النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٣) كتاب الصلاة - (١١٣) باب: تحسين الصوت بالقراءة
(١١٣) باب
تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها
[٦٦٧] عن أبي هُريرةَ، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِوَه يقولُ: ((ما أَذِنَ اللهُ
(١١٣) [ومن باب: تحسين الصوت بالقراءة والتَّرجيع فيها](٣)
(قوله: ((ما أذن الله))) أي: ما استمعَ اللهُ وأصغى، وأصله: أنَّ المستمعَ
يميلُ بأُذُنه إلى جهةِ المستمع. تقولُ العرب: أَذِن بكسر الذال، يأذَن بفتحها في
المستقبل، أذَناً بفتح الهمزة والذال في المصدر: إذا أصغى واستمع، وهذا المعنى
في حقِّ الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسُّع على ما جرى به عُرْف
التخاطب، وهو منصرفٌ في حقِّ الله تعالى لإكرام القارىء وإجزالِ ثوابه، ووجهُ
هذا التوسُّع: أن الإصغاءَ إلى الشيء قبولٌ له، واعتناءٌ به، ويترتَّبُ على ذلك إكرامُ
المصغى إليه، فعبَّر عنِ الإكرام بالإصغاء، إذ هو عنه. وفائدةُ هذا الخبر حثُ
القارىء على إعطاء القراءة حقَّها من: ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت
الحسن ما أمكن. فأما قوله: ((يتغنَّى بالقرآن)) فتمسَّك به مَن يُجوِّزُ قراءةَ القرآن حكمُ التغنِّي
بالألحان، وهو أبو حنيفة وجماعةٌ من السَّلف، وقال به الشافعيُّ في الشَّحزين، بالقرآن والأدلة
فكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا أشك أنَّ موضعَ الخلافِ في هذه المسألة إنما هو
في ذلك
إذا لم يُغيِّرْ لفظَ القرآن بزيادةٍ أو نقصان، أو يُبْهِمَ معناه بترديدِ الأصوات، فلا يفهم
معنى القرآن، فإنَّ هذا مما لا شكَّ في تحريمه. فأما إذا سَلِم من ذلك، وحَذَى به
حَذْوَ أساليب الغناء والتطريب والتَّحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن نُتَزِّه أذكارَ
الله، وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال المجون والباطل. فإنها حقَّ، وجِدٌّ،
وصِدْق. والغناء: هزل، ولهو، ولعب، وهذا الذي قاله مالك وجمهورُ العلماء هو
الصَّحیح؛ بدليل ما ذُكِر، وبأدلة أخرى:
(١) هذا العنوان ساقط من الأصول، واسْتُدْرِك من التلخيص.

٤٢٢
(٣) كتاب الصلاة - (١١٣) باب: تحسين الصوت بالقراءة
لشيءٍ ما أَذِنَ لنبيِّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ يجهرُ به)).
منها: أنَّ كيفيةَ قراءةِ القرآن قد بلغتنا متواترةً عن كافَّة المشايخ جيلاً فجيلاً
إلى العصر الكريم، إلى رسول الله وَله، وليس فيها تلحينٌ ولا تطريب، مع كثرة
المتعمِّقين والمتنطَعين في مخارج الحروف، وفي المدِّ، والإدغام، والإظهار،
وغير ذلك من كيفيّة القراءات، وهذا قاطع.
ومنها: أنَّ النبيَّنَّهِ قد قال: ((لستُ من دَدٍ، ولا الدَّدُ منِّي))(١)، والدد: هو
اللعب، واللهو، ومعنى ذلك: أنَّ اللعبَ لا يليقُ بأحواله، فكيف بقرآنه
وقراءته؟ !.
ومنها: التَّطريب والتَّرجيع، يُؤدِّي إلى الزيادة في القرآن، والنَّقص منه،
وهما ممنوعان، فالمؤدِّي إليهما ممنوع؛ وبيانه: أنَّ التطريبَ، والتّلحين، يحتاجُ
من ضروراته أن يمدُّ في غير موضع المد، وينقص مراعاةً للوزن كما هو معلومٌ عند
أهله .
تأويل معنى
التغني بالقرآن
ومنها: أنه يُؤدِّي إلى تشبيه القرآن بالشِّعر، وقد نزَّهه اللهُ عن الشعر وأحواله،
حيث قال تعالى: ﴿ إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠ -٤١]. وقد
تأوَّل مَن مَنَعَ من تلحين القرآن، قوله ◌ِ لّهِ: ((يتغْنَّى به)).
و (قوله: ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن))) على تأويلات:
أحدها: أنَّ معناه أنه يستغني به، يقال: تغنيتُ وتغانيتُ، بمعنى: استغنيتُ،
قاله سفيان.
وثانيها: أنّ معناه يجعله مكان الغِناء، وبدلاً منه، فيستديم تلاوته، ويستطيبه
كما يستطيب الغناء.
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢١٧/١٠).

