحديث المتقدم. و ((ما)) هنا ظرفية، تقديره: مدة النياحة عليه، وما يُعذّب بسببه مسكوتٌ عنه هنا، وهو ما تقدَّم، والله أعلم. (١) رواه البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥). (٢) رواه أحمد (٢/ ٣٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٩٣٢). ٥٨٧ (٨) كتاب الجنائز - (٦) باب: التشديد في النياحة (٦) باب التَّشديد في النياحة، وما جاء في اتّباع الجنائز [٨٠٣] عن أبي مالكِ الأشعريِّ، أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ قالَ: ((أربعٌ في أُمَّتي مِن أمرِ الجَاهليَّةِ، لا يتركُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأَحْسَابِ، والطَّعْنُ في الأَنْسَابِ، والاسْتِسْقَاءُ بالثُّجُوم، والنِّيَاحَةُ)) وقال: ((النَّائحَة إذا لم تَنْبْ قَبْلَ وفي الأم: أن عمر - رضي الله عنه - لما طُعنَ عوَّلَتْ عليه حفصة(١). هكذا صحيحُ الرواية، وقد روي: أعولت، وهما لغتان، غير أنَّ الثانيةَ أشهرُ وأفصح، وكلاهما من العويل، وهو البكاء ومعه صوت. (٦) ومن باب: التَّشديد في النِّياحة (قوله وَلجر: ((أربعٌّ في أمتي من أمر الجاهلية)): أي: من شأنهم وخصالهم، و ((لا يتركونهن))) يعني: غالباً. و((الفخر في الأحساب))) يعني: الافتخار بالآباء الكُبراء والرؤساء، وقد قال ◌َله: ((إنَّ الله قد أذهبَ عنكم عُبِيَّةَ الجاهلية. وفَخْرَها بالآباء، إنما هو مؤمنٌ تقيٍّ أو فاجرٌ شقيٍّ، الناس كلُّهم بنو آدم، وآدمُ خُلِقٍ من تراب)»(٢). و (الطعن في الأنساب))): استحقارُها، وعيبها، وقد تقدَّم الكلامُ على الاستسقاء بالنجوم. والاستسقاء: استدعاءُ السُّقيا وسؤاله. وكأنهم كانوا يسألون من النجوم أن تسقيهم؛ بناءً منهم على اعتقادهم الفاسِد في: أنَّ النجومَ تُوجِدُ المطرَ وتخلقه. (١) ينظر صحيح مسلم (٦٤٠/٢). (٢) رواه أحمد (٥٢٤/٢)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٠ و ٣٩٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٥٨٨ (٨) كتاب الجنائز - (٦) باب: التشديد في النياحة مَوْتِها، تُقَامُ يومَ القِيَامَةِ وعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِن قَطِرَانِ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». رواه أحمد (٣٤٢/٥)، ومسلم (٩٣٤). [٨٠٤] وعن عائشةَ قالتْ: لمَّا جاءَ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وجَعْفَرِ بنِ أبي طَالِبٍ، وعبدِ اللهِ بن رَوَاحَةَ، جَلَسَ رسولُ اللهِوَهِ يُعْرَفُ فِيه الحُزْنُ. قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ مِن صَائِرِ البَابِ (شَقِّ البَابِ) فأتاهُ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! إنَّ نساءَ جَعْفَرٍ، وذكرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمرَه أنْ يَذْهَبَ فينهاهُنَّ، فذهبَ فأتاهُ، فذكرَ أنَّهنَّ لم يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَه الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثمَّ أَتَاهُ فقالَ: واللهِ! لقد غَلَبْنَنا يا رسولَ اللهِ، قالتْ: فزعمتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ قالَ: ((اذْهَبْ فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ الثُّرَابِ)) قالتْ عائشةُ، و ((السربال))) واحد السرابيل، وهي: الثيابُ والقُمُص، تعني: أنهن يُلطخن بالقَطِران، فيصير لهن كالقُمُص، حتى يكونَ اشتعالُ النار والتصاقها بأجسادهن أعظم، ورائحته أنتن، وألمها بسبب الحرّ (١) أشد. و (قولها(٢): من صائر الباب) قد فسَّره في الحديث بشق الباب، وهكذا صحّت روايته، قال الإمامُ: والصوابُ: صِيْر الباب، بکسر الصاد، وفي حديث آخر: ((من اطلع من صِيْر باب فقد دَمَر)) (٣) وهو شقّ الباب، ودَمَر: دخل بغير إذن. وكون نساء جعفر لم يُطِعْنَ النَّاهي لهن عن البكاء، إمَّا لأنه لم يُصرِّحْ لهن بأن النبيَّ ◌َِّ نهاهن فَظَنَنَّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهن غُلِبْنَ في أنفسهن على سَمَاع النَّهي لحرارة المصيبة، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((احثُ في أفواههنَّ التراب))) يدلُّ: على أنهن صَرَخْنَ، إذ لو كان (١) في (ظ) و(ط): الجرب. (٢) في النسخ: قوله، والصواب ما أثبتناه. (٣) انظره في النهاية لابن الأثير (٦٦/٣). ٥٨٩ (٨) كتاب الجنائز - (٦) باب: التشديد في النياحة قلتُ: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ واللهِ ما تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ، وما تركتَ رسولَ الله وَ﴿ مِن العَنَاء. وفي رواية: مِنَ العِيِّ. رواه البخاري (١٢٩٩)، ومسلم (٩٣٥)، وأبو داود (٣١٢٢)، والنسائي (١٥/٤)، وابن ماجه (١٥٨١). [٨٠٥] وعن أُمّ عَطيَّةَ، قالتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رسولُ اللهِ وَّهِ مِعَ البَيْعَةِ أَلَّا نَنُوحَ، بكاءً بالعين فقط لما كان لملء أفواههنَّ بالتراب معنى، وليس أمره ◌َي للرجل بذلك ليفعله بهنَّ على كلِّ حال، ولكن على طريق أنَّ هذا مما يسكتهن إن فَعَلْنَهُ، فافعله إن أمكنك، وهو لا يمكنك. وفيه دليلٌ: على أن المنهيَ عن المنكر إن لم ينته عُوقب، وأُدُّب بذلك إن أمكن ذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن وقعت. و (قول عائشة - رضي الله عنها - للرجل: أرغم اللّهُ أنفك) أي: ألصقه الله بالرغام، وهو التراب. دَعَتْ عليه لأنها فهمتْ أنه أحرجَ رسولَ اللهِصَلّه بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن، ولذلك قالت له: والله ما تفعلُ ما أمرك به رسولُ اللهِ وَه. أي: لا تقدرُ على فِعْله، لتعذُّره: وما تركتَ رسولَ اللهِوَّه من العناء. ولم تُرِدِ الاعتراضَ على رسولِ اللهِوَّهِ فِي أَمْره. ووقع في رواية العذري مكان ((من العناء)): ((من الغِيِّ)) بالغين المعجمة والياء المشددة، الذي هو ضدُّ الرُّشْد، وعند الطَّبري مثله، إلَّا أنه بالمهملة. والأول أليقُ بالمعنى وأصحّ، وكذلك رواه البخاريُّ. و (قول أمِّ عطية: أخذَ علينا رسولُ اللهِلَّهِ أَلَّ ننوح) دليلٌ: على تحريم تحريم النياحة النياحة، وتَشْديد المنع فيها؛ لأنها تستجلبُ الحزن، وتصدُّ عن الصَّبْر المحمود. ٥٩٠ (٨) كتاب الجنائز - (٦) باب: التشديد في النياحة فما وَقَّتْ مِنّا امْرأةٌ إلّ خَمْسٌ: أُمُّ سُلَيْمِ، وأُمّ العَلَاءِ، وابْنَةُ أبي سَبْرَةَ امرأةُ مُعَاذٍ، (أو ابنة أبي سَبْرَة، وامرأة مُعَاذٍ). وفي رواية: قالتْ أُمّ عَطيَّةُ: يا رسولَ الله! إلَّا آلَ فُلان فإنَّهم كانُوا أَسْعَدُوني في الجَاهِلِيَّةِ؛ فلا بُدَّ لي مِنْ أنْ أُسعدَهم. فقالَ رسول الله وَلَّهِ: ((إلَّا آلَ فُلان)». رواه أحمد (٤٠٨/٦)، والبخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) (٣١ و ٣٣)، وأبو داود (٣١٢٧)، والنسائي (١٤٨/٧ - ١٤٩). و (قولها: فما وَفَتْ منا امرأةٌ إلا خمس) ثم ذكر ثلاثاً، أو أربعاً، قال عِياض: معناه: أنه لم يفِ ممن بايع معها على ذلك. وفي كتاب البخاري تكميلهن؛ فقال: ابنة أبي سَبْرة، وامرأة معاذ، وامرأتان، أو ابنةُ أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى. و (قول أم عطية عند المبايعة: إلا آل فلان؛ فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بُدَّ لي من أن أسعدهم، فقال: ((إلا آل فلان))) أشكلَ هذا الحديثُ على العلماء، وكثرت فيه أقوالُهم، فقيل فيه: إنَّ هذا كان قبل تحريم النّاحة، وهذا فاسدٌ بمساق أم عطية هذا، فإن فيه: أنَّ النبيَّ ◌َهِ أَخَذَ عليهنَّ في البيعة: أَلَّا يَنُحْنَ. وذكر النياحة مع الشرك، وأَلَّا يعصينه في معروفٍ. فلولا أن النياحةَ محرمةٌ لما أكَّد أمرها عليهن، وذكرها في البيعة مع محظورات أُخَر، ولمَّا فَهِمتْ أمُّ عطية التحریم استثنت. وثانيها: أنَّ ذلك خاصّ بأم عطية. وهذا أيضاً فاسدٌ، فإنه لا يخصُّها بتحليل ما كان من قبيل الفواحش كالزِّنى والخمر. وثالثها: أنَّ النَّهي عن النِّياحة إنما كان على جهة الكراهة، لا على جهة العزم ٥٩١ (٨) كتاب الجنائز - (٦) باب: التشديد في النياحة [٨٠٦] وعنها: قالت: كنَّا نُنْهَى عن اتِّبَاعِ الجَنائز، ولم يُعْزَم عليْنَا. رواه أحمد (٤٠٩/٦)، والبخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨) (٣٤)، وأبو داود (٣١٦٧)، وابن ماجه (١٥٧٧). والتَّحريم، وهذا أيضاً فاسدٌ بما تقدَّم، وبقوله: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية))، وبقوله: ((النائحة إذا لم تَتُبْ جاءتْ يوم القيامة وعليها سربالٌ من قَطِران ودرعٌ من حَرَب)) وهذا وعيدٌ يدلُّ على أنه من الكبائر. ورابعها: أنَّ قوله ◌َِّ: ((إلا آل فلان)) ليس فيه نصٌّ على أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكنُ أنها تساعدهم باللقاء والبكاء الذي لا نياحةَ فيه، وهذا أشبهُ ممَّا قبله . وخامسها: أن يكونَ قولُه: ((إلا آل فلان)) إعادة لكلامها على جهة الإنكار والتَّوبيخ، كما قال للمستأذن حين قال: أنا، فقال ◌َّهِ: ((أنا أنا))(١) ... منكراً عليه. ويدلُّ على صحة هذا التأويل ما زاد النسائيُّ في حديث بمعنى حديث أم عطية، فقال: ((لا إسعادَ في الإسلام))(٢) أي: على النياحة، والله أعلم. و (قولها: ((نُهينا عن اتِباع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا))) أي: لم يُحَرَّم علينا، ولم نهيُ النساء عن يُشدَّد علينا. وظاهِرُ كلامها أنَّهن نُهين عن ذلك نَهْيَ تنزيه وكراهة. وإلى مَنْع ذلك اتباع الجنائز صار جمهورُ العلماء لهذا النهي. ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات)(٣). وإليه ذهبَ ابنُ حبيب، وكرهه مالكٌ للشَّابة، وفي الأمر (١) رواه البخاري (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذي (٢٧١٢)، وابن ماجه (٣٧٠٩) من حديث جابر رضي الله عنه. (٢) رواه أحمد (١٩٧/٣)، والنسائي (١٦/٤) من حديث أنس رضي الله عنه. (٣) رواه ابن ماجه (١٥٧٨) من حديث علي رضي الله عنه. ٥٩٢ (٨) كتاب الجنائز - (٧) باب: الأمر بغسل الميت (٧) باب الأمر بغسل الميت، وكيفيته [٨٠٧] عنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قالتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النبيُِّ ﴿ ونَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَه فقالَ: ((اغْسِلْنَها ثلاثاً، أو خَمْساً، أو أكثرَ مِن ذلكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذلكَ، المستننكَر، وأجازه إذا لم يَكُنْ ذلك، وأجازه علماءُ المدينة لقولها: ((ولم يُعْزَمُ علينا))، والله تعالى أعلم. (٧) ومن باب: الأمر بغسل الميت حكم غُسل المیت (قوله وَله: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن))) لا خلافَ في أنَّ غُسْل الميت مشروعٌ ومعمولٌ به في الشَّريعة، لكن اختلفَ في حُكْمه فقيل: الوجوب، وقيل: سُنَّة مؤكّدة، والقولان في المذهب. وسَبَبُ الخلاف فيه: هو أنَّ هذا الأمرَ هل المقصودُ به بيانُ حُكم الغُسْل فيكون واجباً، أو المقصودُ به تعلیم كيفية الغُسْل، فلا يكون فيه ما يدلُّ على الوجوب؟ وقد قال بعضُ أصحابنا: إن قولَه في هذا: ((إن رأيتن ذلك)) يقتضي إخراجَ ظاهِر الأمر بالغُسْل عن الوجوب؛ لأنه قد فوَّضه إلى نَظَرهن، وردّ هذا التقييد إلى الأمر بالغُسْل، وهذا فيه بُعْد، بل السابق للفهم عودُ هذا الشَّرط إلى الأقرب له، وهو ((أكثر من ذلك))، أو إلى التَّخيير في الأعداد السّابقة، والأول أظهر. والظّاهر من هذا الأمر أنَّه أمرُ تعليم، ولم يقصدْ به تقعيدُ قاعدةِ حُكْم الغُسْل، فلا يُتمسَّك بظاهره، فالأولى أنَّ غُسْل الميت سُنّةٌ ثابتة (١) نقلتْ بالعمل، والله تعالى أعلم. وهذا الحديثُ يقتضي استحبابَ الأوتار في غُسْل الميت، وأنَّ أقلَّ ذلك استحباب الأوتار في غسل الميت - (١) في (ع): ظاهرة. ٥٩٣ (٨) كتاب الجنائز - (٧) باب: الأمر بغسل الميت بِماءٍ وَسِدْرٍ، ثلاث، وليس لذلك عند مالك وبَعْض أصحابه حدٍّ لازمٌ يُقتصر عليه، لكنه يُنقى ويُغسل جميعه، وإليه يرجعُ قولُ الشَّافعي وغيره من العلماء، وصَرْف الأمر إلى اجتهاد الغاسل إنما هو بحسب ما يراه زيادةً في الإنقاء والاحتياج إلى ذلك، وكذلك إذا خرجَ من الميت شيءٌ بعد غُسْله أعاد غُسْله، وقد جاء في الرِّواية الأخرى: ((أو سبعاً، أو أكثر من ذلك)). قال أبو عمر بن عبد البرِّ: لا نعلمُ أحداً من العلماء قال بمجاوزة سَبْع غسلات في غُسْل الميت. قال أبو الفضل عِياض: وإن خرج منه شيءٌ بعد السبع غُسِل الموضع وحده، قال مالك، وأبو حنيفة، وجماعةٌ من المالكية. قالوا: وحكمه حُكْم الجُنُب إذا أحدث بعد غُسْله. ومنهم مَن قال: يُوضَّأ إذا خرج منه شيءٌ بعد الثالثة. و (قوله: ((بماء وسدر))) احتجَّ بهذا ابنُ شعبان: ومَن يجيزُ غسْله بماء الورد، غُسْلُ الميت وبالماء المضاف، قال ابنُ الفَرَضي: ((وإنما يُكره غُسْل الميت بماء القرنفل وماء بالماء والسّذْر الورد من ناحية السَّرف، وإلا فهو جائز؛ إذ لا يُغْسل ليطهر، بل هو إكرامٌ لِلِقَاءِ الملكَيْن. والجمهورُ على أن غُسْله بذلك لا يجوز، وأن ذلك لا يُفْهَم من الحديث، لكنه عندهم محمولٌ على أن يُغسل أولاً بالماء القَراح فتتمّ الطهارة، وفي الثانية بالماء والسِّدر: للتنظيف، ثم قال في الثالثة: بالماء والكافور؛ للتطبيب والتَّجفیف. قال عياض: وهذا حقيقةُ مذهب مالك. وحكاه ابنُ حبيب، وقال: بل يُبدأ بالماء والسدر، ثم بالماء القُراح. وقال أبو قلابة مثله، لكنه قال: ويُحسب هذا غَسْلة واحدة، وذهب أحمد: إلى أن الغسلات كلّها تكونُ بالماء والسِّدر على ظاهر الحديث. قلتُ: ويمكن أن يُجعل السِّدرُ في الماء، ويُخضخض حتى تخرجَ رغوتُه، ثم يُدلك جسدُ الميت ليبالغ في إزالة أَدْرانه، ثم يُصبُّ الماء عليه، كما يُحتال في قَلْع ما يعسر قَلْعه من الأدران بالغاسول، ويكون هذا في أول غسله، كما قاله ٥٩٤ (٨) كتاب الجنائز - (٧) باب: الأمر بغسل الميت واجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُوراً أو شَيْئاً مِن كَافُور، فإذا فَرَغْتُنَّ فَآَذِنَّني)) فلمّا فَرَغْنَا أَذَنَّاهُ فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ فقالَ: ((أَشْعِرْنَها إِيَّاهُ)). ابنُ حبيب، والله أعلم. فإن لم يُوجَدْ سِذْرٌ فغيره من الغاسول مما يتنزل منزلته يكفي عند كافة العلماء، وروي عن عائشة - رضي الله عنها - في غسل رأس الميت بالخطمي: نھيٌ. و (قوله: ((واجْعَلْن في الآخرة كافوراً))) يعني: في الغَسْلة الآخرة، وعلى هذا جماعةُ العلماء إلا أبا حنيفة والأوزاعي، فإنَّهما رأيا: أنَّ ذلك في الحنوط، لا في الغسل. وفائدةُ تخصيص الكافور: تبريدُه، وتجفيفُه، ومَنْعه سُرعة التغير، وقوة رائحته، وسطوعها، فإن عُدِمِ قام غيرُه من الطِّيب مقامه، وهذا كله إكرام للميت، وإعداد له للقاء الملائكة الكرام، والله تعالى أعلم. و (قوله: فألقى إلينا حَقْوه فقال: ((أشعرنها إياه))) الحَقْو، بالفتح: هو المعروفُ مِن كلام العرب، وقالته هذيل بكسر الحاء، وأصله: معقِد الإزار، وجمعه: أَحْقٍ، وأحقاء، وحُقيّ: كدلو، وأدلاء، ودُلي. وهو في هذا(١) الحديث: الإزار، وهو المنزرُ الذي يشدُّ على الحقو، فسمي باسم الحَقْو على التَّوسع. كما تقولُ العرب: عذتُ بحقو فلان، أي: استجرتُ به. و ((أشعرنها» أي: اجْعَلْنَه ممَّا يلي جَسَدَها، والشُّعار: الثوبُ الذي يلي الجسد، والدِّثار: الذي يلي الشِّعار، وقد قال النبيُّ وَ﴿ للأنصار: ((أنتم شعارٌ، والناس دِثارٌ))(٢) كناية عن القُرب والاتصال بهم. واختلف في كيفية جَعْل هذا الإزار عليها: فقال ابنُ وهب: يُجعل لها مثزراً. وقال ابنُ القاسم: تلفّف فيه ولا تُؤزر، وهو قولُ ابن سیرین، (١) ساقط من (ع). (٢) رواه البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه. ٥٩٥ (٨) كتاب الجنائز - (٧) باب: الأمر بغسل الميت وفي روايةٍ: قالت: دخلَ علينَا رسولُ اللهِ وَ ﴿ حين توفيتْ ابنتُه فقال: ((اغْسِلْنَها ... )) الحديث. وفي روايةٍ: قالَ: ((اغْسِلْنَها ثَلاثاً أو خَمْساً أو سَبْعاً أو أكثرَ مِن ذلك». وقالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: ((مَشَطْنَاها ثلاثَةَ قُرونٍ)). وفي روايةٍ: ((قَرْنَيْها ونَاصِيَتَها)). وابن جريج. وقال النَّخعي: الحقو: فوق الدرع، وقال ابنُ علية: الحقو: النطاقُ سِبْتِيَّةٌ طويلةٌ يُجمع بها فخذاها تحصيناً لها، ثم تُلَفُّ على عجزها، وفَعَلَ النبيُّ وَلـ ذلك لتنالها برکةُ ثوبه، وفيه جوازُ تکفین النساء في ثياب الرجال. و (قول أم عطية: مشطناها ثلاثةَ قرون) قال بهذا الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، وابنُ حبيب. وقال الأوزاعيُّ: لا يجبُ المشط، ولم يعرفِ ابنُ القاسم الضَّفر، وقال: يُلَفُّ. وقال أبو حنيفة: يُكره ذلك، ولكن ترسله الغاسلةُ غير مضفور بين ثدييها دون تسريح. وسَبَبُ هذا الخلاف هو: أنَّ الفِعْلَ الذي فعلته أمُّ عطية؛ هل هي مستندةٌ في ذلك إلى إِذْن النَّبِي وَ لَه؟ أو هو شيءٌ رأته، ففعلته استحساناً، ووافقتها مَن كان هناك من النساء، ولم يعلم بذلك النبيُّ بَّرَ؟ وكلاهما مُحْتَمَل. والأصلُ: أن لا يفعل في الميت شيءٌ من جنس القُرَب إلا بإذنٍ من الشَّرع مُحَقَّق. ولم يَرِدْ ذلك مرفوعاً عن النَّبِي ◌َِّ، والله أعلم. و (قولها: قرنيها وناصيتها، وفي البخاري: فألقيناها خَلْفَها) قال أبو الفرج بن الجوزي: وعندنا أنَّ السُّنةَ أن يُضفر شَعْرُ الميتة ثلاثةَ قرون، ويُلْقى خلفها. ٥٩٦ (٨) كتاب الجنائز - (٧) باب: الأمر بغسل الميت وفي أخرى قالَ: ((ابدأنَ بِمَيَامِنِها وَمَوَاضِعِ الوُضُوءُ مِنْها)). رواه أحمد (٤٠٧/٦ و٤٠٨)، والبخاري (١٣٥٢)، ومسلم (٩٣٩) (٣٦ و٣٩ و٤٠ و٤١)، وأبو داود (٣١٤٢ - ٣١٤٦)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي (٢٨/٤)، وابن ماجه (١٤٥٧). * استحباب وضوء المیت و (قوله: ((ابْدَأُنَ بميامنها ومواضع الوضوء منها))) يدلُّ: على استحباب وضوء الميت، وهو حُبَّةٌ لنا وللشافعي [على أبي حنيفة، فإنه لا يراه. واختلف عندنا متى يُوضَّأ؟ هل في المرة الأولى أو في الثانية، أو فيهما](١) والابتداء بالميامن على أصل الشريعة في استحباب ذلك في العبادات، وقد أخذ الحسنُ من هذا الحديث: أنَّ النساءَ أحقُّ بغسل المرأة من الزوج، وأنه لا يغسلها إلا عند عَدَمهن، والجمهورُ من الفقهاء وأئمة الفتوى على خِلافه، وأنه أحقّ. وذَهَبَ حكم تغسيل الشعبي، والثوري، وأصحاب الرأي إلى: أنه لا يغسلها جُمْلَةً، وأجمعوا على غسل الزوجة زوجها، وجمهورُهم على أنه أحقُّ من الأولياء. وقال سحنون: الأولياءُ أحقّ. ولم يُنَبِِّ النبيُّ ◌َهُ أَمَّ عطية على الغُسْل من غَسْل الميت، وهو موضعُ تعلیم، فلو كان واجباً لبيَّنه هنا(٢). وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((مَن غسَّل ميتاً فليغتسلْ، ومن حَمَله فليتوضأ))(٣)، قال: اختلفَ في إسناد هذا الحديث، وحَمَله الفقهاءُ على الاستحباب لا على الوجوب، واختلفَ في حكم الغُسْل المقصود بهذا الغُسْل: فقيل: ليكونَ على يقينٍ من طهارة جَسَده لما يُخاف أن يطيرَ من تغسيل الميت وحمله عليه من رشاش غسل الميت. وقيل: لأنه إذا عَزَم على الاغتسال كان أبلغَ في غُسْله. وأحرى ألا يتحفّظ مما يصيبه، فيبالغ في إنقائه وتنظيفه. قال الخطابي: الزوج زوجته، والزوجة زوجها (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه أبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣). ٥٩٧ (٨) كتاب الجنائز - (٨) باب: في تكفين الميت وتسجيته (٨) باب في تكفین المَيِّت وتسجیتِه، والأمر بتحسین الکفن [٨٠٨] عن خبّاب بن الأَرَتِّ، قالَ: هَاجَرْنا معَ رسولِ الله ◌ِ لّه فِي سَبِيلِ الله نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فوجبَ أجرُنَا على اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لم يأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُم مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرِ، قُتِلِ يومَ أُحُدٍ، فلم يُوجَدْ له شيءٌ لا أعلمُ أحداً قال