النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر
رواه أحمد (٢٠/٢ و١٠٢)، والبخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٥١)،
وأبو داود (١٤٣٨)، والنسائي (٢٣٠/٣ و٢٣١).
[٦٣١] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((الوِتْرُ ركعةٌ مِنْ آخِرِ
اللَّيْلِ)).
رواه أحمد (٢٣/٢ و٥١)، ومسلم (٧٥٢)، والنسائي (٢٣٢/٣)،
وابن ماجه (١١٧٥).
[٦٣٢] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((أَوتِرُوا قبلَ أنْ
تُصْبِحُوا)).
لأصحابنا. وعليه انبنى الخلافُ في الوتر: هل يُكتفى فيه بركعة فقط، أو لا بد من
شفع؟ وعلى الأول يدلُّ حديثُ النَّسائي عن ابن عمر مرفوعاً: ((والمغربُ وتر صلاة
النهار، فأوتروا صلاةَ الليل))(١)، وعليه يدلُّ قوله ﴿ِ: ((الوتر ركعةٌ من آخر الليل))(٢).
وصار إليه جماعة من السلف لوالفقهاء](٣)، وهو قولُ ابن نافع من أصحابنا، وقد
روي في الحديث ما يرفعُ الخلافَ، وهو ما خرَّجه النَّسائي عن أبي أيوب: أن
رسولَ اللهِّه قال: ((الوترُ حقٌّ، فمن شاء أوترَ بخمس، ومَن شاء أوترَ بثلاث،
ومن شاء أوتر بواحدة)) (٤). وذكر في هذا الحديث: أنه رُوي موقوفاً. والحاصلُ
من مجموع الأحاديث: أنه يصحُّ أن يُضافَ إلى الفَرْض وإلى النَّفْلِ، وإضافَتُه إلى
النَّفْل أولى، والله أعلم.
و (قوله: ((أوتروا قبل أن تُصْبِحُوا))) و(قوله: ((إذا خَشِي أحدُكم الصُّبحَ آخرُ وقت الوتر
(١) رواه النسائي في الكبرى (٤٣٥/١)، وأحمد (٣٠/٢).
(٢) سبق تخريجه برقم (٩٣١).
(٣) ساقط من (ع).
(٤) رواه أبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٢٣٨/٣ و٢٣٩)، وابن ماجه (١١٩٠).

٣٨٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر
رواه أحمد (٣٧/٣)، ومسل (٧٥٤) (١٦٠)، والترمذي (٤٦٨)،
والنسائي (٢٣١/٣).
صلَّى ركعة))) دليلٌ: على أنَّ آخرَ وقتِ الوتر طلوعُ الفجر، وقد زاد هذا المعنى
وضوحاً ما خرَّجه أبو داود عن ابن عمر مرفوعاً: ((إذا طلعَ الفجرُ فقد ذَهَبَ كلُّ
صلاةِ الليل والوتر، فَأَوْتِرُوا قبلَ طُلُوع الفجر))(١). تفرد به سليمان بن موسى
الأشدق، وهو ثقةٌ، إمام. ولا خلافَ في أنَّ أولَ وقتِهِ بعد صلاة العشاء، وأما آخرُ
وقتِهِ المختار فمذهبُ الجمهور أنه طُلُوعُ الفجر. وقال ابنُ مسعود: إلى صلاةٍ
الصُّبح. وهل له بعد ذلك وقتُ ضرورة؟ فقال مالك والشَّافعيُّ: وقتُ ضرورته بعد
طلوع الفَجْر ما لم يصلِّ الصُّبْحَ، وقال أبو مصعب: لا وقتَ ضرورةٍ له، فلا يُصلَّى
بعد طلوع الفجر. وقاله الكوفيون. وقد رُوي عن مالك، وقال أبو حنيفة: يُقْضَى
بعد صلاة الصُّبح، وقاله طاووس. وقال الأوزاعي، وأبو ثور، والحسن، والليث،
وغيرُهم: يُقْضَى بعد طلوع الشمس، وحُكِيَ عن سعيد بن جُبير: أنه يُوتِر مِنَ
القابلة. قلتُ: وقد روى أبو داود عن أبي سعيد مرفوعاً: ((مَن نامَ عن وتره، أو
نسيه فليصلِّه إذا ذَكَره)(٢) وهذا الظَّاهِرُ يقتضي: أنه يُقْضَى دائماً، كالفَرْض. ولم أرَ
قائلاً به. والله أعلم.
الفصل
ثم إنَّ القائلين: بأنّ أقلَّ الوتر ثلاث. اختلفوا هل يُفْصَلُ بينهما بسلامٍ أم لا؟
والوصل في فالأول: مشهورُ مذهبٍ مالك والشَّافعي، والثاني: مذهبُ أبي حنيفة. وقال
ركعات الوتر
الثلاث
ابنُ نافع: إذا صلَّى شفعاً قبل وتره فلا يُسلِّم منه، ولا يَفْصِل بينهما، وليأتِ به
مُثَّصلاً كصلاة المغرب، وكذلك فَعَلَ عمرُ بن عبد العزيز، وذكر: أنه مذهبُ
(١) لم نجده في سنن أبي داود، وإنما هو في الجامع الصحيح للترمذي برقم (٤٦٩).
(٢) رواه أبو داود (١٤٣١).

