النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ (٣) كتاب الصلاة - (١١٨) باب: فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ (١١٨) باب فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ [٦٨٤] عن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((أَيَعْجَزُ أحدُكم أنْ يقرأَ في ليلةٍ ثُلُثَ القُرآنِ؟ قَالُوا: وكيفَ يقرأُ ثلثَ القُرآنِ؟ قالَ: ((﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثلثَ القُرآنِ)). (١١٨) ومن بساب: فضل قل هو الله أحد (قوله وَله: ((قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُثُ القُرآن))) أي: تساوي جزءاً منه، كما قال في الرِّواية الأخرى: ((إنَّ الله جزَّأ القرآنَ ثلاثةَ أجزاء، فجعل قُلْ هو الله أحد جزءاً، من أجزاء القرآن)» وإيضاحه كما قال المحقّقون من علمائنا: أنَّ القرآنَ بالنسبة إلى معانيه الكلية، على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وأوصاف لله. وقل هو الله أحد تشتملُ على ذِكْرٍ أوصاف الحق سبحانه وتعالى، فكانت ثلثاً من هذه الجهة. قلت: وهذا إنما يتمُّ إذا حُقِّق: أنَّ هذه السورةَ مشتملةٌ على جميع ذِكْر خصوصية أوصافه تعالى، وليس ذلك فيها ظاهِراً، لكنَّها اشتملتْ على اسمين من أسمائه سورة (قل تعالى؛ يتضمَّنان جميعَ أوصاف كمالِه تعالى؛ لم يُوجدا في غيرها من جميع السور، وهما: الأحد، والصَّمد، فإنهما يدلَّن: على أحدية الذَّات المقدَّسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظّمة، وبيانه: أنَّ الأحد، والواحد وإن رجعا إلى أصلٍ واحد لغة، فقد افترقا استعمالاً وعُرْفاً، وذلك: أنَّ الهمزةَ من أحدٍ منقلبة عن الواو، من: وحد، كما قال النابغة: هو الله أحد) كأنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنا يَوْمَ الجَلِيلِ على مُسْتَأْنِسٍ وَحَدٍ(١) (١) ((الجليل)): شجر، وهو الثمام. و((المستأنس)): ثور يخاف الأنيس. وقيل: هو الذي يرفع رأسه، هل يرى شخصاً، و((زال النهار)): انتصف. ٤٤٢ (٣) كتاب الصلاة - (١١٨) باب: فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ وفي رواية: ((إنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرآنَ ثلاثةَ أجزاءٍ، فجعلَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ جُزْءاً مِن أجزاءِ القُرآنِ». رواه أحمد (٤٤٢/٦ و ٤٤٧)، ومسلم (٨١١) (٢٥٩) و (٢٦٠). [٦٨٥] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَ لّهِ: ((احْشِدُوا فإنِّي فهما من الوحدة، وهي راجعةٌ إلى نَفْي التعذُّد والكثرة، غير أنَّ استعمالَ العرب فيهما مختلف: فإن الواحدَ عندهم أصلُ العدد، من غير تعرُّضٍ لنفي ما عداه، والأحدُ يثبتُ مدلوله، ويتعرض لنفي ما [سواه، ولهذا](١) أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له كفواً أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثباتَ قالوا: رأيتُ واحداً من الناس، ولم يقولوا هنا: أحداً. وعلى هذا فالأحدُ في أسمائه تعالى مُشْعِرٌ بوجوده الخاصّ به؛ الذي لا يشاركُه فيه غيره، وهو المعبّر عنه بواجب الوجود، وربما عبّر عنه بعضُ المتكلِّمين: بأنه أخصُّ وصفه. وأما الصَّمدُ: فهو المتضمّنُ لجميع أوصاف الكمال، فإنَّ الصمدَ هو الذي انتهى سُؤْدُده بحيث يُصْمَدُ إليه في الحوائج كلِّها، أي: يُقْصَد، ولا يصحُّ ذلك تحقيقاً إلا ممن حاز جميعَ خِصال الكمال حقيقة، وذلك لا(٢) يكملُ إلا لله تعالى، فهو الأحد، الصَّمد، الذي ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كُفُواً أحد﴾. فقد ظَهَرَ أنَّ لهذين الاسمين من شُمولِ الدّلالة على الله تعالى وصِفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرتْ خصوصيةُ هذه السورة: بأنها ثُلُثُ القرآن، كما قررناه، والله أعلم. وقد كثرتْ أقوالُ الناس في هذا المعنى، وهذا أنسبُها وأحسنُها حسب ما ظهر، فلنقتصر عليه. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (هـ) و(ط) واستدرك من (ع) و (ظ). (٢) في (ظ): لم. ٤٤٣ (٣) كتاب الصلاة - (١١٨) باب: فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ سأقرأُ عليكُم ثلثَ القُرآنِ)) فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثم خرجَ نبِيُّ الله وَله فقراً: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ثمَّ دخلَ. فقالَ بعضُنا لبعضٍ: إنِّي أَرَى لهذا خبراً جَاءَهُ من السَّماءِ، فذلكَ الذي أدخلَه، ثم خرجَ نبيُّ اللهِ ﴿ فقالَ: ((إِنِّي قلتُ لكم: سَأقرأُ عليكم ثلثَ القُرآنِ، أَا إنَّها تَعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ)). رواه أحمد (٤٢٩/٢)، ومسلم (٨١٢) (٢٦١)، والترمذي (٢٩٠٢). [٦٨٦] وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ بعثَ رجلاً على سَرِيَّةٍ، فكانَ يقرأُ لأصحابهِ في صَلاتِهِم فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾ فلمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلكَ لرسولِ اللهِوَ﴿ فقالَ: ((سَلُوهُ لأيِّ شَيءٍ يصنعُ ذلكَ؟)) فسَألُوه. فقالَ: ((لأنَّها صِفَةُ الرَّحمن، فأنَا أُحِبُّ أنْ أَقْرأَها. فقالَ رسول الله وَّةِ: ((أَخبرُوهُ أنَّ الله يُحِبُّه)). رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، والنسائي (١٧١/٢). و (قوله: ((فحشد من حشد))) أي: اجتمعَ مَن اجْتمع، والحشدُ: الجمعُ، قاله الهرويُّ وغيره، ومحبة الله تعالى للخلق: تقریبُه لمحبوبه، وإكرامه له، وليست بميلٍ ولا غرضٍ كما هي منا، وليستِ المحبةُ في حُقُوقنا هي الإرادةُ بل شيءٌ زائدٌ عليها، فإنَّ الإنسانَ يجدُ من نفسه أنه يحبُّ ما لا يقدر على اكتسابه، ولا على تَخْصيصه به (١). والإرادةُ: هي التي تُخصِّصُ الفعلَ ببعض وجوهه الجائزة، والإنسانُ يحسُّ من نفسه: أنه يحبُّ الموصوفين بالصِّفات الجميلة، والأفعال الحَسَنة، مثل العلماء والفُضَلاء، وإن لم يتعلَّقْ له(٢) بهم إرادةٌ مخصّصة، وإذا (١) من (ظ) و(ط). (٢) ساقط من (ع). ٤٤٤ (٣) كتاب الصلاة - (١١٩) باب: فضل قراءة المعوذتين (١١٩) باب فضل قراءة المعوذتين [٦٨٧] عن عقبة بن عامرٍ، قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلِتْ هذه اللّيلةَ، لم يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُ؟: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرِبِّ الفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وفي رواية قال: قال لي رسول الله وَله: (أُنزلَ - أو أُنزلتْ - علَيَّ آياتٌ لم يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُ، المُعَوِّذَيْنِ. رواه أحمد (١٥١/٤)، ومسلم (٨١٤) (٢٦٤) و (٢٦٥)، والترمذي (٢٩٠٤ و٢٩٠٥)، والنسائي (١٥٨/٨). وَضَحَ فَرْقُ ما بينهما فالله تعالى محبوبٌ لمحبِيه على حقيقة المحبّة، كما هو المعروفُ عند مَن رَزَقه الله تعالى منّا (١) شيئاً من ذلك، فنسأله تعالى أَلَّا يَحْرِمَنا ذلك، وأن يَجْعَلَنا من مُحِبِّه المخلصين. ء (١) من (ظ). ٤٤٥ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٠) باب: لا حسد إلا في اثنتين (١٢٠) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يُرفع بالقرآن [٦٨٨] عن ابن عمرَ، عن النبيَِّ ﴿ِ قالَ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتينِ: رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله، مالاً، فهو يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيلِ، وآناءَ النَّهارِ)). رواه أحمد (٣٦/٢ و٨٨ و١٥٢)، والبخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥) (٢٦٦)، والترمذي (١٩٣٧)، وابن ماجه (٤٢٠٩). (١٢٠) ومن باب: لا حسد إلا في اثنتين(١) أصلُ الحسد: تمنِّي زوال النِّعمة عن المنعَم عليه، ثم قد يكون مذموماً، الفرقُ بين وغیر مذموم، فالمذمومُ: أن تتمنّی زوال نعمة الله عن أخیك المسلم، سواء تمنيتَ الحسد والغبطة مع ذلك أن تعود إليك، أم لا؟ وهذا النوعُ هو الذي ذمَّه الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]. وأما غيرُ المذموم فقد يكون محموداً، مثل: أن يتمنَّى زوالَ النِّعمة عن الكافر وعمَّن يستعينُ بها على المعصية. وأما الغبطة: فهي أن تتمنَّى أن يكونَ لك من النِّعمة والخير، مثل ما لغيرك، من غير أن تزولَ عنه، والحرصُ على هذا يُسمَّى: مُنافَسة. ومنه: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] غير أنه قد يُطلق على الغبطة حَسَداً، وعليه يُحملُ الحسدُ في هذا الحديث، فكأنه قال: لا غبطةَ أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاريُّ على هذا، حيث بؤَّب على هذا (١) سبق هذا الباب في التلخيص: باب: فضل قراءة المعوذتين، ولم يرد له شرحٌ في المفهم. ٤٤٦ (٣) کتاب الصلاة ۔ (١٢٠) باب: لا حسد إلا في اثنتين [٦٨٩] وعن عبد الله بن مسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِّن: ((لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاهُ الله مالاً فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ حِكْمَةً فهو يَقْضِي بها ويُعَلِّمُها)). رواه أحمد (٤٣٢/١)، والبخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨). [٦٩٠] وعن عامر بن واثلةَ، أنَّ نافعَ بن عبد الحارث لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وكانَ عمرُ يستعملُه على مَكَّةَ، فقالَ: مَنِ استعملتَ على هذا الوَادِي؟ قالَ: ابْنُ أَبْزَى. قالَ: ومَن ابنُ أَبْزَى؟ قال: مَوْلى مِن مَوَالِينَا. قالَ: فاستخلفتَ عليهم مَوْلَى؟! قال: إنَّه قارىءٌ لِكِتَابِ اللهِ، وإنَّه عَالِمٌ بالفرائضِ. قال عمرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمِنَّهِ قد قالَ: ((إنَّ اللهَ يُرفعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَاماً، ويَضَعُ به آخَرِينَ)). رواه أحمد (٣٥/١)، ومسلم (٨١٧)، وابن ماجه (٢١٨). الحديث: باب: الاغتباط في العلم والحكمة. وآناء الليل: ساعاته، واحدتها: إنيٌّ وإنىّ. و (قوله: ((إنَّ الله يرفعُ بهذا الكتاب))) يعني: يُشرِّف، ويُكْرِم في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب الاعتناء به، والعِلْم به، والعمل بما فيه. ويضعُ: يعني: يحقّر، ويصغِّر في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب تركه، والجهل به، وتَرْك العمل به . ٤٤٧ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف (١٢١) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف [٦٩١] عن عمرَ بن الخطّاب، قالَ: سمعتُ هِشامَ بن حكيم بن حِزَام يقرأُ سورة الفُرْقان علَى غير ما أَقْرِؤُها، وكانَ رسولُ اللهِوَّهِ أَقْرَأَنِيَها، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عليه، ثم أمهلتُه حتى انصرفَ ثم لَيَّيْتُهُ بِرِدَائِهِ، فجئتُ به رسولَ اللهِ وَّه فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! إنِّي سمعتُ هذا يقرأُ سورةَ الفُرقانِ على غير ما أَقْرَأْتِنِيها. فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: (أَرْسِلْهُ. اقْرَأْ»، فقرأَ القِراءَ التي سَمِعْتُه يقرأُ، فقالَ رسولُ اللهِوَيِ: ((هكذا أُنْزِلَتْ)) ثم قالَ لي: ((اقْرَأ)) (١٢١) ومن باب: إنزال (١) القرآن على سبعة أحرف (قوله: فَلَّيْتُهُ بردائه) أي: جمعتُ ثوبَه على حَلْقه، وأصله من اللّبة، وهي الثّغرة التي في أسْفل الحلق، وهذا من عمر رضي الله عنه غَيْرةٌ على كتاب الله، وقوة في دينه. و (قوله لعمر: ((أرسله))) أي: أطلقه، لينفُّس عنه، حتى يُعْرِب عن نفسه. و (قوله لهشام: ((اقرأ)) ليسمعَ ما اذَّعى عليه إفساده، ليتَّضحَ ذلك. و (قوله لعمر: ((اقرأ))) لتجويز الغَلَط على عمر، أو ليبيِّن أنَّ كلَّ واحدة من معنى إنزال القراءتين جائزة، كما قد صوَّبه فيها بعد ذلك بقوله: ((هكذا أُنزلت)). واختلفَ فى القرآن على سبعة أحرف قوله ◌َله: ((إنَّ هذا القرآنَ أُنزل على سبعة أحرف)) على خمسة وثلاثين قولاً، حكاها أبو حاتم بن حِبَّان، أَوْلاها عند المحققين، وأقربها بمساق الأحاديث: أنَّ (١) في (ط) و (هـ): أنزل. ٤٤٨ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف السبعةَ أحرف هي سبعُ لغاتٍ من لغات العرب. قال أبو عُبيد: يَمَنِها، ومَعَدِّها، وهي أفصحُ اللغات وأعلاها مِن كلامهم، وقيل: بل هذه السبعُ لغاتٌ لمضر لا لغيرها. قالوا: وهذه اللغاتُ مُتفرِّقةٌ في القرآن، لا يلزمُ اجتماعها في الكلمة الواحدة، ولو اجتمعتْ لم يكن في ذلك بُعْد، ويمكن أن يُقَال: إنَّ النبيَّ لَله سَمِعَها من جبريل في عَرَضَاتٍ سبع، أو في واحدة، ويُوقفه على المواضع المختلفِ فيها. ثم لا يشترطُ أن يكون اختلافُ هذه اللغات السبع في كيفيَّات الكلمات من: الإدغام، والإظهار، والمدِّ، والقصر، والإمالة، والفتح، وما بين اللفظين، والتَّغليظ، والتَّرقيق، واختلاف الإعرابات فقط، بل يجوزُ أن يكونَ في هذه كُلّها. وفي ألفاظٍ مُترادفةٍ على معنى واحد، كما قد رُوي أنه قُرىء: ﴿يَوْمَ يَقُولُ أَنْظُرُونَا نَقْنَِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. و((أخرونا)) و((أنسئونا)) وفي قوله: ﴿كُلَّمَاً أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْافِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] و ((مرُّوا)) و((سَعَوا)) وفي قوله: ﴿فاسْعَوا إلى ذِكْر الله﴾ و((امضوا)) وفي زيادة ألفاظ: فيزيدُ بعضُهم كلمة، وينقصُها غيرهم، كما في قوله: ﴿مِن تَحْنِهَا﴾ [مريم: ٢٤] وأسقطها آخرون. و: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ اَلَيْدُ﴾ [لقمان: ٢٦] و (أنَّ الله الغني) بإسقاط هو. وهذا النحو من الاختلاف هو الذي كَثُر في خلافةِ عُثمان، حتى خاف أن يتبدَّلَ كثيرٌ من القرآن، ويتغيَّر، ويختلفَ الناس، فاتَّفق نظرُه ونَظَرُ الصحابة أجمعين على جَمْع