٤٢٣
(٣) كتاب الصلاة - (١١٣) باب: تحسين الصوت بالقراءة
وفي روايةٍ: ((كإذنِهِ))، مكانَ: «مَا أَذِنَ)).
رواه أحمد (٤٥٠/٢)، والبخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢) (٢٣٣)
و (٢٣٤)، وأبو داود (١٤٧٣)، والنسائي (١٨٠/٢).
[٦٦٨] وعن أبي مُوسى، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ََّ لأبي مُوسى: ((لو
رَأَيْتَنِي وأنا أستمعُ قراءتَك البارِحَةَ، لقد أُوتِيتَ مِزْماراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاودَ)).
رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣)، والترمذي (٣٨٥٤).
وثالثها: أنَّ معناه: يجهرُ به. كما فسَّره الصَّحابي راوي الحديث، وهذا
أشبه؛ لأنَّ العربَ تُسمِّي كلَّ مَن رفع صوته ووالى به: غانياً، وفِعْله ذلك: غناء،
وإن لم يلحِّنه تلحينَ الغِناء، وعلى هذا فسَّرَه الصَّحابي، وهو أعلمُ بالمقال،
وأقصدُ بالحال، والله تعالى أعلم.
و (قوله لأبي موسى: ((لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود))) المزمار، الاعتناء
والمزمور: الصوت الحسن، وبه سُمِّيت آلةُ الزَّمر: مزماراً. وآل داود: نفسه.
وآل: صلة، والمراد به: داود نفسه، وفي غير الأم(١) قال أبو موسى للنبي وَليّى:
(لو علمتُ أنك تسمعُ قراءتي لحبَّرْتُه لك تَحْبيراً)(٢) أي: لحسّنُه، ولجمَّلْته،
والحِبْر: الجمال، ومنه الحديث في وصف رجلٍ من أهل النار: ((ذهب حِبْره
وسبره))(٣)، أي: جماله، وبهاؤه، وهذا محمول على أبي موسى: على أنه كان
يزيدُ في رَفْع صوته، وتحسين ترتيله، حتى يُسْمِعَ النبيَّ وَّهِ ويُعرِّفه: أنه قَبِلَ عنه
بتحسين ترتيل
القرآن
(١) المقصود في غير صحيح مسلم.
(٢) الحديث رواه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه. انظر: (التذكار في
أفضل الأذكار) للقرطبي (ص ١٤٦). و (فتح الباري ٩/ ٩٣).
(٣) ذكره الهروي في (غريب الحديث ٦٠/١).

٤٢٤
(٣) كتاب الصلاة - (١١٣) باب: تحسين الصوت بالقراءة
[٦٦٩] وعن عبدِ الله بن مُغَفَّل المُزَنِيّ، قالَ: قرأَ النبيُّ نَِّ عامَ
الفتح، في مسيرٍ له سورةَ الفتح على راحلتِهِ، فَرَجَّعَ في قراءتِه .
قال معاويةُ: لولا أنِّي أخافُ أنْ يجتمعَ عَلَيَّ النَّاسُ لحكيتُ لكم
قراءتَه.
رواه أحمد (٥٤/٥)، والبخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤) (٢٣٧)،
وأبو داود (١٤٦٧).
[٦٧٠] وعن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((الماهِرُ بالقرآنِ مع
كيفية أداء القراءة، وأنه متمكِّن منها، فيحمده النبيُّ ◌َ ﴿ ويدعو له، فتحصل له
فضيلةٌ ومنقبة، كما فَعَلَ بأَبيَّ حيث سأله فأجابه فقال: ((ليهنك العلمَ
أبا المنذر))(١). ويحتملُ أن يكونَ ذلك ليبالغَ في حالةٍ يُطَيِّبُ بها القرآن له، فإنَّ
الإنسانَ قد يتساهلُ مع نفسه، في أموره، ويعتني بها عند مشاركةٍ غيره فيها، وإن
كان مُخْلِصاً في أصْلٍ عَمَلِهِ .
و (قوله: ((فرجَّع في قراءته))) أي: ردَّد، وذكره البُخاري، وقال في وَصْفِهِ
الترجيعَ قال: أ أا أا ثلاث مرات، وهذا محمولٌ على إشباع المدِّ في موضعه،
ويحتملُ أن يكونَ ذلك حكاية صوته، عند هزِّ الراحلة إذا كان راكباً من انضغاط
صوته، وتقطيعه لأجل هزّ الركوب.
و (قوله: ((الماهر بالقرآن))) يعني: الحاذق به، قال الهروي: أصله: الحذق
بالسباحة، قلت: ومنه قول امرىء القيس :
ثَانِياً بُرْثُنَهُ ما يَنْعَفِر (٢)
وَتَرى الضَّبَّ خَفِيفاً مَاهِراً
(١) رواه مسلم (٨١٠) من حديث أُبيّ رضي الله عنه.
(٢) (البراثن)): بمنزلة الأصابع من الإنسان. ((ما ينعفر)): أي لا يُصيبه العَفَر، وهو التراب.

٤٢٥
(٣) كتاب الصلاة - (١١٣) باب: تحسين الصوت بالقراءة
السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، والذي يقرأُ القرآنَ وَيَتَعْتَعُ فيه، وهو عليه شَاقٌّ، له
أجرانٍ».
رواه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)،
والترمذي (٢٩٠٦).
قال المهلب: المهارةُ في القرآن: جَودةُ التِّلاوة، بجودة الحفظ، ولا
يتردَّد فيه، لأنه يسَّره اللهُ تعالى عليه كما يسَّرك على الملائكة، فهو على
مِثْلها في الحِفْظ والدَّرجة. و((السَّفرة)) جمع سافر، وهم ملائكةُ الوحي.
سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يسفرون بين الله وبين خَلْقه. وقيل: هُم الكَتَبة.
والكاتبُ يُسمَّى: سافراً، ومنه أسفارُ الكتاب. وعلى هذا فيكون وَجْهُ
كونِهم مع الملائكة: أنَّ حملةَ القرآن يُبلِّغون كلامَ الله إلى خَلْقه، فهم
سفراءُ بين رُسُل الله، وبين خلقه، فهم معهم، أي: في مرتبتهم في هذه
العبادة، ويستفيد من هذا حملة القرآن التجوز في التبليغ، والتّعليم،
والاجتهاد في تحصيل الصِّدق وإخلاص النية لله حتى تصحَّ لهم المناسبة،
بینهم وبین الملائكة.
و (قوله: ((يتتعتع فيه))) أي: يتردّد في تلاوته عِيّاً وصعوبة. والتعتعةُ
في الكلام: العي، وإنما كان له أجران: من حيثُ التلاوة، ومن حيثُ
المشقة. ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآنُ متعتعاً عليه،
ثم ترقَّى عن ذلك إلى أن شُبِّه بالملائكة، والله أعلم.

