النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
(٧) أبواب کسوف الشمس والقمر۔ (٣) باب: ما جاء أنّ في کل ر کعة ثلاث ركعات
جُوعاً (وفي رواية: فرأيتُ فيها امرأةٌ مِن بني إسرائيلَ. وفيها: ورأيتُ
أبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بن مَالك يجر قُصَبَهُ في النَّارِ. وفي أخرى: فرأيتُ فيها امرأةً
حِمْيَرِيَّةٌ سَوْداءَ طَويلةً، ولم يَقُلْ: مِن بني إسرائيلَ) ثم جِيءَ بالجَنَّةِ، وذلكُم
حينَ رأيتمُوني تَقَدَّمْتُ حتَّى قمتُ في مُقَامِي، ولقد مَدَدْتُ يَدِيَ، وأنَا أُريد
أن أتناولَ مِن ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إليه، ثم بَدَا لي أَلَّا أفعلَ، فما مِن شيءٍ تُوعدُونه
إلا قد رأيتُه في صَلاتي هذه)).
رواه مسلم (٩٠٤) (١٠)، وأبو داود (١١٧٨ و١١٧٩)، والنسائي
(١٣٦/٣).
[٧٧٩] ومن حديث ابن عبّاس، قالوا: يا رسولَ الله! رأيناكَ تناولتَ
شَيئاً في مُقَامِكَ هذا، ثم رأَيْناكَ كَفَفْتَ (وفي رواية: تَكَعْكَعْتَ) فقالَ: ((إِنِّي
المعجمتين، وهي هوائُ الأرض. وقيل: صغار الطير. ويقال(١): بكسر الخاء.
وحُكي عن أبي عليٍّ: أنه يقال: بضمها. وقيل: لا يقال في الطير إلا بالفتح.
و (تكعكعتَ) أي: أحجمت وجَبُنْتَ. يقال: تكعكع الرجل، وتكاعی وکمَّ
كعوعاً: إذا أحجم وجبن. قاله الهروي وغيره. قلتُ: وهو في هذا الحديث
بمعنى: كففت. كما قاله في الرواية الأخرى.
و (قوله: ((ولقد مددتُ يدي)) إلى قوله: ((ثم بدا لي ألا أفعل))) وَقَعَ في روايةٍ
أخرى: فقصرت يدي عنه. وَوَجْهُ الجمع؛ أنه لما تحقَّقَ أنه لا يناله؛ بدا له فيما
همَّ به، فقصرتْ يده عنه، أي: بصرفه إيّاها عن الأخذ. ويحتملُ أن يريد: أنه لم
تلحقْه يده؛ لأنه مدَّخر ليوم الجزاء، وقد تقدَّم الكلامُ على بقية هذا الحديث فيما
تقدم.
(١) في (ع): وقيل.

٥٦٢
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٤) باب: ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات
رأيتُ الجنَّةَ، فتناولتُ منها عُنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بقيتِ الدُّنيا.
ورأيتُ النَّارَ، فلم أرَ كاليوم مَنْظَراً قَطُ. ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ)) قَالُوا:
بِمَ؟ يا رسولَ الله! قال: ((بِكُفْرِهِنَّ)) قيلَ: أيكفرنَ بالله؟ قالَ: ((يكفرنَ
العشيرَ، ويكفرنَ الإحسانَ: لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثم رَأَتْ مِنكَ
شيئاً، قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيراً قَطُّ)).
رواه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧)، وأبو داود (١١٨١)،
والترمذي (٥٦٠)، والنسائي (١٢٩/٣).
(٤) باب
ما جاء أن في كل ركعة أربع ركعات
[٧٨٠] عن ابن عبّاس، قالَ: صلَّى رسولُ اللهِ وَلِّ حِينَ كَسَفَتِ
الشَّمْسُ ثمانِ رَكَعاتٍ في أربع سَجْداتٍ. وعن عَلِيٍّ، مثل ذلك.
رواه مسلم (٩٠٨)، وأبو داود (١١٨٣)، والترمذي (٥٦٠)،
والنسائي (١٢٩/٣).
[٧٨١] وفي رواية: قرأَ ثم ركعَ، ثم قرأَ ثم ركعَ، ثم قرأَ ثم ركعَ،
ثم قرأَ ثم ركعَ، ثم سجدَ. قال: والأخرى مثلُها.
رواه مسلم (٩٠٩).
و (قوله في حديث عمرو (١): وركع ركعتين في سجوده) يعني بالسجدة:
الركعة. وقد تقدَّم تسمية أهل الحجاز الركعة: بالسجدة.
(١) يأتي حديث عمرو بن العاص في التلخيص برقم (١٠٨٣).

٥٦٣
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٥) باب: يُطوِّل سجودها كما يُطوِّل ركوعها
(٦) باب: ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان
(٥) باب
يُطَوِّل سُجودَها كما يُطوِّلُ رُكوعَها
[٧٨٢] عن عمْرٍو بن العَاص، أنَّه قالَ: لمَّا انكسفتِ الشَّمسُ على
عهدٍ رسولِ اللهِ وَ ﴿ نُودِيَ أنَّ الصَّلاةَ جَامعةٌ، فركعَ رسولُ اللهِ وَل﴿ رَكعتينِ
في سَجْدَةٍ، ثم قامَ، ثم جُلِّيَ عنِ الشَّمْسِ. فقالتْ عائشةُ: ما ركعتُ رُكوعاً
ولا سَجَدْتُ سُجوداً قَطُّ، كانَ أطولَ مِنه.
رواه البخاري (١٠٥١)، ومسلم (٩١٠)، وأبو داود (١١٩٤)،
والنسائي (١٣٦/٣ - ١٣٧).
(٦) باب
ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان كسائر النوافل
[٧٨٣] عن عبد الرحمنِ بن سَمُرةَ، وكانَ من أصحاب
رسولِ اللهِ وَّ﴿ قالَ: كنتُ أَرْتَمِي بأَسْهُم لي بالمدينةِ في حياةٍ
(٦) ومن باب: ما جاء أنَّ كسوفَ الشَّمس ركعتان كسائر النوافل(١)
أرتمي أي: أرمي الغرض. يقال: رمى، وارتمى. بمعنى واحد.
(١) لم يتعرض المصنف - رحمه الله - إلى شرح البابين الرابع والخامس، وذلك لعدم وجود
مشکلات فيهما .