٣٨٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٥) باب: فيمن غُلِب عن حِزْبه
(١٠٥) باب
فيمن غُلِبَ عن حِزْبِهِ، وفيمن خافَ أن
يُغْلَبَ عن وِثْرِهِ، وفضلُ طول القنوت وآخر الليل
[٦٣٣] عن عمرَ بن الخَطَّاب، قالَ: قالَ رسولُ اللهِصَلَّ: ((مَنْ نامَ
عن حزبهِ أو عن شيءٍ منه، فقرأَه فيما بينَ صَلاةِ الفجرِ وصَلاة الظَّهْرِ، كُتِبَ
له كأنَّما قرأه من اللَّيل)».
الفقهاء السبعة(١)، ومذهبُ أهل المدينة. وقال الأوزاعيُّ: إن وَصَل حسن، وإن
فَصَل حسن، ثم المستحبُّ عند الشافعي وأصحابه، وعند مالك، وجُلِّ أصحابه:
أن يقرأَ في الوتر بقل هو الله أحد، والمعوِّذتين. وقيل عن مالك: بقل هو الله أحد
فقط، وبه قال الثوري، وأحمد، وأصحابُ الرأي، وعليه أكثرُ أهل العلم. واختارَ القراءة في
أبو مصعب: أن يقرأَ في كُلِّ ركعة من الشَّفع والوتر بقل هو الله أحد. واختارتْ صلاة الوتر
طائفةٌ من أهل العلم: أن يقرأ في الشفع بسبِّح اسم ربك الأعلى، وقلْ يا أيها
الكافرون، وفي الوتر بقل هو اللهُ أحد والمعوِّذتين، أَخْذاً بما خرّجه النَّسائيُّ
والتِّرمذيُّ مِن فِعْلِهِوَلِ لذلك(٢) .
(١٠٥) ومن باب: مَن غُلِب عن حزبه(٣)
(قوله وَله: ((مَن نام عن حِزْبه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر،
كُتِب له كأنَّما قرأه مِنَ الليل))) هذا تفضُّلٌ من الله تعالى، ودليلٌ: على أنَّ صلاةَ
(١) هم فقهاء المدينة السبعة: خارجة بن زيد، سعيد بن المسيب، عروة بن الزبير،
قاسم بن محمد، أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام، سليمان بن يسار،
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - رحمهم الله تعالى -.
(٢) رواه النسائي (١٣٦/٣)، والترمذي (٤٦٢).
(٣) هذا الباب بكامله ساقط من (م).

٣٨٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٥) باب: فيمن غُلِب عن حِزْبه
رواه مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)،
والنسائي (٣/ ٢٥٩)، وابن ماجه (١٣٤٣).
[٦٣٤] وعن جابر، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((أَيُّكُمْ خَافَ
أَلَّ يقومَ مِن آخرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ، ثم لْيُرْقُدْ، ومَنْ وَثِقَ بقيامِ مِنَ اللَّيْلِ فِليُوتِرْ
مِن آخرِهِ، فإنَّ قراءةَ آخرِ اللَّيْلِ مَخْضُورٌ، وذلك أفضلُ».
الليل أفضلُ من صلاة النهار. والحزبُ هنا الجزءُ من القرآن يُصلَّى به. وهذه
الفضيلةُ إنما تحصلُ لمن غلبه نوم، أو عذرٌ منعه من القيام مع أن نيَتَهُ القيام. وقد
ذكر مالك في الموطأ عنه وَ﴿ قال: ((ما مِن امرئٍ تكونُ له صلاةٌ بليل فَغَلبه عليها
نومٌ إلا كتب الله له أجرَ صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه))(١). وهذا أتمُّ في التَّفضيل
والمجازاة بالنية، وظاهِرُه أنَّ له أَجْرَه مُكمَّلاً مُضاعَفاً، وذلك لحُسْن نيته، وصدق
تلهّفه، وتأسّفه. وهذا قولُ بعضٍ شيوخنا، وقال بعضُهم: يُحتمل أن يكونَ غيرَ
مضاعَفٍ إذ الذي يُصلِّيها أكمل وأفضل.
قلتُ: والظَّاهِرُ التمُّكُ بالظَّاهر، فإنَّ الثوابَ فَضْلٌ من الكريم الوهّاب، وقد
تقدَّم من حديث عائشة - رضي الله عنها -: أنَّه ◌َ﴿ِ((كان إذا غَلَبَهُ نوم، أو وَجَعٌ،
صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة)) (٢) وهذا كلُّه إنما هو يبقى في تحصيل مثل
ما غُلِب عليه، لا أنه قضاءٌ له، إذ ليس في ذمَّته شيء، ولا يُقْضَى إلا ما تعلَّق
بالذمة، وقد رأى مالك أن يصلِّي حِزْبه مَن فاته بعد طُلُوع الفجر، وهو عنده وقتُ
ضرورة لمن غُلِب على حزبه، وفاته. كما يقول في الوتر.
و (قوله وَ له: ((أَيُّكُم خاف أَلَّ يقومَ من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد)) ... إلى
حكم تأخير
الوتر وتعجيله
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١١٧).
(٢) سبق تخريجه برقم (٩٢٨).

٣٨٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٥) باب: فيمن غُلِب عن حِزْبه
رواه أحمد (٣٣٧/٣ و٣٤٨)، ومسلم (٧٥٥)، والترمذي (٤٥٥)،
وابن ماجه (١١٨٧).
[٦٣٥] وعنه، قالَ: سُئل رسولُ اللهِ وَهِ أَيُّ الصَّلاة أفضلُ؟ قالَ:
(«طُولُ القُنوت)).
رواه أحمد (٣٠٢/٣ و٣١٤)، ومسلم (٧٥٦) (١٦٥)، والترمذي
(٣٨٧)، والنسائي (٥٨/٥)، وابن ماجه (١١٢٤).
آخره). يدلُّ: على أنَّ تأخيرَ الوتر أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، وأنَّ تعجيلَه حزمٌ لئلا
يفوتُ بطلوع الفجر. وقد روى أبو سليمان الخطابي عن سعيد بن المسيّب: أنَّ
أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - تذاكرا الوترَ عند رسول الله وَله، فقال أبو بكر:
أَمَّا أنا فإنِّي أنام على وتر، فإن صليتُ صليتُ شَفْعاً حتى أصبحَ، وقال عُمر: لكنِّي
أنامُ على شفع ثم أوتر من السَّحر. فقال النبيِ وَ ﴿ لأبي بكر: ((حَذِر هذا)). وقال
العمر: ((قَوِيَ هذا))(١). وقد دلَّ قولُ أبي بكر في هذا الحديث: على أنَّ مَن صلَّى
وِتْرَه في أول الليل، ثم نشطَ الصَّلاة من آخره صلّى ما شاء مِن شَفْع، ولا يلزمُه أن
يُوتِرَ من آخر صلاته وتراً آخر؛ لقولهِ وَله فيما خرَّجه أبو داود عن طلق بن علي
مرفوعاً: ((لا وتران في ليلة))(٢) وهو صحيح، ولا يجوزُ أن يضيف إلى وتره
المتقدِّم وِتْراً آخر، فينقض المتقدِّم، وقد اختلفَ فيه. وإلى ما فَعَلَه أبو بكر ذهبَ
كثيرٌ من الصحابة، والتابعين وأئمة الفتوى: مالك، وغيره، وقد ذهبَ إلى النَّقض
جماعةٌ من الصَّحابة وغيرهم، وروي عن مالك، والصَّحيحُ: فِعْل أبي بكر،
والله أعلم.
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤٦/٥).
(٢) رواه أبو داود (١٤٣٩).