٤٢٦
(٣) كتاب الصلاة - (١١٤) باب: إقراء النبي # القرآن
(١١٤) باب
إقراء النبيّ وَّر القرآن وتعليمه كيفية الأداء
[٦٧١] عن أنس بن مالكِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ لأُبَيّ: ((إنَّ الله
أَمرني أنْ أقرأَ عليكَ: ﴿لَ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] قالَ: اللهُ سمَّاني
لكَ؟! قال: ((اللهُ سَمَّاكَ لي)) قالَ: فجعلَ أَبِيِّ يَبكي.
رواه أحمد (٢٧٣/٣)، والبخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩) (٢٤٥)،
والترمذي (٣٨٩٤).
(١١٤) ومن باب: إقراء النبي وَل
(قوله وَّهِ لُأُبيِّ: ((إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليكَ القرآن))) إنما كان ذلك لِيُلقَّن
عنه أبيٌّ كيفيةَ القراءة مشافهةً وصفتها، وليُبَيِّنَ طريقَ تحميل الشيخ للراوي بقراءته
عليه، وفي حديث عبد الله بن مسعود: قراءة التلميذ على الشيخ. وكلاهما طريق
صحيح. وتخصيصُ سورة ((لم يكن)) لما تضمَّنته من ذِكْر الرسالة، والصحف،
والكُتب في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اَللَّهِ يَنْلُواْ حُفًا مُطَهَّرَةً * فِيَهَا كُتُبُّ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:
٢ - ٣] وهو مناسب لحالهما، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((الله سمَّاني لك؟!))) بهمزة الاستفهام على التعجُّب منه، إذ كان
ذلك عنده مُسْتَبعداً، لأنَّ تسميته تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبيّ وَلِّ تشريفٌ
عظيم، وتأهيلٌ لم يحصلْ مثله(١) لأحدٍ من الصَّحابة رضوان الله عليهم، ولذلك
لما أخبره بذلك بكى من شدّة الفرح والسُّرور؛ لحصول تلك المنزلة الشَّريفة،
والرتبة المنيفة .
(١) ساقط من (ع) و (هـ)، والمثبت من (ظ) و(ط).

٤٢٧
(٣) كتاب الصلاة - (١١٤) باب: إقراء النبي إذ القرآن
[٦٧٢] وعن عبد الله، قالَ: قال لي رسولُ اللهِوَّه: ((اقْرَأْ عَلَيَّ
القرآنَ)) قالَ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أَقْرَأُ عليك وعليك أُنْزِلَ؟ قالَ: ((إنِّي
أَشْتَهِي أنْ أسمعَه من غيري)) قالَ: فقرأتُ ((النِّساءَ)) حتَّى إذا بَلَغْتُ قولَه:
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾
[النساء: ٤١] رَفَعْتُ رَأْسي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إلى جَنْبِي فرفعتُ رَأْسِي،
فرأيتُ دموعَه تسيلُ.
وفي روايةٍ: قالَ لي وهو على المِنبر: ((اقرأْ عليَّ).
رواه أحمد (٤٣٣/١)، والبخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠) (٢٤٧)،
وأبو داود (٣٦٦٨)، والترمذي (٣٠٢٧ و٣٠٢٨)، وابن ماجه (٤١٩٤).
و (قوله: ((إنِّي أشتهي أن أسْمَعَهُ من غيري))) أي: أستطيبُ ذلك، وذلك أن
السّامعَ قد يكون أحضرَ من القارىء؛ لاشتغال القارىء بالقراءة وكيفيتها. ويحتملُ
أن يكونَ أشتهي بمعنى: أُحِبُّ. وفيه: بيانُ سُنَّة قراءة الطالبِ على الشَّيخ كما
قدَّمناه آنفاً.
و (قوله: ((حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى دليل جواز
هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]) وذكر بُكاء النَّي ◌َ ◌ّ كان ذلك منه لعظم ما تضمّنته
الوقف على
الكافي من الآية
هذه الآيةُ من هول المطلع، وشدَّة الأمر، وفي غير الأم أنه قال: لما بلغتها قال:
(حَسْبك))(١) احتجَّ به أهلُ التجويد على جواز الوَقْف الكافي من الآي، والمقاطع؛
لأنَّ الكلامَ حيث قال له: حسبك، غير تام، بل تمامُه فيما بعده. وقد قيل: إنَّ
قوله لعبد الله: ((حسبك)) تنبيهً على ما في الآية، لا أنه وقفة هناك.
(١) رواه البخاري (٥٠٥٠).

٤٢٨
(٣) كتاب الصلاة - (١١٤) باب: إقراء النبي ◌َإز القرآن
[٦٧٣] وعن عبد الله، قالَ: كنتُ بحِمْصَ، فقالَ لي بعضُ القوم:
اقرأُ عليْنَا، فقرأتُ عليهم سورةَ يُوسفَ. قالَ فقالَ رجلٌ مِن القومِ: واللهِ،
ما هُكَذا أُنْزِلتْ. قال: قلتُ: وَيْحَكَ! واللهِ، لقرأتُها على رسولِ الله وَله
فقالَ لي: ((أَحْسَنْتَ)). فبينما أنا أُكَلِّمُه إذْ وجدتُ منه ريحَ الخمر. قالَ:
فقلتُ: أتشربُ الخمرَ وتُكذِّبُ بالكتابِ؟ لا تبرحُ حتَّى أَجْلِدَكَ، قالَ:
فجلدتُه الحَدَّ.
رواه أحمد (٤٠٥/١ و ٤٢٥)، والبخاري (٥٠٠١)، ومسلم
(٨٠١).
وحدُّ عبد الله للرجل الذي وَجَد منه ريحَ الخمر حُجَّةٌ على مَن مَنَعَ وجوبَ
حكم حَدٍّ
شارب الخمر الحد بالرائحة، وهو: أبو حنيفة، والثوري، وكافة العلماء على ما فَعَل
بالرائحة
ابن مسعود. ويحتملُ: أن يكونَ إنما أقام عليه الحدَّ؛ لأنه جَعَل ذلك له من له
ذلك، أو: لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو: لأنه كان ذلك في زمنٍ ولايته
الكوفة، فإنه وُلِّي القضاءَ بها زَمَنَ عمر، وصَذْراً من خلافه عثمان.
و (قوله: ((أتشربُ الخمر وتُكذِّب بالكتاب))) نَسَبَهُ إلى التكذيب بالكتاب
على جهة التَّغليظ، وليس على حقيقته، إذ لو كان ذلك لحكم بردَّته أو قَتْله، إذ
هذا حُكْم من كذَّب بحرفٍ منه، وكان الرجلُ إنما كذَّب عبدَ الله لا القرآن، وهو
الظاهِرُ من قول الرجل: ما هكذا أُنزلت، جهالةً منه، أو قِلَّة حفظ، أو قلَّة تثبّت
لأجل الشُّكر، والله أعلم.