٥٦٤
(٧) أبواب کسوف الشمس والقمر ۔ (٦) باب: ما جاء أن صلاة الكسوف ركعتان
رسولِ اللهِ وَ﴿، إذ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فنبذتُها. فقلتُ: واللهِ! لأَنْظُرَنَّ إلى
ما حدثَ لرسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ فِي كُسوفِ الشَّمْس. قالَ: فَأَتَيْتُه وهو قائمٌ في
الصَّلاةِ، رافعٌ يَدَيْهِ، فجعلَ يُسَبِّعُ ويَحمَدُ ويُّهَلِّلُ ويُكَبِّرُ ويَدعُو، حتَّى حُسِرَ
عنْها، قالَ: فلمَّا حُسِر عنها قرأَ سُورتين، وصلَّى رَكعتين.
وفي روايةٍ: فانتهيتُ إليه وهو رافعٌ يَدَيْهِ يَدعُو ويُكَبِّرُ ويَحمَدُ ويُهلِلُ،
حتَّى جُلِّي عنِ الشَّمْسِ فقرأْ سُورتينٍ، وركعَ رَكْعَتينٍ.
رواه مسلم (٩١٣) (٢٥ و٢٦)، وأبو داود (١١٩٥)، والنسائي
(١٢٥/٣).
و (نبذتها)(١): رميتها من يدي. و(حسر): كشف.
و (قوله: ((قرأ سورتين، وصلَّى ركعتين))) قد تقدَّم الكلامُ عليه. ونزيدُ هنا
تنبيهاً وهو: أنَّ ظاهرَ هذا الحديث أنَّ صلاته هاتين الرَّكعتين لم يكنْ لأجل أنها
صلاةُ الكسوف؛ لأنَّه إنما صلَّى بعد الانجلاء، وهو الزمانُ الذي يفرغُ فيه من
العمل فيها؛ لأنه الغايةُ التي مدَّ فِعْلَ صلاة الكسوف إليها بقوله: ((فصلُّوا حتى
ينجليا))(٢) فلا حُجَّةَ فيه للكوفيين، غير أنه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن
بشير قال: ((كَسَفَتِ الشمسُ على عهد رسول اللهِوَّز، فجعل يصلِّي ركعتين
ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت))(٣)، وهذا معتمدٌ قويٍّ للكوفيين، غير أنَّ
الأحاديثَ المتقدِّمة أصحُ وأشهر، ويصحُ حَمْلُ هذا الحديث: على أنَّه بيَّن فيه
جوازَ مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرِّرُ في الأحاديث المتقدمة هو
السُّنَّة، والله أعلم.
(١) في (هـ) و (ط) و (ظ): قيدتها. والمثبت من (ع) و (ط).
(٢) رواه مسلم برقم (٦/٩٠١) وهو في التلخيص برقم (٧٧٧) بلفظ: ((فاذكروا الله حتى
ینجلیا».
(٣) رواه أبو داود (١١٩٣)، وابن ماجه (١٢٦٢).

٥٦٥
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٧) باب: شهود النساء صلاة الكسوف
(٧) باب
شهود النساء صلاة الكسوف
[٧٨٤] عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ
رسولِ اللهِ وَّ، فدخلتُ عَلى عائشةَ وهي تُصلِّي فقلتُ: ما شأنُ النَّاس
يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ برأسِها إلى السَّماءِ. فقلتُ: آيةٌ؟ قالتْ: نعم. فأطالَ
(٧) ومن باب: شهود النساء صلاة الكسوف
اختلفَ في مخاطبة النساء بصلاة الكسوف فقيل: يُخاطَبُ بها الجميعُ والنساء
والمسافرون. وهذا مشهورُ مذهبٍ مالك، وعند الشافعي. وروي عن مالك أيضاً
ما يدلُّ: على أنه يُخاطَبُ بها مَن يُخَاطَبُ بالجمعة، فيخرجُ منها النساءُ
والمسافرون. وذهب الكوفيون: إلى أنَّهن يُصلِّين أفذاذاً(١) لا جماعة. وهذا
الحديثُ وحديثُ جابر لا يدلان على حُضُور النساء لها مع رسولِ الله وَّر، وما
خرجن من بيوتهن، ولا حَضَرْن الصلاة، إلا وقد صحَّ عندهنَّ أنهن مخاطباتٌ
بذلك. وأيضاً فإنَّ قولَه ◌ِوَله: ((فإذا رأيتُم ذلك فافْزَعُوا إلى الصلاة)) يدلُّ: على أنهن
مخاطباتٌ بذلك، وهذا الخطابُ وإن كان أصلُهُ للذكور فالنساءُ مندرجاتٌ فيه، كما
اندرجن في قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ﴾
[المائدة: ٦]، و: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وغير ذلك من خطابات
التعبُّدات العامة، والنساءُ داخلاتٌ فيها باتفاق. واختلفَ فيمن فاتته صلاةُ الكسوف
مع الإمام، هل يُصلِيها وحده؟ على قولين لأهل العلم. ومِن أصحابنا مَن قال:
لا تلزمه، وهو أصلُ مالك: في أنَّ السننَ لا تُقْضَى إذا فاتت بفوات أفعالها أو
أو قاتها.
(١) في (ع) و(ظ): أفراداً.