٣٨٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٥) باب: فيمن غُلِب عن حِزْبه
[٦٣٦] وعنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقولُ: ((إنَّ في اللَّيل
سَاعَةً، لا يُوافِقُها رجلٌ مسلمٌ، يسألُ اللهَ خَيْراً مِن أمرِ الدُّنيا والآخرةِ، إلا
أعطاهُ إِيَّاهُ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ)).
رواه أحمد (٣١٣/٣ و ٣٣١)، ومسلم (٧٥٧) (١٦٦).
[٦٣٧] وعن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قالَ: ((ينزلُ رَبُّنا تباركَ
وقد تقدَّم الكلامُ في القنوت، وفيما هو الأفضلُ، هل طول القيام [في
الصلاة](١) أفضل؟ أو كثرة السُّجود؟.
و (قوله: ((إنَّ في الليل ساعة)) ... الحديث) هذه الساعةُ هي التي يُنادي فيها
المنادي: ((من يسألني فأعطيه)) ... الحديث. وهي في الثُّلُث الأخير من الليل إلى
معنى: ينزل ربُّنًا أن يطلعَ الفجر، كما يأتي.
سبحانه وتعالى
و (قوله: ((ينزل ريُّنًا))) كذا صحَّتِ الروايةُ هنا، وهي ظاهِرةٌ في التُّزول
المعنوي، وإليها يردُّ ينزلُ على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أنَّ مقتضى عظمةِ الله
تعالى، وجلاله، واستغنائه، أَلَّا يعبأ بحقيرٍ، ذليل، فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه
ولُطْفه لأن يقول: ((من يقرضُ غيرَ عَدُوم ولا ظَلُوم))(٢). ويكون قولُه: ((إلى السَّماء
الدُّنيا)) عبارةً عن الحاجة القريبة إلينا، والدُّنيا بمعنى: القُرْبى، والله أعلم. وقد
قيَّده بعضُ الناس ((يُنزِل)) بضم الياء، من: أنزل، فيكون مُعدَّى إلى مفعولٍ
محذوف، أي: يُنزل اللهُ مَلَکا فیقولُ: كذا. وأما رواية: «ینزل)) ثلاثياً، مِن نزل،
فهي صحيحةٌ أيضاً، وهي من باب حَذْف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. كما
قال: ﴿وَسْتَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقد دلَّ على صحَّة هذا التأويل ما رواه
(١) من (ظ) و(ط).
(٢) رواه مسلم (١٧١/٧٥٨).

٣٨٧
(٣) کتاب الصلاة - (١٠٥) باب: فیمن غُلِب عن حِزْبه
وتعالى - كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيَا، حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ: مَنْ
يَدعُوني فأستجيبَ له! ومَنْ يَسألُنِي فَأُعْطِيَهُ! ومَنْ يَسْتَغْفِرني فأغفرَ له)).
رواه أحمد (٤١٩/٢ و٥٠٤)، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)
(١٦٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٣٤٩٣)، وابن ماجه (١٣٦٦).
[٦٣٨] وعنه، عن رسولِ الله وَ﴿ قالَ: ((يُنْزِلُ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيَا،
كلَّ ليلةٍ حينَ يمضي ثلثُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، فيقولُ: أَنَا المَلِكُ، مَنْ ذَا الذي
يَدْعُوني فأستجيبَ له؟! مَنْ ذَا الذي يَسأَلُني فأُعْطِيَه؟! مَنْ ذا الذي
يَستغفرُني فأَغْفِرَ له؟! فلا يَزالُ كذلكَ، حتَّى يُضيءَ الفجرُ)).
وفي روايةٍ: ((ينزلُ اللهُ تباركَ وتعالى في السَّماء الدُّنيا)).
رواه مسلم (٧٥٨) (١٦٩ و١٧١).
النَّسائيُّ عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ الله عزّ وجلّ يُمهل
حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمرُ منادياً يقول: هل مِن داعٍ يُستجاب له؟ هل
من مُستغفر يُغْفر له؟ هل من سائل يُعطى؟»(١) وهذا صحيحٌ، وهو نصٍّ. وبه يرتفع
الإشكال، وقد قدَّمنا في كتاب الإيمان ما تُحمل عليه هذه المشكلات كلُّها.
و (قوله: ((من يدعوني فاستجيبَ له))) أي: فأجيبه، وهذا مِنَ الله وعدٌ حقٍّ،
وقَوْلٌ صدق: ﴿وَمَنْ أَوْلَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وإذا وقعتْ هذه
الشُّروطُ من العبد على حقيقتها وكَمالها؛ فلا بُدَّ من المشروط، فإن تخلَّفَ شيءٌ
مِن ذلك؛ فذلك لخللٍ في الشَّرْط.
(١) رواه النسائي (٤٨٢) في عمل اليوم والليلة.