٤٢٩
(٣) كتاب الصلاة - (١١٥) باب: فضل تعلم القران وقراءته
(١١٥) باب
فضل تعلُّم القرآن وقراءته
وفضل سورة البقرة وآل عمران
[٦٧٤] عن عقبة بن عامرٍ، قالَ: خرجَ رسولُ اللهِ وَّهِ ونحنُ في
الصُّفَّةِ فقالَ: ((أَيُّكُمْ يحبُّ أنْ يغدوَ كلَّ يومٍ إلى بُطْحَانَ أو الْعَقِيقِ فيأتي منه
بناقتينِ كَوْمَاوَيْن في غَيْرِ إِثْم ولا قَطْعِ رَحْمِ؟)) فقلنا: يا رسولَ الله! كُلُّنا
نحبُّ ذلكَ. قالَ: ((أفلا يَغْذُو أحدُكم إلى المسجدِ فَيَعْلَمُ أو يقرأُ آيتينٍ من
كتابِ الله عزَّ وجلَّ خيرٌ له مِن ناقتينٍ، وثلاثٌ خيرٌ له مِن ثَلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ
له مِن أربعٍ، ومِن عِدَادِهنَّ من الإبلِ؟!)).
رواه أحمد (١٥٤/٤)، ومسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦).
(١١٥) ومن باب: فَضْل تَعْليم القُرآن
الصُّفَّة: سقيفةٌ كانت في المسجد، يأوي إليها الفقراءُ. و ((يغدو)) يبكِّر.
و ((بطحان، والعقيق)) واديان، بينهما وبين المدينة قريبٌ من ثلاثة أميال، أو
نحوها، و ((الكوماوان)»: تثنية كوماء، وهي الناقةُ العظيمةُ السَّنام، كأنه كوم، وفي
الأم من حديث أبي هريرة: ((ثلاث خلفات سمان)»(١)، وهنَّ: النوقُ الحوامل إلى
أن يمضيَ لها نصفُ أمدها، ثم تُسمَّى عُشَراء، وجمعها: عِشار.
ومقصودُ الحديث الترغيبُ في تعلُّم القرآن وتعليمه، وخاطَبَهُمْ على
ما تعارفُوه، فإنهم أهلُ إبل، وإلا فأقلّ جزءٍ من ثواب القرآن وتعليمه خيرٌ من الدنيا
(١) رواه مسلم (٨٠٢).

٤٣٠
(٣) كتاب الصلاة - (١١٥) باب: فضل تعلّم القرآن وقراءته
[٦٧٥] وعن أبي أمامةَ البَاهليّ، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَلِّ يقولُ:
((اقْرَؤُوا القرآنَ، فإنه يأتي يوم القِيَامةِ شفيعاً لأصحابهِ. اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ،
البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ، فإنَّهما تأتيانِ يومَ القيامةِ كأنَّهما غَمَامَتانِ، أَوْ
كأنَّهما غَيَايَتَانِ، أو كأنَّهما فِرْقَانِ مِن طَيْرِ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهما،
اقرأُوا سُورةَ البقرةِ فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَستطيعُها البَطَلَّةُ)).
قال معاويةُ: بلغني أنَّ البطلةَ السَّحرةُ.
رواه أحمد (٢٤٩/٥ و٢٥٤)، ومسلم (٨٠٤).
وما فيها، وقد قال ◌َّهِ: ((ولموضعُ سوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما
فیھا)»(١).
و (قوله: ((فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً)) هذا على جهة التوسّع في الإفهام.
وتحقيقه: أنه يشفعُ له بسببه؛ فإما الملائكة الذين كانوا يشاهِدُون تلاوته، أو مَنْ
شاء الله تعالى ممن يشفعهم فيه بسببه، وهذه الشفاعةُ على تقدير أن يكونَ القارىء
صاحب كبيرة في تخليصه من النّار، وإن لم يكن عليه ذنوبٌ شفع له في ترفيع
درجاتِه في الجنة، أو في المسابقةِ إليها، أو في جميعهما، أو ما شاء اللهُ منها، إذ
کُّ ذلك بكرمه تعالى وتفضُّله.
وفي تسمية البقرة وآل عمران: بالزهراوين، وجهان:
أحدهما: أنهما النيرتان، مأخوذٌ من الزَّهر والزَّهَرَة، والزُّهْرة، فإما لهدايتهما
قارئهما بما يزهرُ له من أنوارهما، وإما لما يترتَّبُ على قراءتهما من النُّور التامِّ يوم
القيامة. قلتُ: ويقعُ لي: أنهما سُمِّيتا بذلك؛ لأنهما اشتركتا في تضمُّن اسم الله
الأعظم، كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد: أن رسول الله وَ ظله قال:
(١) رواه الترمذي (٣٠١٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٤٣١
(٣) كتاب الصلاة - (١١٥) باب: فضل تعلّم القرآن وقراءته
[٦٧٦] وعن أبي موسى الأشعري، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ له: ((مَثَلُ
((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
[البقرة: ١٦٣] والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾
[آل عمران: ٢])»(١)، والله أعلم.
والغمام: السحابُ الملتف. وهي: الغياية، إذا كانت قريباً من الرأس،
والظلة أيضاً، وقد جاءت هذه الألفاظُ الثلاثةُ في هذا الحديث، وفي حديث
النوّاس. ومعنى هذا الحديث: أن صاحبَ هاتين الشُّورتين في ظلِّ ثوابهما يوم
القيامة كما قال: ((سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه))(٢). وقال: ((الرَّجلُ في ظلِّ صَدَقته حتى
يُقْضَى بين النَّاسِ))(٣). وعبَّر عن هذا المعنى بتلك العبارة توسُّعاً واستعارة؛ إذ كان
ذلك بسببهما. و ((فِرْقان)): قطيعان، وهما: الحزقان. والحزق، والحزيقة:
الجماعة، وهي روايةُ السَّمرقندي في حديث النوّاس. وجمهورُ الرواة قالوا: فرقان
مثل ما في حديث أبي أمامة. و (صواف))) مصطفة. و((تحاجَّان)): تقومان بحجّة
قارئهما، وتُجادلان عنه، كما قال ◌َ ﴿، في سورة تبارك: ((تجادلُ عن صاحبها))(٤)
وهذه المجادلةُ إن حُمِلَتْ على ظاهرها: فيخلق اللهُ تعالى مَنْ يجادلُ بها عنه
ملائكة، كما قد جاء في بعض هذا الحديث: أن ((من قرأ: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] خلق اللهُ سبعين مَلَكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة))(٥).
(١) رواه أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٢)، وابن ماجه (٣٨٥٥).
(٢) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) رواه أحمد (١٤٧/٤ و١٤٨)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان (٣٣١٠)، والحاكم
(٤١٦/١) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(٤) رواه مالك في الموطأ (٢٠٩/١).
(٥) رواه أبو نعيم كما في (تنزيه الشريعة ٢٩٨/١) من حديث أنس، وفيه مجاشع بن
عمرو، أحد الكذابين. انظر: (ميزان الاعتدال ٤٣٦/٣).