الناس على مصحف واحد، فكتبوه على لُغَةِ قريش، وعلى حَرْق ما عداه من المصاحف المخالفةِ لذلك المصحف، وهذا النَّحو من الاختلاف هو الذي أنكره عمر، لمَّا سَمِعَه من هشام، والذي أنكره أُبيِّ أيضاً وعَظُم عليه؛ لأنهما لمَّا سمعا كلماتٍ مخالفةً للتي قرآ بها على النبيِّ وَّه [وقد دلَّ على هذا: أنَّ النسائيَّ(١) أخرج هذا الحديث. وقال فيه: إِنَّ عُمَرَ قال: سمعتُ هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حُروفاً لم يكن (١) رواه النسائي (٢/ ١٥٠). ٤٤٩ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف النبيُّ ◌َ﴿ أقرأنيها، ولما جاء به النبيَّ وَّ قال له: إني سمعتُ هذا يقرأُ فيها حروفاً لم تكنْ أقرأتنيها. وهذا نص](١). وعن ذلك تحرّج النبيُّ ◌َل﴿ من أن يَقْصِر أمَّته على حرفٍ واحد، حتى سألَ الله تعالى في أن يُخَفِّفَ عنهم، فأُجيب إلى ذلك، ووسَّع الحكمة من عليهم، وأنهى التَّوسيع إلى هذه، لأنها لغاتُ أكثرِ العرب الحجازيين، ولو ضيّق إنزال القرآن على الناس حتى يقرأ الكلُّ بلغةٍ واحدة لشقَّ ذلك عليهم، وحُرِجُوا؛ لأنهم كانوا أحرف على سبعة يُكلَّفون أن يخرجُوا عن أسلوب طباعهم وعاداتهم في كلامهم، لا سيما في حدّة الأمر وفجأته، فلما وسّع عليهم في ذلك [أُمِرِ كلُّ واحدٍ منهم أن يقرأ بلغته ولا ينكر على غيره(٢)، واتَّسع الناسُ في ذلك](٣) في صدر الإسلام وإلى زمن عثمان رضي الله عنه، فلمَّا خافَ عثمانُ رضي الله عنه، أن يتعدَّى الناسُ حدَّ التوسعة ومحلَّها، وأدخل بعضُ الناس في مصحفه ما ليس بقرآن؛ كالتشهد، والقنوت، وغير ذلك، أو ما كان قد نُسِخَتْ تلاوتُه، شاوَرَ الصَّحابةَ على جَمْعِ النَّاس، على مُصْحَفٍ واحد، يكتبونه بلغةٍ قريش، فأجابوه لذلك، واجتهدوا في ذلك غايتُهُم، وبذلوا في حِفْظه وصيانته غايةَ وسعهم، ثم أجمعوا على أن يكتبوه كذلك، وأن يكتبوا منه نُسَخاً، وأن يُوجِّهوها للأمصار [ففعلوا، فوجَّهوا للعراق والشام ومصر بأمَّهاتٍ، فاتخذها قراءُ الأمصار معتمد اختياراتهم](٤)، ولم يخالف أحدٌ منهم مصحفه، على النحو الذي بلغه، وما وُجِد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف، في حروفٍ يزيدها بعضُهم، وينقصها بعضُهم، فذلك لأنَّ كلامهم اعتمدَ على ما بلغه في مُصْحفه أو رواه؛ إذ قد كان عثمانُ قد كتب تلك المواضعَ في بعض (١) ما بين حاصرتين سقط من الأصول، وأثبتناه من (ع). (٢) في (ظ): ينكر عليه. (٣) ساقط من (ع). (٤) ساقط من (ع). ٤٥٠ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف فقرأتُ فقالَ: ((هكذا أُنزِلتْ. إن هذا القرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَأُوا ما تيسّرَ منه)). رواه أحمد (٤٠/١)، والبخاري (٦٩٣٦)، ومسلم (٨١٨)(٢٧٠)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٤)، والنسائي (١٥٠/٢ و١٥٢). نُسَخ المصاحف، ولم يكتبها في بعض إشْعاراً بأنَّ كلَّ ذلك صحيح، وأنَّ القراءةَ بكلِّ منها جائزة. القراءات المشهورة غير الأحرف السبعة قلتُ: فكلُّ ما تضمَّنْه تلك المصاحفُ متواترٌ، مُجْمَعٌ عليه من الصحابة وغيرهم، وما خَرَجَ عن تلك المصاحف لا تجوزُ القراءةُ به، ولا الصَّلاة، لأنه ليس من القرآن المُجْمَع عليه، فأما هذه القراءات السَّبْع، التي تُنْسَبُ لهؤلاء القُرَّاء السَّبعة، فقال كثيرٌ من علمائنا كالدَّاودي، وابن أبي صَفْرَة وغيرهما: إنها ليستْ هي الأحرفُ السبعة التي اتَّسعت الصَّحابةُ في القراءةِ بها، وإنما هي راجعةٌ إلى حرفٍ واحدٍ من تلك السبعة، وهو الذي جَمَعَ عليه عثمانُ المصحف، ذكره ابنُ إسحاق وغيره، وهذه القراءاتُ المشهورةُ هي اختيارُ أولئك الأئمّة القراء، وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ منهم اختار فيما روى وعَلِم وجهةً من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى فالتزمه طريقةً، ورواه وأقرأ به فاشتهر عنه، وعُرِف به، فنُسِب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحدٌ منهم اختيارَ الآخر، ولا أنكره، بل سوَّغه، وجوَّزه، فكلُّ واحدٍ من هؤلاء السَّبعة، رُوي عنهم اختياران أو أكثر، وكلٌّ صحيح، وقد أجمعَ المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صحَّ عن هؤلاء الأئمة، ممّا رووه ورأوه من القراءات، وكَتَّبُوا في ذلك مصنَّفات، فاستمرَّ الإجماعُ على الصَّواب، وحَصَل ما وَعَدَ اللهُ تعالى به مِن حِفْظ الكتاب، وعلى هذا الذي قرَّرناه الأئمةُ المتقدِّمون، والفضلاء المحقّقون، كالقاضي أبي بكر بن الطيب، والطبري، وغيرهما. و (قوله: ((فاقرؤوا ما تيسّر منه))) الضَّمير