٣٨٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٦) باب: الترغيب في قيام رمضان
(١٠٦) باب
الترغيب في قيام رمضان
وليلة القدر وكيفية القيام
[٦٣٩] عن أبي هُريرة، كانَ رسولُ اللهِ وَلِ يُرَغِّبُ في قيام رمضانَ
من غير أنْ يأمرَهم فيه بعزيمةٍ، فيقولُ: ((مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحْتِساباً غُفِرَ
(١٠٦) ومن باب: التَّرغيب في قيام رمضان
(قوله: كان يُرغِّبُ في قيام رمضانَ من غيرِ أن يأمُرَهُم فيه بعزيمة) يدلُّ:
على أنَّ قيام الليل في رمضانَ من نوافلِ الخير، ومن أفضلٍ أعمال البِرِّ، لا خلافَ
في هذا، وإنما الخلافُ في الأفضل منه. هل إيقاعُه في البيت أو في المسجد؟
فذهبَ مالك: إلى أنَّ إيقاعَه في البيت أفضلُ لمن قويَ عليه، وكان أوَّلاً يقومُ في
المسجد ثم تركَ ذلك. وبه قال أبو يوسف، وبعضُ أصحاب الشافعي. وذهب ابنُ
عبد الحكم، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي: إلى أنَّ حُضُورَها في الجماعة
أفضل، وقال الليث: لو قام الناسُ في بيوتهم، ولم يقمْ أحد في المسجد،
لا ينبغي أن يَخْرُجُوا إليه، والحُجَّةُ لمالك قوله ◌َِِّ: ((خيرُ صلاةِ المرءِ في بيته إلا
المكتوبة))(١)، وقول عمر: نِعْمَتِ البدعةُ هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي
تقومُون فيها. وحُجَّةُ مخالفه: أنَّ النبيََّ له قد صلّها في الجماعة في المسجد، ثم
أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهي خشية أن تُفْرَضَ عليهم، ثم إنَّ
الصحابةَ كانوا يصلُّونها في المسجد أوزاعاً متفرقين، إلى أن جَمَعَهُم عمرُ على
قارىءٍ واحد، فاستقرَّ الأمرُ على ذلك، وثبتتْ سُنَتُه بذلك.
(١) رواه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (١٩٨/٣) من
حدیث زيد بن ثابت.
فضلُ قيام
رمضان،
والأفضل في
مكانه

٣٨٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٦) باب: الترغيب في قيام رمضان
له ما تَقدَّمَ من ذنبهِ)) فتُوفي رسولُ الله ◌َّهِ والأمرُ على ذلك، ثم كانَ الأمرُ
على ذلك في خلافة أبي بكرٍ، وصَدْراً من خلافةِ عمرَ على ذلك.
وفي رواية: ((مَنْ قامَ رمضانَ إيماناً واحْتِساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من
ذنبِهِ، ومَنْ قامَ ليلةَ القَدْرِ إيماناً واحْتِساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذنِه)).
قلتُ: ومالك أحقُّ الناس بالتمشُّك بهذا، بناءً على أصله في التمسُّك بعمل
أهلِ المدينة.
و (قوله: ((مَن قام رمضان)) دليلٌ: على جَوَاز إطلاقِ لفظ رمضانَ غير
مضاف إلى شهر، خلافاً لمن مَنَع ذلك، حتى يُقال: شهر رَمَضان، قال: لأنَّ
رمضانَ اسمٌ من أسماء الله تعالى، ولا يصحُّ هذا عن النَّبِيّ ◌َّرِ.
و (قوله: ((إيماناً واحتساباً)) أي: تَصْديقاً بما جاء في ذلك، واخْتِساباً
بالأجرة على الله تعالى، وقد رُوي: ((من قام رمضانَ وصامَه إيماناً واحتساباً غُفِرَ له
ما تقدَّم من ذنبه))(١).
و (قوله: فتوفي رسولُ اللهِ وَ﴿ه والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك
في خِلافة أبي بكر وصَدْراً من خِلافة عُمر) أي: لم يزلْ أمرُ قيامِ رمضانَ معلومَ
الفضيلةِ يقومونه، لكن مُتفرّقين، وفي بيوتهم، ولم يجمعُوه على قارىءٍ واحد،
حتى كانَ مِن جَمْعِ عمرَ لهم على أبيّ في المسجد ما قد ذكره مالكٌ في الموطأ.
ثم اختلفَ في المختار مِن عَدَد القيام، فعند مالك: أن المختارَ مِن ذلك المختار من
ستّ وثلاثون؛ لأنَّ ذلك عَمَلُ أهل المدينة المتصل. وقد قال نافع: لم أُدرك النَّاسَ عدد ركعات
قيام رمضان
إلا وهم يقومُون بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث. وقال الشَّافعيُّ: عشرون
(١) رواه ابن ماجه (١٣٢٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٣٩٠
(٣) کتاب الصلاة ۔ (١٠٦) باب: الترغيب في قيام رمضان
وفي أخرى: ((مَنْ يَقُمْ ليلةَ القَدْرِ فَيُوافِقُها ... )).
رواه أحمد (٢٨١/٢) و (٤٢٣)، والبخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩)،
وأبو داود (١٣٧١ و ١٣٧٢)، والترمذي (٨٠٨)، والنسائي (١٥٧/٤ -
١٥٨).
[٦٤٠] وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلّهِ صلَّى في المسجدِ ذاتَ ليلةٍ،
فصلَّى بصلاتِهِ نَاسٌ. ثُمَّ صلَّى من القابلةِ فكثرَ النَّاسُ - وفي رواية: عَجَزَ
المسجدُ عن أهلِه - ثم اجتمعُوا من اللَّيْلةِ الثالثةِ أو الرَّابعةِ، فلم يخرجْ إليهم
رسولُ اللهِ وَّ، فلمَّا أصبحَ قالَ: ((قد رأيتُ الذي صَنَعْتُم فلم يَمْنَعْني مِن
الخروجِ إليكم إلَّا أنِّي خشيتُ أنْ تُفترضَ عليكم))، قال: وذلكَ في
رمضان.
رواه البخاري (١١٩)، ومسلم (٦٧١) (١٧٧ و١٧٨)، وأبو داود
(١٣٧٣)، والنسائي (٢٠٢/٣).
ركعة، وقال كثيرٌ من أهل العلم: إحدى عشرة ركعة، أخذاً بحديث عائشة
المتقدِّم، وسيأتي الكلامُ على أحاديثِ ليلة القدر.
و (قوله: ((من يقمْ ليلةَ القدر فيوافقها») اختلفَ في القدر الذي أُضيفتِ الليلةُ
إليه. فقال ابنُ عباس: القدر: العظمة، من قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
[الأنعام: ٩١] أي: ما عظَّموه حقَّ عَظَمَتِهِ، وقال مجاهد: القدر: تقديرُ الأشياء
من أمور السنة. وقال ابنُ الفضل: يعني: سَوْق المقادير إلى المواقيت، وقيل:
قُدِّر في وقتها إنزالُ القرآن.
و ((يقم)) - في هذه الرِّواية - يعني به: يطلبُ بقيامه ليلةَ القدر، وحينئذٍ يلتئمُ
مع قوله: ((يُوافِقُها))؛ لأنَّ معنى يوافقها: يُصادِفُها، ومَن صلَّى فيها فقد صادَفَها،
أماراتُ ليلة
القدر