٥٦٦
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٧) باب: شهود النساء صلاة الكسوف
رسولُ اللهِوَّهِ القِيامَ جِدّاً، حتَّى تَجَلَّنِي الغَشْيُ - أو الغَشِيُّ - فأخذتُ قِرْبَةً
مِن مَاءٍ إلى جَنْبِي، فجعلتُ أَصُبُّ على رَأسِي، أو على وَجْهِي مِن الماءِ،
قالتْ: فانصرفَ رسولُ الله ◌َ﴿ وقد تجلَّتِ الشَّمسُ، فخطبَ رسولُ الله ◌ِله
النَّاسَ فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثم قالَ: ((أَمَّا بعدُ، ما مِن شيءٍ، لم أكنْ رأيتُه
إلا قد رأيتُه في مُقَامي هذا، حتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ، وإنه قد أُوحِيَ إِلَيَّ أنكم
تُفْتَنُونَ في القُبورِ قَرِيباً، أو مثلَ فِتْنَةِ المسيح الدَّجَّالِ (لا أدري أيَّ ذلكَ
قالتْ أسماءُ) فيُؤْتَى أحدُكم فيُقالُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرَّجلِ؟ فأمَّا المؤمنُ أو
الموقنُ (لا أدري أيَّ ذلكَ قالتْ أسماءُ) فيقولُ: هو محمّد، هو رسولُ الله
جاءَ بالبَيَّاتِ والهُدى؛ فأجبْنَا وأطعْنَا ثلاثَ مِرارٍ، فيُقالُ له: نَمْ. قد كنّا
نعلمُ أنَّكَ مؤمنٌ به، فَنَمْ صَالحاً. وأمَّا المنافقُ أو المرتابُ (لا أدري أيَّ
ذلك قالتْ أسماء) فيقولُ: لا أَدري. سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُ)).
رواه البخاري (١٨٤)، ومسلم (٩٠٥) (١١)، وابن ماجه (١٢٦٥).
و (قولها: حتى تجلَّني الغَشْيُ أو الغَشِيُّ) الأول بسكون الشِّين، والثاني
بكسرها، وكلاهما بالغين المعجمة، وهما بمعنى واحد. وهو حقيقةٌ(١) الإغماء.
وأتى الراوي باللفظين لأنه شكَّ هل سمعه منها مُسكَّنةً أو مُثقَّلة. ووقعتْ هذه
اللفظةُ عند الطبري بالعين المهملة، وليس بشيءٍ.
و (قولها: فجعلت أصبُّ على رأسي ووجهي الماء) هذا كان منها لطولِ
القيام، وشدَّة الحرِّ، وكأنَّها رأتْ أن فِعْلَ مثل هذا مع شدَّة الحاجة إليه يجوزُ لخفَّة أمرٍ
ما ليس بفريضةٍ، ولأنَّ هذا الفعلَ ليس من قبيل العمل الكثير الذي ینصرفُ به عن
الصلاة، كتأخّر النبي ◌َ﴿، وتقدّمه في هذه الصلاة. وفي هذا الحديث أبوابٌ كثيرةٌ
(١) في (ع) و(ظ): خفيف.

٥٦٧
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٧) باب: شهود النساء صلاة الكسوف
[٧٨٥] وعنها، قالتْ: كَسَفَتِ الشَّمسُ على عهدٍ رسولِ اللهِ لَّهِ،
ففزعَ، فأخطأ بِدِرْع، حتَّى أُدْرِكَ بردائِهِ بعدَ ذلك. قالت: فقضيتُ حاجَتِي،
ثم جئتُ فدخلتُ المسجدَ، فرأيتُ رسولَ اللهِّهِ قائماً، فقمتُ معه،
فأطالَ القيامَ حتى رأيتُني أُريدُ أَنْ أجلسَ، ثم ألتفت إلى المرأة الضَّعيفة،
من الفقه، منها ما ذُكِر، ومنها ما لم يذكر؛ إلا أنها لا تخفى على المتأمِّل الفَطِن.
و (قول عائشة: ففزع فأخطأ بدرع) قد (١) تقدّم الكلامُ على الفزع. ومعنى
أخطأ بدرع: أي أخطأ في ثوبه فلبس درعاً غيره لاستعجاله، وفي بعض الروايات:
فخطا بدرع ثلاثياً، قال القاضي: ولعله خطىء. قال ابنُ عرفة: أخطأ في العمد
وغيره، وخطىء بمعناه، وكلاهما مهموز. وقال الأزهري: أخطأ: إذ لم يتعمّد،
وخطىء إذا تعمّد، والخطأ: ضد الصواب، مهموز، يُمَدُّ ويقصر، والمدُّ قليل،
والمصدرُ ممدود: خطاء وإخطاء، والخِطْء بكسر الخاء وسكون الطاء: الإثم، فأما
الخِطاء بالكسر والمدّ: فهو من التخطّي. قلتُ: ويظهر لي أنَّ معنى قولها: أخطأ
بدرع، أي: أخطأ فانصرفَ بدرع وحده من غير رداء، ولذلك قالت: حتى أُدْرِكَ
بردائه، وأما رواية مَن رواه؛ فَخطا؛ فأظن تلك الرواية وقعتْ بغير همز من
الخطو، يقال: خطا يخطو خطواً، والواحدة: خطوة، كما قال الشاعر:
وَمَرَّ يَخْطُو سَرِيعاً فِي تَأَؤُّدِهِ
يَا لَيْتَهِ فِي سَوادِ النَّاظِرَيْنِ خَطَا
فيكون معناه: أنه مشى خطواتٍ بدرعه من غير رداءٍ حتى أُدْرِكَ بردائه،
والله أعلم.
(١) من (هـ) و (ظ) و (ل).