في: منه، عائد على القرآن، ٤٥١ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف [٦٩٢] وعن أَبَيِّ بن كعبٍ، قالَ: كنتُ في المسجدِ، فدخلَ رجلٌ يُصلِّي، فقرأَ قِراءةً أَنْكَرْتُها عليه، ثم دخلَ آخرُ فقرأَ قِراءةً سِوى قِراءةٍ صَاحِبِهِ، فلمَّا قضيْنَا الصَّلاة دخلْنَا جميعاً على رسولِ اللهِ وَلِّ فقلتُ: إنَّ هذا قرأَ قِراءةً أنكرتُها عليه، ودخلَ آخرُ فقراً سِوى قراءةٍ صَاحِبِهِ، فأمرَهُما رسولُ اللهِِّ، فقرَاً، فَحَسَّنَ النبيُّ نَّهِ شأْنَهُما، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي من التَّكذيبِ، ولا إذْ كنتُ في الجاهليةِ، فلمَّا رأى رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ ما قد غَشِيَنِي لا على الأحرف، إذ لو كان عائداً على الأحرف، لقال: منها، وإنما أعاده على القرآن، ليبيِّن: أنه يجوزُ أن يُقرأ بما تيشَر من الأحرف، ومن القرآن، لا أنه إذا أباح الاقتصارَ على قراءةٍ بعضٍ القرآن. فَلأن يجوزَ الاقتصار على بعض الأحرف أولى. و (قول أبيّ: فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنتُ في الجاهلية) هذا الذي وَقَعَ لُأُبِيّ رضي الله عنه، نزغةٌ من الشيطان، ليشوُّش عليه حاله، ويُكَدِّر عليه وَقْته، فإنه عَظُم عليه من اختلاف القراءات (ما ليس عظيماً في نفسه، وإلا فأيُّ شيء يلزمُ من المحال والتَّكذيب من اختلاف القراءات](١) لكن لما تولَّى اللهُ بکفایتھم أمْرَ الشیطان لم يؤثر تزیینه وتسویله أثراً یرکنون إلیه، ولا یدومون علیه، وإنما كان ذلك امتحاناً لسرائرهم ليبرزَ للوجود ما علمه اللهُ من ضمائرهم، ولـ: ﴿ يَرْفَعَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وإلا فانظر مآلَ هذا الواقع ماذا كان، فإنه لما رأى النبيُّ ◌َّهِ ما أصابه من ذلك الخاطر، نبّهه بأنْ ضَرَبَ في صدره، فأعقب ذلك بأن شَرَحَ اللهُ صدره، وتنوَّر باطنُه، حتى آل له الكشفُ والشَّرحُ إلى حالة المعاينة، فلما ظهر له قُبْح ذلك الخاطر، خاف من اللهِ تعالى، وسَبَبُه: أنه قد حَصَل منه التفاتٌ إلى ذلك الخاطر. وفَيْضه بالعرق: إنما كان استحياءً من الله تعالى. ومعنى سقط في نفسي: أي: اعترتني حَيْرة، ودَهْشة. (١) ساقط من (هـ) و(ط). ٤٥٢ (٣) كتاب الصلاة - (١٢١) باب: إنزال القرآن على سبعة أحرف ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقاً، وكأنَّما أنظرُ إلى الله عزَّ وجلَّ فَرَقاً فقالَ لي: «يا أُبِيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأْ القرآنَ على حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إليهِ: أن ◌َوِّنْ على أُمَّتي؟! فَردَّ إليَّ الثانيةَ: اقْرَأْهُ على حَرفينٍ، فرددتُ إليهِ: أنْ هَوِّنْ عَلى أُمَّتِي؟! فرِدَّ إليَّ الثالثةَ: اقرأهُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ؛ فلكَ بكلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتَها مسألةٌ تَسْأَلُنِها. فقلتُ: اللَّهُمَّ اغفرْ لُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغفرْ لُمَّتِي، وأَخَّرْتُ الثالثةَ ليومٍ يَرْغَبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتَّى إبراهيمُ عليه السَّلام)». وفي روايةٍ، أنَّ النبيَّ ﴿ أَتَاهُ جُبريلُ فقالَ: إنَّ الله يأمُرُكَ أن تَقْرَأَ أُمَّتَكَ القُرآنَ على حَرْفِ، فقالَ: ((أسألُ اللهَ معافاتَه ومغفرته، وإنَّ أُمتي لا تُطيقُ ذلكَ)) ثم أتاهُ الثانيةَ فقالَ مثلَه، وهكذا إلى أنْ قالَ: إنَّ الله يأمُركَ أن تقرأْ أُمَّنُّكَ القرآنَ على سَبعةٍ أَحْرُفٍ فَأَيُّما حَرْفٍ قَرَؤوا عليه فقد أَصَابُوا. رواه أحمد (١٢٤/٥)، ومسلم (٨٢٠) و(٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٧ و ١٤٧٨)، والترمذي (٢٩٤٥)، والنسائي (١٥٢/٢ و١٥٤). * يقال للنادم المتحيِّر: سقط في يده، وأسقط: أي: حصل في يده منه مكروه. ومنه: ﴿ وَلَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وهذا الخاطرُ الذي خَطَر لأُبيِّ، هو من قبيلِ ما قد أخبر النبيُّ ◌َ﴿ِ، أنه لا يُؤاخَذُ به، بل هو من قبيل ما قال فيه: ((ذلك محضُ الإيمان))(١). و (قوله: ((إن الله يأمرك أن تقرأَ أمَّتُك على سَبْع))) أي: لا تَزِدْ عليها، وأي شيء قرؤوا به كفاهم، وأجزأهم، بدليل قوله: ((فأيَّ حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابوا)). و (قوله: ((أسأل الله معافاته))) أي: تسهيلَه وتَيْسيره، مِن عَفَا الأثر، أي: (١) رواه مسلم (١٣٣) من حديث عبد الله رضي الله عنه. ٤٥٣ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٢) باب: قراءة سورتين في ركعة من النوافل (١٢٢) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل [٦٩٣] عن أبي وائل، قال: غَدَوْنَا على عبد الله بن مَسعودٍ يوماً بعدمَا صَلَّيْنَا الغَدَاةَ، فَسَلَّمْنَا بالباب، فَأَذِنَ لنَا. قالَ: فمكثنَا بالبابِ هُنيَّةً قالَ: فخرجتِ الجاريةُ فقالتْ: ألا تدخلونَ؟ فدخلنَا، فإذا هو جالسٌ يُسَبِّحُ، فقالَ: ما منعَكم أنْ تدخلُوا وقد أُذِن لكم؟ فقلنا: لا، إلا أنَّا ظَتَنَّا أنَّ بعضَ أهلِ البيتِ نائمٌ، قال: ◌َظَنَنْتُم بَآلِ ابنِ أُمُّ عَبْدٍ غَفْلَةً؟ قالَ: ثم أقبلَ يُسَبِّحُ حتَّى ظنَّ أنَّ الشمسَ قد طَلعتْ، فقالَ: يَا جَارِيةُ! انْظُري، هل طلعتْ؟ قالَ: فنظرتْ فإذا هي لم تَطْلُغْ، فأقبلَ يُسَبِّحُ حتَّى إذا ظَنَّ أنَّ الشَّمسَ قد طَلعتْ، فقالَ: يا جَارِيةُ! انظري هل طَلعتْ؟ فنظرتْ فإذا هي قد طلعتْ، فقال: الحمدُ لله الذي أقالَنَا يَوْمَنا هذا (قال مَهدِيُّ أحسبُه قالَ: ولم يُهْلِكْنَا بِذُنوبِنا). قالَ: فقالَ رجلٌ مِن القوم: قرأتُ المفَصَّلَ البَارِحَةَ كلَّه. قالَ: فقال عبد الله: هُذّاً كهذُّ الشِّعْرِ؟ إنَّا لقد سَمِعْنَا القَرَائِنَ، وإنِّي سهل، وتغير، وسؤاله المغفرة: مخافةً وقوع التَّقصير فيما يلزمُ من ذلك، والله أعلم. (١٢٢) ومن باب: قراءة سورتين في ركعة (قوله: فإذا هو جالسٌ يُسبِّح) أي: يُسبِّح الله، ويذكره، لا بمعنى: يتنفَّل؛ لأنَّ ذلك في وقتٍ يُمْنَعُ التَّقُّلُ فيه. و (قوله: هذّا كهذِّ الشِّعر) إنكارٌ منه على مَن يُسْرِع في قراءته، ولا يُرتِّل، قراءة القرآن ولا يتدبّر، ونصب ((هذّاً)) على المصدر، كأنه قال: أتهذّ هذّاً، وهذُّ الشعر: تكون بترتيل و تدبُّ ٤٥٤ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٢) باب: قراءة سورتين في ركعة من النوافل لِأَحْفَظَ القَرَائِنَ التي كان يقرؤهنَّ رسولُ اللهِّهِ: ثمانيةَ عشرَ مِن الْمُفَصَّل، وسُورتین مِن آل حمّ. وفي روايةٍ، قالَ: جاءَ رجلٌ من بني بَجِيلَةَ، يُقالُ له: نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ، إلى عبد الله، فقال: إني أقرأُ المُفَصَّلَ في ركعةٍ. فقالَ عبدُ الله: أَهذّاً كَهَذِّ الشِّعْرِ؟! لقد علمتُ النَّظائرَ التي كانَ رسولُ اللهِ وَلَه يقرأُ بهنَّ، سُورتين في كلِّ رکعةٍ. الاسترسال في إنشاده من غير تدبُّر في معانيه، ومعنى هذا: أنَّ الشعرَ هو الذي إن فعل الإنسانُ فيه ذلك سوّغ له، وأما في القرآن فلا ينبغي مثلُ ذلك فيه، بل يقرأ بترتيل وتدبّر، ولذلك قال: ((إنَّ قوماً يقرؤون القرآنَ لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فَرَسَخَ فيه نفع))(١). والتراقي: جمع ترقوة، وهي عظامُ أعالي الصَّدر، وهو كنايةٌ عن عَدَم الفهم، كما وصف النبيُّ ◌َّ به الخوارج، إذ قال: (ا یجاوزُ حناجرهم)»(٢). والنظائر؛ والقرائن؛ هي: السورُ المتقاربةُ في المقدار، وقد عدَّدها ثماني عشرة في رواية، وفي أخرى عشرين، ولا بُعْدَ في ذلك، فإنه يذكر في وقتٍ الأقل من غير تعرُّض للحصر، ويزيدُ في وقت آخر. أو يكون النبيُّ ◌َاهـ قرنَ في وقتٍ بين ثماني عشرة، وفي أخرى بين عشرين. وقد ذكر أبو داود هذا الحديثَ عن علقمة والأسود قالا: أتى ابنَ مسعود رجلٌ فقال: إنِّي أقرأُ المفصّل في ركعة، فقال: أهذّاً كهذُ الشعر، ونثراً كنثر الدَّقَل؟ لكنَّ رسولَ الله وَ له كان يقرأ النظائر، السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة ونون في ركعة، وسأل سائل (١) رواه البخاري في تاريخه (٣٣٧/٦). (٢) رواه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (٧٢٢) من حديث أبي وائل. ٤٥٥ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٢) باب: قراءة سورتين في ركعة من النوافل وفي أخرى: فقالَ عبدُ الله: هذّاً كَهَذِّ الشِّعْر؟ إنَّ أقواماً يقرؤُون القرآنَ لا يُجاوز تَرَاقِيهم، ولكِنْ إذَا وقعَ فيِ القلبِ فَرَسَخَ فيه نفعَ، إِنَّ أفضلَ الصَّلاةِ الرُّكُوُ والسُّجودُ، إنِّي لأعلمُ النَّظَائِرَ ... الحديث. والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعمَّ يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كُوِّرت في ركعة. وقال أبو داود: هذا تأليفُ ابن مسعود(١)، قلتُ: وهذا مفسر لرواية من روى ثماني عشرة، وزاد في رواية ابن الأعرابي: والمدثر والمزمل في ركعة، فکملتْ عشرین. و (قوله في رواية أبي داود: ونثراً كَتَثْرِ الدَّقَل) الذَّقلُ: رديء التمر، ووجه التَّشبيه: أنه يتناثرَ مُتتابعاً على غير ترتيب، فشبَّ المسرعَ في قراءته بذلك. و (قوله في الأم: ((لا يصعد له