٣٩١
(٣) کتاب الصلاة - (١٠٦) باب: الترغيب في قيام رمضان
[٦٤١] وعن أبيّ بن كعبٍ، (وقيل له: إن عبدَ الله بن مسعودٍ يقولُ:
مَنْ قامَ السَّنَةَ أَصابَ ليلةَ القدرِ) فقال أُبِّيّ: واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هُو! إنَّها
لفي رمضانَ (يحلفُ ما يَستثني)، وواللهِ، إنِّي لأعلمُ أيَّ ليلةٍ هيَ، هي اللَّيلةُ
التي أمرَنا بها رسولُ اللهِوَّه بقيامِها، هي ليلةُ صَبيحةٍ سبعٍ وعشرينَ؛
وأمارَتُها أنْ تطلعَ الشَّمسُ في صَبيحةِ يومِها بيضاءَ لا شُعاعَ لها .
رواه مسلم (٧٦٢)، (١٧٩)، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣).
ويُحتملُ أن تكونَ الموافقةُ هنا: عبارةً عن قبول الصَّلاة فيها والدُّعاء، أو يوافق
الملائكة في دُعائها، أو يوافقها حاضرَ القلب مُتأهِّلاً لحصول الخير والثَّواب؛ إذ
ليس كلُّ دعاءٍ يُسْمَع، ولا كلُّ عَمَل يُقْبَل، فإنه: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾
[المائدة: ٢٧] وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((وأمارتُها أن تطلعَ الشمسُ في صبيحتها بيضاءَ لا شُعاعَ لها») وفي
حديث أبي هريرة: ((إنَّ القمرَ يطلعُ فيها مثل شقّ جَفْنة)) (١). قيل: إنَّ ذلك إنما
كان لصعودِ الملائكة الذين تنزّلُوا في ليلة القدر حين تطلعُ الشمس، فكأنَّ الملائكةَ
لكثرتها حالتْ بين النَّظرين إلى الشَّمس وبين شُعاعها، والله أعلم.
ثم هل هذه الأماراتُ راتبةٌ لكلِّ ليلةٍ قَدْرٍ تأتي، أو كان ذلك لتلكَ الليلة
الخاصَّة؟ كما قال النبيُّ ◌َ﴿: ((وأراني أسجدُ في صَبيحتها في ماءٍ وطين؟))(٢) قولان
لأهل العلم، والأول: أولى؛ لما رواه أبو عمر بن عبد البَرِّ من طريق عُبادة بن
(١) رواه مسلم (١١٧٠).
(٢) رواه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (٢١٥/١١٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه.

٣٩٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ﴾
(١٠٧) باب
في كيفية صلاة رسول الله وَ﴿ بالليل، وتَبَتُلِه، ودُعَائِهِ
[٦٤٢] عن ابن عباس، أنَّه باتَ ليلةً عند ميمونةَ أُمّ المؤمنينَ، وهي
خالتُه. قال: فاضطجعتُ في عَرْضِ الوِسادَةِ، واضطْجَعَ رسولُ اللهِ وَليه
وأهلُهُ في طولها،
الصامت مرفوعاً: ((إنَّ أمارةَ ليلة القدر: أنها صافيةٌ بَلْجاءُ، كأنَّ فيها قمراً ساطعاً،
ساكنة لا بَرْدَ فيها ولا حَرّ، ولا يحلُّ لكوكب أن يُرمى به فيها حتى يصبحَ، وأَنَّ
أمارةَ الشمس: أنها تخرجُ صبيحتها مشرقةً ليس لها شُعاع، مثل القمر ليلة البدر،
ولا يحلُّ للشيطان أن يطلعَ يومئذٍ معها))(١). قال: وهذا حديثٌ حسنٌ غريب من
حديث الشَّاميين، رواتُه كلُّهم معروفون ثقات (٢).
(١٠٧) ومن باب: كيفية صلاة رسول الله (ێ باللَّيل
(قولُ ابن عباس: فاضطجعتُ في عَرْض الوسادة واضطجعَ رسولُ الله ◌ِلَخو
في طولها) العَرْض: بفتح العين، خلافُ الطول. وهو المرادُ هنا، وعُرْض
الوادي: ناحيته، بالضم، والعِرض بالكسر: السبُّ والذمُ. و (الوسادة): ما يُتُوسَّدُ
إليه وعليه، ويريدُ به هنا: الفراش. وكان اضطجاعُ ابن عباس لرؤوسهما، أو
لأرجلهما، وذلك لصغره.
قلتُ: هذا الذي ذكره الشَّارحون من تسمية الفراش وسادةً تجوُّزٌ لا شكَ
فيه، إذ الوسادةُ ما يُتُوسَّدُ إليه؛ كما أنَّ المِرفقة ما يُرتفقُ عليه، ويمكن أن يبقى لفظُ
(١) رواه أحمد (٣٢٤/٥).
(٢) ساقط من (ع).