٥٦٨
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٧) باب: شهود النساء صلاة الكسوف
فأقولُ: هذه أضعفُ مِني فأقومُ، فركعَ فأطالَ الرُّكوعَ، ثم رفعَ رأسَه فأطالَ
القيامَ حتَّى لو أنَّ رجلاً جاءَ خُيِّلَ إليه أنَّه لم يركعْ.
رواه البخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠٦) (١٦).
حكم الصلاة
و (قوله: ((إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتان من آيات الله تعالى))) أي: إنَّ كسوفَهما
في الآيات آيةٌ من آيات الله؛ لأنه الذي خرج الحديث بسببه. ثم هل يتعدَّى الأمرُ بالصلاة عند
المخوفة
الكسوف إلى كلِّ آية مخوفة؛ كالزلازل والصواعق، والرِّياح الشَّديدة، وشبهه من
الآيات؟ فذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأشهب: إلى الصلاة عند ذلك كلِّه.
وقد رُوي عن مالك، وروي عن ابن عباس، وابن مسعود. والمشهور عن مالك،
والشافعي، والجمهور: أنَّ ذلك مخصوصٌ بالكسوف؛ لأنَّ قوله: ((هما آيتان)) لم
يخرجْ مخرجَ التعليل، وإنما خرجَ مخرجَ الإعلام، كما قال: ((فإنهما لا ينكسفان
لموت أحد ولا لحياته، وإنما هما (١) آيتان من آيات الله))، والله أعلم.
-
(١) في (ع): وإنهما.
-

٥٦٩
(٨) كتاب الجنائز - (١) باب: تلقين الموتى
(٨)
كتاب الجنائز
(١) باب
تلقين الموتى، وما يقال عند المصيبة،
وعند حضور المرضى والموتى
[٧٨٦] عن أبي سعيد الخدريٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَقُّنُوا
مَوْتَاكُم لا إلهَ إلَّ الله)).
رواه أحمد (٣/٣)، ومسلم (٩١٦)، والترمذي (٩٧٦)، وأبو داود
(٣١١٧)، والنسائي (٥/٤)، وابن ماجه (١٤٤٥).
(٨)
كتاب الجنائز
(١) ومن باب: تلقين الموتى
(قوله وَله: (لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله))) أي: قولوا لهم ذلك، وذكِّروهم به
عند الموت، وسمَّاهم ◌َ ﴿ موتى لأن الموتَ قد حَضَرهم، وتلقينُ الموتى هذه
الكلمة سُنّة مأثورة عَمل بها المسلمون، وذلك ليكون آخرَ كلامه: لا إله إلا الله،
فيختم له بالسَّعادة، وليدخل في عموم قوله وَلفيه: ((مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا

٥٧٠
(٨) كتاب الجنائز - (١) باب: تلقين الموتى
[٧٨٧] وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِصَلِّ يقولُ: ((مَا مِن
مُسلم تُصيبُه مُصيبةٌ، فيقولُ ما أمرَه الله: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ
أُجُرْنِي في مُصيبِي، وأَخْلِفْ لي خَيْراً مِنْها، إلا أخلفَ الله له خَيْراً مِنْها)).
الله؛ دَخَل الجنة))(١). ولينبَّه المحتضر على ما يدفع به الشيطان، فإنه يتعرَّض
للمحتضر ليفسدَ عليه عقيدته، فإذا تلقّنها المحتضرُ، وقالها مرة واحدة، فلا تُعاد
عليه؛ لئلا يتضجَّر، وقد كره أهلُ العلم الإكثارَ عليه من التلقين، والإلحاحَ عليه إذا
هو تلقّنها، أو فُهم عنه ذلك، وفي أمره عليه الصلاة والسلام بتلقين الموتى
ما يدلُّ: على تعيّن الحضور عند المحتضر؛ لتذكيره وإغماضه، والقيام عليه،
وذلك من حقوق المسلم على المسلمين، ولا خلافَ في ذلك.
مدح من قال
عند المصيبة :
: إنا لله وإنا إليه
راجعون
و (قوله وَّجْرِ: ((ما من مسلم تُصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله: إنَّا لله وإنّا إليه
راجعون))) هذا تنبيهٌ على قوله تعالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] الآية، مع
أنه ليس فيها أمرٌ بذلك القول، وإنما تضمَّنتْ مَدْحَ مَن قاله؛ فيكون ذلك القولُ
مندوباً، والمندوبُ مأمورٌ به؛ أي: مطلوبٌ ومقتضىّ. وإن سُوِّغ تركه. وقال
أبو المعالي: لم يختلف الأصوليون أنَّ المندوبَ مقتضىً ومطلوب، وإنما اختلفوا
هل يُسمَّى: مأموراً به؟ قلت: وهذا الحديثُ يدلُّ على أنه يُسمَّى بذلك.
و (قوله: ((إنَّا لله وإنّا إليه راجعون))) كلمةُ اعترافٍ بالملك لمستحقٌّه، وتسلیمٌ
له فيما يُجريه في مُلْكه، وتهوينٌ للمصيبات بتوقُّع ما هو أعظم منها، وبالثواب
المرتَّب عليها، وتذكيرِ المرجع والمآل الذي حَكَم به ذو العزَّة والجلال.
و (قوله: ((اللهم أُجُرْنِي في مصيبتي))) هو من الأجر، وهو الثَّواب، قال
صاحبُ الأفعال(٢): يقال: آجره الله، بالمدّ وبغير المدّ. وقال الأصمعيُّ: هو
(١) رواه أحمد (٢٣٣/٥ و٢٤٧)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل.
(٢) هو علي بن جعفر السعدي، المعروف بابن القطاع: عالمُ أدب ولغة، توفي سنة
(٥١٥ هـ). له كتب كثيرة منها: ((الأفعال)) وهو مطبوع.

