النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ (٦) أبواب الاستسقاء - (١) باب: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء رواه البخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤) (١ و٢ و٣ و٤)، وأبو داود (١٦٦١ - ١١٦٤)، والترمذي (٥٥٦)، والنسائي (١٥٥/٣ و١٥٧). [٧٦٥] وعن أنس، أنَّ نبيَّ اللهِ نَّهَ كانَ لا يرفعُ يَدَيْهِ في شيءٍ مِنْ دُعائِهِ إلا في الاستسقاءِ، حتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وفي روايةٍ: أنه عليه الصلاة والسلام استسقَى فأشارَ بظهرِ كَفَّيْهِ إلى السَّماءِ. رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم(٨٩٥)(٧) و (٨٩٦)، وأبو داود (١١٧٤ و ١١٧٥)، والنسائي (١٥٤/٣ و ١٥٥). * و (قول أنس: إنه ◌َ ل﴿ كان لا يرفعُ يديه في شيءٍ من الدُّعاء إلا في المبالغة في رفع الاستسقاء) يعني: أنه لم يكنْ يبالغُ في الرفع، إلا في الاستسقاء. ولذلك قال: اليدين عند حتى يرى بياض إبطيه، وإلا فقد رَفَعَ النبيُّ وَلفيه يوم بدر عند الدعاء، وفي غير الاستسقاء الدعاء في ذلك، وقد روى الترمذي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: كان النبيُّ ◌ََّ إذا رفع يديه عند الدعاء لم يحطّهما حتى يمسحَ بهما وجهه (١)، قال: هذا حديث صحيح غريب. وقد استحبَّ جماعةٌ من العلماء رَفْعَ اليدين عند الدعاء. وقد روي عن مالك كراهةُ رَفْعِ الأيدي في شيء من الأشياء، وَوجْهُه: مخافة اعتقاد الجهة. ثم اختلفوا في كيفية الرفع: فاختار مالكٌ الإشارةَ بظهور كفّيه إلى السماء كما في هذا الحديث، وهو رَفْعِ الرَّهَبِ. وقيل: يشيرُ ببطونهما إلى السماء. وهو رَفْعُ الرغب والطلب. (١) رواه الترمذي (٣٣٨٦). ٥٤٢ (٦) أبواب الاستسقاء - (٢) باب: الدعاء في السقيا في المسجد (٢) باب الدعاء في السُّقْيَا في المسجد وبغير صلاة [٧٧٦] عن أنس بن مالكٍ، أنَّ رجلاً دخلَ المسجد يومَ جُمُعَةٍ، مِن بابٍ كانَ نحوَ دارِ القَضاءِ، ورسولُ اللهِنَّهِ قائمٌ يخطبُ. فاستقبلَ رسولَ الله ◌َّ﴾ قائماً، ثم قالَ: يا رسولَ الله، هَلكَتِ الأموالُ وانقطعتِ (٢) ومن باب: الدُّعاء في السُّقيا دارُ القضاء سُمِّيت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دَيْن عمر بن الخطاب الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى أن يُباع فيها ماله، فباع عبدُ الله ابنُه دارَه هذه من معاوية، وباع ماله بالغابة، فكان يُقال لها: دار قضاءٍ دَيْن عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء، وهي: دار مروان، وكان دَيْنُ عمر عشرين ألفاً، وقد غلط من قال فيها(١): دار قضاء الأمراء. وظاهِرُ هذا الحديث يدلُّ على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خُطْبته، ويحتملُ أن يكون إنَّما كلَّمَه في حال سكتةٍ كانت من النَّبِي ◌َِّ؛ إمَّا لاستراحةٍ في النطق، وإمَّا في حال الجلوس، والله أعلم. و (قوله: هلكتِ الأموال) أي: المواشي، وأصلُ المال: كلُّ ما يُتَمَوَّل، وعُرْفُه عند العرب: الإبل؛ لأنَّها معظمُ أموالهم. (وانقطعت السبل) أي: الطرق، لهلاك الإبل، ولعدم ما يؤكل في الطرق. (١) في (هـ) و(ل) وقد غلط من ظن أنها. وفي (ظ) وقد غلط من ظنها. والمثبت من (ع). ٥٤٣ (٦) أبواب الاستسقاء - (٢) باب: الدعاء في السقيا في المسجد السُّبُّلُ، فَادْعُ اللهَ يُغِثْنَا. قالَ: فرفعَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَدِيْه ثمّ قالَ: ((اللَّهُمَّ أغِثْنًا، اللهمَّ أَغِثْنَا، اللَّهِمُ أَغِثْنًا))، قال أنسٌ: فلا واللهِ، ما نرى في السَّماءِ مِن سَحابٍ ولا قَزَعَةٍ، ومَا بينَنا وبين سَلْع مِن بيتٍ ولا دَارٍ. قالَ: فطلعتْ مِن ورائِهِ سَحَابٌ مِثْلُ التُّرس، فلمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انتشرتْ، ثم أَمطرتْ. قالَ: فلا واللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمسَ سَبْتاً. قالَ: ثم دخلَ رجلٌ مِن ذلكَ البَابِ في الجمعةِ و (قوله: ((اللهم أغثنا))) بالهمزة رباعياً، هكذا رويناه، ومعناه: هَبْ لنا غيثاً، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضُهم: صوابه: غِثْنا؛ لأنه من غاث، قال: وأمّا أغثنا؛ فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب، والله أعلم. و (قوله: ولا قَزَعة) أي: ولا قطعة من سَحَاب، وجمعه: قَزَع. قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف. و (سَلْع) بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وهو: جبلٌ مشهورٌ بقرب المدينة. في البخاري: هو الجبلُ الذي في السوق(١). وتشبيهُ السحابة بالترس، في كثافتها، واستدارتها. وأمطرت: أنزلت، رباعياً. ويُقال: ثلاثياً بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. والأول أعرف. و (قوله: ما رأينا الشمسَ سَبْتاً) أي: مِنْ سبتٍ إلى سبت، كما تقول: جمعة، أي: مِنْ جمعةٍ إلى جمعة. والسبت في اللغة: القطع، وبه سُمِّي يوم السبت. وقال ثابت في تفسير قوله: سبتاً: أنه القطعةُ من الزمان، يقال: سبت من الدهر، أي: قطعة منه، وسَبَتُّهُ: قَطَعْتُه. وقد رواه الداودي: ((سِتّاً، وفسره: بستة أيام من الدهر، وهو تصحيف. (١) كذا في المغانم المطابة للفيروزابادي ص (١٨٣). والواقع الجغرافي للمدينة يؤيد ذلك. ٥٤٤ (٦) أبواب الاستسقاء - (٢) باب: الدعاء في السقيا في المسجد المُقبلةِ ورسولُ الله ◌ِوَّهِ قائمٌ يخطبُ فاستقبلَه قائماً، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يُمْسِكْها عنَّا. قالَ: فرفعَ رسولُ الله ◌َّه يَدَيْهِ، ثم قالَ: ((اللَّهُمَّ حَوْلَنَا ولا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الآكام والظَّرَابِ وبُطونِ الأوديةِ، ومَنَابتِ الشَّجرِ)) قالَ: فانقلعتْ، وخرجَنا نمشي في الشَّمس. رواه أحمد (١٠٤/٣ و١٨٧)، والبخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧) (٨)، وأبو داود (١١٧٤ و١١٧٥)، والنسائي (١٥٤/٣ و١٥٥). [٧٦٧] وعنه، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َّهِ يخطبُ يومَ الجمعةِ فقامَ إليه النَّاسُ فِصَاحُوا، وقَالُوا: يا نبيَّ اللهِ، قَحَطَ المَطَرُ، و (قوله في الثانية: هلكت الأموال وانقطعت السبل) أي: لامتناع الرعي والتصرف؛ لكثرة المطر. و((حوالينا)): ظرف متعلّق بمحذوف، تقديره: اللهم أنزل حوالينا، ولا تُنزلْ علينا. و((الأكام)): جمع أكمة، وهي دون الجبال. والآكام: بفتح الهمزة والمد. ويقال بالكسر: إكام، وأكم، وأكم، بفتحها، وضمها. وقال الخليلُ: الأكمة: هو تلّ. و((الظراب)): الروابي، واحدتها: ظرب، ومنه الحديث: ((فإذا حوتٌ مثل الظرب))(١). قال الثعالبي: الأكمة: أعلى من الرابية. و (قحطَ المطر) أي: امتنع وانقطع. [وفي البارع: قَخَط المطر: بفتح القاف والحاء. وقَحِط الناس: بفتح الحاء وكسرها، وفي الأفعال بالوجهين في المطر. وحُكِي: قُحِط الناس بضم القاف وكسر الحاء، يُفْحَطون، قحطاً، وقحوطاً](٢). (١) رواه أحمد (٣٠٦/٣)، والبخاري (٤٣٦٠) من حديث جابر بن عبد الله. (٢) هكذا في الأصول (ع) و(هـ) و(ظ). وفي لسان العرب (مادة قحط): القحط: احتباس المطر. وقد قَحَط وقَحِط، والفتح أعلى قَحْطاً وقَحَطاً وقُحُوطاً. وقَحِط الناس، بالكسر على ما لم يُسَمَّ فاعله لا غير. ٥٤٥ (٦) أبواب الاستسقاء - (٢) باب: الدعاء في السقيا في المسجد وَاحْمَرَّ الشَّجرُ، وهَلَكتِ البَهائمُ. وساقَ الحديثَ. وفيه: فتقشَّعَتْ عَن المدينةِ، فجعلتْ تُمطرُ حَوَاليْهَا، ومَا تُمطرُ بالمدينةِ قَطْرَةً، فَنَظَرْتُ إلى المدينةِ، وإنَّها لفي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. وفي رواية، قال: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا)» قالَ: فما يُشيرُ بيدِه إلى ناحيةٍ إلا تَفَرَّجَتْ، حتَّى رَأَيْتُ المدينةَ في مِثْلِ الجَوْبَةِ، وسَالَ وادي قَنَاة شَهْراً، ولم يجىءْ أَحدٌ من ناحيةٍ إلا أخبرَ بِجَوْدٍ. وفي أخرى: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كأنَّه المُلَاءُ حينَ يُطْوَى. و (احمرّ الشجر): ييس. و (تقشعت): انكشفت. و (الإكليل): قال أبو عبيد: هو ما أحاط بالظّفر من اللحم. و (الإكليل أيضاً): العصابة، وروضة مكلَّلة: محفوفة بالنَّور، وأصله: الاستدارة. و (الجوبة): هي الفجوة بين البيوت. والفجوة أيضاً: المكانُ المتسعُ من الأرض، والمعنى: أنَّ السحابَ تقطَّع حول المدينة مستديراً، وانكشفَ عنها حتى باينت ما جاورها مباينةَ الجوبة لما حولها. وقال الداودي: هي كالحوض المستدير. ومنه قوله: ﴿وَحِفَانِ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣] وواحدة الجوابي: جابية. و (قناة) اسم وادٍ من أودية المدينة، وكأنه سُمِّي مكانه قناة، وقد جاء في غير كتاب مسلم: (وسال وادي قناة شهراً) ، على الإضافة. والجَوْد: المطر الواسع الغزير. و (يتمزَّق: يتقطع. والمُلا) مقصوراً، جمع ملاءة، وهي: الملاحف. و (انجابت انجياب الثوب) أي: تقطعت كما يتقطَّع الثوبُ قِطَعاً متفرّقة. و (قوله هنا: حين يُطوى) يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشراً انضمَّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوبٌ طوي عنها. ٥٤٦ (٦) أبواب الاستسقاء - (٣) باب: التبرك بالمطر، والفرح به رواه مسلم (٨٩٧)(٩ و١٠ و١٢). (٣) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتَّعَوُّذ عند الريح والغيم [٧٦٨] عن أنس، قالَ: أصابَنا ونحنُ مع رسولِ الله وَّهِ مطرٌ قال: فَحَسَرَ رسولُ اللهَِّ ثَوْبَهُ، حتى أصابَه مِن المطرِ فقلنا: يا رسولَ الله! لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: ((لأنَّه حديثُ عَهْدٍ بربِّه - تعالى -)). رواه أحمد (٢٦٧/٣)، ومسلم (٨٩٨)، وأبو داود (١١٠٠). ولا يخفى ما في هذا الحديث من الأحكام، ومن كرامات(١) النبي وَلتر. (٣) ومن باب: التبرُّك بالمطر (قوله: فحسر رسول الله ﴿ ﴿ ثوبَه) أي: كَشَفَه عن جسده. و (قوله: («لأنه حديثُ عهدٍ بربِّه))) أي: بإيجاد ربِّه له، وهذا منه وَِّ تبرُّكُ بالمطر، واستشفاء به؛ لأن الله تعالى قد سمّاه رحمةٌ، ومباركاً، وطهوراً، وجعله سَبَبَ الحياة، ومُبْعِداً عن العقوبة. ويستفاد منه احترامُ المطر، وتَرْك الاستهانة به . (١) الأولى أن يقال: معجزات، فإنها للأنبياء، والكرامات للأولياء الصالحين. . ٥٤٧ (٦) أبواب الاستسقاء - (٣) باب: التبرك بالمطر، والفرح به [٧٦٩] وعن عائشةَ، زوج النبيِّلَه، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَل إذا كانَ يومُ الرِّيحِ والغَيْمِ عُرِفَ ذلكَ في وجهِهِ، وأَقْبَلَ وأَدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرَّ به، وذهبَ عَنَه ذلكَ. قالتْ عائشةُ: فسألتُه. فقالَ: ((إنِّي خشيتُ أنْ يكونَ عَذَاباً سُلِّطَ على أُمَّتي)) ويقولُ إذا رأى المطرَ: ((رَحْمَةٌ)). رواه أحمد (٦٦/٦)، والبخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨)، والترمذي (٣٢٥٧). [٧٧٠] وعنها، قالتْ: كانَ النبيُّ وَ لََّ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ قالَ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ خِيرَها، وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأعوذُ بكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسلتْ به)) قالتْ: وإذا تَخَيَّلَتِ السَّماءُ تغَيَّرَ لونُه وخرجَ ودخلَ وأقبلَ وأدبرَ، فإذا مَطَرَتْ سُرِّيَ عنه، فَعَرَفْتُ ذلك في وجهِهِ، قالتْ عائشةُ: فَسَأَلْتُهُ. فقالَ: ((لعلَّه يا عائشةُ! كما قالَ قومُ عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. و (قوله وَّهُ: ((إني خشيتُ أن يكونَ عذاباً سُلُّط على أمتي))) يعني: على العُتاة عليه، العصاة له من أمته. وكان ◌َ له لعظيم حلمه، ورأفته، وشفقته، يرتجي لهم الفلاح والرجوع إلى الحق، وهذا كما قال يوم أُحُد: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))(١)، وقيل: خاف أن تعمَّهم عقوبةٌ بسبب العصاة منهم، والأول أوضح. و (عصفت): اشتدت وبردت. و (تخيلتِ السَّماء) أي: كَثُرَ فيها السحاب. والمَخيلة: بفتح الميم: سحابةٌ فيها رعدٌ وبرق لا ماءَ فيها، ويقال في السماء إذا تغيَّمت: أخالت، فهي مُخْیلة، بالضم، قاله أبو عبيد. (١) رواه أحمد (١/ ٣٨٠ و٤٢٧)، والبخاري (٣٤٧٧) من حديث ابن مسعود. ٥٤٨ (٦) أبواب الاستسقاء - (٣) باب: التبرك بالمطر، والفرح به رواه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٨٩٩) (١٥)، والترمذي (٣٤٤٩)، والنسائي (١٠٧٧٦) في الکبری. [٧٧١] وعن ابن عباس، عن النبي ◌َّه أنه قال: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ». رواه أحمد (٣٢٤/١ و٣٤١)، والبخاري (٣٣٤٣)، ومسلم (٩٠٠). [٧٧٢] وعن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ الله لَّهِ قالَ: ((لَيْسَتِ السَّنَّةُ بألَّا تُمْطَرُوا ولكنِ السَّنَةُ أنْ تُمْطَرُوا، وَتُمْطَرُوا، ولا تُنْبِتُ الأرضُ شَيْئاً». رواه أحمد (٣٤٢/٢)، ومسلم (٢٩٠٤). # و (الصبا): الريح الشرقية. و(الدَّبور) بفتح الدَّال: الريح الغريبة. و (السَّنَةُ)(١): الجدب. وأرادِّه بقوله وَّهُ: ((ليستِ السَّنة ألا تمطروا)) وأن الأحقَّ باسم السَّنة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرقَ الأرض، ويفسد ما عليها بكثرته، وتواليه. وإنما كان هذا أحق بالاسم؛ لأنه أمنعُ من التصرف، وأضيق للحال وأعدم للقوت، وأسرع في الإهلاك. وأسلوبُ هذا الحديث كأسلوب قوله: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنى غنى النفس))(٢)، و ((ليس المسكين بالطَّوَّاف عليكم)) (٣) إلى غير ذلك مما في بابه . (١) سبق هذا عنوان (باب)) في التلخيص والشرح، ورأينا حذفه تمشياً مع وحدة السياق والمعنى. (٢) رواه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٤) من حديث أبي هريرة. (٣) رواه البخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٠٣٩)، وأبو داود (١٦٣١ و١٦٣٢)، والنسائي (٨٥/٥) من حديث أبي هريرة. ٥٤٩ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (١) باب: الأمر بالصلاة والذكر (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر (١) باب الأمر بالصَّلاة والذكر والصَّدَقة عند الكسوف [٧٧٣] عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنّ الشَّمسَ والقمرَ ليس يَنْكَسِفَان لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاس، ولكنَّهما آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَقُومُوا فَصَلُّوا)). (٧) أبواب الكسوف الكسوف: التغييرُ إلى سواد. ومنه: كسف وجهه: إذا تغير. والخسوف: النقصان. قاله الأصمعي، والخسف أيضاً: الذُّل، ومنه: سامهُ خُطَّةَ خسف، أي: ذل، فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيرهما، ونقصان ضوئهما؛ فهما بمعنى واحد. هذا هو المستعملُ في القرآن وفي الأحاديث. وقد قال بعضُ اللغويين: لا يقال في الشمس إلا كُسفت، وفي القمر إلا خُسف، وذُكِر هذا عن عروة. وقال الليثُ بن سعد الخسوفُ في الكلِّ، والكسوفُ في البعض، يعني: في الشمس والقمر. حكم صلاة و (قوله: ((فإذا رأيتموه فقوموا فصلُّوا))) يعني: الكسوف، فأعاد عليه ضميرَ الكسوف وكيفيَّها المذكر، وفي الأخرى: ((فإذا رأيتموها)) أعاده على كُسُوف الشمس وخسوف ٥٥٠ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (١) باب: الأمر بالصلاة والذكر وفي روايةٍ: «فإذا رأيتُم مِنهما شيئاً فَصَلُوا وَادْعُوا حَتَّى ينكشفَ ما بكم)). رواه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١) (٢١)، والنسائي (١٢٦/٣)، وابن ماجه (١٢٦١). [٧٧٤] ومن حديث عائشةَ: ((فإذَا رَأيتمُوهُما فَكَبِّرُوا وادْعُوا اللهَ، وصَلُوا وتَصَدَّقُوا)). رواه أحمد (١٦٤/٦ و١٦٨)، والبخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠١) (١)، وأبو داود (١١٧٧ - ١١٩١)، والترمذي (٥٦١ و٥٦٣)، والنسائي (١٢٧/٣)، وابن ماجه (١٢٦٣). القمر، وهذا يدلُّ: على التسوية بين كسوف الشمس وخسوف القمر في الصلاة، . في الأمر بالصلاة عندهما، وبذلك قال جميعُ الفقهاء والعلماء من السَّلف وغيرهم، غَيْر أنهم اختلفوا في حُكْم ذلك وكيفيته؛ فالجمهور: على أنَّ صلاةَ كسوف الشمس سُنَّةٌ مؤكدة، وأنها يُجْمَعُ لها، وأنها تُصلَّى بإمام، على خلافٍ في كيفية ذلك يُذكر فيما بعد، وذهب أهلُ الكوفة: إلى أنها لا يُجتمع لها، وأنها تُصلَّى ركعتين ركعتين، ومستندهم: حديث عبد الرحمن بن سَمُرة الآتي(١)، وليس بنصَّ فيما قالوه، فإنه قال فيه: فلما حسر عنها قرأ سورتين، وصلى ركعتين(١) لاحتمال أن يكون إنما أخبر عن حُكْم ركعةٍ واحدة، وسَكَت عن الأخرى، والله أعلم. ثم لو سلم ذلك لأمكن أن يقال: إنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى ذلك كذلك ليبيِّن جوازَ ذلك، وغيرهُ من الأحاديث يدلُّ: على أن السُّنَّة ما تضمّنته تلك الأحاديث. (١) هو في التلخيص برقم (١٠٨٢). ٥٥١ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها [٧٧٥] ومن حديث أبي موسى: ((فإذا رأيتُم منها شَيْئاً فَافْزَعُوا إلى ذكرِ اللهِ ودُعائِه واسْتغفارِهِ». رواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (١٥٣/٣ و ١٥٤). (٢) باب كيفية العمل فيها، وأنَّها رُكوعان في كلِّ ركعة [٧٧٦] عن عائشة، قالتْ: خَسَفَتِ الشمسُ في حَياةِ رسولِ اللهِ وَل فخرجَ رسولُ اللهِ وَه إلى المسجدِ، فقامَ فَكَبَّر، وَصَفَّ النَّاسُ وراءَه، فَاقْتَراً رسولُ اللهِ وَّ قراءةً طويلةً - من حديث ابن عباس: نحوَ سُورةِ البقرة - ثم وأما خسوفُ القمر فذهب مالكٌ وأبو حنيفة: إلى أنه لا يُجتمع لصلاته ، حكم صلاة وأنها تُصلَّى ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، وذهب جمهورٌ ممن الصحابة الخسوف والعلماء، وأصحاب الحديث، والشافعي: إلى أنها تُجْمَع لها، وتُصلَّى على كيفية مخصوصة، على الخلاف الذي يأتي ذِكْرُه: و (قوله: ((فَافْزَعُوا إِلى ذِكْر الله ودعائه))) يعني: تفزَّعوا إليهما، وأقبلوا عليهما، وقد قدَّمنا ذِكْرَ أقسام الفزع. (٢) ومن باب: كيفية العمل فيهما ذهب الجمهورُ: إلى أنَّ صلاةَ كسوف الشمس ركعتان، في كلِّ ركعة كيفية صلاة ركوعان على ما في حديث عائشة - رضي الله عنها - وما في معناه. قال أبو عمر: الكسوف وهذا أصحُّ ما في هذا الباب، وغيره من الرِّوايات التي خالفته معلولةٌ ضعيفة، وأما ٥٥٢ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها كَبَّرَ فركعَ ركوعاً طَوِيلاً، ثم رفعَ رأسَه فقالَ: ((سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه، رَبَّنا ولكَ الحمدُ)) ثم قامَ فاقتراً قراءةً طويلةً هي أدنى من القِراءةِ الأُولى، ثم ركعَ رُكوعاً طَوِيلاً، هو أدنى من الرُّكوعِ الأُوَّلِ، ثم قالَ: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ)) ثم سجدَ، ثم فَعلَ في الركعةِ الأُخرى مثلَ ذلكَ، حتَّى استكملَ أربعَ رَكعاتٍ، وأربعَ سَجداتٍ، وانجلتِ الشمسُ قبلَ أنْ ينصرفَ، ثم قامَ فخطبَ النَّاسَ، فأثنَى على اللهِ بما هو أهلُه ثم قالَ: ((إنَّ الشَّمسَ والقمرَ آيتانِ مِن آياتِ اللهِ، لا يُخْسَفَانِ لموتٍ أَحَدٍ ولا لحياتِه، فإذَا الأحاديثُ الآتيةُ بعد هذا، التي تدلُّ: على أنَّ في كلُ ركعة ثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو خمس ركوعات على ما في حديث أُبيّ، فقد قال بكلٌ حديثٍ منها طائفةٌ من الصحابة وغيرهم، ومِن أهل العلم مَن ذَهَب: إلى أنَّ ذلك الاختلاف إنما كان بحسب طولٍ مدَّة الكسوف وقِصَرها، وفي هذا نَظَر. حكم الخطبة في الکسوف و (قوله: ((قام فخطب))) دليلٌ لمن قال: مِن سُنّتها الخُطْبة، وهم: الشافعي، وإسحاق، والطبري، وفقهاء أصحاب الحديث. وخَالَفَهُم في ذلك: مالك، وأبو حنيفة، وقالا: إنَّ هذه الخُطبَةَ إنما كان مقصودُها زَجْرَ الناس عما قالوا من أنَّ الكسوفَ إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرَهم بما شاهدَ في هذه الصَّلاة؛ ممَّا اطلع عليه من الجنة والنار. الشمس والقمر و (قوله: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات الله تعالى))) أي: دليلان على دليلان على وجود الحقُّ سُبحانه، وقهره، وكمال الإلهية، وقد خصَّهما بالذكر لما وَقَعَ للناس وجود الله وقهره من أنهما يُخْسَفان لموت عظيم، وهذا إنما صَدَر عمَّن لا عِلْم عنده، ممن ضعف عقلُه، واختل فَهْمُه، فردَّ النبيُّ بَّه عليهم جهالتهم. وتضمَّن ذلك الردّ على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، وهو: أنَّ الله تعالى يُخوِّف بهما عباده. فإن قيل: فأيّ تخويفٍ في ذلك والكسوفُ أمرٌ عادي؟ بحسب تقابل هذه النيرات وحَجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حَجْب الجسم ٥٥٣ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها رأيتُموهُما فَافْزَعُوا إلى الصَّلاة)). وقال أيضاً: ((فَصَلُّوا حتى يُفَرِّجَ اللهُ عنكم))، وقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((رأيتُ في مَقامِي هُذا كلَّ شيءٍ وُعِدْتُمْ، الكثيف نور الشمس، عمّا يُقابله من الأرض، وذلك لا يحصلُ به تخويف؟ قلنا: لا نُسلِّم أنَّ سَبَبَ الكسوف ما اذَّعوه، ومن أين عرفوا ذلك؛ بالعقل أم بالنقل(١) وكلُّ واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيءٍ من ذلك ممنوعة، وغايتُهم أن يقولوا: ذلك مبنيٌّ على أمور هندسية ورصدية تُفْضي بسالكها إلى القَطْع، ونحن نمنعُ أيضاً ما ذكروه إلى القطع، وهو أول المسألة، ولئن سلَّمنا ذلك جَدَلاً؛ لكنَّا نقولُ: يحصلُ بهما تخويفُ العقلاء من وجوه متعدِّدة: أوضحها أنَّ ذلك مُذكِّر بالكسوفات التي تكونُ بين يدي الساعة، ويمكن أن يكونَ ذلك الكسوفُ منها، ولذلك قام ◌َلِّ فَزِعاً يخشى أن تقومَ الساعة، وكيف لا؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا بِقَ الْبَرُ * وَخَسَفَ اَلْقَمَرُّ * وَيُّمِعَ الشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧ -٩]. قال أهلُ التفسير: جَمَعَ بينهما في إذهاب نُورهما، وقيل غير ذلك. وأيضاً؛ فإنَّ كلَّ ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليلٌ على نفوذ قدرة اللهِ، وتمام قهره واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كلُّه يُوجِبُ عند العلماء بالله خوفَه وخشيته، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨] وخصَّ هنا خسوفَهما بالتخويف، لأنهما أمران عُلويان نادران، طارئان، عظيمان. والنادرُ العظيمُ مخوف مُوجِع بخلاف ما يكثر وقوعه؛ فإنه لا يحصلُ منه ذلك غالباً، وأيضاً فلِمَا وقع فيهما من الغَلَط الكثير للأمم التي كانت تعبدُهما. ولِما وَقَعَ للجهَّال من اعتقاد تأثيرهما. و (قوله وَيِ: ((رأيت في مقامي هذا كلَّ شيءٍ وُعِدتموه))) هذه الرؤيةُ رؤية ثبوت رؤية عيانٍ حقيقة. لا رؤية علم؛ بدليل: أنه رأى في الجنة والنَّار أقواماً بأعيانهم، النبي ◌َ للجنة ونعيماً وقَطْفاً من عِنَب، وتناوله، وغير ذلك. ولا إحالةً في إبقاء هذه الأمور على النار ظواهرها، لا سيما على مذاهب أهل السُّنَّة: في أنَّ الجنة والنار قد خُلِقتا وُجِدتا (١) عرف ذلك بالمعاينة بواسطة المراصد الفلكية. ٥٥٤ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها حتَّى لقد رأيتُني أريدُ أنْ آَخُذَ قِطْفاً من الجَنَّةِ حينَ رأيتمُوني أتقدَّمُ، ولقد رأيتُ جهنّم يَخْطِمُ بعضُها بعضاً، حين رأيتمُوني تَأَخَّرْتُ، ورأيتُ فيها كما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّة. وذلك أنه راجعٌ إلى أنَّ الله تعالى خَلَق لنبيه وَّهِ إدراكاً خاصاً به، أدركَ به الجنة والنار على حقيقتهما، كما قد خَلَق له إدراكاً لبيت المقدس، فطفقَ يخبرهم عن آياته، وهو ينظرُ إليه. ويجوزُ أن يقال: إنَّ اللهَ تعالى مثَّل له الجنة والنار، وصوَّرهما له في عُرْض الحائط، كما تتمثَّل صورُ المرئيات في المرآة. ويعتضدُ هذا بما رواه البخاري من حديث أنس في غير حديث الكسوف، قال ◌َله: «لقد رأيتُ الآن منذ صليتُ لكم الصلاةَ الجنة والنار متمثّتين في قِبلة هذا الجدار))(١)، وفي لفظ آخر: ((عُرِضَتْ عليّ الجنةُ والنار آنفاً في عُرْض هذا الحائط وأنا أصلِّي))(٢)، وقال فيه مسلم: ((إني صُوِّرت لي الجنةُ والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط)»(٣). ولا يُستبعدُ هذا من حيث: أن الانطباعَ في المرآة إنما هو في الأجسام الصَّقيلة؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك شرطٌ عاديّ لا عقلي، ويجوزُ أن تنخرقَ العادةُ وخصوصاً في مدَّة النبوة، ولو سُلِّم أن تلك الشروط عقلية، فيجوز أن تكونَ تلك الأمورُ موجودةَ في جسم الحائط، ولا يُدْرِكُ ذلك إلا النبيُّ نَّهِ. وَقَطْف الثمرة: ما يُقْطَفُ منها، أي: يُقطع ويُجتنى، وهو هنا عنقودٌ من العنب، كما قد جاء مُفَسَّراً في الرواية الأخرى. و((يحطم)): أي: يكسر بعضها على بعضٍ، كما يفعل البَحْرُ. والحَطْم: الكسر. ويُحتمل أن يريدَ بذلك: أنَّ بعضَها يأكل بعضاً. وبذلك سُمِّيت جهنم: الخُطَمَةَ. والرجل الحُطَمة: الأكول. (١) رواه البخاري (٧٤٩). (٢) رواه البخاري (٥٤٠). (٣) رواه مسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس. ٥٥٥ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها ابنَ لُحَيٍّ وهو الذي سَيَّبَ السَّوائبَ. و((ابن لُحَيّ)): اسمه: عمرو؛ ولحيٍّ: أبوه، ابن قَمَعَة بن إلياس، وهو الذي كنّاه في الحديث الآخر بأبي ثمامة، وسماه: بـ (عمرو بن مالكٍ). ولحيّ: لقب مالكٍ. وقد جاء في روايةٍ أخرى: عمرو بن عامر الخزاعي. والله أعلم. وكان عمرُو هذا أول من غيَّر دينَ إسماعيل، فنصبَ الأوثان، وبخّر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووَصل الوَصيلة، وحمى الحامي فيما ذكر ابنُ إسحاق. وهو الذي عنى اللهُ بقوله: ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَجِيَرَةٍ وَلَا سَأَبِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍِّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ اٌلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣]. وقد اختلفَ في تفسير هذه الأشياء. فالسائبةُ: الناقةُ إذا تابعتْ بين عَشْر إناث ليس بينهن ذَكَر؛ سُيِّت فلم يُرْكَبْ ظهرها، ولم يُجَزَّ وَيَرُها، ولم يَشْربْ لَبَّنَها إلا ضيفٌ، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شُقَّت أذنها، ثم خُلِّي سبيلُها مع أمِّها على حُكْمها، وهي البحيرةُ بنت السائبة، وسُمِّيت بذلك: لأنها بُحرت أذنها، أي: شُقَّت شقاً واسعاً، وهذا قولُ ابن إسحاق. وقال غيرُه: السائبةُ: هي التي ينذرُها الرجل، أي: يُسيِّبها إن براً من مرضه، أو أصاب أمراً يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها فسابتْ، لا يُنْتَفَعُ بها. قال ابنُ إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خَمْسة أبطنٍ ليس بينهن ذَكَر. قالوا: وصلت، فكان ما ولدتْ بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموتَ شيءٌ منها فيشتركُ فيه ذكورُهم وإناتُهم، وقال كثيرٌ من أهل اللغة: إنَّ الشَّاةَ كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدتْ ذَكَراً ذَبَحوه لآلهتهم، وإذا ولدتْ ذَكَراً أو أنثى لم يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلتْ أخاها، فيسيِّبون أخاها، ولا ينتفعون به. والحامي: الفحلُ إذا رُكِب وَلَدُ ولده، وقيل: إذا نَتَجَ من صلبه عشرةُ أبطن قالوا: حَمَى ظهره، فلا يُرْكَب؛ ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماء ولا كلاٍ . ٥٥٦ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها وفي روايةٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بعثَ مُنادياً: الصَّلاة جامعةً، فاجتمعُوا. وفي أُخرى: أنَّ النبيَّ ◌َِّ جهرَ في صَلاةِ الخُسوفِ بقراءتِه. وزاد في أُخرى: ((يا أُمََّ محمّدٍ! إنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أنْ يَزْنِيَ و (قوله: بعث منادياً: الصلاةَ جامعةً، فاجتمعوا) أي: ينادي، أو يقول ذلك، ولهذا الحديث استحسنَ الشافعيُّ أن يُقالَ ذلك في الخسوف. وهو حُجَّةٌ للجمهور على أبي حنيفة؛ إذ قال: لا يُجْتَمَعُ لها، والكلُّ متفقون: على أنه لا يُؤَذِّنَ لها ولا يُقام. حكم الجهر والإسرار في صلاة الكسوف والخسوف و (قوله: ((إنَّ النبيَّ ◌َّهِ جهر في صلاة الخسوف بالقراءة))) أَخَذَ بظاهر هذا جماعةٌ من السلف، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، وفقهاء الحديث، ورواه معن، والواقدي عن مالك، فقالوا: يُجْهَرُ بها في صلاة كسوف الشمس. ومشهورُ قول مالك الإسرارُ فيها، وهو قولُ الشافعي، وأبي حنيفة، والليث، وسائر أصحاب الرأي، مُتمسّكين بقول ابن عباس: أنه ◌َه قرأ فيها نحو سُورة البقرة، قالوا: ولو جهر لَعُلِم ما قرأ، وبما خرَّجه النَّسائي من حديث سمرة بن جندب(١)، وَوَصَفَ صلاة النبي ◌َّيْ في الكسوف، قال: فصلَّى. فقام كأطول قيام قام بنا في الصَّلاة قط، ما نسمع له صوتاً، وذكر الحديث. وتأوَّلُوا الحديثَ الأول: على أنه كان في خسوف القمر بالليل، وخيَّر الطبري بين الجَهْر والإسرار، فأعملَ الحديثين. معنى الغَيْرة و (قوله: ((يا أمة محمد! إنْ من أحدٍ أغيرُ من الله))) إن: نافية بمعنى ما، ومن: زائدة على اسم إنْ، وأغير بالنصب: خبر إن النافية، فإنها تعمل عمل (ما) عند الحجازيين، وعلى التَّميمية: هو مرفوعٌ على أنه خبرُ المبتدأ الذي هو أحد. (١) رواه النسائي (١٤٠/٣). ٥٥٧ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٢) باب: كيفية العمل فيها عبدُه أو تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يا أُمَّةَ محمّدٍ! واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لَبَّكَيْتُم كَثِيراً، ولَضَحِكْتُمْ قَليلاً، أَلَا هلْ بَلَّغْتُ؟)). وفي أخرى: رفعَ يَدِيْهِ فقال: ((اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)). رواه أحمد (١٦٨/٦)، والبخاري (١٠٤٦)، ومسلم (٩٠١) (١ و٢ و ٣ و٤ و٥)، وأبو داود (١١٩٠)، والترمذي (٥٦١)، والنسائي (١٢٧/٣)، وابن ماجه (١٢٦٣). والغَيْرة في حقنا راجعةٌ إلى تغير، وانزعاج، وهيجان يلحق الغيرانَ عندما يُنالُ شيء من حرمه، أو محبوباته، فعَمل على صِيانتهم، ومَنْعهم، وهذا التغيرُ على الله محال؛ هو مُنَزَّةٌ عن كل تغيّرٍ ونقصٍ، لكن لما كانت ثمرةُ الغَيْرة صونُ الحريم ومنعهم، وزَجْر القاصد إليهم أُطْلِقَ ذلك على الله تعالى؛ إذ قد زَجَر وذمَّ، ونصب الحدود، وتوغَّد بالعقاب الشديد مَن تعرَّض لشيءٍ من محارمه، وهذا من التجوُّز، ومن باب: تسمية الشيء باسم ما يترتَّب عليه، وقد قرَّرنا نحو هذا المعنى في کتاب: الإيمان. و (قوله وَّه: ((لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً))) يعني: شدة أهوال ما يعلمُ هو من أمور الآخرة وشدَّة أهوالها، وممَّا أُعِدَّ في النار من عذابها وأنكالها، الآخرة ومما أُعِدَّ في الجنة من نعيمها وثوابها، فإنه ◌َ ه قد كان رأى كلَّ ذلك مشاهدةً وتحقيقاً، ولذلك كان ﴿ مُتواصلَ الأحزان؛ قليلَ الضحك؛ جُّه التبشُّم. و (قوله وفيه: ((أَلَا هل بلغت))) يعني: ما أُمِر به بتبليغه من الإنذار، والتحذير، والتنزيل. ٥٥٨ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٣) باب: ما جاء أنّ في كل ركعة ثلاث ركعات (٣) باب ما جاء أن في كل ركعة ثلاث ركعات [٧٧٧] عن عُبَيْدٍ بن عُمَيْرٍ، عن عائشةَ، أنَّ الشَّمسَ انكسفتْ على عهدِ رسولِ اللهِوَّهِ، فقامَ قياماً شديداً، يقومُ قائماً، ثم يركعُ، ثم يقومُ ثم يركعُ، ثم يقومُ ثم يركعُ، ركعتينِ في ثلاثٍ رَكَعات وأربع سَجْدات. فانصرفَ وقد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. وكانَ إذا ركعَ قالَ: ((اللهُ أكبرُ))، ثم یرکعُ، وإذَا رفعَ رأسَه، قالَ: ((سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه)). فقامَ فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قالَ: ((إنَّ الشَّمسَ والقمرَ لا يَنكسفان لموتٍ أَحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولكنَّهما مِن آياتِ اللهِ، يُخَوِّفُ الله بهما، فإذا رأيتُم كُسوفاً فاذكُرُوا اللهَ حتى تَنْجَلِيَا)). وفي روايةٍ: أنَّها قالتْ: صَلَّى سِتَّ رَكَعاتٍ، وأربعَ سَجْداتٍ. رواه مسلم (٩٠١) (٦٠). (٣) ومن باب: ما جاء في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات أو أكثر تطويل الركوع صلاة الكسوف والخسوف (قولها: وركوعه نحو من سجوده) تعني: أن سجودَهُ فيها كان طويلاً، إلا والسجود في أنه دون الركوع؛ لأنه قد نصَّ: على أنه كان يطوِّلُ كلَّ ركعة، غير أنه كان يطوّلُ في المتقدِّمة أكثر مما يطول في التي تليها، فإذا كانت كلُّ ركعة طويلةً والسجود نحو الركوع، لزمَ أن يكونَ السجودُ طويلاً، وقد نصَّتْ على ذلك في حديث آخر، فقالت: ما ركعتُ ركوعاً ولا سجدتُ سُجُوداً كان أطول منه. وفي حديث أبي موسى: فقام فصلّى بأطولٍ قيام وركوع وسجود(١). وهو حُجَّةٌ لقول مالك في المدونة، وقول إسحاق وبعض أصحاب الحديث، وحُكي عن الشَّافعي، وقال (١) رواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (١٥٣/٣ و١٥٤). ٥٥٩ (٧) أبواب كسوف الشمس والقمر - (٣) باب: ما جاء أنّ في كل ركعة ثلاث ركعات [٧٧٨] وعن جابر بن عبدِ اللهِ، قالَ: انكسفتِ الشَّمس عَلى عهدٍ رسولِ الله وَِّ يومَ ماتَ إبراهيمُ. فقامَ النبيُّ ◌َ﴿ فصلَّى بالنَّاس سِتَّ رَكَعاتٍ بأربع سَجْداتٍ، بدأ فَكَبَّرَ، ثم قرأَ فأطالَ القراءةَ. (وفي رواية: فأَطالَ القِيامَ، حتَّى جَعلوا يَخِرُونَ) ثم ركعَ نحواً مِمَّا قامَ، ثم رفعَ رأسَه مِن الرُّكوع، فقرأَ قراءةً دونَ القِراءةِ الأولى، ثم ركعَ نحواً مِمَّا قامَ، ثم رفعَ رأسَه مِن الرُّكوع فقرأَ قِراءةً دونَ القِراءةِ الثَّانيةِ، ثم ركعَ نحواً مِمَّا قامَ، ثم رفعَ رأسَه مِن الَرُّكوعِ، ثم انْحَدَرَ بالسُّجود فسجدَ سَجْدَتينٍ، ثم قامَ فركعَ أيضاً ثلاثَ رَكَعاتٍ،َ ليس فيها ركعةٌ إلا التي قبلَها أطولُ من التي بعدَها، ورُكوعُه نحوٌ من سُجودِهِ. ثم تَأَخَّرَ وتأخّرَتِ الصُّفوفُ خلفَهُ، حتى انتهيْنَا (وفي رواية: حتَّى انتهى إلى النِّساءِ) ثم تقدَّم وتقدَّم النَّاسُ معَه، حتَّى قامَ في مُقامِه فانصرفَ حينَ انصرفَ وقد اضَتِ الشَّمسُ. فقالَ: ((يا أيُّها النَّاسُ! مالك في ((المختصر)): إنه لا يطوِّل السجود، وإنه كسائر الصلوات. وهو المعروفُ من قول الشافعي. و (قوله: ثم تأخّر وتأخَّرت الصفوف خَلْفه حتى انتهينا إلى النساء) هذا التأخرُ كان في الصلاة، وهو الذي عَبَّر عنه في الحديث الآخر(١) بالقهقرى، الذي فَعَلَه مخافةَ أن يصيبه لفحُ النار؛ على ما فسَّره بعد. وكونه تقدم، أي: رجعَ إلى الموضع الذي كان فيه، ويحتملُ أن يعبرَ بذلك على التقدُّم الذي تقدَّمه ليتناولَ القَطْف من الجنة. والله تعالى أعلم. وهذا يدلُّ على أن العملَ غيرَ الكثير في الصلاة لا يفسدها، وسيأتي خروجُ النساء إليها. و (آضتِ الشمس) أي: عادتْ إلى حالتها الأولى، واختلف النحويُّون في آض، هل هي من أخوات كان؛ فتحتاجُ إلى اسم وخبر؛ أو إنما تتعدى إلى مفعول (١) ساقط من (ع). ٥٦٠ (٧) أبواب کسوف الشمس والقمر ۔ (٣) باب: ما جاء أنّ في کل ر کعة ثلاث ركعات إنما الشَّمسُ والقَمرُ آيتانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وإنَّهما لا يَنكسفان لموتٍ أَحَدٍ مِن النَّاس، فإذَا رأيتُم شيئاً مِن ذلك فَصَلُّوا حتَّى تَنْجليَ. مَا مِن شيءٍ تُوعَدُونَه إلا قَد رأيتُه في صَلاتِي هذه، لقد جِيءَ بالثَّارِ، وذلكم حينَ رأيتمُوني تَأَخَّرْتُ مخافةَ أن يُصيبَتِي من لَفْحِها، وحتى رأيتُ فيها صَاحِبَ الِمِحْجَنِ يَجُُّ قُصْبَه في النَّارِ، وكانَ يسرقُ الحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فإنْ فُطِنَ له قالَ: إنما تَعلَّق بِمِحْجَنِي، وإنْ غُفِلَ عنه ذهبَ به. وحتَّى رأيتُ فيها صاحبةَ الهِرَّةِ التي رَبِطَتْها، فلم تُطعمْها، ولم تَدَعْهَا تأكلُ مِن خَشَاشِ الأرضِ حتى مَاتَتْ واحد بحرف الجر؟ على قولين. وهذا الحديث يدلُّ: على أنها مما تتعدّى إلى مفعولٍ واحد بحرف جرّ، غير أنه حُذِف هنا، وقد يُحذفُ حرفُ الجر فينتصب ما يُحذِف منه حرف الجر، كما قال: وآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ بِيْساً ذَاوِيا وقد روي هذا الحرفُ هنا: أضاءت الشمس، أي: ظهر ضوؤها. يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت، بمعنی واحد. و (قوله: ((فصلّوا حتى تنجلي))) أي: تنكشف، وهذا يدلُّ: على أنَّ وقتَ الكسوف ينبغي أن يكونَ معموراً بالصَّلاة، فإمَّا بتطويل الصلاة، أو بتعديد الركعات كما تقدَّم، وهذا الأمرُ على جهة النَّدب، بدليل: أنه قد تقدَّم أنه وِ ◌ّهِ انصرفَ منها قبل أن تنجليَ الشمس. ولفحُ النار: شدةُ لهبها، وتأثيره. ومنه قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، واللفح: أشد تأثيراً من النفح، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْن مَّسَتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] أي: أدنى شيء منه. قاله الهروي . و((المحجن)): عصا معقفة الطرف، وهي الخُطَّاف. و ((القُصب)): الأمعاء، بضم القاف، وهي الأقتاب أيضاً. و((خَشَاش الأرض)): بفتح الخاء والشين