النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
(٤) كتاب الجمعة - (١٠) باب: التغليظ في ترك الجمعة
(١٠) باب
التغليظ في ترك الجمعة
[٧٥١م١]عن عبد الله بن عمرَ، وأبي هريرةَ، أنَّهما سمعًا
رسولَ اللهِ وَ﴿ يقولُ على أعوادٍ مِنْبَرِهِ: (لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ
الجُمُعاتِ، أو لَيَخْتِمَنَّ اللهُ على قُلوبهم، ثم ليَكُونُنَّ مِن الغَافلينَ)).
(١٠) ومن باب: التغليظ في تَرْك الجمعة
(قوله: ((لينتهين أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجمعات))) أي: تَرْكهم. قال شِمر:
زعمتِ النحوية: أنَّ العربَ أماتوا مصدره وماضيه، والنَّبيُّ ◌َ ﴿ أفصح. قلت: وقد
قرأ ابنُ أبي عبلة: (ما وَدَعَكَ رَبُّكَ وما قَلَى) مُخفَّفاً(١)، أي: ما تركك، والأكثرُ في
الكلام ما ذکره شمر عن النحویین.
و (قوله: ((أو ليختمنَّ اللهُ على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) حُجَّةٌ وجوب الجمعة
واضحةٌ في وجوب الجمعة وفرضيتها، والختم: الطَّبْع، وأصلُه من: ختمت
وفَرْضيتُها
الكتاب: إذا طبعته بطابعه. وهو في الحقيقة عبارةٌ عمَّا يخلقه اللهُ تعالى في قلوبهم
من الجهل، والجفاء، والقسوة. وهذا مذهبُ أهل السُّنَّة، وقال غيرُهم من أهل
الأهواء: هو الشهادةُ عليهم بما فيها، وقيل عن بعضهم: هو عَلَمٌ جَعَلَهُ اللهُ في
قلوبهم لتعرفَ الملائكةُ فَرْقَ ما بين من يجب مَذْحُه ممن يجبُ ذُّه. وجمهورُ
الأئمة: على أنها فَرْضٌ من فروض الأعيان. وروي عن بعض الشَّافعية: أنها من
فُروض الكفاية، وقد نقلَ عن مالك من لم يُحَقِّق؛ أنها سُنَّة. وتوهّم على مالك أنه
يقول: إنها من قَبِيل المندوب المتأكّد، وليس بصحيح من مَذْهبه، ولا مذاهب
(١) الآية بتشديد ودَّعك [الضحى: ٣].

٥٢٢
(٤) كتاب الجمعة - (١٠) باب التغليظ في ترك الجمعة
رواه أحمد (٢٣٩/١ و٢٥٤ و٨٤/٢)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي
(١٨٨/٣ و١٨٩)، وابن ماجه (٧٩٤).
أصحابه، لكن روى ابنُ وهب عنه لفظاً غلط في تأويله بعضُ المتأولين، وذلك:
أنَّ ابنَ وهب روى عن مالك في القرى المتَّصلة البيوت؛ وفيها جماعةٌ من
المسلمين، قال: وينبغي لهم: أن يجمَّعوا، إذا كان إمامُهم يأمرهم أن يُجمِّعوا
فليأمِّروا رجلاً فيجمِّع بهم؛ لأن الجمعةَ سُنَّة. هذا نصُّ كلامه، وظاهِرُه: أن
التجميعَ على هذه الحالة مِن سُنَّة رسول الله وَّر، أي: من طريقته التي كان
يسلكها، والله تعالى أعلم.

٥٢٣
(٥) أبواب صلاة العيدين - (١) باب: الخروج إلى المصلى في العيدين
(٥)
أبواب صلاة العيدين
(١) باب
الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء
[٢٢٧٥١] عن أبي سعيد الخدريِّ، أنَّ رسولَ الله ﴿ كانَ يخرجُ يومَ
الفِطْرِ ويومَ الأَضْحَى، فيبدأُ بِالصَّلاة، فإِذَا صَلَّى صَلاَتَه وسَلَّمَ، قامَ فَأقْبَلَ
على النَّاس، وهُم جلوسٌ في مُصَلَّهم، فإنْ كانَ لهم حاجَةٌ بِبَعْثٍ ذكرَه
للنَّاسِ، أَوَ كانتْ له حاجةٌ بغير ذلكَ أمرَهم بها. وكانَ يقولُ: ((تَصَدَّقُوا،
تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا)) وكان أكثرَ مَنْ يتصدَّقُ النِّساءُ، ثم ينصرفُ، فلم يزلْ
(٥)
ومن أبواب العيدين
سُمِّي العيدُ عيداً لعوده وتكرُّره في كلّ سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور،
وقيل: سُمِّ بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعودُ على مَن أدركه.
واختلفَ في حُكْم صلاة العيدين: فالجمهورُ: على أنها سُنَّة، وعن حكم صلاة
أبي حنيفة: أنها واجبة. وقال الأصمعي: إنها فرض.
العیدین

٥٢٤
(٥) أبواب صلاة العيدين - (١) باب: الخروج إلى المصلى في العيدين
كذلكَ، حتَّى كانَ مروانُ بنُ الحَكَم، فخَرَجْتُ مُخَاصِراً مَرْوَانَ، حتَّى أتينَا
المُصَلَّى، فإذا كَثِيرُ بنُ الصَّلْتِ قد بنَى مِنْبَراً مِن طينٍ ولَبِنٍ، فإذا مروانٌ
يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كأنَّه يَجُرُّني نحوَ المِنْبرِ، وأنَا أجرُّه نحوَ الصَّلاةِ، فلمَّا رأيتُ
ذلكَ منه. قلتُ: أينَ الانْتِدَاءُ بالصَّلاةِ؟ فقالَ: لا، يا أبا سعيدٍ! قد تُرِكَ
ما تَعْلَمُ. قلتُ: كَلَّ، والذي نَفْسِي بيدِه! لا تَأْتُونَ بخيرٍ مِمَّا أعلمُ - ثلاثَ
مِرَارٍ - ثم انصرفَ.
رواه الإمام أحمد (٣٦/١ و٤٢)، والبخاري (٣٠٤)، ومسلم
(٨٨٩)، والنسائي (١٨٧/٣)، وابن ماجه (١٢٨٨).
[٧٥٢] وعن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالتْ: أَمَرَنَا رسولُ الله وَِّ أنْ نُخْرِجَهُنَّ في
و (قوله: مخاصِراً مروان) أي: محاذياً له، وأصله من الخَصْر، وكأنه حاذى
خاصرته .
و (قوله: ينازعني يده) أي: يجاذبني، وكَلاَّ، بمعنى: لا؛ كما قال الشاعر:
فَقَالُوا قَدْ بَكَيْتَ فَقُلْتَ كَلَّ
أي: لا.
وقد تقدَّم ذِكْرُ أول من قدَّم الخطبةَ على الصلاة في الإيمان.
وقول أم عطية: (أمرنا رسولُ الله ◌َ ل﴿ أن نخرجهن) تعني: النساء. والضميرُ
عائدٌ على نساء جرى ذِكْرُهُنَّ، وقد أبدلت من ضميرهن بقولها: العواتق،
والحيَّض، وذوات الخدور، ولا يصحُّ أن يُستدلَّ بهذا الأمر على وجوب صلاة
العيدين والخروج إليهما؛ لأنَّ هذا الأمرَ إنما يُوجَّه لمن ليس بمكلف بالصلاة
باتفاق؛ كالحيَّض، وإنما مقصودُ هذا الأمر: تدريبُ الأصاغر على الصلاة، وشهود

٥٢٥
(٥) أبواب صلاة العيدين - (١) باب: الخروج إلى المصلى في العيدين
الفِطْرِ والأَضْحَى، العَواتِقَ والخُيَّضَ وذَوَاتِ الخُدُورِ، فأمَّا الخُيَّصُ فيعتزلنَ
الصَّلاةَ، ويشهدنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمينَ. قلتُ: يا رسولَ الله! إِحْدَانَا
لا يكونُ لها جِلْبَابٌ. قالَ: لِتُلْبِسْها أُخْتُها مِنْ جِلْبَابِها».
وفي روايةٍ: قالتْ: الحُيَّضُ يَخْرُجْنَ فيَكُنَّ خلفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ معَ
النَّاس.
دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدِّين. والعاتقُ:
الجاريةُ حين تُدْرِك. قال ابنُ السكيت: العاتق: فيما بين أن تدركَ إلى أن تُعَنِّسَ ما
لم تتزوج. والخدور: البيوت، وأصله: الهودج، ويعني به: المخبآت.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على خروج النساء في العيدين، وهو مذهبُ جماعةٍ من خروج النساء
السّلف، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم. ومنهم من منعهن في العيدين
من ذلك جُملةً، منهم: عروة، والقاسم، ومنهم من منع الشابةَ دون غيرها؛ منهم:
عروة، والقاسم في قولٍ آخر لهما. ويحيى بن سعيد، وهو مذهبُ مالك وأبي
يوسف، واختلف قولُ أبي حنيفة في ذلك: بالإجازة والمنع، وكان مستندُ المانع
ما أحدثه النساءُ من التبرُّج والزينة الظاهرة.
و (قوله: فأمَّا الحيَّض فيعتزلن الصلاة) أي: موضعَ الصلاة، كما قال في
الرواية الأخرى: يكنَّ خلفَ الناس. وهذا تنزيه للصَّلاة وللمصلِّين من اختلاط
النساء بهنَّ، ولئلا تظهرَ مخالفة مَن لا يصلِّي بمن يصلِّي.
و (الجلباب): الأزار، وجمعه: جلابيب. وقيل: هي المقنعة. وقيل: هو
كالمُلاءة والمِلْحفة. وقيل: الخمار. و(لتلبسها أختها)(١) يعني: لتُعِرْها من
ثيابها. وقيل: هو على المبالغة، يعني: أنه يخرجُ اثنتان في لحافٍ واحد.
و (قوله: يكبِّزْن مع الناس) يعني: إذا كبّروا. والتكبير في [العيد له أربعة مواطن التكبير
في العيد
(١) ساقط من الأصول.

٥٢٦
(٥) أبواب صلاة العیدین ۔ (٢) باب: لا صلاة قبل صلاة العيدين
رواه البخاري (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) (١١ و١٢)، وأبو داود
(١١٣٦ - ١١٣٩)، والترمذي (٥٣٩ و٥٤٠)، والنسائي (١٨٠/٣
و ١٨١)، وابن ماجه (١٣٠٧).
(٢) باب
لا صلاة قبل صلاة العیدین في المصلی،
ولا أذان ولا إقامة
[٧٥٣] عن ابن عبّاس، أنَّ رسولَ الله وَلَهُ خرِجَ يومَ أَضْحَى أو فِطْرِ،
فصلَّى رَكعتينِ لم يُصَلِّ قبَلُهُما ولا بعدَهُما، ثم أَتَى النِّساءَ ومعهُ بِلالُ
فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدقَةِ،
مواطن: في الخروج إلى المصلى إلى أن يخرجَ الإمامُ الصَّلاة، والتكبير في
الصلاة، والتكبير في] (١) الخطبة بتكبير الإمام، والتكبير أيام التشريق خلف
الصلوات على الخلاف في هذه الجملة. وسيأتي ذِكْرُ بعضه.
(٢) ومن باب: لا صلاةَ قبل صلاة العيدين ولا بعدهما
خروجُ رسول اللهِوَ﴿ إلى المصلَّى دليلٌ: على أنَّ مشروعيةَ صلاة العيدين
الخروجُ إلى المصلى، وهو الذي عملَ عليه الناس، وحكمتُهُ إظهارُ جمال
الإسلام، والمباهاة، والغِلْظة على الكفَّار، وتستوي في ذلك البلادُ كلُّها مع
التمكن، إلا مكة فإنه لا يخرجُ منها في العيدين لخصوصية ملاحظة البيت.
و (قوله: فأمر النساء بالصدقة) أي: نَدَبهنَّ إليها وحضَّهن عليها.
(١) ساقط من (ع).

٥٢٧
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٢) باب: لا صلاة قبل صلاة العيدين
فجَعَلَتِ المرأةُ تُلقِي خُرْصَها وتُلْقِي سِخَابَها.
رواه أحمد (٣٥٥/١)، والبخاري (١٤٣١)، ومسلم (٨٨٤)،
وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (١٩٣/٣)، وابن ماجه
١٢٩١).
[٧٥٤] وعن عَطَاءٍ، عن ابن عبّاس، وعن جابر بنِ عبدِ الله
الأنصاريِّ، قالا: لم يكن يُؤذَّنُ يومَ الفِطْرِ ولا يومَ الأَضْحَى. ثم سألتُه بعدَ
حينٍ عن ذلكَ فأخبرني عن جابر بن عبدِ الله الأنصاريِّ أنْ لا أذانَ الصَّلاةِ
يومَ الفِطْرَ حتَّى يخرجَ الإمامُ، ولا بعدَمَا يخرجُ، ولا إقامةَ، ولا نِداءَ، ولا
شيءَ. لا نِدَاءَ يومئذٍ ولا إقامةَ.
رواه البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦) (٥)، وأبو داود (١١٤٧)،
والنسائي (١٨٢/٣)، وابن ماجه (١٢٧٤).
و (الخرص): حلقة تُعلَّق في الأذن، و (الفتخة): ما يُلبس في أصابع اليد،
وجمعها: فتخات، وفُتْخ، قاله ابنُ السكيت، وقال الأصمعي: هي خواتيم
لا نُصُوص لها، وتُجْمَعُ أيضاً: فتاخ. و (السخاب): خيط فيه خرزٌ. وجمعه:
سخب. مثل: كتاب وكتب. وقال البخاري: هي قلادةٌ من طيبٍ أو مسكٍ غيره،
أو قرنفل ليس فيه من الجوهر شيءٌ. والأقرطة: جمع قرط. وقيل: صوابه:
قِرَطَةٌ، وأقراط، [وقروط. وقيل: لا يبعد أن يكون جمع قراط](١). قال ابنُ دريد:
كلُّ ما عُلِّق من شحمة الأذن فهو: قرط، كان من ذهب أو خرزٍ.
وكونه ◌َ ه﴿ لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما حُجَّةٌ لمالك وجماعة من السَّلف على اقتصار الأذان
الشافعي وجماعة؛ حيث أجازوا الصَّلاة قبلهما وبعدهما، وعلى الکوفیین،
(١) ساقط من (ع).
والإقامة على
الفرائض

٥٢٨
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٣) باب: الصلاة فيهما قبل الخطبة
[٧٥٥] عن جابر بن سَمُرَة، قالَ: صَلَّيْتُ مع رسولِ الله وَّهِ العِيدينِ
غيرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتينِ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ.
رواه أحمد (١٠٧/٥)، ومسلم (٨٨٧)، وأبو داود (١١٤٨)،
والترمذي (٥٣٢).
(٣) باب
الصلاة فيهما قبل الخطبة
[٧٥٦] عن ابن عبّاس، قالَ: شَهِدْتُ صلاةَ الفِطْر مع النبيِّ وَهـ
وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فَكُلُّهم يُصلِّيها قبلَ الخُطْبَةِ، ثم يخطبُ، قال:
والأوزاعي؛ حيث أجازوا الصلاة بعدهما، ومنعوها قبلهما، لكن خصَّ مالكٌ المنعَ
بما إذا صُلِّيا خارج المِصْر أخذاً بموجب فِعْلِ النَّي ◌َّهِ.
وكونه بَ﴿ لم يُؤْذِّنْ لهما، ولم يُقِمْ دليلٌ على أنَّ ذلك ليس مشروعاً فيهما،
ولا في غير الفرائض من السُّنن الراتبة. وهذا المعلومُ من عَمَل الناس بالمدينة
وغيرها. ورُوي: أن معاوية أحدث الأذانَ لهما. وقيل: زياد. وهو الأشبهُ. وهذا
الحديثُ وغيره يردُّ على مَن أخذ بذلك.
(٣) ومن باب: تقديم الصلاة على الخُطْبة
قد قدَّمنا ذِكْر من قدَّم الخُطبةَ على الصلاة. وهذا الحديثُ وما في معناه،
ونَقْلُ أهل المدينة المتصل يردّان على من قدَّم الخطبة على الصلاة فيهما، ولا قائلَ
به اليوم من فقهاء الإسلام.

٥٢٩
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٣) باب: الصلاة فيهما قبل الخطبة
فنزلَ نِبِيُّ اللهِ وَهِ كَأَنِّي أنظرُ إليه حينَ يُجَلِّسُ الرِّجالَ بيدِه، ثم أقبلَ يَشُقَّهُمْ
حتَّى جاءَ النِّساءَ ومعَه بلالٌ فقالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ عَلَى أَن
لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... ﴾ [الممتحنة: ١٢] فتلاَ هذه الآيةَ حتَّى فرغَ منها، ثم
قالَ حينَ فرِغَ منها: ((أَنْتُنَّ على ذلكَ؟)) فقالتْ امرأةٌ واحدةٌ، لم يُجِبْه غيرُها
مِنهنَّ: نعم، يا نبيَّ الله. لا يُدْرَى حينئذٍ مَنْ هي. قالَ: ((فَتَصَدَّقْنَ)) فبسطَ
بلالٌ ثوبَه ثم قالَ: هَلُمَّ، فِدَاءٌ لَكُنَّ أبي وأُمّي، فجعلنَ يُلْقِينَ الفَتَخَ
والخواتم في ثوبٍ بِلالٍ.
رواه البخاري (٤٨٩٥)، ومسلم (٨٨٤) (١)، وأبو داود (١١٤٢ -
١١٤٧)، والنسائي (١٨٤/٣).
و (قوله: يُجَلِّس الرجالَ بيده) يعني: يشير عليهم بالجلوس، وكأنهم
ظنوا: أنه قد كمل الخطبة. وأمَّا نزولُهُ وَ﴿ إلى النساء فذلك ليسمَعَهنَّ، وقيل: هذا
خاصٌّ بالنبيِّ ◌َه، ولا يجوزُ للإمام اليوم قَطْعُ الخُطْبة، ووَعْظُ من بَعُدَ عنه.
ويظهر: أنَّ دعوى خصوصية النبي ◌َ ◌ِّ بذلك فيه بُعْد؛ لعدم البيان، وإنما مَحْمَلُ
هذا - والله أعلم -: على أنه لم يقطع الخُطْبَة ولم يتركها تَرْكاً مُتفاحشاً، وإنما كان
ذلك كلُّه قريباً، إذ لم يكنِ المسجدُ كبيراً، ولا صفوف النساء بعيدة، ولا
محجوبة، والله أعلم.
وفيه من الفقه: هبةُ المرأة اليسير من مالها بغير إِذْن زوجها، ولا يقال في هبة المرأة
هذا: إنَّ أزواجهن كانوا حُضُوراً؛ لأن ذلك لم يُنْقَل، ولو نُقِل ذلك فلم ينقلْ تسليمُ اليسير من مالها
أزواجهن في ذلك، ومَن ثَبَتَ له حقٌّ فالأصلُ بقاؤه حتى يُصرِّحَ بإسقاطه، ولم
يصرح القوم، ولا نُقِل ذلك، فصحَّ ما قلناه.
و (قوله: فقامت امرأةٌ واحدة إلى قوله: ولا يُدرى حينئذٍ مَن هي) هكذا عند
جميع الرواة، غير أنَّ بعضَهم يقول: لا يدري حَسَنٌ من هي وكذا ذكره البخاري،

٥٣٠
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٣) باب: الصلاة فيهما قبل الخطبة
[٧٥٧] وعنه، قالَ: أشهدُ على رسولِ الله وَلِّ لَصَلَّى قبلَ الخُطبةِ،
قالَ: ثم خطبَ، فرأى أنَّه لم يُسْمِع النِّساءَ، قَالَ: فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ،
ووَعَظَهُنَّ، وأَمَرَهُنَّ بالصَّدقةِ، وبِلالُ قائلٌ بثوبِهِ، فجعلتِ المرأةُ تُلقي
الخَاتَم والخُرْصَ والشَّيءَ.
رواه مسلم (٨٨٤) (٢)، وابن ماجه (١٢٧٣).
[٧٥٨] وعن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ نَّهِ وأبا بكرٍ وعمرَ، كَانُوا يُصلُّونَ
العِيدينِ قبلَ الخُطْبةِ .
رواه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨)، والترمذي (٥٣١)،
والنسائي (١٨٣/٣)، وابن ماجه (١٢٧٦).
ويعني به: الحسن بن مسلم راوي الحديث عن طاووس في كتاب مسلم وغيره.
ولعلَّ قولَهم ((حينئذٍ)) تصحيفُ حَسَنٍ، قاله الإمام، وقال القاضي عياض: هو
تصحيفٌ بلا شكٌ.
*

٥٣١
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٤) باب: ما يقال في الخطبة
(٤) باب
ما يقال في الخطبة
[٧٥٩] عن جابر بن عبد الله، قالَ: شهدتُ مع رسول الله وَلقول
الصَّلاةَ يومَ العيدِ، - وفي روايةٍ: يومَ الفِطْرِ - فبدأَ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطْبة،
بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، ثم قامَ يَتَوَكَّأُ على بلالٍ، فأمرَ بتقوى اللهِ، وحثّ على
طاعتِه، ووعظَ النَّاسَ وذَكَّرَهُمْ، ثم مضَى حتَّى أَتَى النِّساءَ فوعظَهنَّ
وذَكَّرَهُنَّ، وقالَ: ((تَصَدَّقْنَ، فإنَّ أكثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فقَامتْ امرأةٌ مِن
سِطَةِ النِّساءِ، سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فقالتْ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟! قالَ: لَأَنَّكُنَّ
تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)). قالَ: فجعلنَ يتصدقنَّ مِن حُلِيِّهنَّ، يُلقينَ
في ثَوبٍ بلالٍ من أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِمِهِنَّ.
(٤) [ومن باب: ما يقال في الخطبة](١)
(قوله في الأم: فقامت امرأة من سِطة النساء) أي: من خيار النساء، يقال:
فلانٌ من أوسط قومه، وواسطة قومه، ووسيط قومه، وقد وسط وساطة، وسِطة،
قال القاضي: كذا وقع هذا الحرفُ عند عامة شيوخنا وسائر الرُّواة، إلا فيما أتى به
الخشني، والطبري، فإنهما ضبطاه: واسطة، وهو قريبٌ من التفسير الأول، لكنَّ
حُذَّاق شيوخنا زعموا: أن هذا الحرفَ مُغيَّر في كتاب مسلم، وأنَّ صوابه: من
سِفْلة النساء. ويُؤْيِّده قولُ من رواه: ليست من عِلْيَةِ النساء ويعضده أيضاً قوله بعد:
سفعاء الخدين. والسُّفْعة: شُحوب بسواد.
و (قوله: ((تُكْثرن الشَّكاة))) يعني: التشكي بالأزواج، أي: يكتمن الإحسان،
ويُظْهِرْن التشكِّي كثيراً. والعشير: الزوج، وهو معدولٌ عن اسم الفاعل للمبالغة من
(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.

٥٣٢
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٥) باب: ما يُقرأ في صلاة العيدين
وفي روايةٍ، قالَ ابن جُريجٍ: قلتُ لعطاء: زكاةُ الفِطْرِ؟ قالَ: لا،
ولكنْ صَدَقَةً يتصدَّقن بها حينئذٍ، تُلقي المرأة فَتَخَها، ويُلقينَ ويُلقينَ. قلتُ
لعطاء: أَحَقّاً على الإمام الآنَ أنْ يأتيَ النِّساءَ حينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قالَ: أَيْ
لَعمري! إنَّ ذلكَ لَحقٌّ عَليهم، ومَا لَهم لا يفعلونَ ذلك؟ !.
رواه البخاري (٩٦١)، ومسلم (٨٨٥) (٣)، وأبو داود (١٤٤١)،
والنسائي (١٨٦/٣ - ١٨٧)، وابن ماجه (١٢٨٩).
#
(٥) باب
ما يُقْرَأُ في صلاة العيدين
[٧٦٠] عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، أنَّه سألَ أبَا واقدِ اللَّيْتِي: ما كانَ يقرأُ
به رسولُ الله ◌َّ فِي الأَضْحَى والفِطْرِ؟ فقالَ: كانَ يقرأُ فيهما بـ ﴿قّ
والقُرآنِ المَجيد﴾ و﴿اقتربتِ السّاعةُ وانْشَقَّ القمر﴾.
المعاشرة والعشرة، وهي الخُلْطة، قال الخليل: يقال: هذا عشيرك، وشعيرك،
على القلب.
(٥) [ومن باب: ما يقرأ في صلاة العيدين](١)
سؤال عمر أبا واقد عما صلَّى به رسول اللهِوَ ل﴿ في العيدين: يحتملُ أن يكون
اختباراً لحفظ أبي واقد، ويحتملُ أن يكونَ استشهد به على مَن نازعه في ذلك،
ويجوزُ أن يكونَ نسي فاستذكر بسؤاله.
(١) ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.

٥٣٣
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٦) باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
رواه مسلم (٨٩١) (٤)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)،
والنسائي (١٨٣/٣ - ١٨٤).
#
(٦) باب
الفرح واللعب في أيام الأعياد
[٧٦١] عن عائشة، قالت: دخلَ عَلَيَّ أبو بكر وعندي جاريتان من
جَواري الأنصار، تُغنِّانِ بما تقاولتِ الأنصارُ يومَ بُعَاثٍ.
وتخصيصُ النبي ◌َّ هو صلاة العيدين بقراءة تينك السّورتين: لما تضمَّنتاه من
المعاني المناسِبة لأحوال الخارجين إلى العيد، واجتماعهم وصُدُورهم؛ فإنها تُذَكَّر
بأحوال الآخرة منزلةً منزلةً. وفيه دليلٌ: على سُنَّة الجهر بالقراءة فيهما، ولا خلافَ
فيه .
(٦) ومن باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
(قول عائشة: وعندي جاريتان مِن جَواري الأنصار) الجاريةُ في النساء
كالغلام في الرِّجال. وهما يقالان على مَن دون البلوغ منهما، ولذلك قالتْ عائشةُ
عن نفسها: فاقدروا قَدْر الجارية العَرِبة. أي: الصَّغيرة. والعَرِبة: المحبَّبة إلى
زوجها. وقيل: الغَنِجة، وقيل: المشتهية للَّعب، كما قال في الرواية الأخرى:
الحريصة على اللهو. بدل العَرِبة. وقولها: تغنيان، أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد
العرب(١)، وهو المسمَّى عندهم بالنَّصْب، وهو: إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط،
وهو يجري مجرى الحُداء.
و (قولها: ((بما تقاولتِ الأنصارُ يوم بعاث))) هو بالباء المعجمة بواحدة من التفريق بين
الغِناء المباح
والمحرَّم
(١) في (هـ): الشعر.

٥٣٤
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٦) باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
قالتْ: وليسَتا بمُغَنِّيَتَينِ، فقالَ أبو بكر: أَبِمُزْمُورِ الشَّيطانِ في بيتِ رسولِ الله
أسفل، والعين المهملة، هكذا رويناه، وهو المعروف. وقاله أبو عبيد بالغَيْن
المعجمة. وكان يوماً من أيام الحروب المعروفة بين الأوس والخزرج، كان
الظُهورُ فيه للأوس على الخزرج.
و (قولها: وليستا بمغنيتين) أي: لستا ممَّن يعرف الغناء كما تعرفه المغنياتُ
المعروفات بذلك، وهذا منها تحرُّزٌ من الغِناء المعتادِ عند المشتهرِين به، الذي
يُحَرِّكَ النفوسَ، ويبعثها على الهوى والغَزَل والمجون؛ الذي يُحرِّك الساكنَ،
ويبعثُ الكامن. وهذا النوعُ إذا كان في شِعْر يشبّب فيه بذكر النساء، ووَصْف
محاسنهن، وذكر الخمور، والمحرَّمات: لا يُخْتَلَفُ في تحريمه؛ لأنه اللَّهو
واللعبُ المذمومُ بالاتفاق، فأمَّا ما يَسْلَم من تلك المحرَّمات فيجوزُ القليلُ منه؛
وفي أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التَّنشيط على الأعمال الشَّاقة. ويدلُّ
على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه. مثل:
ما جاء في الوليمة، وفي حَفْر الخندق، وفي حَذْو الحبشة وسَلَمة بن الأكوع، فأمَّا
ما أبدعه الصُّوفيةُ اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة؛ فمن قبيل
ما لا يُختلف في تحريمه، لكن النفوسَ الشهوانية والأغراضَ الشيطانية قد غلبتْ
على كثيرٍ ممن يُنسب إلى الخير، وشهر بذكره حتى عموا عن تحريم ذلك وعن
فُخْشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عَوارات المُجَّان والمخانيث، والصبيان،
فيرقصون ويَزْفِنون بحركاتٍ مطابقة، وتقطيعات متلاحقة، كما يفعلُ أهلُ السَّفه
والمجون، وقد انتهى التواقحُ بأقوامٍ منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمورَ من أبواب
القُرَب وصالحاتِ الأعمال، وأن ذلك يُثْمِرُ صفاءَ الأوقات وسيّئات الأحوال، وهذا
على التَّحقيق من آثار الزَّندقة، وقول أهل البطالة والمخرقة، نعوذُ بالله من البِدَع
والفتن، ونسأله التوبةَ والمشي على السُّنن.
و (قول أبي بكر: أبمزمور الشيطان) إنكارٌ منه لما سمع، مستصحباً لما

٥٣٥
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٦) باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
وَلِ﴾؟ وذلكَ في يوم عيدٍ. فقالَ رسولُ اللهِ وَله: ((يا أبا بكرٍ! إنَّ لِكلِّ قوم
عِيداً، وهَذا عِيدُنَا)).
وفي روايةٍ: ((تَلْعَبانِ بِدُفِّ)).
وفي أُخرى: ورسولُ الله ◌ِوَلِّ مُسَجَّى بثوبِه، فَانْتَهَرَهُما أبو بكر،
فكشفَ رسولُ اللهِوَِّ عنه، فقال: ((دَعْهُما يا أبا بكرٍ، فإنَّها أَيَّامُ عیدٍ))،
وقالتْ: رأيتُ رسولَ الله وَّه يَسْتُوُنِي بردائِهِ، وأَنَا أَنْظرُ إلى الحَبَشَةِ وهم
يلعبونَ، وأنَا جاريةٌ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَة العَرِبَةِ الحديثةِ السِّنِّ.
كان مقرَّراً (١) عنده من تحريم اللهو والغِناء جُملةً، حتى ظنَّ: أنَّ هذا من قبيل
ما يُنْكَر، فبادر إلى ذلك، قِياماً عن النَّبِي ◌َّرِ بذلك على ما ظَهَر له، وكأنَّه ما كان
تبيَّن له أن النبيَّ وَّهَ قرَّرهُنَّ على ذلك بعد، وعند ذلك قال له النبيُّ وَّ: ((دَعْهُما))،
ثم علَّل الإباحة: بأنه يومُ عيد، يعني: أنه يومُ سرورٍ وفرحٍ شرعيّ، فلا يُنكر فيه
مثلُ هذا.
و (المزمور): الصوت، ونِسْبَتُهُ إلى الشيطان: ذٌّ على ما ظهر لأبي بكر، منعُ الغناء بآلة
قال الإمام: فأما الغِناءُ بآلةٍ مُطْرِبةٍ فيمنع، وبغير آلةِ اختلفَ الناسُ فيه: فمنعه مُطْرِبة
أبو حنيفة، وكرهه الشافعي، ومالك، وحكى أصحابُ الشَّافعي عن مالك: أنَّ
مذهَبُهُ الإجازةُ من غير كراهةٍ.
قال القاضي: المعروفُ من مذهب مالك المنعُ لا الإجازة. قلتُ: ذَكَرَ
الأئمةُ هذا الخلافَ هكذا (٢) مطلقاً، ولم يُفَصِّلوا مَوْضِعَه، والتفصيلُ الذي ذكرناه
لا بُدَّ من اعتباره، وبما ذكرناه يجتمعُ شَمْلُ مقصودِ الشَّرع الكلِّي، ومَضْمُون
(١) في (هـ) و (ظ): تقرّر.
(٢) ساقط من (ع).