٣٩٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ﴾
فنامَ رسولُ اللهِ وَّهِ حتى انْتَصَفَ الليلُ، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل،
استيقظَ رسولُ اللهِ﴿ فجعلَ يمسحُ النومَ عن وجهِه بيدِه، ثم قرأَ
العَشْرَ الآياتِ الخواتمَ مِن سُورة آلِ عمرانَ، ثم قامَ إلى شَنِّ معلَّقَةٍ،
فتوضَّأَ منها فأحسنَ وضوءَه، ثم قامَ فصلَّى. قالَ ابنُ عباس: فقُمْتُ
الوسادة على حقيقته، ويكون اضطجاع رسولِ الله وَالفر عليها: وَضْعه رأسه على
طولها، واضطجاع ابن عباس وَضْعه رأسه على عَرْضها، وقد تقدَّم ذِكْر سنّ
ابن عباس يوم موت رسول الله صلفه.
و (قوله: فنام رسولُ اللهِ ◌ّ حتى انتصفَ الليل، أو قَبْله بقليل، أو بعده
بقليل) هذا مِن ابن عباس تقديرٌ للوقت، لا تحقيقٌ، لكنه لم يخرجْ به عن قول
الله تعالى: ﴿قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِلاً * نِصْفَهُأَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ -٤]،
وقراءته ونَ﴿ هذا العشرَ في هذا الوقتِ لما تضمَّنه من الحضِّ والتَّنبيه على الذكر،
والدعاء، والصلاة، والتفكّر، وغير ذلك من المعاني المنشِّطة على القيام، على ما
لا يخفى.
و ((الشَّنُّ»: القربة البالية(١)، وهو الشّجب أيضاً في الرواية الأخرى، ويقال:
سِقاء شاجب، أي: یابس.
و (قوله: فأحسن الوضوء) أي: أبلغه وأَكْمَلَهُ، ومع ذلك فلم يهرق من الماء
إلا قليلاً، كما جاء في الرواية الأخرى: ولم يكثر وقد أبلغ. وفي الأخرى: وضوءاً
حَسَناً بين الوضوءَيْن. وَوَضْعُهُ وَله يمينَه على رأس عبد الله: تسكينٌ له، وأخذه
بأُذُنه، تثبيتٌ للتعليم، أو زيادةٌ في التّأنيس والتَّسكين، وقيل: فَعَل ذلك لينفيَ عنه
العَين؛ لمَّا أعجبه فعله معه، وقيل: فَعَل ذلك به طَرْداً للنوم، وفي بَعْض طُرق هذا
الحديث عنه قال: فجعلتُ إذا أغفيتُ يأخذُ بشحمة أذني. وهذا نصُّ. وشناق
(١) في (ع): المعلقة.

٣٩٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول اله ﴾
فصَنَعْتُ مثلَ ما صنعَ رسولُ اللهِ وَّةِ، ثم ذهبتُ فقمتُ إلى جَنْبِهِ. فوضعَ
رسولُ الله ◌َّهِ يدَه اليُمنى على رأسي، وأخذَ بأذني اليُمنى يَفْتِلُها، فصلَّى
رکعتین، ثم رکیتین، ثم رکیتین، ثم رکیتین، ثم رکیتین، ثم رکیتین، ثم
أوترَ، ثم اضطجَعَ، حتَّى جاءَ المؤذنُ، فقامَ فصلَّى رَكعتينِ خفيفتينِ، ثم
خرجَ فصلَّى الصُّبْحَ.
زاد في روايةٍ: ثم عَمَدَ إلى شَجْبٍ مِن ماءٍ، فتسوَّكَ وتوضَّأ، وأسبغَ
الوضوءَ، ولم يُهْرِقْ مِن الماءِ إلا قليلاً، ثم حَرَّكَنِي فقمتُ.
وفي أخرى: فقمتُ عن يَسارِهِ، فأخذَ بيدِي فأَدَارني عِن يمينِهِ،
فَتَتَمَّتْ صَلاةُ رسول الله وَلَهَ من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثم اضطّجعَ، فنامَ
حتى نفخَ، وكانَ إذا نامَ نفخَ، فأتاهُ بلال فآذنَه بالصَّلاة، فقامَ فصلَّى ولم
يَتَوضَّأْ، وكانَ يقولُ في دُعائه: ((اللَّهُمَّ اجعلْ في قلبي نُوراً، وفي بَصري
نُوراً، وفي سَمعي نُوراً، وعن يميني نُوراً، وعن يَسارِي نُوراً، وفَوقي نُوراً،
وتَحتي نُوراً، وأمَامي نُوراً، وخَلْفي نُوراً، وعَظُّم لي نُوراً».
القربة(١): ما تُشْتَقُ به القربة، أي: يُشَدّ عُنُقُها. وقيل: هو الذي تُعلَّق به، قال
أبو عبيد: والأول أشبه.
و (قوله في الرواية الأخرى: ((فقمتُ عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن
يمينه))) هذا أَخْذٌ للإدارة، والأخذُ بالأُذُن أخذٌ للتنشيط أو التَّنبيه، على ما تقدَّم.
وقد فسَّر هذه الإدارةَ في رواية أخرى، فقال: وأخذَ بيدي من وراء ظهره
ولا تعارضَ بين الأخذَيْنِ؛ إذ جَمْعُهما له مُمْكِنٌ، والله أعلم.
(١) لم ترد هذه الكلمة في التلخيص، وهي في صحيح مسلم برقم (٧٦٣) (١٨١).

٣٩٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ◌َ﴾
وفي روايةٍ: وسبعاً في التَّابُوتِ فذكرَ عَصَبي ولحمي ودَمي وشَعْري
وبَشَري. وذكرَ خَصْلَتَیْنِ.
وفي أخرى: ((وفي لِسَاني نُورا). وقال في آخره: ((واجعلْ لي نُوراً)).
وفي أخرى: ((واجعلْني نُوراً).
رواه أحمد (٣٤١/١)، والبخاري (٦٩٩ و(٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣)
(١٨١ و١٨٢ و١٨٣ و١٨٧)، وأبو داود (٥٨ و٦٦٠)، والنسائي (٣٠/٢)،
وابن ماجه (١٣٦٣).
[٦٤٣] وعن زيدٍ بن خالد الجُهَنِيّ، أنَّه قالَ: لَأَرْمُقَنَّ صَلاةَ
وقد تقدَّم الكلامُ على مراتبِ المأموم مع إمامه، وعلى نَوْم الأنبياء صلى الله
عليهم أجمعين وسلَّم، وعلى الخلافِ في كيفية صَلاةِ اللَّيل، وهذه الأنوارُ التي دعا
بها النبيُّ ◌َ﴿ يمكنُ أن تُحْمَلَ على ظاهِرها، فيكونُ معنى سؤاله: أن يجعلَ اللهُ له
في كُلِّ عضوٍ من أعضائه نُوراً يوم القيامة، يستضيُ به في تلك الظُّلَم، هو ومن
تبعه، أو مَن شاء اللهُ تعالى مِمَّن تبعه، والأَوْلَى أن يُقال: هذه الأنوارُ هي مستعارةٌ
للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ زَّهِ ﴾
[الزمر: ٢٢]، وكما قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًايَمْشِىپِهِفِى
النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: عِلْماً وهداية، والتَّحقيقُ في معنى النور: أنَّ النورَ
مظهرُ ما ينسب إليه، وهو يختلفُ بحسبه، فنورُ الشَّمس: مظهرٌ للمبصرات. ونور
القلب: كاشفٌ عن المعلومات، ونورُ الجوارح: ما يبدو عليها من أعمال
الطّاعات، فكأنه دعا بإظهار الطَّاعات عليها دائماً. والله تعالى أعلم.
و (قوله: وسبعاً في التابوت) أي: وذكر سبعاً، والتابوت: أراد به الجسد،
وذكر خمساً، ولم يعيِّن الخصلتين، وهما: اللِّسان والنَّفس على ما ذكره في الأم،
قال أبو الفرج في قوله: ((وسبعاً في التابوت)) أي: سبعة أشياء مكتوبة عنده في