بوجوب الغُسْل منه. وقال إسحاق: أما الوضوء فلا بُدَّ منه، ونحوه قال أحمد. وهذه البنتُ التي ماتتْ للنبيِّ ◌َ ﴿ هي زينبُ على ما جاء في الأم(١)، وقيل: هي أمّ كلثوم، على ما جاء في كتاب أبي داود من حديث ليلى بنت قانف الثقفية(٢). (٨) ومن باب: تكفين الميت (قول خباب: فوجب أَجْرُنا على الله) أي: بما وعد به من هاجر بقوله الصِّدق ووعده الحق، لا بالعقل؛ إذ لا يجبُ على الله شيء عقلاً ولا وَضْعاً. و (قوله: فمنَّا من مضى لم يأكلْ من أجره شيئاً) أي: منَّا من مات على الحال التي هاجَرَ عليها من الفقر ومُجانبة زهرة الدُّنيا وطيباتها، فذلك الذي سَلِم له أجرُ عمله كله، فرأى أنَّ نيلَ طيبات الدنيا يَنْقُص من ثواب الأعمال الصالحة فيها. (١) صحيح مسلم (٩٣٩/ ٤٠). (٢) سنن أبي داود (٣١٥٧). ٥٩٨ (٨) كتاب الجنائز - (٨) باب: في تكفين الميت وتسجيته يُكَفَّنُ فيه إلّا نَمِرَةٌ، فَكُنّا إذا وَضَعْنَاهَا على رأسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَهُ، وإذَا وَضَعْنَاها على رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فقالَ رسولُ الله ◌ِوَِّ: ((ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَه وَاجْعَلُوا على رِجْلَيْهِ مِنَ الإذخِرِ)) وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ له ثَمَرَتُهُ فهو يَهْدِبُها. رواه البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠)، وأبو داود (٢٨٧٦)، والترمذي (٣٨٥٢)، والنسائي (٣٨/٤). وقد قال في البخاريّ في هذا الحديث: ((لقد خشيتُ أن تكونَ عجلت لنا طيباتُنا في حياتنا الدنيا))(١). و (قوله: ومنا من أينعتْ له ثمرتُه فهو يهدبها) أي: أدركت ونضجت. يقال: ينع الثمر، وأينع: إذا أدركَ طيبه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَيَزْوِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] ويهدبها؛ أي: يجتنيها، ويقطفها، يقال منه: هدب، يهدِب، ويهدُب، هدباً. والنمرة: کساء ملمع، وقيل: أسود. حکمُ تکفین الميت وقد يستدلُّ بهذا الحديث على أنَّ الكفنَ من رأس المال وهو قولُ عامَّة علماءِ الأمة، إلا ما حُكي عن طاووس: أنه من الثلث إن كان المالُ قليلاً، وإلا ما حُكي عن بعض السّلف: أنه من الثلث، على الإطلاق. ولم يتابعا على هاتين المقالتين، وفيه: أنَّ الكفنَ إذا ضاق عن الميت كانت تغطيةُ وجهه ورأسه أولى؛ إكراماً للوجه، وستراً لما يظهرُ عليه من تغيُّر محاسنه، وإن ضاق عن الوجه والعورة بُدِىء بستر العورة. [وتكفين الميت المسلم واجب عند العلماء، فإن كان له مالٌ فمن رأس ماله على ما تقدم، وإن لم يكن له مال فمن بيت المال، أو على جماعة المسلمين. واختلف أصحابنا؛ هل يلزم ذلك من كان تلزمه نفقتُه في حياته أم لا؟. والوتر في الكفن مستحبٌّ عند كافَّة العلماء، وكلُّهم مجمعون: على أنه لیس فیہ حدٍّ واجب. (١) رواه البخاري (١٢٧٤). ٥٩٩ (٨) كتاب الجنائز - (٨) باب: في تكفين الميت وتسجيته [٨٠٩] وعن عائشةَ، قالتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِوَّةِ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بيضٍ سَحُوليّةٍ مِن كُرْسُفٍ، لَيْسَ فيها قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ، أَمَّا الحُلَّةُ فِإِنَّمَا شُبِّه على النَّاس فيهَا، أنَّها اشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ فيها، فَتُرِكَتِ الحُلَّةُ، وكُفْنَ فِي و (قولها: كُفِّن رسولُ اللهَِه في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُولية) يدلُّ: على استحباب البياض في الكفن. وقد قال ◌َ له: ((إنَّ من خير ثيابكم البياض، فكفِّنوا فيها موتاكم))(١). والكفن في غيره جائز، ومن أطلق عليه أنه مكروهٌ فمعناه: أنَّ البياض أولى. واختلف قولُ مالكِ في المعصفر، فمرةً كرهه لأنه مصبوغٌ يُتجمَّل به، وليس بموضع تجمل. وأجازه أخرى؛ لأنه من الطيب، ولكثرة لباس العرب له. وسَحُولية: روايتنا فيه بفتح السين، وهي منسوبةٌ إلى ((سَحُول)) قرية باليمن. وفي الصِّحاح: السحل: الثوب الأبيض من الكُرْسُف من ثياب اليمن، ويُجمع: سُحُولٌ وسُحُل. قال ويقال: سحول: موضع باليمن، والسَّحولية منسوبة إليه. وقد كره مالك وعامةُ العلماء التكفينَ في ثياب الحريرِ للرجال والنساء، وأجازه ابنُ حبيب للنساء خاصةً](٢). [و (قولها: ليس فيها قميصٌ، ولا عمامةٌ) حمله الشافعي على أنَّ ذلك أكفانُ ليس بموجودٍ في الكفن، فلا يُقْمَّص. وحمله مالك: على أنه ليس بمعدودٍ فيه، رسول الله والخليجي وأنَّ العِمامةَ والقميصَ زائدان على الثلاثة الأثواب. ويُحتمل: إن كانا موجودين ثلاثة ولم يعدهما الراوي. فيقمَّص ويُعمَّم. وهو قولُ متقدِّمي أصحابه: ابن القاسم وغيره. وهو قولُ أبي حنيفة. وحكى ابنُ القصَّار: أنَّ القميص والعِمامة غير مستحبَيْن عند مالك، ونحوه عن ابن القاسم. وعلى هذا: فيدرج في الثلاثة الأثواب إذراجاً. و (قوله: أمَّ الحُلَّة فإنما شبّه على الناس فيها). قال الخليلُ: الحلةُ: (١) رواه أحمد (٢/ ٢٤٠). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٦٠٠ (٨) كتاب الجنائز - (٨) باب: في تكفين الميت وتسجيته ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بيضٍ سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَها عبدُ الله بنُ أبي بَكْرٍ فقالَ: لَأَحْبِسَنَّها حتى أُكَفِّنَ فيها نَفْسِي، ثُمَّ قالَ: لو رَضِيَهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَه فِيها، فَبَاعَها وتَصَدَّقَ بِثَمَنِها. رواه أحمد (٤٠/٦ و٢٣١)، والبخاري (١٢٧١)، ومسلم (٩٤١)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٦٩)، والنسائي (٣٥/٤)، وابن ماجه (١٤٦٩). [٨١٠] وعنها، قالتْ: سُجِّيَ رسولُ اللهِوَّ﴿، حينَ ماتَ بثوبٍ حِبَرَةٍ . رواه أحمد (١٥٣/٦ و٢٦٩)، والبخاري (٥٨١٤)، ومسلم (٩٤٢)، وأبو داود (٣١٢٠). ضربٌ من برود اليمن. وقال أبو عبيد: هي برودُ اليمن. والحلةُ: إزارٌ ورداء، لا تسمَّی حلةً حتی یکونا ثوبین. و (قولها: سُجِّيَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ بثوبٍ حبرة) سُجِّيَ؛ أي: غُطَي. والتسجية مما مضى بها العمل، وهي: سترة الميت، لما أصابه من التغيُّر. والحِبَرة: من برود الیمن. و (قولها في الأمّ: أدرج في حلة يمنية، ثم نُزعت عنه)(١) تعني: وبعد ذلك كُفْن في الثلاثة الأثواب. اختلف الرواةُ في هذا اللفظ: فعند العذري: يمنية. وعند الصدفي: يمانية. وكلاهما منسوبٌ إلى اليمن. وعند الفارسي: حلةٌ يُمْنَةٌ بتنوین (حلة» ورفع «یمنة)) وإسكان المیم، وفتح النون. ويقال: بحذف التنوين من (١) الحديث في صحيح مسلم رقم (٤٦/٩٤١).