٥٣٦
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٦) باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
وفي أُخرى: الحَريصةِ على اللَّهْوِ .
وفي أخرى: يَلعبونَ بحرابِهِم في مسجد النبيِّ وَّه.
رواه أحمد (٣٣/٦ و١٢٧)، والبخاري (٩٤٩)، ومسلم (٨٩٢)
(١٦ و١٧ و١٨)، والنسائي (١٩٥/٣).
[٧٦٢] وعنها، قالت: كانَ يومُ عيدٍ، يلعبُ السُّودان بالدَّرقِ
والحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رسولَ اللهِوَه وإمَّا قالَ: ((تَشْتَهِينَ؟)) فقالت: نعم،
فَأَقَامَني وراءَه، خَدّي على خَدِّهِ وهو يقولُ: ((دُونَكم يَا بَنِي أَرْفِدَةَ)) حتَّى إذَا
الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذَكَر الإمامُ: الدفُّ؛
فإنه قد جاء ذِكْرُه في هذا الحديث، وفي حديث العُرس.
جواز اللعب
وتسجيةُ رسول اللهِوَّهِ وَجْهَه بثوبه: إعراضٌ عنهما. وقالت في الحديث
بالسلاح في الآخر: إنَّ النبيَّ وَ﴿ كان على الفِراش مضطجعاً، وإنه حوَّل وَجْهَه عند غِناء
المسجد
للتمرین
الجاريتين. وكأنه أعرضَ عن ذلك الغِناء؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يعرضُ عنه،
وأما لعبُ الحبشة في المسجد فكان لَعِباً بالحراب والدَّرَق تواثباً ورَقْصاً بهما، وهو
من باب التّدريب على الحرب والتَّمرين والتَّنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب،
ولذلك أباحه النَّبِيُّ وَ هَ في المسجد، وفيه دليلٌ: على جَواز نَظَر النساء إلى
الأجانب من الرجال على مِثْل هذه الحال، التي قد أُمِنت المفاسدُ والفتنُ فيها.
وإنكارُ عُمر عليهم تمشُّكٌ منه بالصُّورة الظّاهرة؛ كما قلنا في حقِّ أبي بكر
- رضي الله عنهما - وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفی.
و (قوله: ((دونكم يا بني أرفِدة))) دونكم: منصوب على [الظرف بمعنى](١)
(١) ساقط من (ع).

٥٣٧
(٥) أبواب صلاة العيدين - (٦) باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
مَلِلْتُ قالَ: ((حَسْبُكِ؟)) قلتُ: نعم. قالَ: ((فَاذْهَبِي)).
رواه البخاري (٩٥٠)، ومسلم (١٩/٨٩٢).
[٧٦٣] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: بينَما الحبشةُ يلعبونَ عندَ
رسولِ اللهِ وَّهُ بِحِرَابهم، إذْ دخلَ عمرُ بن الخَطَّابِ، فَأَهْوَى إلى الحَصْبَاء
يَخْصِبُهُمْ بها، فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: (دَعْهُمْ، يا عمرُ!)).
رواه أحمد (٣٠٨/٢)، والبخاري (٢٩٠١)، ومسلم (٨٩٣).
الإغراء، والمغرى به محذوف؛ دلَّتِ الحالةُ عليه، وهو لَعِبُهم بالحراب، فكأنه
قال: دونكم اللعب. والعرب تغري بـ: ((عليك) و (دونك) و (عندك). وأرفِدة:
بكسر الفاء، هي روايتنا، وقيل عن أبي بحر: أرفَدة: بفتح الفاء، وهو لَقَبٌ
للحبشة .
و (قوله: ((حسبك))) معناه: يكفيك. وهو محذوفُ همزة الاستفهام.
والحصباء: الرَّمل. و (أهوى بيده): أمالها لأخذ الحصباء، و (حَصَبهم): رماهم
بالحصباء.

٥٣٨
(٦) أبواب الاستسقاء - (١) باب: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء
(٦)
أبواب الاستسقاء
(١) باب
الخروج إلى المصلى لصلاة الاسْتِسْقَاءِ،
و كيفية العمل فيها
[٧٦٤] عن عبد الله بن زَيْدِ المَازِنيّ، قالَ: خرجَ رسولُ اللهِ وَ لَه إلى
(٦)
ومن أبواب صلاة الاستسقاء
سُنََّ الاستسقاء
وتقديم الصلاة
على الخطبة
فيها
حديث عبد الله بن زيد يقتضي: أنَّ سُنَّةَ الاستسقاء الخروجُ إلى المصلَّى،
والخُطْبة، والصلاة. وبذلك قال جمهورُ العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى: أنه ليس
من سُنَّته صلاة ولا خروج. وإنما هو دعاءٌ لا غير. وهذا الحديثُ وما في معناه يردُ
عليه، ولا حجَّةَ لأبي حنيفة في حديث أنس؛ إذ فيه: أن النبيَّ وَّر دعا من غير
صلاةٍ ولا غيرها؛ لأنَّ ذلك كان دعاءً عُجِّلَتْ إجابته، فاكتفى به عمَّا سواه، ولم
يقصدْ بذلك بيانَ سُنَّة الاستسقاء، ولما قَصَدَ البيان بيَّن بفعله؛ كما في حديث
عبد الله بن زيد. وظاهِرُ هذا الحديث: أن الخُطبَةَ مقدمةٌ على الصلاة؛ لأنه جاء فيه
بثم التي للترتيب والمهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قولُ كثيرٍ من
الصحابة. والجمهور: على أن الصلاةَ مقدمةٌ على الخطبة، وإليه رَجَعَ مالك، وهو

٥٣٩
(٦) أبواب الاستسقاء - (١) باب: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء
قولُه في الموطأ، وكان مستندُ هذا القول روايةُ مَن روى هذا الخبرَ بالواو غير
المرتبة بدل ثم، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الصباغ عن مالك: أنه وَ لّ بدأ
بالصَّلاة قبل الخُطْبة. وهذا نص، ويُعتضدُ هذا بقياس هذه الصَّلاة على صلاة
العيدين؛ لسبب أنهما يخرجُ لهما، ولهما خطبة. ولم يذكرْ في حديث عبد الله بن
زيد هذا: أنها يكبِّر لها كما يكبِّر في العيد، ولذلك لم يَصِرْ إليه أكثرُ العلماء:
مالك، وغيره. وقد قال بالتكبير فيها جماعةٌ: منهم: ابن المسيب، وعمر بن
عبد العزيز، والشافعي، والطبري، وحَّتُهم: حديث ابن عباس الذي خرَّجه
أبو داود، قال فيه: خرج رسولُ الله ◌ِوَلّهِ متذللاً، متواضعاً، متضرِّعاً، حتى أتى
المصلى، فرقي على المنبر، ولم يخطب خُطْبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء
والتضرُّع والتكبير، ثم صلَّى ركعتين، كما يصلي في العيد (١). وهذا لا ينتهض
حجةً، فإنه يصدقُ على التشبيه؛ وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كلِّ
الوجوه، إلا في شبيهٍ ومثيلٍ للمبالغة التي فيه، فإن العربَ تقول: زيدٌ كالأسد،
وكالبحر، وكالشمس، تريد بذلك أنه يشبهه في وجهٍ من الوجوه، على أنَّ هذا
الحديث قد رواه الدارقطني، وقال فيه: صلَّى ركعتين، كبَّر في الأولى بسبع
تكبيرات، وقرأ: بسبِّح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: هل أتاك حديث
الغاشية، وكبَّ خمس تكبيرات(٢). وهذا نصٌّ، غير أنَّ هذا الطريقَ في إسناده:
محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيفُ الحديث،
ذكره ابنُ أبي حاتم، ولا خلافَ في أنه يجهرُ فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاري،
ويُخطَب فيهما خطبتان، يجلسُ في أولاهما ووسطهما، وهو قولُ مالك
والشافعي، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهدي:
يخطبُ خطبةً واحدة لا جلوسَ فيها. وخيَّره الطبري.
(١) رواه أبو داود (١١٦٥).
(٢) رواه الدار قطني (٦٦/٢).

٥٤٠
(٦) أبواب الاستسقاء - (١) باب: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء
المُصلَّى فاسْتَسْقَى، وحَوَّل رِدَاءَهُ حينَ استقبلَ القِبْلَةَ.
وفي روايةٍ: خرجَ إلى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وأَنَّه لمَّا أرادَ أنْ يَدْعُوَ
استقبلَ القِبْلَةَ وحَوَّلَ رِدَاءَه.
وفي أخرى: فجعلَ إلى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدعُو الله، واستقبلَ القِبْلَةَ،
وحَوَّل رِدَاءَه، ثم صَلَّی رِکعتینِ.
وفي أخرى: قلبَ رِدَاءَه، وصلَّى رَكعتينِ.
و (قوله: استسقى، وحوَّل رداءه، وقَلَب رداءه) استسقى: استفعل؛ أي:
حکم تحويل
الرداء وقلبه في طلب السُّقيا بتضرُّعه ودُعائه، وإنما قَلَب رداءه على جهة التفاؤل لانقلاب حال
صلاة
الاستسقاء
الشدَّة إلى السّعة. وجمهورُ العلماء: على أنه سُنَّة، على ما تضمَّنه هذا الحديث.
وأنكره أبو حنيفة، وضعّفه ابن سلَّم من قدماء العلماء بالأندلس، والحديثُ حُجَّةٌ
عليهم، ثم الذين قالوا بالتَّحويل اختلفوا: فمنهم من قال: إنه يردُّ ما على يمينه
على شماله، ولا ينكسه، وهم الجمهور. وقال الشافعي بمصر(١): ینکسه؛ فيجعل
ما على (٢) رأسه أسفل، وسببُ هذا الخلافِ اختلافُهم في مفهوم قول الصاحب(٣):
((حَوَّل وقَلَبَ))، هل هما بمعنى واحد، أو بينهما فرقان؟ ثم هل يحوِّلُ الناسُ
أرديتهم إذا حوّل الإمامُ أم لا؟ قال مالك: نعم. وقال الجمهورُ: لا. ومتى يحوِّله؟
فقيل: بين الخُطبتين. وقيل: عند الإشرافِ عليهما. والقولان لمالك، والثاني هو
المشهورُ عنه، وبه قال الشافعي.
ثم هل يرجعُ بعد تمام دعائه فيذكِّر الناس أو لا؟ قولان، ولا خلافَ في
تحویل الإمام وهو قائمٌ، وتحويل الناس ۔۔ عند من يقول به ۔ وهم جلُوس.
(١) زيادة من (ظ) و (هـ).
(٢) في (ظ) و (هـ): ما يلي.
(٣) هو عبد الله بن زيد المازني، راوي الحديث.