٣٩٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ﴾
رسولِ اللهِوَ﴿ الليلةَ، فصلَّى رَكعتينٍ خَفيفتينٍ، ثم صلَّى رَكعتينِ طَويلتِنِ
طويلتين طويلتين، ثم صَلَّى رَكعتينِ وهُما دَونَ اللتين قبلَهما، ثم صَلَّى
رَكعتينٍ وهُما دُون اللتين قبلَهما، ثم صلَّى ركعتينٍ وهُما دُون اللتين
قبلَهما، ثم صلَّى ركعتينِ وهُما دونَ اللَّتينِ قبلَهما، ثمّ أوترَ. فذلكَ ثلاثَ
عشرةَ رکعةٌ.
رواه أحمد (١٩٣/٥)، ومسلم (٧٦٥)، وأبو داود (١٣٦٦)،
وابن ماجه (١٣٦٢).
[٦٤٤] وعن ابن عَبَّاس، أنَّ رسولَ الله وَّهِ كانَ يقولُ إذا قامَ إلى
الصَّلاة من جَوْفِ الليلِ: ((اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ، أنتَ نُورُ السَّمواتِ والأرضِ،
الصُّندوق، أي: قد نسيها، وهي عنده مكتوبة، وقد جاء فيما بَعْدُ منها: ((عصبي،
ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري)).
و (قوله: ((اللهم لك الحمد، أنت نورُ السَّموات والأرض») أي: مُنَوِّرُها في
قول الحسن، دليلُه: قراءةُ علي رضي الله عنه: (الله نَوَّر السَّموات)(١) بفتح النون،
والواو مُشدَّدة. قال ابنُ عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مُدبِّرهما، وقيل: هو
المنزَّه في السموات والأرض من كلِّ عيب، من قول العرب: امرأة نوارة، أي:
مبرأة من كل ريبة. وقيل: هو اسمُ مَدْح، يقال: فلانٌ نورُ البلد، وشمسُ الزمان.
كما قال النابغة :
فإنَّكَ شَمْسٌ والمُلوكُ كَوَاكِبٌ
إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ(٢) كَوْكَبُ
(١) الآية: ﴿اللهُ نورُ السَّموات﴾ [النور: ٣٥].
(٢) في (ظ) و(ط): للناس.

٣٩٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ﴾
ولَكَ الحمدُ، أنت قِيَّامُ السَّمواتِ والأرضِ، ولكَ الحمدُ، أنتَ ربُّ
السَّمواتِ والأرضِ ومِن فیھنَّ،
وقال آخر :
إِذَا سَارَ عَبْدُ اللهِ فِيْ مَزْوَ لَيْلَةً
فَقَدْ سارَ فِيْها نُورُها وجَمالُها
وقال أبو العالية: مُزَيِّن السَّموات بالشمس، والقمر، والنُّجوم، ومُزَيِّن
الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء.
و (قوله: ((أنت قيَّام السَّموات والأرض))) قيّام: على المبالغة، مِن: قام
بالشيء: إذا هيَّأ له ما يحتاجُ إليه. ويقال: قيُّوم، وقيَّام، وقيِّم؛ وقرأ عمر: (الله
لا إلهَ إلَّا هو الحيّ القيّم)(١). وعلقمة: القيم. وقال قتادة: هو القائمُ بتدبير خَلْقه.
الحسن: القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ. ابن جُبير: الدَّائم الوجود. ابن عباس:
الذي لا يحولُ ولا یزول.
و (قوله: ((أنت ربُّ السَّموات والأرض))) أي: مُصْلِحُهما، ومُصْلِحِ مَن
فيهما، مأخوذٌ من الربّة، وهي: نبتٌ تصلحُ عليه المواشي، يقال: ربَّ، يربُّ،
ربّاً، فهو رابٌّ، وربٍّ. وربَّى، يربِّي، تربية، فهو: مُربّ. قال النابغة:
وَرَبَّ عَلَيْهِ اللهُ أَحْسَنَ صُنْعَهُ
وقال آخر:
يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أنَّهُ
إِذَا فَعَلَ المعْرُوفَ زَادَ وتَمَّما
(١) الآية في سورة البقرة رقم (٢٥٥) بلفظ: ﴿الحيُّ القُّوم﴾.

٣٩٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ◌َ﴾
أنتَ الحقُّ، ووَعْدُكَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ولِقَاؤُكَ حَقٌّ؛ والجَنَّةُ حَقٌّ،
والربُّ أيضاً: السيد، فيكون معناه: أنه سيِّدُ مَن في السَّموات والأرض.
والرب: المالك. أي: هو مالكُهما، ومالكُ مَن فيهما.
و (قوله: ((أنت الحق))) أي: الواجبُ الوجود، وأصلُه: مِن حقَّ الشيء؛ إذا
ثبت وَوَجَب، ومنه: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابٍ﴾ [الزمر: ١٩]، ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ اَلْقَوْلُ
مِنِّى﴾ [السجدة: ١٣] أي: ثَبَتَ وَوَجَب، وهذا الوصفُ لله تعالى بالحقيقة
والخصوصيّة لا ينبغي لغيره؛ إذ وُجُودُه لنفسه، فلم يسبقْه عَدَم، ولا يلحقْه عَدَم،
وما عداه مما يُقال عليه هذا الاسمُ مسبوقٌ بعدم، ويجوزُ عليه لحاقُ العدم،
ووجوده مِن مُؤْجِده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان «أصدق كلمة، قالها
الشاعر كلمة لبيد:
أَلَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَ اللّهَ بَاطِلُ(١)
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرَجَعُونَ﴾
[القصص: ٨٨] ولقاؤنا الله تعالى: عبارةٌ عن مآل حالِنا بالنسبةِ إلى جزائنا على
أعمالنا في الدَّار الآخرة، والساعةُ: يوم القيامة، وأصلُه: القطعةُ من الزمان، لكن
لمَّا لم يكن هناك كواكبُ تُقَدَّرُ بها الأزمان سُمِّيَتْ بذلك، والله أعلم.
وإطلاقُ اسم الحقِّ على هذه الأمور كلِّها معناه: أنها لا بُدَّ مِن كونها، وأنها
مما ينبغي أن يُصَدَّقَ بها. وتكرارُ الحقِّ في تلك المواضع على جهةِ التأكيد،
والتَّفخيم، والتَّعظيم لها.
(١) وتتمته: وكل نعيم لا محالة زائل. والحديث رواه البخاري في المناقب (٣٨٤١).

٣٩٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله وَل
والنَّار حَقٍّ، والسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لك أَسْلَمْتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ
تَوَكَّلْتُ، وإليكَ أَنَبْتُ، وبكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفرْ لي ما
قَدَّمْتُ، ومَا أَخَّرْتُ وما أَسْرَرْتُ وما أعلنت، أنت إلهي، لا إلهَ إلَّا أنتَ)).
وفي روايةٍ: ((قَيِّمُ)) مكان: ((قَيَّامُ)).
رواه أحمد (٢٩٨/١ و٣٠٨)، والبخاري (١١٢٠)، ومسلم
(٧٦٩)، وأبو داود (٧٧١)، والترمذي (٣٤١٨)، والنسائي (٢٠٩/٣ -
٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٥).
و (قوله: ((لك أسلمت))) أي: انقدتُ، وخضعتُ، ((وبك آمنتُ)) أي:
صدَّقْتُ، ((وعليك توكلتُ)) أي: فوَّضتُ. [((وإليك أنبتُ)) أي: رجعت. ((وبك
خاصمت)) أي: بما لقنتني من الحجَّة غلبتُ الخصوم. ((وإليك حاكمت)) أي: إليك
فوضتُ](١) الحكومة، كما قال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُرُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ عصمةُ الأنبياء
يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] وقد تقدَّم الكلامُ على عِصْمة الأنبياء والذُّنوب المنسوبة
إليهم في كتاب الطهارة. فإذا فرَّعْنا على جواز الصَّغائر عليهم؛ فيكون الاستغفارُ
على بابه وظاهره، وإن أَخَلْنا ذلك عليهم فيكون استغفارُه لِيَسُنَّهُ لأمته، أو على
تقدير وقوع ذنوبٍ منه حتى يلازمَ حالةَ الافتقارِ والعبوديّة.
و (قوله: ((وما قدمت))) أي: قبل وَقْتي هذا. ((وما أخَّرت))) عنه ((وما
أسررتُ))) أي: أخفيتُ، ((وأعلنت))): أظهرتُ. ((أنت إلهي)) أي: معبودي
ومَقْصُودي، الذي وَلِهَ فيكَ قلبي، وتحيَّر في عظمتك وجلالِك عَقْلي، وكَلَّ عن
ثنائك لِسَاني، فغايةُ الوسيلةِ إليك، لا أُحْصِي ثناءً عليك. ((لا إله إلا أنت))، أي:
لا معبودَ غيرك، ولا معروفَ بهذه المعرفةِ سواك.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٤٠٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله #
[٦٤٥] وعن عائشةَ، قالتْ: كان نبيُّ اللهِ وَ﴿ إذا قامَ مِن اللَّيْلِ افْتَتَحَ
صلاته: ((اللهم ربَّ جبريلَ، وميكائِيلَ وإسْرَافِل، فاطرَ السَّمواتِ
والأرض، عالمَ الغيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تَحكُم بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيه
يَختلفونَ، اهْدِنِي لما اخْتُلِفَ فيه مِنَ الحقِّ بإذْنِكَ، إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشاءُ إلى
صِراطٍ مُستقيم)).
رواه أحمد (١٥٦/٦)، ومسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٨)،
والترمذي (٣٤٢٠)، والنسائي (٢١٢/٣ -٢١٣).
[٦٤٦] وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ، عن رسول الله وَ﴿ أَنَّه كانَ إذا قامَ
إلى الصَّلاة قالَ: ((وجَّهْتُ وجهي للذي فَطَرَ السَّمواتِ والأرضَ حنيفاً وما
و (قوله: ((اللَّهم ربَّ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل))) خصَّ هؤلاء الملائكة
بالذِّكْر تشريفاً لهم؛ إذ بهم ينتظمُ هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في
ذلك. و ((فاطر السَّموات والأرض)) أي: مُبْتَدِىءَ خَلْقِهما. و ((الغيب)): ما غابَ
عن عِياننا. والشَّهادة: ما شاهدناه، أي: علمناه بمشاهدتنا. و ((تحكمُ بين
عبادك))) تقضي، وتُبيِّن الحقَّ. ((اهدني))) أي: أرشدني، ودُلَّني على صوابٍ
ما اخْتُلِفَ فيه. ((بإذنك))) أي: بتمكينك وتَسْخيرك. و(«الصِّراط))): الطريق
المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
و (قوله: ((وجَّهْتُ وجهي))) أي: صوَّبْتُ وجهي، وأخلصتُ في عبادتي.
و ((حنيفاً)) أي: مائلاً عن جميع المعبودات سوى الله تعالى. و («نُسُكي))) أي:
ما أتنسَّكَ به من القُرَب والعبادات. و ((المحيا والممات))) أي: الحياة والموت،
كما قال للأنصار: ((المحيا محياكم، والممات مماتكم» (١). و((العالمين))):
(١) رواه أحمد (٥٣٨/٢)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.