٥٧١
(٨) كتاب الجنائز - (١) باب: تلقين الموتى
قالتْ: فلمَّا ماتَ أبو سلمةَ قلتُ: أيُّ المسلمينَ خيرٌ مِن أبي سلمةَ؟
أُوَّلُ بيتٍ هاجرَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ. ثم إنِّي قُلْتُها فأخلفَ اللهُ لي
رسولَ اللهِ صل﴾.
قالتْ: فأرسلَ إليَّ رسولُ اللهِوَ﴿ حَاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ، فَخَطَبِي له،
فقلتُ: إنَّ لي بِنْتاً، وأنا غيورٌ. فقالَ: ((أمَّا بنتُها فندعُو اللهَ أنْ يُغنيَها عنها،
وأَدْعُو الله أَنْ يَذْهَبَ بالغَيْرَةِ)).
وفي رواية: ((ثم عزمَ اللهُ لي فقلتُها)).
رواه مسلم (٩١٨)(٣ و٥)، وأبو داود (٣١١٩)، والترمذي (٣٥٠٦).
[٧٨٨] وعنها، قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِذَا حَضَرْتُم المريضَ،
أو المَيِّتَ فقُولوا خَيْراً؛ فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنُونَ على ما تَقُولُونَ)) قالتْ: فلمَّا
مقصورٌ لا يُمَدّ، وهو الذي حكاه أكثرُ أهل اللغة.
و (قول أم سلمة - رضي الله عنها -: عزم الله لي) أي خَلَق فيَّ قصداً
مؤكّداً، وهو العزم، لا أنَّ إرادةَ الله تسمَّى عزماً، لعدم الإذْن في ذلك. والله تعالى
أعلم.
و (قولها: وأنا غيور) أي: كثيرةُ الغيرة، وقد جاءت فعول في صفة
المؤنث كثيراً، وإن كان أصلُها للمذكر. قالوا: امرأة ضحوك، وعَرُوب،
وعروس. وعقبة كؤود، وأرض صعود، وحدور، وهبوط. ويقال: امرأة غيرى،
ورجل غیران، کسکری وسكران، وغضبی وغضبان، وهو القیاس.
و (قوله ◌َ﴿: ((إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً))) أمرُ تأديبٍ وتعليم بما يقال استحباب
عند الميت، وإخبارٌ بتأمين الملائكة على دعاء مَن هناك، ومن هذا استحبَّ الدعاء للميت
علماؤنا أن يحضر الميتَ الصالحون وأهلُ الخير حالةَ موته لیذكِّروه، ويدعوا له،
عند احتضاره

٥٧٢
جيببس
(٨) كتاب الجنائز - (٢) باب: في إغماض الميت
ماتَ أبو سلمةَ أتيتُ النبيَّ وَّهِ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبَا سلمةَ قد ماتَ،
قالَ: قُولي: ((اللَّهُمَّ اغفرْ لي ولَهُ، وأَعْقِبْنِي مِنْهِ عُقْبَى حَسَنَةً)) قالتْ: فقلتُ.
فَأَعْقَبَنِي الله مَنْ هُو خيرٌ لي منه، محمَّداً ◌ٍَّ.
رواه أحمد (٣٠٦/٦)، ومسلم (٩١٩)، وأبو داود (٣١١٨)،
والترمذي (٩٧٧)، والنسائي (٤/٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٤٧).
(٢) باب
في إغماض الميت، والدعاء له
[٧٨٩] عن أُمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: دخلَ رسولُ اللهِوَّه على أَبِي سَلَمَةَ
وقد شُقَّ بصَرُهُ فأغمضَه، ثم قالَ: ((إنَّ الزُّوْحَ إذا قُبضَ تَبِعَهُ البَصَرُ)) فضَجَّ
ولمن يخلفه، ويقولوا خيراً؛ فيجتمع دعاؤهم وتأمينُ الملائكة، فينتفع بذلك
المیتُ ومَن يُصاب به، ومن یخلفه.
و (قوله: ((وأعقبني منه عُقْبِى حَسَنة)) - كما قالت -: ((وأَخْلِفْ لي خيراً منها)))
أي: عاقبة جميلة.
(٢) ومن باب: إغماض الميت
(قوله وٍَّ: ((شَقَّ بَصَرُه))) صوابه وصحيحه: شَقَّ بفتح الشين مبنياً للفاعل،
ويرفع البصر، أي: انفتح. يقال: شق بصر الميت، وشق الميت بصره: إذا شَخَص
بصره بفتح الخاء أيضاً، قاله صاحبُ الأفعال، ولم يعرف أبو زيد الضَّم. وإغماض
الميت: سدُّ أجفانه بعد موته، وهو سُنَّةٌ عَمِل بها المسلمون كافةً. ومقصودُه:

٥٧٣
(٨) کتاب الجنائز - (٢) باب: في إغماض الميت
ناسٌ مِن أهلِه، فقالَ: ((لا تَذْعُوا على أَنفسِكُم إلَّا بخيرٍ، فإنَّ الملائكةَ
يُؤْمِّنونَ على ما تَقُولُونَ)). ثم قالَ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ لأبي سَلَمَةَ وارفعْ درجتَه في
المَهْدِيِّينَ، واخْلُفْهُ في عَقِهِ في الغَابِرِينَ، واغفرْ لَنا وله يا ربَّ العالمينَ،
وافسخ له في قبره، ونوِّر له فيه)).
رواه أحمد (٢٩٧/٦)، ومسلم (٩٢٠) (٧)، وأبو داود (٣١١٥)،
والنسائي (٤/٤ - ٥)، وابن ماجه (١٤٥٤).
[٧٩٠] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((ألم تَرَوُا
الإنسانَ إذَا ماتَ شَخَصَ بصرُه؟)) قَالُوا: بَلى، قالَ: ((فذلكَ حينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ
نَفْسَهُ».
رواه مسلم (٩٢١).
تحسينُ وَجْه الميت، وسَتْر تَغَيُّر بصره. والمهديُّون: الذين هُدوا إلى الصراط
المستقيم صراط الله .
و (قوله: ((واخلفه في عقبه في الغابرين))) أي: كُن الخليفة على مَن يتركه
مِن عقبه، ويبقى بعده، ويعني بالغابرين: الباقين. كما قال تعالى: ﴿إِلَّا أَمْرَأَثَهُم
كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣] أي: من الباقين في العذاب. وغَبَر: من
الأضداد، يقال: بمعنى: بقي، وبمعنى: ذهب.
و (قوله: ((إنَّ الروح. إذا قُبِض تبعه البصر))) وفي حديث أبي هريرة قال:
((فذلك حين يتبعُ بصرُه نفسَه)) يدلُّ: على أن الروحَ والنفس عبارتان عن معنى
واحد، وهو الذي يُقْبض بالموت، والله تعالى أعلم.