٤٣٢
(٣) كتاب الصلاة - (١١٥) باب: فضل تعلّم القرآن وقراءته
المؤمن الذي يقرأُ القرآنَ كَمَثَل الأُترُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وطَعمُها طَيِّبٌ. ومَثَلُ
المؤمنِ الذي لا يقرأُ القُرآنَ مَثَلُ الثَّمْرةِ، لا ريحَ لَها وطعمُها حُلْوٌ. ومَثَلُ
المُنَافِقِ الذي يقرأ القرآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانِةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وطَعمُها مٍُّ. ومَثَلُ
المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلِةِ، ليسَ لها رِيْحٌ وطَعمُها مُرٍّ. وفي
روايةٍ: ((الفاجرُ)) بدلَ: ((المنافق)).
رواه أحمد (٤٠٣/٤ و٤٠٤)، والبخاري (٥٠٢٠)، ومسلم
(٧٩٧)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والترمذي (٢٨٦٥)، والنسائي (٨/ ١٢٤ -
١٢٥)، وابن ماجه (٢١٤).
[٦٧٧] وعن النَّواس بن سمعانَ الكِلابيِّ، قالَ: سمعتُ النبيَّ ◌َ
يقولُ: ((يُؤْتَى بالقُرآنِ يومَ القيامةِ وأهلِهِ الذينَ كَانُوا يعملونَ به، تَقْدُمُهُ سورةٌ
البقرةِ، وآلُ عِمران)). وضربَ لهما رسولُ اللهِ وَلَّهِ ثلاثةَ أمثالٍ. ما نَسِيتُهنَّ
بعدُ، قال: ((كأنَّهما غَمامَتَانِ أو ظُلَّتَان سَوْدَاوَانِ،
وإن حملت على تأويلها: فيكون معنى ذلك: أنَّ الله تعالى يوصله إلى ثواب
قراءتِهما، ولا ينقص منه شيء، كما يفعلُ من يستخرج حقَّه، ويُجادِلُ عليه، كما
قال: ((والقرآن حُجَّة لك أو عليك))(١).
و (قوله في حديث النورَّاس: ((كأنهما غمامتان، أو ظُلَّتان سوداوان، أو
كأنهما حزقان))) هذا يدلُّ: على أنَّ أو ليست للشك؛ لأنه مثَّل السورتين بالثَّلاثة
الأمثال، فيحتملُ أن يكونَ ((أو)) بمعنى: الواو، كما يقول الكوفيُّ، وأنشدوا عليه:
(١) رواه مسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، والنسائي (٥/٥)، وابن ماجه (٢٨٠)، من
حديث أبي مالك رضي الله عنه.

٤٣٣
(٣) كتاب الصلاة - (١١٥) باب: فضل تعلم القرآن وقراءته
بينَهما شَرْقٌ، أو كأَنَّهُما حِزْقَانِ مِن طَيْرِ صَوافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِما)).
رواه أحمد (١٨٣/٤)، ومسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٦).
نالَ الخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ لَهْ قَدَراً
كَما أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلى قَدَرِ
وأنشدوا:
وَقَدْ زَعَمَتْ(١) لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ
لِنَفْسِي تُقَساها أَوْ عَلَيْها فُجُورُها
وقالوه في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩]. وقال
البصريون: إنَّها بمعنى الإباحة، فكأنه قال: شبهوهم بكذا وبكذا، وهذا الخلافُ
جارٍ في هذا الحديث؛ لأنها أمثالٌ معطوفةٌ بأو فهي مثل: ﴿أو كصيِّب﴾.
و (قوله: ((بينهما شَرْق))) قال القاضي أبو الفضل عياض: رويناه بكسر الراء،
وفتحها، قيل: وهو الضياء والنور. قلتُ: والأشبه: أن الشرق بالسكون، بمعنى
المشرق، يعني: أنَّ بين تلك الظّلتين السّوداوين مشارق أنوار، وبالفتح: هو
الضياء نفسه، وإنما نبَّه في هذا الحديث على هذا الضِّياء؛ لأنه لما قال: سوداوان،
قد يُتُوهَّم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: ((بينهما شرق)) أي: مشارق أنوار، أو
أنوار، حسب ما قرَّرناه، ويعني بهما سوداوين، أي: من كثافتهما التي بسببهما
حالتا بين مَن تحتهما، وبين حرارة الشَّمس، وشدَّة اللَّهب، والله أعلم.
(١) في (هـ) و (ط): علمت.

