النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُمي عن الصلاة فيها
ممن آمنَ معه) فقلتُ: إنِّي مُتَبِعُكَ. قالَ: ((إنَّكَ لا تستطيعُ ذلك يومَك هذا،
ألا تَرى حَالي وحالَ النَّاس؟ ولكن ارجع إلى أهلِكَ، فإذا سمعتَ بي قد
ظهرتُ فَأْتِنِي)) قالَ: فذهبتُّ إلى أهلي، وقدمَ رسولُ اللهِ وَ﴿ِ المدينةَ، وكنتُ
في أهلي فجعلتُ أَتَخَبَّرُ الأخبارَ، وأسألُ النَّاسَ حينَ قدمَ المدينةَ، حتى قدمَ
عليَّ نفرٌ مِن أهلِ يثربَ من أهلِ المدينةِ فقلتُ: ما فعلَ هذا الرجلُ الذي
قدمَ المدينةَ؟ فقالوا: النَّاسُ إليه سِرَائٌ، وقد أرادَ قومُه قتلَه فلم يستطيعوا
ذلكَ، فقدمتُ المدينةَ، فدخلتُ عليه، فقلت: يا رسولَ الله! أَتعرفُني؟
قالَ: ((نعم، أنتَ الذي لَقِيتَني بمكَّة؟)) قالَ: فقلتُ: بلى، فقلتُ:
يا نبيَّ الله! أخبرني عمَّا عَلَّمَكَ اللهُ وأجهلُه، أخبرني عن الصَّلاة؟ قالَ:
النبيُّ ◌َلّ، أعني: عن سعد، فلم يذكره، إما ذُهولاً عنه، وإما لأنَّ سعداً لم يكن
حاضراً إذ ذاك بمكة، وإما لأمرٍ آخر، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلامُ على قرني
الشيطان: في الإيمان. وعلى ما تضمَّنه من الأوقات فيها، وعلى تكفير الخطايا:
في الطَّهارة.
و (قوله: ((إني متبعك))) معناه: أصحبك. وأكونُ معك في موضعك،
ولذلك أجابه بقوله: ((إنك لا تستطيع يومك هذا)) ولم يردّ عليه إسلامه، وإنما ردّ
عليه كونه معه.
و (قوله: ((فإذا سمعت أنِّي قد ظهرت))) أي: علوتُ وغلبت، وهذا من إخباره ال
إخباره * بالغيب، فهو داخلٌ في باب دلالات نبوّته، فإنه أخبرَ عن غيب وَقَعَ على بالغيب
نحو ما أخبر عنه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨]
أي: ليعليَهُ.
و (قوله: ((أخبرني عن الصلاة))) سؤالٌ عن تعيين الوقت الذي يجوزُ التنقُّلُ الوقت الذي
فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قُلْنا ذلك؛ لأنه وَل﴿ فَهم عنه ذلك، فأجابه به، يجوز التنفل فيه

٤٦٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُمي عن الصلاة فيها
((صَلِّ صَلاة الصُّبْح، ثم أَقْصِرْ عن الصَّلاةِ حتَّى تطلَعَ الشمسُ حتَّى ترتفعَ،
فإنَّها تطلعُ حينَ تَطْلعُ بينَ قَرْنَيْ شَيطانٍ، وحينئذٍ يسجُد لها الكُفَّارُ، ثم
صَلِّ، فإنَّ الصَّلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى يَسْتَقْلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْحِ، ثم أَقْصِرْ
عن الصَّلاةِ، فإنَّ حينئذٍ تُسَجَّرُ جَهنَّم، فإذَا أقبلَ الفَيءُ فَصَلِّ،َ فإنَّ الصَّلاةَ
مَشهودَةٌ مَحضورةٌ، حتَّى تُصَلَِّ العصرَ، ثم أَقْصِرْ عن الصَّلاةِ حتَّى تغربَ
الشَّمسُ، فإنَّها تغربُ بينَ قَرْنَي شَيطانٍ، وحينئذٍ يسجدُ لها الكُفَّارُ)) قالَ:
ولو كان سؤالُه عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقاً للسؤال.
و (قوله: ((أقصر))) أي: كف. و((تسجر)) أي: تملأ. ومنه البحر المسجور:
المملوء. واسم إن محذوف، وهو ضمير الأمر، والشَّأن. تقديره: فإنه حينئذ، كما
قال الشاعر :
إن من يدخلِ الكنيسةَ يوماً *
أي: إنه من. ويجوزُ إثباتُه كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾
[طه: ٧٤].
و (قوله: ((حتى يستقل الظل بالرمح))) أي: یکون ظلُّه قليلاً، كأنه قال: حتى
يقلَّ ظلُّ الرمح، والباء زائدة، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ﴾
[الحج: ٢٥]. وقد رواه أبو داود، فقال: ((حتى يعدل الرمح ظله)). قال الخطابي:
هذا إذا قامت الشمس، وتناهى قصرُ الظل. وقد روى الخشني لفظ كتاب مسلم:
((حتى يستقلَّ ظلُّ الرمح)) أي: يقوم، ولا تظهر زيادته. وفيه حُبَّةٌ لمن مَنَعَ الصَّلاةَ
حينئذ، وهم أهلُ الرأي، وقد روي عن مالك، ومشهورُ مذهبه ومذهب جمهور
العلماء: جوازُ الصَّلاة حينئذ، وحُبَّتُهم: عَمَل المسلمين في جميع الأقطار على
جواز التنفل جواز التنفُّل يوم الجمعة إلى صُعُود الإمام على المنبر عند الزَّوال. قال القاضي
قبل صعود أبو الفضل: وتأوَّل الجمهورُ الحديثَ: على أنه منسوخٌ بإجماع عَمَل الناس، أو
الإمام المنبر
يكونُ المرادُ به: الفريضة، ويكون موافقاً لقوله: ((إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا عن

٤٦٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُي عن الصلاة فيها
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فالوضوءُ؟ حَدِّثْنِي عنه. قالَ: ((مَا مِنْكُم رجلٌ يُقَرِّبُ
وُضُوءَه؛ فيَتَمْضَمَضُ ويَستنشقُ فَيَسْتَنْثِرُ، إلا خرَّتِ خَطَايَا وجهِه وفِيهِ
وخَيَاشِيمِهِ، ثمَّ إذا غسلَ وجهَه كما أمرَه الله، إلا خرَّت خَطَايَا وجهِهِ من
أطرافٍ لحيتِه معَ الماءِ، ثم يغسلُ يَدَيْهِ إلى المِرفقينِ، إلا خرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ
مِن أَنَامِلِهِ معَ المَاءِ، ثم يمسحُ رأسَه، إلا خَرَّت خَطَايَا رأسهِ مِن أطرافٍ
الصلاة، فإنَّ شدَّة الحرِّ مِن فَيْح جهنّم))(١). قلتُ: وفي هذا نظر. وهو: أنَّه
لا يصحُّ أن يكونَ نَسْخاً على حقيقته، وإنما هو تخصيصٌ، فإنه إخراجُ بعضٍ
ما تناوله اللفظُ الأول، لا رفعٌ لكلية ما يتناوله. وأما قولهم: إنَّ هذا في الفريضة،
فلیس بصحيح لوجهين :
أحدهما: أنَّ مقصودَ هذا الحديث: بيانُ الوقت الذي يجوزُ فيه التنفُّل من
الوقت الذي لا يجوزُ فيه، كما قررناه آنفاً.
وثانيهما: حديث عقبة بن عامر المتقدِّم(٢)، فإنه قال فيه: ثلاث ساعاتٍ نهانا النهي عن
رسولُ الله ◌ِوَلِ﴿ أن نُصلِّي فيهن، وذكر هذا الوقت. ومقصودُه قطعاً: بيانُ حُكْم
التنفل في
أوقات
التنفّل في هذه الأوقات، فالظَّاهر: حَمْلُ النهي على مَنْع التنفل في هذه الأوقات مخصوصة
الثلاثة؛ إلا في يوم الجمعة، جَمْعاً بين الأحاديث والإجماع المحكي، والله تعالى
أعلم.
و (قوله: «خرَّت خطاياه))) رواية أكثرِهم بالخاء المعجمة، أي: سقطت،
وهو كنايةٌ عن مغفرة الذنوب. وعند أبي جعفر: ((جرت)) بالجيم في الأولى، وقد
رويناه بالجيم في جميعها، ومعناه صحيح. كما قال: خرجتْ خطاياه مع الماء.
(١) رواه أحمد (٢٦٦/٢ و٣٩٤ و٤٦٢)، والبخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦٤٥)، وأبو داود
(٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي (٢٤٨/١ و٢٤٩) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
(٢) سبق في التلخيص برقم (٦٩٩).

٤٦٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٤) باب: في الركعتين بعد العصر
شعرهِ معَ الماءِ، ثم يغسلُ قَدَمَيْهِ إلى الكعبين، إلا خَرَّتْ خَطَایَا رِجْلَيْهِ مِن
أَنَامِلِهِ معَ المَاءِ، فإنْ هو قامَ فصلَّى، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، وَمَجَّدَهُ بالذي
هو له أهلٌ، وفرَّغْ قلبَه للهِ إلا انصرفَ مِن خطيئِتِهِ كهيئِتِهِ يومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه».
رواه أحمد (١١٢/٤)، ومسلم (٨٣٢)، وأبو داود (١٢٧٧)،
والنسائي (٢٧٩/١ - ٢٨٠)، وابن ماجه (١٢٥١).
(١٢٤) باب
في الركعتين بعد العصر
[٧٠١] عن كُرَيْبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسِ، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَبَّاس،
وعبدَ الرحمنِ بن أَزْهَرَ، والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَّةٌ أرسلُوه إلى عائشةَ زَوَّجٍ
النبيِّي ◌َّهِ فقالُوا: اقْرَأْ عليهَا السَّلامَ مِنَّا جميعاً، وسَلْها عن الركعتين بعدَ
العَصْرِ، وقلْ: إنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وقد بَلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ نهى
عنهما، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: وكنتُ أصرفُ مع عمرَ بن الخَطَّابِ النَّاسَ عنهما،
و (قوله: (وفرغ قلبه لله)) أي: مما يشغله عن الصَّلاة، كما قال: ((لا يحدث
فيها نفسه».
و (قوله: ((إلا انصرف من خطيئته كهيئته في يوم ولدته أمه))) أي: لا يبقى
عليه شيء، لا كبيرة ولا صغيرة. هذا ظاهِرُه. وقد بيَّنا هذا المعنى في الطهارة.
(١٢٤) ومن باب: الركعتين بعد العصر
(قول: كنت أصرف مع عمر بن الخطاب الناسَ عنهما) هذه روايةٌ
السّمرقندي. ومعناه: أمنع. وروايةُ أكثرِ الرواة: أضرب، من الضرب. ويحتملُ أن
النهي عن
التنقل بعد
العصر

٤٦٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٤) باب: في الركعتين بعد العصر
قالَ كُرَيْبٌ: فدخلتُ عليها وبلَّغْتُها ما أرسلُوني به، فقالتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ،
فخرجتُ إليهم فأخبرتُهم بقولها، فردُّوني إلى أُمِّ سلمةَ بمثلٍ ما أرسلُوني به
إلى عائشةَ، فقالتْ أُمُّ سلمةَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّهِ يَنْهى عنهما، ثم رأيتُه
يُصلِّيهما، أمَّا حينَ صلَّهُما فإنَّه صَلَّى العصرَ، ثم دخلَ وعندي نسوةٌ مِن
بني حَرَامٍ من الأنصارِ، فصَلَّهُما، فأرسلتُ إليه الجاريةَ فقلتُ: قُومِي
بِجَتْبِهِ فقولي له: تقولُ أُمُّ سلمةَ: يا رسولَ الله! إنِّي سَمِعْتُكَ تَنهى عن هَاتينٍ
الرَّكعتينِ، وأراكَ تُصَلِّيهما؟ فإنْ أشارَ بِيدِه فَاسْتَأْخِري عنه، قالَ: فَفَعَلَتِ
الجاريةُ، فأَشارَ بيدِه فاستأخرتْ عنه، فلمَّا انصرفَ قالَ: ((يا بنتَ أبي أُميَّة،
سأَلْتِ عن الرَّكعتينِ بعدَ العصرِ، إنَّه أَتَاني نَاسٌ من عبدِ القيسِ بالإسلامِ مِن
قَوْمِهِم فشغلُوني عن الرَّكعتينِ اللََّيْنِ بعدَ الظُّهْرِ، فَهُما هَاتَانِ)).
رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣)،
والنسائي (٢٨١/١ -٢٨٢).
يكونَ هذا مثل: أصرف، أي: أمنع، من الضرب على اليد، ويحتملُ أن يكونَ من
الضرب بالدِّرَّة تأديباً. وقد جاء ما يعضدُ هذا في الموطأ (١): أنَّ عمر كان يضربُ
بالدّرة على الصلاة في هذا الوقت، وهو معلومٌ مِن فِعْله رضي الله عنه، وإنما كان
عمر [يمنع من ذلك](٢) للنهي الوارد في ذلك، وهذا القولُ صادرٌ عن كُريب.
وما رُوي عن النَّبيِ وَ لّ من فِعْله لهما على ما في حديث أم سلمة، فقد ذكرتْ
أم سلمة القضية، وتممّتها عائشةُ رضي الله عنها بقولها: ((ثم أثبتها، وكان إذا صلَّى
صلاةً أثبتها)) وقد روى أبو داود، عن عائشة أنَّها قالت: ((إنَّ رسولَ الله وَه كان من خصوصياته
يُواصِل، وينهي عن الوصال، ويُصلِّ بعد العصر، ويَنْهى عنها)) وهذا نصٌّ جليٌّ فى صلى الله عليه وسلم
(١) بل هذا في صحيح مسلم، وسيأتي في التلخيص برقم (١٠٠٤). وانظر: المصنف لابن
أبي شيبة (٣٥١/٢).
(٢) في (ع): يفعل ذلك.

٤٦٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٤) باب: في الركعتين بعد العصر
[٧٠٢] وعن أبي سلمةَ، أنَّه سألَ عائشةَ عن السَّجدتينِ اللَّتينِ كانَ
رسولُ اللهِوَّهِ يُصلِّيهما بعدَ العصرِ؟ فقالتْ: كانَ يُصلِّيهما قبلَ العَصْرِ، ثم
إِنَّهِ شُغِلَ عنهما أو نَسِيَهُما، فصلَّهُما بعدَ العَصْرِ، ثم أَثْبَتَهُما، وكانَ إذَا
صَلَّى صَلاةَ أَثْبَتَها.
رواه مسلم (٨٣٥) (٢٩٨).
[٧٠٣] وعنهما، قالتْ: صَلاتَان ما تَرَكَهُما رسولُ الله ◌َّهُ فِي بَيتي
قَطُّ، سِرّاً ولا عَلانِيَةَ: رَكعتينٍ قبلَ الفجرِ ورَكعتينِ بعدَ العَصْرِ.
رواه أحمد (١٥٩/٦)، ومسلم (٨٣٥) (٣٠٠).
خصوصيته وَ﴿ بذلك، فلا ينبغي لأحدٍ أن يُصلِّي في هذه الأوقات المنهي عنها نَفْلاً
مبتدأً. قلت: ويظهرُ لي: أنَّ النَّهي عن الصلاة في هذا الوقت؛ هو ذريعةٌ لئلا توقعَ
الصلاةُ في الوقت الذي إذا صلَّى فيه قارنَ فِعْلُه فِعْلَ الكفار، ووقعَ التَّشابهُ بينهم،
فإذا أُمِنَتِ العلةُ التي لأجلها نُهِي عن الصلاة فيه، جاز ذلك. كما فعلتْ عائشةُ
رضي الله عنها، وكما فَعَلَه النبيُّ وَ له، على قول(١) من لا يرى خصوصيته بذلك،
لكنَّ عمومَ المنع في الوقت كلِّه أدفعُ للذَّريعة، وأسدُّ للباب، فيمنعُ مطلقاً،
والله أعلم.
و (قول عائشة في الرَّكعتين بعد العصر: أَنَّ النبيَّ وَّ ما تركهما في بيتها
قطُّ) تعني: في الوقت الذي شُغِل عن الرَّكعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر،
ثم داوم عليهما، فأخبرتْ هنا عن الدَّوام، وإلا فَقَبْلَ أن يفعلَ هذا لم يكن يُصلِيهما
بعد العصر، وبهذا يتّفقُ الجمعُ بين أحاديثها في هذا الباب، والله تعالى أعلم. وفي
هذا الحديثِ أبواب من الفِقه لا تخفی.
(١) من (هـ) و (ظ).

٤٦٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٥) باب: الركوع بعد الغروب وقبل المغرب
(١٢٥) باب
الركوع بعد الغروب وقبل المغرب
[٧٠٤] عن مُخْتَارِ بن فُلْفُلِ، قالَ: سألتُ أنسَ بنَ مَالكِ عن التَّطوُّع
بعدَ العصرِ؟ فقالَ: كانَ عُمَرُ يضربُ بالأَيدي على صَلاةٍ بعدَ العَصْرِ، وكنّا
نُصلِّي على عهدِ رسولِ اللهِ وَ﴿ ركعتينِ بعدَ غُروبِ الشَّمس قبلَ صَلاةِ
المَغْرِبِ، فقلتُ له: أَكَانَ رسولُ اللهِ مَّهِ صَلَّهُمَا؟ قالَ: كانَ يَرانًا
نُصلِيهما، فلم يَأْمُوْنَا ولم يَنْهَنا.
رواه مسلم (٨٣٦).
(١٢٥) ومن باب: الرُّكوع بعد الغروب
ظاهِرُ حديث أنس: أنَّ الركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاةٍ المغرب كان حكم الصلاة
أمراً قرَّر النبيُّ وَّرِ أصحابَه عليه. وأنَّهم عَمِلوا بذلك، وتضافروا عليه، حتى كانوا بين أذان
يبتدرون السَّواري لذلك، وهذا يدلُّ على [الجواز وعدم الكراهية، بل على](١) المغرب
الاستحباب لا سيما مع قوله ◌َله: ((بين كُلِّ أذانين صلاة)). وإلى جواز ذلك ذهبَ
والإقامة
كثيرٌ من السّلف، وأحمد، وإسحاق. ورُوي عن أبي بكر، وعُمر، وعُثمان،
وعلي، وجماعةٍ من الصَّحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يصلُّونها، وهو قولُ
مالك، والشافعي. وقال النَّخَعي: هي بدعة. وكأنه لم يبلغه حديثُ أنس. قال ابنُ
أبي صفرة: وصلاتُها كان في أول الإسلام، ليتبينَ خروجُ الوقت المنهي عنه بمغیبٍ
الشمس، ثم التزمَ الناسُ المبادرةَ بالمغرب. لئلا يتباطأُ الناسُ عن وقت الفضيلةِ
للمغرب، وقد يُقال: لأن وقتها واحد، على قولِ أكثرِ العلماء، ولا خلافَ بينهم
في: أنَّ المبادرةَ بها وإيقاعها في أول وقتها أفْضَل، وتجويزُ الاشتغالِ بغيرها في
ذلك الوقت ذریعةٌ إلى خلافٍ ذلك.
(١) ساقط من (ع).

٤٦٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
[٧٠٥] وعنه، قالَ: كنّا بالمدينةِ فإذَا أَذَّنَ المُؤذِّنُ لصلاةِ المغربِ
ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فرَكَعُوا رَكعتينِ، حتَّى إِنَّ الرجلَ الغريبَ ليدخلُ المسجدَ
فيحسبُ أنَّ الصَّلاةَ قد صُلِيتْ مِنْ كثرةٍ مَنْ يُصلِّيهما.
رواه البخاري (٦٢٥)، ومسلم (٨٣٧)، والنسائي (٢٨/٢ و٢٩).
[٧٠٦] وعن عبد الله بن مُغفَّل المُزَني، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِّن:
(بينَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ)) قالَها ثلاثاً، قالَ في الثالثة: ((لمنْ شاءَ)).
وفي روايةٍ: قالَ في الرابعة: ((لمنْ شاءَ)).
رواه أحمد (٨٦/٤-٥٦/٥)، والبخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨)،
وأبو داود (١٢٢١)، وابن ماجه (١١٦٢).
*
(١٢٦) باب
صلاة الخوف
[٧٠٧] عن ابن عمرَ، قالَ: صَلَّى رسولُ اللهِ وَهِ صَلاة الخَوْفِ،
و (قوله: ((بين كلِّ أذانين صلاة))) يعني: الأذان والإقامة، وغَلَبَ عليهما اسمُ
الأذان؛ لأنَّ فيهما إعلاماً بالشُّروع في الصَّلاة، ووَجْهُ هذا الحديث: أنه إذا أُذُنَ
للصلاة فقد خَرَج وقتُ النَّهي، فتجوزُ الصَّلاةُ حينئذٍ، والله تعالى أعلم.
(١٢٦) ومن باب: صلاة الخوف
قولنا: صلاةُ الخوف: هي الصلاةُ المعهودة تحضرُ والمسلمون مُتعرِّضون
لحرب العدو، وقد اختلفَ العلماءُ: هل للخوفِ تأثيرٌ في تغيير الصَّلاة المعهودةِ
معنى صلاة
الخوف

٤٦٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
بإحدَى الطَّائفتين ركعةٌ، والطَّائِفَةُ الأُخرى مُوَاجِهةُ العَدُوِّ، ثم انصرفُوا،
عن أصل مشروعيتها المعروفة (١) أم لا؟ فذهب الجمهور: إلى أنَّ للخوف تأثيراً في
تغيير الصلاة، على ما يأتي تفصيلُ مذاهبهم. وذهب أبو يوسف: إلى أنه لا تغييرَ
في الصلاة لأجل الخوفِ اليوم، وإنما كان التغييرُ المروي في ذلك، والذي عليه
القرآنُ، خاصّاً بالنبيِ وَ هِ، مُستدلّاً بخصوصية خطابه تعالى لنبيِّه وَ ﴿ بقوله تعالى: صلاة الخوف
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. قال: فإذا لم يكنْ فيهم لم ليست من
تكنْ صلاةُ الخوف. وهذا لا حُجَّةَ فيه لثلاثةِ أوجه:
خصوصياته {﴾
أحدها: أنا قد أُمرنا باتِّباعه، والتأسِي به، فيلزمُ اتِّباعُه مطلقاً؛ حتى يدل دليلٌ
واضحٌ على الخصوص، ولا يصلحُ ما ذكره دليلاً على ذلك، ولو كان مثلُ ذلك
دليلاً على الخصوصية، للزم قَصْرُ الخطابات على مَن توجّهتْ له، وحينئذٍ یلزم أن
تكون الشريعةُ قاصرة(٢) على مَن خُوطِب بها. لكن قد تقرَّر بدليلٍ إجماعي؛ أنَّ
حُكْمَه على الواحد حُكْمه على الجميع. وكذلك ما يُخاطَب هو به. كقوله تعالى:
﴿فَإِن كُنْتَ فِ شَكٍ﴾ [يونس: ٩٤]، ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبكَ اَللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه
كثير .
وثانيها: أنه قد قال له: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))(٣).
وثالثها: أنَّ الصحابةَ - رضي الله عنهم - اطَّرحوا توقُّمَ الخصوص في هذه
الصَّلاة، وعدُّوه إلى غير النبيِ وَّهِ، وهم أعلمُ بالمقال، وأقعدُ بالحال، فلا يُلتفتُ
إلى قول من ادَّعى الخصوصية.
(١) في (ع): المعهودة.
(٢) في (ع): مقصورة.
(٣) رواه أحمد (٥٣/٥)، والبخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)،
والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٧٧) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

٤٧٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
وقَامُوا في مَقَام أصْحَابهم، مُقْبِلِينَ على العَدوّ، وجَاءَ أُولئكَ، ثم صَلَّى بهم
كيفية صلاة
الخوف
ثم اختلفَ الجمهورُ في كيفية صلاة الخوفِ على أقوالٍ كثيرة لاختلاف
الأحاديث المرويَّة في ذلك، فلنذكرْ تلك الأحاديث، ونذكر مع كلِّ حديثٍ مَن قال
به إن وجدنا ذلك؛ إن شاء الله تعالى. فلنبدأ من ذلك بالحديث الأول؛ وهو حديثُ
ابن عمر (١)، ومضمونه: أنه﴿ صلَّى بإحدى الطَّائفتين ركعة، والأخرى مواجهةٌ
العدو. ثم انصرفوا، وقاموا مقامَ أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك
وصلَّى بهم ركعةً، ثم سلَّم، فقضى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً. وبه أخذ الأوزاعيُّ،
وأشهب، وحُكي عن الشافعي. واختلفَ في تأويل قضائهم: فقيل: قضوا معاً.
وهو تأويلُ ابن حبيب، وعليه حملَ قول أشهب. وقيل: قضوا مفترقين، مثل
حديث ابن مسعود. وهو المنصوص لأشهب.
الحديث الثاني: حديث جابر (٢): وذلك أنه وَ ﴾ صفَّهم صفَّين خَلْفه، والعدو
بينهم وبين القِبْلة، وصلَّى بهم جميعهم(٣) صلاةً واحدةً، لكنه لمَّا سجد؛ سَجَدَ معه
الصفُّ الأول(٤) الذي يليه وقام الصفتُّ المؤخّر، ثم تقدَّموا وتأخر المقدَّم، ثم
عملوا بالرَّكعة الثانية كما فعلوا في الأولى. ونحوه حديث ابن عباس، وبهذا قال
ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسف في قولٍ له إذا كان العدوُّ في القِبْلة، ورُوي عن
الشافعي، واختاره بعضُ أصحابه وأصحابنا .
الحديث الثالث: حديث سهل بن أبي حَثْمَة(٥): وهو أنَّهِ وَلّهِ صلَّى بالطَّائفة
الأولى ركعة، ثم ثبت قائماً، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفُّوا وِجاه العدوِّ،
(١) انظر تخريجه في التلخيص (١٠٠٧).
(٢) انظره في التلخيص (١٠٠٨).
(٣) في (ع): جميعاً.
(٤) من (ع).
(٥) انظره في التلخيص (١٠٠٩).

٤٧١
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
النبيُّ وَّ﴿ ركعةٌ، ثم سَلَّمَ النبيُّنَّهِ ثم قَضَى هُؤُلاءِ ركعةً، وهُؤُلاءِ ركعةً.
وجاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم ركعةً، ثم ثبتَ جالساً حتى أُتُّوا، ثم سلّم
بهم. ونحوه حديث صالح. وبهذا قال مالك، والشَّافعي، وأبو ثور.
الحديث الرابع: حديث أبي سلمة عن جابر(١): أنه صلَّى أربعَ ركعاتٍ، بكلِ
طائفة ركعتين. وهو اختيارُ الحسن، وذُكِرَ عن الشَّافعي، ورواه غيرُ مسلم من
طريق أبي بكرة وجابر. وأنه سلَّم من كلِّ ركعتين. قال الطحاوي: إنَّما كان هذا في
أوَّل الإسلام؛ إذ كان يجوزُ أن تُصلَّى الفريضةُ مرَّتين، ثم نُسِخَ ذلك.
الحديث الخامس: رواه أبو هريرة(٢) وابنُ مسعود(٣): أنَّه وَلّهِ صلى بالطائفة
التي وراءه ركعةً، ثم انصرفوا، ولم يُسلِّموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، وجاء الآخرون
فصلَّى بهم ركعةً، ثم سلَّم، فقضى هؤلاء ركعتهم، ثم سلَّموا، وذهبُوا، فقاموا
مقامَ أولئك، ورجع أولئك فصلَّوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلَّموا. والفرقُ بين هذه
الرواية ورواية ابن عمر: أنَّ ظاهرَ قضاء أولئك في حديث ابن عمر في حالةٍ
واحدةٍ، ويبقى الإمامُ كالحارس وحده. وها هنا: قضاؤهم متفرقٌ على صفةٍ
صلاتهم، وقد تأوَّل بعضُهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود. وبهذا
أخذ أبو حنيفة وأصحابُه إلا أبا يوسف، وهو نصُّ (٤) قول أشهب من أصحابنا
خلاف ما تأوَّل عليه ابن حبيب.
الحديث السَّادس: ذكره أبو داود من حديث ابن مسعود(٥): أنَّه وَ لِّ كبّر فكبّر
(١) رواه البخاري (٤١٣٦).
(٢) رواه أبو داود (١٢٤٠ و١٢٤١)، والترمذي (٣٠٣٨)، والنسائي (١٧٣/٣ و١٧٤).
(٣) رواه أبو داود (١٢٤٤).
(٤) من (ع) و (ظ).
(٥) رواه أبو داود (١٢٤٥).

٤٧٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
معه الصَّفان جميعاً، وفيه: أنَّ الطائفة الثانية لمَّا صلَّتْ معه ركعةً، وسلَّمت،
رجعتْ إلى مقام أصحابهم، وجاءتِ الطائفةُ الأولى فصلَّوا ركعةً لأنفسهم، فرجعوا
إلى مقام أصحابهم، وأتمَّ أولئك لأنفسهم.
الحديث السَّابع: ذكره أبو داود من رواية أبي هريرة (١): أنها قامت مع
النبيِّ وَِّ مقابلة العدوِّ وظهورهم إلى القِبْلة، فكبَّر جميعُهم، ثم صلَّى بالذين معه
ركعةً، والآخرون قيام، ثم قام وذهبت الطائفةُ التي معه إلى العدوِّ، وأقبلتْ تلك،
فصلَّى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفةُ الأولى، فصلَّوا ركعةً ورسول الله : ﴿ قائم، ثم
صلَّى بهم ركعةً، ثم أقبلت الطائفةُ الأولى، فصلَّت ركعةً ورسولُ اللهِ لّه قاعدٌ ومَن
معه، ثم سلَّم، وسلَّموا جميعاً.
الحديث الثامن: من حديث عائشة(٢) عن رسول الله وَ له: أنه كبَّر وكبَّرت معه
الطائفةُ التي تليه، وصلَّى بهم ركعةً وسجدةً، وثبتَ جالساً، وسجدوا هم السَّجدةَ
التي بقيتْ لهم، ثم انصرفوا القهقرى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفةُ
الأخرى، فكبّروا، ثم ركعوا، يعني: لأنفسهم، ثم سجد النبيُّ ◌َّ، يعني: سجدته
التي بقيت عليه من الرَّكعة الأولى، فسجدوا معه، ثم قام النبيُّ وَّهِ، وأتمُّوا هم
السجدةَ التي بقيتْ عليهم، ثمَّ قامت الطَّائفتان، فصلَّى بهم جميعاً ركعةً كأسرع
الإسراع.
الحديث التاسع: حديث ابن أبي حَثْمة (٣) من رواية صالح بن خوَّاتٍ عنه:
أنَّ الطائفةَ الأولى لمَّا صلَّت ركعتها مع النبيِّ وَّه ثم صلت الركعةَ الأخرى لنفسها
(١) رواه أبو داود (١٢٤٠).
(٢) رواه أبو داود (١٢٤٢).
(٣) انظره في التلخيص (١٠٠٩).

٤٧٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
سلَّمت، ثم تقدَّمت، وجاءتِ الأخرى. وهذا خلافُ الحديث الآخر الذي ذكر فيه
آخراً: ثم سلَّم بهم جميعاً. ومن رواية القاسم في حديث ابن أبي حَثْمَة: أنه المول
سلَّم عند تمام صلاته الرَّكعة الثَّانية بالطَّائفة الثانية، وأتُّوا بعد سلامه خلاف
الروايات الأخر عن القاسم ويزيد بن رومان: أنَّه انتظرهم حتى قضوا، ثم سلم.
وقد اختلف قولُ مالك في الأخذ برواية القاسم، أو برواية يزيد. وبرواية القاسم
أخذ أكثرُ أصحاب مالك لصحَّة القياس: أنَّ القضاء إنما يكونُ بعد سلام الإمام.
وهو اختيارُ أبي ثور، واختيار الشَّافعي في الرِّواية الأخرى.
الحديث العاشر: ما رواه أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة
وابن عمر(١): أنه ◌َ﴿ صلى بكلِّ طائفةٍ ركعةً ولم يقضوا. ويؤيِّدُه حديثُ
ابن عبّاس: صلاةُ الخوف ركعةٌ. وبه قال إسحاق.
ثم اختلف العلماءُ في الأخذ بهذه الأحاديث: فمنهم مَن ذَهَبَ إلى: أنَّ هذه
الكيفيات كلَّها جائزة، وأنَّ الإِمامَ مُخيّرٌ في أيُّها شاء فَعَل، وممَّن ذَهَبَ إليه:
أحمد بن حنبل، والطبري. وبعض الشَّافعيّة قالوا: وقد يجوز أن يكونَ ذلك في
مرَّاتٍ على حسب شدَّة الخوف، إلا أنَّ أحمد اختار حديثَ سهل بن أبي حَثْمة،
وقال: كلُّها جائزة، وذلك على قدر الخوف، وكلُّ من عيَّن من هذه الكيفيَّات
واحدةً فبحسب ترجيح حَصَل عنده؛ أوجبَ له المصيرَ إلى ما صار إليه؛ ولذلك
قال الخطابيُّ: صلاة الخوف أنواع صلَّها النبيُّ ◌َ﴿ه في أيامٍ مختلفةٍ؛ وأشكالٍ
مُتباينةٍ، يتوخَّى فيها كلِّها ما هو أحوطُ للصلاة، وأبلغ في الحراسة.
وذكر ابنُ القصار: أنه نَّهِ صلَّها في عشرة مواضع. وذَكَرَ غيرُه: أنَّه صلَّها
أكثر من هذا العَدَد. ففي حديث ابن أبي حَثْمة وأبي هريرة وجابر: أنَّه صلّها يوم
(١) رواه أبو داود (١٢٤٦).

٤٧٤
(٣) کتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
ثم قالَ ابنُ عمر: فإذَا كانَ خوفٌ أكثرَ من ذلك فَصَلٌ رَاكِباً أو قَائِماً،
تُومِىُ إيماءً.
رواه أحمد (١٤٧/٢)، والبخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩) (٣٠٥)
و (٣٠٦)، وأبو داود (١٢٤٣)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي (١٧١/٣
و ١٧٣)، وابن ماجه (١٢٥٨).
[٧٠٨] وعن جابر، قال: غَزَوْنَا مع رسول اللهِنَّهِ قَوْماً من جُهَيْنَةَ،
فقَاتَلُونا قِتَالاً شديداً، فلمَّا صَلَّيْنَا الظهرَ قالَ المشركونَ: لو مِلْنَا عليهم مَيْلَةً
لاقتطعنَاهم. فأخبرَ جبريلُ رسولَ اللهِنَ ﴿ِ ذلكَ، وذكرَ ذلكَ لنا
رسولُ اللهِ وَهِ. قالَ: وقَالُوا: إنَّه سيأتِيهم صَلاةٌ هي أحَبُّ إليهم من الأَولادِ
فلمَّا حَضَرَتِ العصرُ، قالَ: صَفَّنا صَفَّيْنِ، والمشركونَ بينَنَا وبينَ القِبْلَةِ،
ذات الرِّقاع سنة خمس من الهجرة، وهي غزوةُ نجدٍ وغطفان. وفي حديث
ابن عباس: أنَّه صلَّهاً بعُسْفان، ويوم بني سليم. وفي حديث جابر: في غزاة
جهينة، وفي غزاة محارب بنجدٍ. وقد ذكر بعضُهم صلاته إيَّها ببطن نخلٍ على
باب المدينة. وعليها حَمَلَ بعضُهم صلاته بكلِّ طائفةٍ ركعتين. لكنَّ مسلّماً قد
ذكرها في غزوة ذات الرِّقاع. وذكر الدَّارقطني: أنه صلَّى بهم المغرب ثلاثاً، ثلاثاً.
وبه قال الحسن. والجمهورُ في صلاة المغرب على خلاف هذا. وهو: أنه يصلي
بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعةً، وتقضي على اختلاف أصولهم فيه: متى يكون؟
هل قبل سلام الإمام أو بعده؟ على ما تقرَّر.
و (قول ابن عمر: ((فإن كان خوفٌ أكثر من ذلك، فصلِّ راكباً أو قائماً،
تُومىء إيماءً))) قال في الموطأ: مستقبل القبلة، وغير مستقبلها. وبهذا أخذ مالك،
والثَّوري، والأوزاعي، والشَّافعي، وعامة الفقهاء، ويشهدُ له قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ
خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُگْبَانًا ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. قال بعض علمائنا: بحسب ما یتمكَّن منه.

٤٧٥
(٣) کتاب الصلاة ۔ (١٢٦) باب: صلاة الخوف
قالَ: فَكَبَّرَ رسولُ الله ◌ِ ﴿ وَكَبَّرْنا، وركعَ وركعْنَا، ثم سجدَ وسجد معه
الصَّفُّ الأَوَّلُ، فلمَّا قَامُوا سَجَدَ الصفُّ الثَّاني، ثم تأخّرَ الصَّفُّ الأوَّلُ وتقدَّمَ
الصَّفُّ الثاني، فقامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّر رسولُ اللهِ وكَبَّنَا، وركعَ وركعْنَا،
ثم سجدَ وسجدَ معه الصَّف الأوَّلُ، وقامَ الثاني، فلما سجدَ الصَّفُّ الثَّاني،
ثم جَلَسُوا جميعاً، سَلَّمَ عليهم رسولُ اللهَِّـ
قال أبو الزبير: ثم خَصَّ جابرٌ أنْ قالَ: كما يُصلِّي أُمراؤكم هؤلاء.
وفي روايةٍ: قال جابر: كما يصنعُ حَرَسُكُمْ هُؤلاء بأُمَرَائِهِم.
رواه أحمد (٢٩٨/٣)، والبخاري (٤١٢٥)، ومسلم (٨٤٠) (٣٠٧)
و (٣٠٨) والنسائي (١٧٥/٣ - ١٧٨)، وابن ماجه (١٢٦٠).
[٧٠٩] وعن سَهل بن أبي حَثْمَة، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ صَلَّى بأصحابهِ
في الخوفِ، فصفَّهُمْ خَلفَه صفَّيْن، فصلَّى بالذينَ يَلُونه ركعةً، ثم قامَ فلم
يزلْ قائماً حتَّى صَلَّى الذينَ خلفَهم ركعةً، ثم تَقدَّمُوا، وتَأَخَّرَ الذينَ كانوا
قُدَّامَهم، فصلَّى بهم ركعةً، ثم قعدَ حتَّى صلَّى الذين تخلَّفوا ركعةً ثم سَلَّمَ.
رواه أحمد (٤٤٨/٣)، والبخاري (٤١٣١)، ومسلم (٨٤١)،
وأبو داود (١٢٣٧ - ١٢٣٩)، والترمذي (٥٦٥)، والنسائي (١٧٠/٣ -
١٧١)، وابن ماجه (١٢٥٩).
وقال جماعةٌ من الصحابة والسَّلف: يُصلِّي في الخوف ركعةً، يُومىء فيها إيماءً.
وقاله الضخَّاكُ، قال: فإن لم يقدر على ركعةٍ فتكبيرتين حيث كان وَجْهُه، وقال
إسحاق: إن لم يقدر على ركعةٍ إنما يصلِّي سجدةً، فإن لم يقدر فتكبيرةً. وقال
الأوزاعيُّ نحوه: إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعةٍ، ولا على سَجدةٍ لم
تجزه التكبيرة، وأخرها حتى يأمنوا. ومنع مكحول وبعضُ أهل الشَّام من صلاة

٤٧٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
[٧١٠] وعن صَالح بن خَوَّاتٍ، عمن صلَّى مع رسول الله وَّهِ يومَ
ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الخَوْفَ، أنْ طائفةً صَفَّتْ معه، وطائفةٌ وُجَاهَ العَدُوِّ،
فصلَّى بالذَينَ معه ركعةً، ثم ثبتَ قَائماً وأَتَمُوا لِأَنفُسِهِم، ثم انصرفُوا فصَقُّوا
وُجَاهَ العَدُوِّ، وجاءتْ الطَّائفةُ الأُخرى فصلَّى بهم الركعةَ التي بقيتْ، ثم
ثبتَ جَالِساً، وأَنُوا لأنفسهم، ثم سَلَّمَ بهم.
رواه أحمد (٤٤٨/٣)، والبخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢).
[٧١١] وعن جابر، قالَ: أقبلنا مع رسول الله وَّهَ حتَّى إذا كنَّا بذاتِ
الرِّقَاعِ، قالَ: كنَّا إذا أتيْنَا على شجرةٍ ظليلةٍ تركناها لرسولِ الله ◌ِّهِ قالَ:
فجاءَ رجلٌ من المشركينَ، وسيفُ رسولِ الله ◌ِ﴿ مُعَلَّقٌ بشجرةٍ، فأخذَ سيفَ
نبيِّ الله ◌َّهِ فَاخْتَرَطَهُ، فقالَ لرسولِ الله وَّهِ: أَتَخَافُني؟ قالَ: ((لا)) قالَ: فمن
الخائف جملةً متى لم يتهيَّ له أن يأتيَ بها على وجهها، ويؤخِّرها إلى أن يتمكَّنُوا
من ذلك. واحتجُّوا بتأخير النَّبِيِ ﴿ يوم الخندق. ولا حَُّةَ لهم فيه؛ لأنَّ صلاةَ
الخوف إنما شُرعت بعد ذلك على ما تقدَّم. واختلفَ الذين قالوا بجواز ذلكَ
للمطلوب في جواز ذلك للطَّالب: فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية
بينهما. وقال الشَّافعي، والأوزاعيُّ، وفقهاءُ أصحاب الحديث، وابنُ عبد الحكم:
لا یصلِّي الطالبُ إلا بالأرض.
ثم اختلفوا فيما يُباحُ له من العمل في الصَّلاة: فجمهورُهم على جَواز كُلِّ
ما يُباح من
العمل في صلاة ما يُحتاجُ إليه في مطاردة العدوِّ، وما يضطرُّ إليه من ذلك؛ من مشي ونحوه. وقال
الخوف
الشَّافعيُّ: إنما يجوزُ من ذلك الشيءُ اليسير، والطعنةُ، والضربةُ، فأمَّا ما كَثُر؛
فلا تجزئه الصَّلاة، ونحوه عن محمّد بن الحسن.
و (قوله: ((وُجاه العدوِ))) بكسر الواو، وضمّها؛ أي: مواجهته، ومقابلته.

٤٧٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٢٦) باب: صلاة الخوف
يمنعُك مِني؟ قالَ: ((اللهُ يمنعُني منكَ)) قالَ: فتهذَّده أصحابُ رسول الله وَهـ
فأغمدَ السَّيْفَ وعلَّقَه، قالَ: فَنُودي بالصَّلاةِ، فصَلَّى بطائفةٍ ركعتين، ثمَّ
تَأَخَّرُوا، وصَلَّى بالطَّائفةِ الأُخرى رَكعتينِ، قالَ: فكانتْ لرسولِ الله وَّو
أربعُ رَكَعاتٍ، وللقومِ ركعتانِ.
رواه أحمد (٣٦٤/٣)، والبخاري (٤١٣٦) تعليقاً، ومسلم
(٨٤٣) (٣١١).
واختلفَ في تسمية غزوة ذات الرِّقاع: بذات الرِّقاع: فقيل: سُمِّيتْ بذلك تسمية غزوة
لجبل هناك، يقال له: الرِّقاع، لبياض وحُمْرةٍ وسَواد فيه. وقيل: لأنَّهم لقُّوا على ذات الرقاع
أرجلهم رِقاعاً لمَّا نقبت. وقيل: لأنَّهم رقعوا راياتهم.
بذلك

٤٧٨
(٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده
(٤)
كتاب الجمعة
(١) باب
فضل الغسل للجمعة وتأكيده،
ومن اقتصر على الوضوء أجزأه
[٧١٢] عن ابن عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَيه يقولُ: ((إذا أرادَ
أحدُكم أنْ يأتيَ الجمعةَ فليغتسلْ)).
رواه أحمد (٩/٢ و٣٥ و٣٣٠)، والبخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤)،
والترمذي (٤٩٢)، والنسائي (٩٣/٣ و١٠٥)، وابن ماجه (١٠٨٨).
(٤)
كتاب الجمعة
[(١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده](١)
(قوله وَ له: ((إذا جاء أحدُكم الجمعة فليغتسلْ)). وقوله وَّل: ((غُسْل يوم
الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلم))) ظاهرٌ في وجوب غسل الجمعة. وبه قال أهلُ
حُكْم غسل
الجمعة
(١) العنوان مستدرك من التلخيص.

٤٧٩
(٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده
[٧١٣] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: بَيْنا عمرُ بن الخَطَّابِ يخطب الناسَ
الظَّاهر، وحكي عن بعض الصَّحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابيُّ عن مالكِ.
ومعروفٌ مذهبه وصحيحه: أنه سُنَّة. وهو مذهبُ عامة أئمة الفتوى. وحملوا تلك
الأحاديث: على أنه واجبٌ وجوبَ السُّنن المؤكدة. ودلَّهم على ذلك أمورٌ:
أحدها: قوله وَل﴿ في حديث أبي هُريرة: ((من توضَّأ فأحسنَ الوضوء، ثم أتى
الجمعة، فاستمع، وأنصتَ غُفِر له)). فذكر فيه الوضوء، واقتصرَ عليه دون الغُسْل،
ورتَب الصِّحةَ والثَّوابَ عليه. فدلَّ: على أنَّ الوضوءَ كافٍ من غير غُسْل، وأنَّ
الغُسلَ ليسب بواجب.
وثانيها: قوله ◌َّهِ لهم حين وَجَدَ منهم الرِّيحَ الكريهة: «لو اغتسلتم ليومكُم
هذا)). وهذا عرضٌ، وتحضيضٌ، وإرشادٌ للنظافة المستحسنة. ولا يُقال مثل ذلك
اللفظ في الواجب.
وثالثها: تقرير عُمر والصَّحابة لعثمان - رضي الله عنهم - على صلاة الجُمُعة
بالوضوء من غير غُسْلٍ، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك
كالإجماع منهم: على أنَّ الغسلَ ليس بشرطٍ في صحَّة الجمعة، ولا واجب.
ورابعها: ما يقطعُ ماذَّة النِّزاع، ويحسمُ كل إشكال: حديث الحسن عن
سَمُرة قال: قال رسولُ اللهِوَله: ((من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل
فالغسلُ أفضل)) (١). وهذا نصٌّ في موضع الخلاف؛ غير أنَّ سماعَ الحسن من سَمُرة
مختلفٌ فيه، وقد صحَّ عنه أنه سمعَ منه حديثَ العقيقة، فيحمل حديثُه عنه على
السَّماع إلى أن يَدُلَّ دليلٌ على غير ذلك، والله تعالى أعلم.
وخامسها: أنّه عليه الصلاة والسلام قد قال: ((غُسْلُ يوم الجمعة واجبٌ على حكم السواك
كلِّ محتلم، وسواءٌ، ويمسىُّ من الطِّيب ما قدر عليه)). وظاهِرُ هذا: وجوبُ والطيب في
الجمعة
(٢) رواه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٩٤/٣).

٤٨٠
(٤) كتاب الجمعة - (١) باب: فضل الغسل للجمعة وتأكيده
يومَ الجمعةِ، إذْ دخلَ عثمانَ بن عَفَّان، فعرّض به عمرُ، فقالَ: ما بالُ
رجالٍ يَتَأَخَّرُونَ بعدَ النِّداء، فقالَ عثمانُ: يا أميرَ المؤمنين! ما زِدْتُ حينَ
السّواك والطِّيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدلُّ على أنَّ قوله: واجبٌ؛ ليس على
ظاهره، بل المرادُ به: ندبُ المؤكد؛ إذ لا يصحُ تشريكُ ما ليس بواجبٍ مع
الواجب في لفظ ((الواو))(١)، والله تعالى أعلم.
وفي (قوله وَله: ((إذا جاء أحدُكم الجمعةَ فليغتسلْ))) دليلٌ لمالك: على أنَّ
الغُسْلَ إنما يجبُ عند الرَّواح مثَّصلاً به، كما هو مذهبُ مالك، والأوزاعي، وأحدُ
قولي اللیث وغيرهم، وفيه نظر.
علامات البلوغ
و (قوله وَلاّ: ((على كلِّ محتلم))) يعني به: البالغ. وخصَّ المحتلم بالذِّكْر لأنَّ
الاحتلامَ أكثر ما يبلغ به الرِّجال، وهو الأصل. وهذا كما قال في حقِّ النِّساء:
(لا تُقبلُ صلاةُ حائضٍ إلا بخمار))(٢) يعني بالحائض: البالغ من النِّساء. وخصّها به
لأنَّ الحيضَ أغلبُ ما يبلغُ به النِّساء من علامات البلوغ. وفيه دليلٌ: على أنَّ
لا تجب الجمعةَ لا تجبُ على صبيٍّ ولا امرأةٍ، لأنّه بيَّن محلَّ وجوبها.
الجمعة على
صبي ولا امرأة
و (قول عمر: ما بال رجالٍ يتأخرون بعد النِّداء) إنكارٌ منه على عثمان
تأخّره عن وقت وجوب السَّعي، ثم عَذَر عثمانَ حين اعتذرَ بقوله: ((ما زدتُ على
أن توضّأت)) يعني: أنه ذَهِلَ عن الوقت، ثم تذكَّرَه، فإذا به قد ضاقَ عن الغُسْل،
وكان ذهولُه ذلك لعذرٍ مُسَوِّغ.
(١) في هامش (هـ) حاشية: جاء تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في كتاب الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿كُلُوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه﴾ [الأنعام: ١٤١] فالأكل ليس
بواجب، والإتيان واجب، والله تعالى أعلم.
(٢) رواه أحمد (٢١٨/٦ و٢٥٩)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧) من حديث
عائشة .