٥٧٤
(٨) كتاب الجنائز - (٣) باب: ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
(٣) باب
ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
[٧٩١] عن أُمُّ سَلَمَةَ، قالتْ: لمَّا ماتَ أبو سلمةَ قلتُ: غريبٌ في
أرضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكيَنَّه بُكاءً يُتَحَدَّثُ عنه، فكنتُ قد تَهَيَّْتُ للبكاءِ عليهِ، إذا
أَقْبَلَتِ امرأةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُريدُ أنْ تُسْعِدَني، فاستقبلَها رسولُ اللهِنَّهِ فقالَ:
(أتريدينَ أن تُدْخِلِي الشَّيْطانَ بيتاً أخرجَه الله منه؟)) مَرَّتينٍ، فَكَفَفْتُ عن
البُكاءِ فلم أَبْكِ.
رواه مسلم (٩٢٢).
وفيهما(١) ما يدل: على أنَّ الموتَ ليس عَدَماً ولا إعداماً، وإنما هو انقطاعُ
تعلُّق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولةٌ بينهما، ثم إنَّ البدنَ يبلى ويفنى إلا عَجْبَ
اللَّنَب الذي منه بُدِىء خَلْقُ الإنسان، ومنه يُركَّب الخَلْقُ يوم القيامة.
(٣) ومن باب: ما جاء في البكاء على الميت
(قول أم سلمة: لأبكينه بكاءً يُتَحَدَّثُ عنه) أي: تنوحُ عليه نياحةً شديدةً،
وذلك منها على ما كانوا عليه من النِّياحة والاجتماع لها قبل أن يبلغَها تحريمُ
النياحة، والله أعلم.
والصعيد هنا: أعالي الأرض، وكأنها تريدُ عوالي المدينة، ومنه: صعيد
مصر، أي: أعلى بلادها. وتسعدني معناه: توافقني على النياحة.
و (قوله وَله: ((أتريدين أن تُدْخِلي الشيطانَ بيتاً أخرجه اللهُ منه مرتين)))
(١) في (هـ) و (ظ): فيه.

٥٧٥
(٨) كتاب الجنائز - (٣) باب: ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
[٧٩٢] وعن أسامةَ بن زيدٍ، قالَ: كثّا عندَ النبيِّ ◌َهِ فَأَرْسَلَتْ إليه
إحدى بناتِهِ تدعُوه، وتُخبرُه أنَّ صَبِيّاً لها، أو ابْناً لها في الموتِ، فقالَ
للرسولِ: ((ارجعْ إليهَا فأخبرها أنَّ للهِ ما أخذَ وله ما أَعْطَى، وكلُّ شيءٍ عندَه
بأجلِ مُسمَّى، فَمُرْها فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسبْ)) فعادَ الرسولُ فقالَ: إنَّها قد
أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَّها. قالَ: فقامَ النبيُّ نَ ◌ّهِ وقامَ معه سعدُ بنُ عُبَادةَ ومعاذُ بنُ
جبل، وانطلقتُ معهم، فرُفِعَ إليه الصَّبِيُّ، ونفسُه تَقَعْقَعُ كأنَّها في شنَّةٍ،
فَفَاضَتْ عَيْناهُ، فقالَ له سعدٌ: ما هذا يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ((هذه رحمةٌ
جعلَها اللهُ في قُلوبٍ عِبَادِهِ، وإنَّما يرحمُ الله مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ)).
رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣)، والنسائي (٢٢/٤).
-
يحتملُ ذلك - والله أعلم - أن يكونَ بسبب صحَّة إسلام أبي سلمة، وحُسْن هجرته.
و (قوله: ((ونفسه تَقَعْقَعُ كأنها في شَنَّة))). قال الهرويُّ يقال: تقعقع الشيءُ:
إذا اضطرب وتحرَّك. ويقال: إنه ليتقعقع لَحْياه مِن الكِبَر. قال غيرُه: القعقعة هنا:
صوت النفس، وحشرجة الصدر. ومنه: قعقعةُ الجلود، والتِّرسة، والأسلحة،
وهي: أصواتها، والشَّنَّة: القِرْبة البالية، فكأنه شَبَّه صوتَ نفسه وقلقلته في صَدْره
بصوت ما [ألقي](١) في القربة [البالية](٢) اليابسة من الماء إذا حُرِّك فيها، ومن
أمثالهم: لا يُقَعْقِعُ له بالشّنان، أي: لا يقرع بقرعه، كما يفعل بالصبي.
و (قوله: ((هذه رحمة))) أي: رقّة يجدها الإنسانُ في قلبه تبعثه على البكاء
من خشية الله، وعلى أفعال البِرِّ والخير، وعلى الشَّفقة على المبتلي والمصاب،
ومَن كان كذلك جازاه اللهُ برحمته، وهو المعني بقوله وَّهِ: ((إنما يرحمُ الله من
(١) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (ع).