٤٣٤
(٣) كتاب الصلاة - (١١٦) باب: فضل فاتحة الكتاب
(١١٦) باب
فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسيّ
وخواتيم سورة البقرة
[٦٧٨] عن ابن عبّاس، قالَ: بينما جبريلُ قاعدٌ عندَ النبيِّ وََّه
سَمِعَ نَقِيضاً مِن فوقِهِ، فرفعَ رَأْسَه، فقالَ: هذا بابٌ مِن السَّماءِ فُتِحَ اليومَ لم
يُفْتَحْ قطَّ إلا اليومَ. فنزلَ منه مَلَكٌ، فقالَ: هُذَا مَلَكٌ نَزلَ إلى الأرضِ، لم
ينزلْ قَطُّ إلا اليومَ. فسلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بنورينٍ أُوتِيتَهما لم يُؤْتَهُما نبيٌّ قَبلَك،
فاتحةُ الكِتَابِ، وخَواتيمُ سُورةِ البَقرةِ، لَنْ تَقْرَأَ بحرفٍ منهما إلا أُعْطِيْتَه.
رواه مسلم (٨٠٦)، والنسائي (١٣٨/٢).
(١١٦) ومن باب: فَضْل فاتحة الكتاب
(قوله: ((سمع نقيضاً مِن فوقه))) أي: صوتاً. والنقيضُ: صوتُ الباب عند
فتحه .
و (قوله: ((بنورين))) أي: بأمرين عظيمَيْن، نيِّرين، تُبيِّن لقارئهما، وتنوِّره،
وخُصَّت الفاتحةُ بهذا، لما ذكرناه: من أنها تضمّنت جملةَ معاني الإيمان
والإسلام، والإحسان، وعلى الجملة: فهي آخذةٌ بأصولِ القواعد الدِّينية، والمعاقد
المعارفيّة. وخُصَّتِ خواتيمُ سورة البقرة بذلك: لما تضمَّنته من الثَّناء على
السَبِي وَل﴾، وعلى أصحابه رضي الله عنهم، بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم
لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جَميع أُمورهم، ولما حَصَل فيها
مِن إجابة دعواتهم، بعد أن علموها فخفَّف عنهم، وغفر لهم ونُصِروا، وفيها غير
ذلك مما يطول تتبُّعُه .

٤٣٥
(٣) كتاب الصلاة - (١١٦) باب: فضل فاتحة الكتاب
[٦٧٩] وعن أبي مسعودٍ الأنصاريّ، قالَ: قالَ رسول الله وَ له: ((من
قرأَ هاتين الآيتينِ من آخرِ سُورة البقرةِ في ليلةٍ كَفَتَاهُ».
رواه البخاري (٥٠٠٨ و٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٨)، وأبو داود
(١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١)، وابن ماجه (١٣٦٩).
[٦٨٠] وعن أبيِّ بن كعبٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ﴾: ((يا أَبا
المُنْذِرِ! أتَذْري أيَّ آيةٍ من كتابِ الله معكَ أعظمُ؟)) قالَ: قلتُ: اللهُ ورسولُه
أعلمُ. قالَ: ((يا أبا المنذر أتدري أَيَّ آيةٍ من كتابِ الله معكَ أعظمُ؟)) قالَ:
و (قوله: ((من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه))) أي: من قيام الليل أو من
حِزْبه، إن كان له حزبٌ من القرآن، وقيل: وَقَتَاه شرَّ كلِّ شيطان، وكلِّ ذي شر،
كما جاء في أن: ((من قرأ آية الكرسي لم يزلْ عليه من اللهِ حافظٌ، ولم يقربْهُ شيطانٌ حتى
يُصبح))(١) أو لكثرة ما يحصل له بقراءتهما من الثَّواب والأُجْر، والله تعالى أعلم.
و (قوله وَ له لأُبيِّ فيه: ((أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟))) حبَّةٌ لمن يقولُ حكم تفضيل
بتفضيل بعض آي القرآن على بعض، وتفضيل القرآن على سائر الكُتُب المنزلة، بعض القرآن
وهذا مما اختلفَ فيه: فذهب إلى جوازه إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء
على بعض
والمتكلِّمين مستدلاً بهذا الحديث، وبما يُشبهه كقوله: ((قل هو الله أحد تعدلُ ثُلُثَ
القرآن))(٢). ومنع ذلك الشيخُ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، وجماعةٌ
من الفقهاء، قالوا: لأن الأفضلَ يُشعر بنقص المفضول، وكلام الله تعالى لا نَقْصَ
(١) رواه البخاري (٥٠١٠)، والترمذي (٢٨٨٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه أبو يعلى (١٠١٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٨/٢) وقال: رواه
الطبراني في الكبير، ورجال أبي يعلى ثقات. من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ورواه مسلم (٨١١) من حديث أبي الدرداء، وسيأتي في التلخيص برقم (٩٨٤).