عمل))(٢)) أي: لا يكونُ له ثوابٌ يصعد به، کما قال امرؤ القيس : عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَىْ بِمَنَارِه * أي: ليس له منارٌ فَيُهْتَدَی به. و (قوله: إن أفضلَ الصلاة الركوع والسُّجود) حجة لمن قال: إن كثرةً السجود أفضلُ من تطويل القيام، وقد تقدَّم ذِكْرُ الخلاف في هذه المسألة. واختلف في مبدأ المفصّل؛ فقيل: من سورة محمد ◌َ ل﴿، وقيل: من سورة ق، وسُمِّي بذلك؛ لكثرة الفَصْل بين سوره بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم. (١) يعني بهذا: الترتيب في مصحفه. (٢) كذا وجدنا هذه العبارة وشرحها في جميع أصول المفهم، ولم نجدها في صحيح مسلم (الأم) ولا ارتباط بينها وبين موضوع الباب رقم (١٢٢). ٤٥٦ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُي عن الصلاة فيها وفي أخرى قال: هي عشرون. رواه البخاري (٥٠٤٣) مختصراً، ومسلم (٨٢٢)، (٢٧٨) و (٢٧٩)، وأبو داود (١٣٩٦). # (١٢٣) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها [٦٩٤] عن ابن عبّاس، قالَ: سمعتُ غيرَ واحدٍ من أصحاب رسول الله وَّ﴿، منهم عمرُ بن الخطّاب، وكان أحَبَّهم إليَّ: أنَّ رسولَ اللهِ﴿ نَهى عن الصَّلاة بعدَ الفَجْرِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تغربَ الشَّمسُ. رواه البخاري (٥٨١) ومسلم (٨٢٦) (٢٨٦)، وأبو داود (١٢٧٦)، والترمذي (١٨٣)، والنسائي (٢٧٦/١ و٢٧٧)، وابن ماجه (١٢٥٠). [٦٩٥] وعن أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: قال رسول الله وَله : ((لا صَلاةَ بعدَ صَلاةِ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمسُ، ولا صَلاةَ بعدَ صَلاةِ الفَجْرِ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ». و (قول ابن مسعود: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يهلكْنا بذنوبنا) خوفاً منه للذي رأى من تبدُّل الأحوال. (١٢٣) ومن باب: الأوقات المنهي عن الصَّلاة فيها (قوله: (لا صلاةَ بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاةَ بعد الصبح حتى تطلع الشمس))). قد تقدَّم من مذهب أبي حنيفة: أنه حَمَلَ هذا اللفظَ على عمومه ٤٥٧ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُي عن الصلاة فيها رواه أحمد (٩٥/٣)، والبخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧)، والنسائي (٢٧٧/١ و٢٧٨)، وابن ماجه (١٢٤٩). [٦٩٦] وعن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((لا تَحَرَّوا بصَلاتِكُم طُلوعَ الشَّمس ولا غُروبَها، فإنها تطلعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانِ)). رواه أحمد (١٠٦/٢)، والبخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨)، والنسائي (١/ ٢٧٧). [٦٩٧] وعنه قال: قالَ رسول الله وَله: ((إذا بَدَا حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِرُوا الصَّلاةَ حتى تَبْرُزَ، فإذَا غابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حتَّى تَغِیبَ)). رواه البخاري (٥٨٢)، ومسلم (٨٢٩)، والنسائي (٢٧٩/١). [٦٩٨] وعن أبي بصرةَ الغِفَاريِّ قال: صلَّى بنَا رسولُ اللهِ ◌ّهِ العصرَ بالمُخَمَّصِ، فقالَ: ((إنَّ هذهِ الصَّلاةَ عُرِضَتْ على مَنْ كانَ قبلَكم فَضَيَّعُوها، في النَّوافل كلّها، والفرائض المقضيات، ولم يستثنٍ من الصَّلوات شيئاً. وخصَّص الجمهورُ من ذلك: المقضيات، وخصَّص الشَّافعي: ما كان من النَّوافل مُعلّقاً على سبب فتصلَّى لحضورِ سببها، كتحية المسجد كما تقدَّم، وسجودِ التلاوة، وركعتي الطَّواف، والإحرام، وغير ذلك. و (قوله: ((لا تحرّوا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبها))) أي: لا تقصدوا النهي عن ذلك الوقتَ بصلاتكم. وهذان الوقتان هما المقصودان بالنَّهي لأنفسهما؛ لأنهما الصلاة عند طلوع الشمس الوقتان اللذان يسجدُ فيهما الكفارُ للشمس كما قال في الحديث الآخر، وما قبل وغروبها هذين الوقتين إنما نَهَى عنه لأنه ذريعةٌ ووسيلةٌ إلى إيقاع الصَّلاةِ فيهما، ومن هنا أجاز مالك الصلاة على الجنازة ما لم تغرب الشمسُ، وکرهها عند ذلك. وحاجبُ ٤٥٨ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُي عن الصلاة فيها فمنْ حافظَ عليها كانَ له أجرُه مرَّتين، ولا صَلاة بعدَها حتَّى يطلعَ الشَّاهِدُ)»، والشَّاهِدُ: النَّجْمُ. رواه أحمد (٣٩٧/٦)، ومسلم (٨٣٠)، والنسائي (٢٥٩/١ - ٢٦٠). [٦٩٩] وعن عقبة بن عامرِ، قالَ: ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ وَه ينهانَا أنْ نُصلِّي فيهنَّ، أو أن نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتَانًا: حينَ تطلعُ الشَّمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمْسُ، الشمس: أول ما يبدو منها في الطلوع، وهو أول ما يغيبُ منها، وقد تقدَّم مثلُ ذلك. و (قوله في العصر: ((فمن حافظ عليها كان له أجرُه مرَّتين))) يُشْعِرُ بتأكدها عِظمُ أجر مَن حافظ على على غيرها، وذلك مما يدلُّ: على أنَّها الصَّلاةُ الوسطى كما تقدَّم. وسُمِّي النجمُ شاهداً؛ لأنه يشهدُ بمغيب الشمس ودخول الليل. صلاة العصر و (قوله: ((ثلاث ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ وَلَه ينهانا أن نُصلِّيَ فيهن، أو أن الأوقات المنهي عنها في الصلاة نقبرَ فيهن موتانا))) رويتُ هذا اللفظ: بأو التي لأحد الشَّيئين، ورويتُه أيضاً: بالواو الجامعة، وهو الأظهر، ويكون مورد النَّهي: الصَّلاة على الجنازة والدَّفن؛ لأنه إنما يكونُ إثرَ الصَّلاة عليها، وأما رواية: أو، ففيها إشكال، إلَّا إنْ قُلنا: إنَّ أو تكون بمعنى الواو. كما قاله الكوفي. وقد اختلفَ في الصَّلاة عليها في هذه الأوقات المذكورة في هذا الحديث: فأجاز الشَّافعيُّ الصلاةَ عليها ودَفْنها في هذه الأوقات. وكره الجمهورُ الصَّلاةَ عليها حينئذٍ، وعن مالك في ذلك خلافٌ يُذكر في حكم الصلاة الجنائز إن شاء الله تعالى. عند قائم و (قوله: ((حين يقوم قائمُ الظّهيرة))) الظهيرة: شدَّة الحر، وقائمها: قائم الظهيرة ٤٥٩ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُي عن الصلاة فيها وحين تَضَيَّفُ الشمسُ للغروب حتَّى تغربَ. رواه أحمد (١٥٢/٤)، ومسلم (٨٣١)، وأبو داود (٣١٩٢)، والترمذي (١٠٣٠)، والنسائي (٢٧٥/١ و٢٧٦). [٧٠٠] وعن عمرو بن عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ، قالَ: كنتُ وأنَا في الجاهليةِ - أظنُّ أنَّ النَّاس عَلى ضَلالةٍ، وأَنَّهم لَيْسُوا على شَيء، وهم يَعبدُونَ الظُّل الذي لا يزيدُ ولا ينقصُ في رأي العين، وذلك يكونُ منتصفَ النهار، حين استواء الشَّمس. وقد اختلفَ في الصَّلاة في ذلك الوقتِ علی ما یأتي في حديث عمرو بن عَبَسة. و (قوله: ((حين تضيَّفُ الشمس للغروب))) أي: تميلُ للغروب، يقال: ضافت، تضيف؛ إذا مالت. وأصل الإضافة: الإسناد، والإمالة. كما قال الشاعر(١): فَلَمَّا دَخَلْنَاهُ أَضَفْنا ظُهُورَنا إلى كل حاريٍّ جديدٍ مُشَطَّبٍ(٢) ومنه: ضفت فلاناً؛ إذا نزلتُ به، وأضفته: أنزلتُه عليَّ. و (قول عمرو بن عَبَسة: ((كنتُ وأنا في الجاهلية أظنُّ الناسَ على ضلالة))) أي: أعلم، وأتيقن، فإنَّ الظنَّ قد يُطلق على اليقين، كما قال تعالى: ﴿فَظَنُّوَاْأَنَّهُم ◌ُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]. (١) هو امرؤ القيس. (٢) ((المشطب)): الذي فيه خطوط وطرائق كمدارج النّمل. ٤٦٠ (٣) كتاب الصلاة - (١٢٣) باب: الأوقات التي نُمي عن الصلاة فيها الأوثانَ، قالَ: فسمعتُ برجلٍ بمكَّة يخبرُ أخباراً، فقعدتُ على راحلتي، فقدمتُ عليه، فإذا رسولُ الله ﴿ مُسْتَخْفِياً، جُرءَاءُ عليه قَوْمُه، فَتَلَطَّفْتُ حتَّى دخلتُ بمكَّةَ، قلتُ له: مَنْ أنتَ؟ قالَ: ((أنَا نَبِيُّ اللهِ)) فقلتُ: وما نبيُّ الله؟ قال: ((أَرسلني الله)) فقلتُ: بأيُّ شيءٍ أرسلكَ؟ قالَ: ((أرسلني بصلةِ الأرحام، وكَسْرِ الأوثانِ، وأنْ يُؤَخَّدَ اللهُ لا يُشركُ به شيءٌ» قلت: فمنْ معكَ علَى هذا؟ قال: ((حُرٍّ وعَبْدٌ)) (قال: ومعه يومئذٍ أبو بكرٍ وبلالٌ و (قوله: ((قعدت على راحلتي))) أي: ركبتها. و (قوله: ((جرءاءُ عليه قومه)): أي: يجترئون، من الجرأة، وهو مرفوعٌ على أنه خبر مقدَّم، وقومه مبتدأ، على مَذْهب البصريين. و (قوله: ((من أنت؟))) سؤال عمّن يعقل. و (قوله: (((وما نبيُّ الله؟)) سؤالٌ عن النبوة، وهي من جنس ما لا يعقل، لأنها معنى من المعاني. السابقون في الإسلام و (قوله: ((فمن معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد))) الحر: أبو بكر، والعبد: بلال. كما فسَّره، ولم يذكر له النبيُّ وَّهِ عليّاً لِصغره، فإنه أسلمَ وهو ابنُ سبع سنين، وقيل: ابن عشر، ولا خديجة رضي الله عنها لأنه فهم عنه أنه إنما سأله عن الرِّجال، فأجابه حسب ذلك. ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقّاص، فإنه قال: ما أسلمَ أحدٌ إلا في اليوم الذي أسلمتُ فيه، ولقد مكثتُ سبعة أيام، وإني لثلث(١) الإسلام، وظاهره: أنَّ أبا بكر وبلالاً أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام، لم يسلمْ معهم الثلاثة أحد، وحينئذ يلزمُ أن يكونَ مع النبي 18َّ يوم جاءه عمرو بن عَبَسَة: أبو بكر، وسعد، وبلال. لكن سكتَ عنه (١) في (ع): لثالث ثلاثة.