٥٧٦
(٨) كتاب الجنائز - (٣) باب: ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
[٧٩٣] وعن عبدِ الله بن عمرَ، قالَ: اشتكى سعدُ بن عُبَادَةَ شَكْوَى
له، فأَتَى رسولُ الله ◌َّهِ يَعُودُه مع عبدِ الرحمنِ بن عَوْف، وسعدِ بن أبي
وَقَّاص، وعبدِ الله بن مَسعود، فلمَّا دخلَ عليه وجدَه في غَشْيَةٍ، فقالَ: ((أَقَدْ
قَضَى؟)) قَالُوا: لا، يا رسولَ الله! فبكى رسولُ اللهِ ◌ّهِ فلمَّا رأى القومُ بُكاءَ
رسولِ اللهِوَ﴿ بَكَوْا، فقالَ: ((ألا تسمعونَ؟ إنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بدمع العينِ،
ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ يُعَذِّبُ بهذا - وأشارَ إلى لسانِهِ - أو يرحمُ)).
رواه البخاري (١٣٠٤)، ومسلم (٩٢٤).
عباده الرُّحماء)) وضدُّ ذلك القسوة في القلوب الباعثة على الإعراض عن الله تعالى،
وعن أفعال الخير. ومَن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَسِيَةِ فُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اَللَّهِ﴾
[الزمر: ٢٢].
و (قوله: فوجده في غَشْية) روايتنا فيه بسكون الشين وتخفيف الياء، وقد
رواه جماعةٌ من الشيوخ بكسر الشين وتشديد الياء. وقال الحافظ أبو الحسن:
لا فَرْقَ بينهما، هما واحد، يُريد من الغشاوة. ورواه البخاري: في غاشية. قال:
ويحتملُ وجهين: من يغشاه من الناس، أو ما يغشاه من الكرب.
و (قوله: ((أقد قضى؟))) أي: مات.
و (قوله: ((إن الله لا يُعذِّبُ بدمع العين ولا بحُزْن القلب))) يدلُّ: على أنَّ
جواز البكاء
على الميت من البكاء الذي لا يصحبه صوتٌ ولا نياحة جائزٌ قبل الموتِ وبَعْده، بل قد يُقال فيه:
غير صوت ولا
نیاحة
إنه مندوبٌ إليه؛ لأنه قد قال فيه: إنه رحمةٌ. والرحمةُ مندوبٌ إليها، فأما النياحةُ
التي كانت الجاهلية تفعلها من تعديد خصال الميت، والثَّناء عليه بما كان فيه من

٥٧٧
(٨) كتاب الجنائز - (٣) باب: ما جاء في البكاء على الميت، وعنده
الخصال الدُّنيوية والمذمومة، والصُّراخ الذي يُخْرجه الجزعُ المفضي إلى السّخط
والعبث من: ضَرْب الخدود، وشقّ الجيوب، فكلُّ ذلك مُحَرَّمٌ من أعمال الجاهلية
ولا يختلف فيه، فأما بكاءٌ وصراغٌ لا يكون معه شيءٌ من ذلك فهو جائزٌ قبل
الموت، مكروهٌ بعده. أما جوازُه فبدليل حديث جابر بن عقبة الذي خرَّجه مالك،
وذلك: أن رسولَ اللهِوَ﴿ جاء يعود عبدَ اللهِ بنَ ثابت، فوجده قد غلب عليه، فصاح
به، فلم يُجِبْه، فاسترجعَ رسولُ اللهِ ﴿ وقال: ((غُلِبْنا عليك أبا الربيع)) فصاحَ
النِّسوةُ وبكين، فجعل جابر يُسَكِّتهن، فقال رسولُ الله ◌َ له: ((دَعْهُنَّ، فإذا وَجَبَ فلا
تبكيَنَّ باكية))(١). ووجه الاستدلال: أنه وَل﴾ أقرَّهنَّ على البكاء والصِّياح قبل
الموت، وأمر بتركهن على ذلك. وإنما قلنا: إنه مكروه بعد الموت ليس بمحرَّم؛
لما في حديث جعفر من بكائهن بعد الموت، وإعلام النَّبي آپے بذلك ونهیهن عنه،
فلما لم ينكففن قال للمبلِّغ: ((أُحْثُ في أفواههنَّ التراب))(٢) ولم يبالغْ في الإنكار
عليهن، ولا زَجَرَهُنَّ، ولا ذمَّهن، ولو كان ذلك مُحرَّماً لفعل كلَّ ذلك،
والله أعلم.
وبهذا الذي قرَّرناه يرتفعُ الاختلافُ بين ظواهر الأحاديث التي في هذا
الباب، ويصحُّ جَمْعُها، فتمسّكْ به فإنه حَسَنٌ جداً. وهو الصوابُ إن شاء
الله تعالى.
(١) رواه مالك في الموطأ (٢٣٣/١).
(٢) رواه مسلم برقم (٣٠/٩٣٥) وانظره في التلخيص (٨٠٤).

٥٧٨
(٨) كتاب الجنائز - (٤) باب: في عيادة المريض
(٤) باب
في عيادة المريض، والصبر عند الصدمة الأولى
[٧٩٤] عن عبدِ الله بن عمرَ، أنَّه قالَ: كُنَّا جلوساً معَ رسولِ الله وَّل
إذْ جاءَ رجلٌ من الأَنصارِ فَسَلَّم عليه، ثم أدبرَ الأنصارِيُّ، فقالَ النبيُّ ◌َّ:
((يا أخَا الأنصارِ! كيفَ أخي سعدُ بنُ عُبادة)) فقالَ: صَالِحٌ. فقالَ
رسولُ الله ◌َّهِ: (مَنْ يَعودُه مِنْكُم؟)) فقامَ وقُمْنَا معه ونحن سبعةَ عشرَ،
ما عليْنَا نِعالٌ ولا خِفافٌ ولا قَلانسُ ولا قُمُصٌ، نَمشي في تلكَ السِّباخِ حتَّى
جثْنَاهُ، فاستأخرَ قومُه مِن حولِهِ، حتَّى دَنا رسولُ الله ◌ِوَّهِ وأصحابُه الذينَ
معه .
رواه مسلم (٩٢٥).
(٤) ومن باب: عيادة المريض
(قوله ◌َله: ((كيف أخي سعد؟))) دليلٌ: على حسن التّعاهد(١)، وتفقد
الإخوان، والسؤال عن أحوالهم إذا فقدوا، وعلى الاستلطاف في السُّؤال عنهم.
و (قوله: ((من يعوده منكم؟))) حضّ على عيادة المرضى، وقد ورد في ذلك
أحاديثُ كثيرة تدلُّ: على ندبيتها، وكثرة ثواب فاعِلها، وهي مندوبةٌ، وقد تجبُ
إذا خِيف على المريض ضيعة، فإنَّ التمريضَ واجبٌ على الكفاية، فمن قام به سقط
عن غيره. والله أعلم.
(١) في (ع): المعاهدة.