٤٣٦
(٣) كتاب الصلاة - (١١٦) باب: فضل فاتحة الكتاب
قلتُ: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قالَ: فضربَ في
صَدري وقالَ: ((لِيَهْنِكَ العلمُ يا أبا المنذرِ)).
رواه أحمد (١٤٢/٥)، ومسلم (٨١٠).
*
فيه. وتأوَّلُوا هذا اللفظ: بأن أفعل يأتي بمعنى فعيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
أَهْوَثُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهذا فيه نظر، فإنَّا نقول: إن أُريدَ بالنَّقص اللازم من
التفضيل: إلحاقُ ما يعيب المفضول؛ فهذا ليس بلازم مطلقاً، وإن أُريدَ بالنّقص:
أنّ المفضولَ ليس فيه ما في الأفضل من ذلك القَدْر الذي زاد به؛ فهو الحقُّ، ولولا
ذلك لما تحقّقتِ المفاضلة. ثم لا يجوز إطلاقُ النقص ولا الأنقص على شيء من
كلام الله تعالى. وأما تأويل الحديث فهو وإن كان فيه مسوِّغاً فلا يَجْري في كلِّ
موضع يستدلُّ به على التفضيل، فإن منها نُصُوصاً لا تقبلُ التّويل، كقوله ◌َّى: ((قل
هو الله أحد تعدلُ ثلث القرآن(١))) وغير ذلك مما في هذا المعنى.
عِظَم آية
الكرسي®
وإنما كانت آيةُ الكرسي أعظم؛ لما تضمَّنته من أوصاف الإلهية، وأحكامها،
على ما لا يخفى على مَن تأمَّلها، فإنها تضمَّنت من ذلك ما لم يتضمّنه غيرُها من
الآي. وقال بعضُ المتأخِّرين: إنَّ هذه الآيةَ اشتملتْ من الضَّمائر العائدة على الله
تعالى على سنَّةَ عشرَ، وكلّها تفيدُ تعظيماً لله تعالى، فكانت أعظمَ آية في كتاب
الله تعالى لذلك، والله أعلم.
و (قوله لأُبيِّ حين أخبره بذلك: ((ليهنك العلم)) وضَرْبه صدره) تنشيطٌ له،
وترغيبٌ في أن يزدادَ علماً وبصيرة. وفَرِحَ بما ظهر عليه من آثاره المباركة. وفيه
إلقاءُ العالم المسائل على المتعلِّم؛ ليختبرَهُ بذلك.
(١) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.

٤٣٧
(٣) كتاب الصلاة - (١١٧) باب: فضل سورة الكهف
(١١٧) باب
فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها
[٦٨١] عن البراءِ، قالَ: كانَ رجلٌ يقرأ سورةَ الكهفِ، وعندَه فَرَسٌ
مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابٌ، فجعلتْ تدورُ وتدنُو، وجعلَ فرسُه يَنْفِرُ
منها، فلمَّا أصبحَ أتى النبيَّ ◌َ ﴿ فذكرَ ذلكَ فقالَ: ((تلك السَّكِينَةُ تَزَّلَتْ
للقُرآنِ)).
رواه أحمد (٢٩٣/٤ و٢٩٨)، والبخاري (٣٦١٤)، ومسلم
(٧٩٥) (٢٤٠)، والترمذي (٢٨٨٧).
(١١٧) ومن باب: فَضْل سورة الكهف
(قوله: بشطنين) أي: حبلَيْن. والشّطن: الحبلُ الطويل، والنّوى: الشطون
البعيدة، وشطن: أي: بعد، ومنه: الشيطان على أحد التّويلين. وتغشَّته: غطَّته،
والسَّكينة: مأخوذةٌ من الشُّكون، وهو الوقارُ والطُّمأنينة، وهي هنا: اسمٌ للملائكة،
كما فسَّرها في الرواية الأخرى، وسمَّاهم بذلك لشدّة وقارهم وسُكُونهم تعظيماً
لقراءة هذه (٢) السورة، واختلف المفسّرون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن
رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٤٨] على أقوال كثيرة؛ فقيل: السكون: الرحمة. وقيل:
حیوان کالهرّ له جناحان وذنب ولعينيه شُعاع، فإذا نظر للجیش انهزم، وقيل: آيات
يسكنون لها. وقال ابنُ وهب: روحٌ من الله يتكلّم معهم، ويُبيِّن لهم إذا اختلفوا،
وهذا القولُ أشبهها؛ لأنه موافقٌ لما في هذا الحديث. والمربد للتمر مثل الأندر(١)
(١) ساقط من (ع).
(٢) أي: البيدر.

٤٣٨
(٣) كتاب الصلاة - (١١٧) باب: فضل سورة الكهف
[٦٨٢] وعن أبي سعيد الخُدريِّ، أنَّ أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ بينَما هو ليلةً
يقرأُ في مِرْبَدِهِ، إذ جالَتْ فرسُهُ فقراً، ثم جالَتْ أُخْرَى فقراً، ثم جالِتْ
أيضاً، فقالَ أُسَيْدٌ: فخشيتُ أنْ تَطَأَ يَحْيَىُ، فقمتُ إليها، فإذَا مثلُ الظُّلَّةِ
فوقَ رأسي، فيها أمثالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أراها. قال:
فَغَدَوْتُ على رسولِ اللهِنَّهِ فَقلتُ: يا رسولَ الله! بينمَا أنَا البارحةَ من
جَوْفِ اللَّيل أقرأُ في مِرْبَدِي، إذ جالتْ فَرَسي، فقالَ رسول الله وَلِ: ((إِقْرأُ،
ابْنَ حُضَيْرٍ))، قال: فقرأتُ، ثم جَالتْ أيضاً، فقالَ رسول الله وَّهِ: ((اقْرَأْ،
ابْنَ حُضَيْرٍ!)) قال: فقرأتُ، ثم جَالتْ أيضاً، فقال رسول الله وَله: ((اقْرَأْ،
ابْنَ حُضَيْرِ!)) قال: ((فَانْصَرَفْتُ، وكانَ يَحْيَى قريباً مِنْها، خشيتُ أن تَطَأَّهُ،
فرأيتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فيها أمثالُ السُّرُج، عرجتْ في الجَوِّ حتَّى ما أراها.
فقالَ رسول اللهِ وَِّ: ((تلكَ الملائكةُ كانتْ تستمعُ لكَ،
للطعام، وجالت: اضطربت. والرواية المشهورة: تنفر، من النفور، وعند أبي بحر
تنقز بالقاف والزاي، ومعناه: تَشِبُ. يقال: نقز الصبيُّ وقفز؛ إذا وثب.
و (قوله: فخشيت أن تطأ يحيى) يعني: أنه خشي أن تطأَّ الفرسُ يحيى
ابنه، وقد فسَّره بعد ذلك. والظّلة: السَّحابة فوق الرأس، مأخوذةٌ من الظّل.
والجو: ما بين السماء والأرض. والسُّرُج: جَمْع سراج، شبَّه الأنوارَ التي رأى في
السّحابة بها .
[و (قوله وَ﴿ه لابن حُضَيْر: ((اقرأ))) عند إخباره له بما رأى، هو أَمْرٌ له
بمداومةٍ على القراءة فيما يستأنفه فرحاً بما أَطْلَعَهُ الله عليه، وكرَّر ذلك تأكيداً](١).
و (قوله ◌َّه: ((تلك الملائكةُ كانت تستمعُ لك))) استطابةً لقراءته، لحسن
(١) ساقط من (ع).

٤٣٩
(٣) كتاب الصلاة - (١١٧) باب: فضل سورة الكهف
ولو قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ ما تَسْتَتِرُ منهم)).
رواه البخاري (٥٠١٨) من حديث أُسيد، ورواه مسلم (٧٩٦) من
حديث أبي سعيد.
[٦٨٣] وعن أبي الدرداء، أنَّ نبيَّ الله وَ لِّ قالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ
من أوَّلِ سُورة الكهفِ عُصِمَ مِن الدَّجَّالِ)).
ترتيلها، وحُضُور قلبه فيها، وخُشُوعه وإخلاصه. والله تعالى أعلم، وإطلاع الله
تعالى له على ذلك إظهارُ كرامته له؛ ليزدادَ يقيناً مع يقينه، واجتهاداً في عِبادته،
وهذا دليلٌ على جواز رؤية مَن ليس بنبيٍّ للملائكة.
و (قوله: ((لو قرأتَ لأصبحتْ يراها الناس))) يعني: لو دُمْتَ على حالتكَ في
قراءتك لأصبحتْ على تلك الحال ظاهرة للناس، لكنه قَطَع القراءة، فارتفعتِ
الملائكة، وغابتْ لتخصيص الكرامة به، وليعملَ النَّاسُ على التَّصديق بالغيب.
و (قوله وَله: ((من قرأ عشرَ آياتٍ من أوَّل سورة الكهف عُصِم من الدجال))) سبب تفضيل
وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأوَّلُون في سبب ذلك؛ فقيل:
سورة الكهف
لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن علمها لم يستغربْ أَمْرَ
الدجال، ولم يَهُلْهُ ذلك، فلا يفتتنُ به. وقيل: لما في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيِّ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢] إلى آخر السورة من المعاني
المناسبة لحال الدجال، وهذا على رواية مَن روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله
تعالى: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّكُنَّهُ﴾ [الكهف: ٢] تمشُّكاً بتخصيص البأس
بالشدة واللدنية، وهو مناسِبٌ لما يكونُ من الدَّجال من دَغوى الإلهية، واستيلائه،
وعظيم فتنته، ولذلك عظّم النبيُّ وَّهِ أَمْرَهُ، وحذَّر منه، وتعوَّذ من فتنته، فيكونُ
معنى هذا الحديث: أن مَن قرأ هذه الآيات، وتدبَّرها، ووقف على معناها، حَذِرَهُ،
فَأَمِنَ من ذلك. وقيل: هذا من خصائص هذه السُّورة كلُّها. فقد روي: ((من حفظ

٤٤٠
(٣) كتاب الصلاة - (١١٧) باب: فضل سورة الكهف
وفي رواية: ((مِن آخرِ الكَهْفِ)).
رواه أحمد (٤٤٩/٦)، ومسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)،
والترمذي (٢٨٨٨).
سورة الكهف، ثم أدرك الدجالَ، لم يُسلَّطْ عليه))(١) وعلى هذا تجتمعُ روايةُ من
روى: ((من أول سورة الكهف))، ورواية من روى: ((من آخرها)) ويكون ذِكْر العشر
على جهة الاستدراج في حِفْظها كلِّها. وقيل: إنما كان ذلك لقوله: ﴿ قَيِّمًا لِّيُنْذِرَ
بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّهُنَّهُ﴾ [الكهف: ٢]، فإنه يُهوِّنُ بأسَ الدجال. وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ
اَلْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرَاً حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]، فإنه يهوِّن الصبرَ
على فِتَن الدَّجال، بما يُظْهِر من جنته وناره، وتنعيمه وتعذيبه. ثم ذمَّه تعالى لمن
اعتقدَ الولد، يُفْهَمُ منه: أن من ادَّعى الإلهية أولى بالذَّم، وهو الدَّجال. ثم قصّة
أصحاب الكهف، فيها عِبْرةٌ تُناسب العصمةَ من الفتن، وذلك أنّ الله تعالى حَكَى
عنهم أنَّهم قالوا: ﴿ رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَُّنْكَ رَحْمَةٌ وَحِئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا، وسألوا إصلاحَ أحوالهم، فأُصْلِحَتْ لهم، وهذا تعليمٌ
لكلِّ مدعو إلى الشرك، ومن روى: من آخر الكهف، فلما في قوله تعالى:
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمْ يَوْمَيْدٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] فإن فيه ما يُهوِّن ما يُظهره
الدجالُ من ناره.
و (قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى﴾ [الكهف: ١٠١]) تنبيهٌ على
أحوال تابعي الدَّجال، إذ قد عموا عن ظهورِ الآيات التي تكذِّبه، والله أعلمُ.
والكهف: المغار الواسعُ في الجبل، والصغير منها يُسمَّى الغار.
(١) رواه الحاكم (٤/ ٥١١) من حديث أبي سعيد الخدري.