٥٧٩
(٨) كتاب الجنائز - (٤) باب: في عيادة المريض
[٧٩٥] وعن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله وَيهِ أَتَى على امرأةٍ تَبْكِي
على صَبِيٍّ لَها، فقالَ لها: ((اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي))، فقالتْ: وما تُبَالي
بمُصيبتي؟ فلمَّا ذهبَ، قيل لها: إنَّه رسولُ اللهِوَ ل﴿ِ فأخذَها مِثْلُ المَوْتِ،
و (قوله: أتى على امرأةٍ تبكي على صَبيٍّ لها) هذا البكاءُ كان معه ما يُنكَرُ
مِن رَفْع صوتٍ أو غيره، كالجزع. وأما نفس البكاء فعلى ما تقدَّم من الإباحة.
و (قوله: فأخذها مِثْل الموت) خَوْفاً من سُوء أدبها في ردِّها عليه، وحياءً فضل التمكُّن
من رسول الله وَلّهِ، وظاهِرُ حال هذه المرأة: أنَّها لم تعرفه لشدَّة حُزْنها، وما كانت في مقام الصبر
فيه. وقوله: ((إنما الصبرُ عند أول صدمة)) يعني: إنما الصبرُ الشَّاق الصعب على المصيبة
عند وقوع
النفس؛ الذي يعظم الثواب عليه، إنما هو عند هُجوم المصيبة وحرارتها، فإنه
يدلُّ: على قوة النفس، وتثبتها، وتمكّنها في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارةٌ
المصيبة فكل أحدٍ يصبر إذ ذاك؛ ولذلك قيل: يجبُ على العاقل أن يلتزمَ عند
المصيبة ما لا بُدَّ للأحمق منه بعد ثلاث، ولهذا المعنى أُبيح للمصابة أن تحدَّ على
غير زوجها ثلاثاً لا غير، إذ بَعْدَها تبردُ المصيبةُ غالباً، وأما دوامُ الإحداد إلى أربعة
أشهر وعشرة للمتوفى عنها زوجُها، فلمعنىّ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
و (الصدم): أصله الضرب في الشَّيء الصُّلب، ثم استُعير لمن فجأته
المصيبة. ومعنى هذا القول: أنَّ النبيَّ وَ﴿ لما صادمته هذه المرأةُ بقولها: إليكَ
عني، كما رواه البخاري، وبقولها: ما تُبالي بمصيبتي؟ وهو سُوء أدبٍ تأذَّى به،
قابل ذلك بالصّبر، وحلُم عنها، ولم يُؤاخِذها به مع تمگّنه من ذلك، فحصل من
الصبر على أشقُّه على النفوس، وأعظمه في الثواب. هذا ما سمعناه في هذا،
ويحتملُ عندي أن ينجرَّ مع هذه للمرأة منه معنى، وذلك أنها لما شاهدتْ قبرَ ابنها
تجدَّدت عليها مصيبتُها، فكان ابتداء تجدُّدها صدمة أولى صدمتها، فلم تصبرْ حتى
غشيها من الجزع ما صدَّها عن معرفة مَن كلَّمها، ثم لما أفاقتْ من ذلك جاءتْ
معتذرةً مُظْهِرةً للتجلُّد، فقال لها ذلك، مُنبِّهاً على أنها قد فاتها محلُّ الصبر

٥٨٠
(٨) كتاب الجنائز - (٥) باب: ما جاء أن الميت ليعذّب ببكاء الحي عليه
فأتتْ بابَه، فلم تجدْ على بابِهِ بَوَّابِينَ، فقالتْ: يا رسولَ الله! لم أَعْرِفْكَ،
فقالَ: ((إنَّما الصَّبْرُ عندَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ)).
وفي رواية: مرَّ بامرأةٍ عندَ قبرٍ .
رواه أحمد (٢١٧/٣)، والبخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦) (١٥)،
وأبو داود (٣١٢٤)، والترمذي (٩٨٧)، والنسائي (٢٢/٤)، وابن ماجه
(١٥٩٦).
(٥) باب
ما جاء أنَّ الميت لَيُعَذَّبُ ببكاءِ الحَيِّ عليه
[٧٩٦] عن عبدِ الله بن أبي مُلَيْكَةَ، قالَ: تُوُفِّيَتِ ابنةٌ لعثمانَ بنِ عَفَّان
بِمَكَّةَ، قالَ: فَجِئْنَا لِنَشْهَدَها، قالَ: فحضرَها ابنُ عمر وابنُ عبَّاس، قالَ:
فَإِنِّي لجالسٌ بينَهما، قالَ: جلستُ إلى أحدِهما، ثم جاءَ الآخرُ فجلسَ إلى
جَنْبِي، فقالَ عبدُ الله بن عمرَ لِعَمْرو بنِ عثمانَ، وهو مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عن
البُكاءِ؟ فإنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ ببكاءِ أهلِه عليه)). فقالَ
والأجر. والله أعلم.
و (قوله: لم تجدْ على باب النَّبِيِ ﴿ بوابين) لأنَّ ذلك كان عادته
لتواضعه، ومجانبته أحوال المترفين والمتكبرين؛ لأنه كان نبيّاً عبداً، لا نبيّاً
ملكاً وَل:
(٥) ومن باب: إنَّ الميت ليعذَّب ببكاء الحيِّ
(قوله وَله: ((إنَّ الميت ليعذبُ ببكاء أهله))) اختلفَ في معناه على أقوال: