النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٠) باب: ما جاء في ركعتي الفجر وكلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وكلُّ تَكْبيرةٍ صَدَقَةٌ، وأَمْرٌ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن المنكرِ صَدَقَةٌ، ويُجْزِىءُ مِن ذلكَ ركعتانِ يَرْكَعُهُما مِن الضُّحَى)). رواه أحمد (١٦٧/٥ و١٧٨)، ومسلم (٧٢٠)، وأبو داود (١٢٨٦). (١٠٠) باب ما جاء في ركعتي الفجر [٦٠٥] عن حفصةَ أُمِّ المؤمنينَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِوَ لَ إذَا طلعَ الفجرُ لا يُصلِّي إلا رَكعتينِ خَفيفتينِ. رواه أحمد (٢٨٤/٦)، والبخاري (٦١٨)، ومسلم (٧٢٣) (٨٨)، والنسائي (٢٥٣/٣ و٢٥٦)، وابن ماجه (١١٤٥). و (قوله: ((ويجزىء من ذلك ركعتان))) أي: يكفي من هذه الصَّدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإنَّ الصلاةَ عَمَلٌ لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلَّى فقد قام كلُّ عضو بوظيفته التي عليه في الأصل؛ الذي ذكر فيه الحديث المتقدِّم، والله أعلم. (١٠٠) ومن باب: ما جاء في ركعتي الفجر (قول حفصة رضي الله عنها: كان رسولُ الله وَل﴿ إذا طلع الفجرُ لا يصلِّي إلا ركعتين) ظاهِرُه: أنه لا يجوزُ في هذا الوقت نافلةٌ إلا ركعتي الفجر. وقد روى الترمذيُّ حديثاً عن ابن عمر؛ أنَّ النبيَّنَِّ قال: ((لا صلاةَ بعد الفجر إلا ٣٦٢ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٠) باب: ما جاء في ركعتي الفجر [٦٠٦] وعن عائشةَ، أنَّها كانتْ تقولُ: كانَ رسولُ اللهِوَهِ يُصلِّي ركعتي الفجرِ، فيُخَفِّفُ حتَّى إِنِّي أقولُ: هلْ قرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ ! . رواه أحمد (١٦٤/٦ و١٦٥)، والبخاري (٦١٩)، ومسلم (٧٢٤) (٩٢)، وأبو داود (١٢٥٥)، والنسائي (٢٥٦/٣). سجدتين))(١). وقال: حديثٌ غريب، وهو ما أجمعَ عليه أهلُ العلم، كرهوا أن يُصلِّيَ الرجلُ بعد طُلُوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر. قلتُ: وهذا الإجماعُ الذي حكاه الترمذيُّ إنما هو على كراهة التنفُّل المبتدأ، وأمَّا ما كان منه بحسب سَبَبٍ فقد ذكرنا تخفيف ركعتي الخلافَ فيه في باب: تحيّة المسجد. وتخفيفُهُ وَ ل﴿ في ركعتي الفجر إنما كان سنة الفجر لمبادرته إلى إيقاع صلاةِ الصُّبح في أول وقتها. والله تعالى أعلم. و (قول عائشة: إنه كان يُخفِّفهما حتى إني أقولُ: هل قرأ فيهما بأمِّ القرآن) ليس معنى هذا: أنها شكَّتْ في قراءته ﴿ فيها بأمِّ القرآن؛ لأنه قد ثبت عنه وَ لِّ أنه قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأُ بأمّ القرآن))(٢) وإنما معنى ذلك: أنه وَ ليل كان في غيرها من النوافل يقرأُ بالسُّورة، ويُرَتِّلُها حتى تكونَ أطولَ مِن أطول منها(٣)، بخلاف فعله في هذه فإنه كان يُخفِّف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نسبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها. وقد دلَّ على صحَّة هذا ما في حديث أبي هريرة: أنه وَّ ما يقرأ في كان يقرأُ فيهما بـ: ﴿قل يا أيُّها الكافرون﴾ و﴿قل هُوَ اللهُ أحدٌ﴾ وهذا بَعْدَ قراءةِ ركعتي سنة الفجر الفاتحةِ في الرَّكعتين قبل السُّورتين، على ما قد تبيَّن اشتراطَه في الصَّلاة كما تقدَّم، وعلى هذا يُحْمَلُ حديثُ ابن عباس: أنه كان يقرأ فيهما بقوله تعالى: ﴿قُولُوَأْءَامَنًا بِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وبقوله تعالى: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إنه (١) رواه الترمذي (٤١٩). (٢) رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٢٩٥) من حديث عبادة رضي الله عنه. (٣) هذا مضمون الحديث رقم (١١٨/٧٣٣) في صحيح مسلم، ورقم (٩١٧) في المختصر . ٣٦٣ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٠) باب: ما جاء في ركعتي الفجر [٦٠٧] وعنها، أنَّ النبيَّ ◌َّه لم يكنْ على شيءٍ من النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً، منهُ عَلى رَكعتينٍ قبلَ الصُّبْحِ. رواه أحمد (٤٣/٦ و٥٤)، والبخاري (١١٦٩)، ومسلم (٧٢٤) (٩٤)، وأبو داود (١٢٥٤)، والترمذي (٤١٦)، والنسائي (٢٥٢/٣). [٦٠٨] وعنها، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((رَكْعَتَا الفَجْرِ خيرٌ من الدُّنيَا ومَا فیها)). وفي رواية: ((لَهُما أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيا جميعاً)). رواه أحمد (٢٦٥/٦)، ومسلم (٧٢٥). [٦٠٩] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَله قرأْ في ركعتي الفجرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ . كان يقرأُ ذلك بعد الفاتحة، وما ذكرناه هو الظَّاهِرُ من مجموع الأحاديث، وهو اختيارُ جمهورٍ أصحاب مالك، استحبُّوا: أن يقرأ فيهما بأمّ القرآن في كلِّ ركعةٍ منهما، وقل يا أيُّها الكافرون، في الأولى، وقلْ هُو الله أحد في الآخرة، وهو قول الشافعي، وأحمد، واستحبَّ مالك الاقتصارَ على أُمّ القرآن، على ظاهِر حديث عائشة، وذهبَ قومٌ: إلى أنَّه لا يقرأُ فيهما بالجملة الكافية. حكاه الطّحاوي، وذهب النَّخَعي: إلى جوازٍ إطالةِ القراءة فيهما. واختاره الطّحاوي، وذهب الثَّوري، والحسن، وأبو حنيفة: إلى أنه يجوزُ لمن فاته حِزْبُه من الليل أن يقرأَ، فيهما . و (قول عائشة: لم يكنْ على شيءٍ من النوافل أشدّ معاهدةً منه على ركعتين تأكيد سنيّة قبل الصُّبح) استدلَّ بهذا مَن قال(١): إنها سُنَّة، وهو قولُ كافَّة العلماء، وأكثر ركعتي سنة الفجر (١) في (ع): رأى. ٣٦٤ (٣) کتاب الصلاة۔ (١٠١) باب: رواتب الفرائض وفضلها رواه مسلم (٧٢٦)، وأبو داود (١٢٥٦)، والنسائي (١٥٥/٢ و ١٥٦)، وابن ماجه (١١٤٨). [٦١٠] وعن ابن عبَّاس، أنَّ رسولَ الله وَله كانَ يقرأُ في ركعتيْ الفجرِ، في الأولى منهما: ﴿قُولُوَاَءَامَنَا بِالَّهِ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، وفي الآخِرة منهما: ﴿مَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وفي رواية: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. رواه أحمد (٢٧٢/١)، ومسلم (٧٢٧)، وأبو داود (١٢٥٩)، والنسائي (١٥٥/٢). (١٠١) باب رواتب الفرائض وفضلها [٦١١] عن أُمّ حبيبةَ قالت: سمعتُ رسولَ اللهِوَّه يقولُ: ((مَنْ صَلَّى اثنتي عشرَة ركعةً في يومٍ وليلةٍ - وفي روايةٍ: تَطوعاً غيرَ فريضة - بُنِيَ له أصحابٍ مالك، ورُوي عنهم أنَّها من الرَّغائب، وهو القولُ الآخرُ عن مالك، وذهب الحسنُ: إلى وجوبهما، وهو شاذٍّ لا أصلَ له. والله تعالى أعلم. (١٠١) ومن باب: رواتب الفرائض وقع في كتاب مسلم حديثُ أم حبيبة لم يُعيِّن فيه اثنتي عشرة ركعة ولا عددها، وقد ذكر النسائيُّ عن أم حبيبة هذا الحديثَ مرفوعاً، وعيّن فيه ٣٦٥ (٣) كتاب الصلاة - (١٠١) باب: رواتب الفرائض وفضلها بيتٌ في الجنة)). قالتْ أُمُّ حبيبة: فما تَرَكْتُهُنَّ منذُ سَمِعْتُهُنَّ مِن رسول الله ێ. رواه أحمد (٣٢٧/٦)، ومسلم (٧٢٨)(١٠١)، وأبو داود (١٢٥٠)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (٢٦١/٣)، وابن ماجه (١١٤١). [٦١٢] وعن ابنٍ عُمَر، قالَ: صَلَّيْتُ معَ رسولِ اللهِ له قبلَ الظُّهْرِ سَجْدَتينٍ، وبعدَها سَجْدَتينٍ، وبعدَ المغربِ سجدتينٍ، وبعدَ العشاءِ سجدتينٍ، وبعدَ الجمعةِ سجدتينِ. فأمَّا المغربُ والعِشَاءُ والجمعةُ فَصَلَّيْتُ مع النبيِّ ◌َ﴿ في بيتهِ. الركعات وعددها، فقال: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين قبل صَلاة الصُّبح، وهو صحيحٌ، واختلف العلماءُ: هل للفرائض رواتب مسنونة، أو ليس لها؟ فذهب الجمهورُ: إلى الأخذِ بحديث أمِّ حبيبة، وبما رُوي عن النبي ◌َ ﴿ مِن فِعْله لهذه النَّوافل، على ما ذُكِر عن عائشة وابن عمر في هذا الباب. فقالوا: هي سُنَّةٌ مع الفرائض، وذهب مالكٌ في المشهور عنه: إلى أنه لا رواتبَ في ذلك، ولا توقيتَ عدا ركعتي الفجر، وقد تقدَّم ذكرُها حمايةً للفرائض، ولا يمنعُ من تطوُّع بما يشاء إذا أَمِن ذلك. وذهبَ العراقيُّون من أصحابنا: إلى استحبابِ الرُّكوع بعد الظهر، وقبل العَصْر، وبعد المغرب. [وقد تقدَّم: أنَّ أهلَ الحجازِ يسُّون الركعة: سجدة. و (قول ابن عمر: فأما المغرب](١) والعشاء والجمعة فصلَّتُ مع النبيِ وَّهِ أفضليّ التَّطوُّع في بيته) يدلُّ: على أنه كان يصلِّي بعضَ النوافل في المسجد، مع أنه قد قال: أن يكون في البیت (١) ما بين حاصرتين ساقط من (م). ٣٦٦ (٣) كتاب الصلاة - (١٠١) باب: رواتب الفرائض وفضلها رواه البخاري (١١٧٢)، ومسلم (٧٢٩)، وأبو داود (١٢٥٢)، والترمذي (٤٣٣ و٤٣٤)، والنسائي (١١٩/٢). ((خيرُ صلاةٍ المرء في بيته إلا المكتوبة))(١)، وهذا مقتضى حديث عائشة رضي الله عنها، فإنها ذكرتْ فيه: أنه وَ ل﴿ صلَّى ذلك كلَّه في بيته، إلا الفرائض خاصَّة، فإنه كان يُصلّيها في المسجد، وعلى هذا: فالأصلُ في أفضلية التطوُّع أن يكونَ في البيت، وإيقاعُه في المسجد لمقتضٍ لذلك وعارض. مثل: تشويش في البيت، أو لِيُسْرٍ في المسجد، ونشاطٍ، وما شاكَلَ ذلك. وقد كره النوافلَ في المسجد النخعيُّ، وعَبِيدة، وعلَّل ذلك لهما بالحماية للفرائض، وبأن لا يخلي بيتَه من الصَّلاة، وبقوله وَله: ((خيرُ صلاةِ المرءِ في بيته إلا المكتوبة)). وذهبَ بعضُهم: أن كونها في المسجد أجمع، وحُكي عن مالك والثَّوري: أنهما ذَهَبا: إلى كونها في المسجد نهاراً، وبالليل في البيت. قلتُ: وكأنَّ هذا قولٌ بمقتضى حديث ابن عمر. وأما بعد الجمعة فذهب مالك وأصحابُهُ إلى أنَّ الأفضلَ للإمام أن لا ينتفلَ بأثرها في المسجد، ووسّع في ذلك للمأموم، واختار الشَّافعيُّ والكوفيون الركوعَ بعد الجمعة ستّاً أو أربعاً، وقال الشافعيُّ: ما كثر فهو أحبُّ إليَّ. وسيأتي الكلامُ في ركعتي العصر وقبل المغرب. قلتُ: والحاصلُ من الأحاديث: استحبابُ الرَّاتبة على نوافل حديث أم حبيبة الذي ذكرناه في البيت، كما في حديث عائشة، فإنَّ هذه النوافلَ يُجبرُ بها نقصٌ إن وَقَعَ في الفرائض، على ما رواه الترمذي عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يوم القيامة مِن عمله صلاته، فإن صلحتْ فقد أفلحَ وأنجح، وإن فسدتْ فقد خابَ وخَسِر، فإن انتقصَ من فريضته شيءٌ قال الربُّ تبارك وتعالى: انظُروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكملُ به ما انتقصَ (١) رواه البخاري (٦١١٣)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (١٩٨/٣) من حدیث زيد بن ثابت رضي الله عنه. استحباب الرواتب على النوافل ٣٦٧ (٣) كتاب الصلاة - (١٠١) باب: رواتب الفرائض وفضلها [٦١٣] وعن عبدِ الله بن شَقيقٍ، قالَ: سألتُ عائشةَ عن صَلاةٍ رسولِ اللهِ بَّهِ، عن تَطَوُّعِه؟ فقالتْ: كانَ يُصَلِّي في بيتي قبلَ الظُّهْرِ أربعاً، ثم يخرجُ فيُصلِّي بالنَّاسِ، ثم يدخلُ فيُصلِّي ركعتينٍ. وكانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ المغربَ، ثم يدخلُ فيُصَلِّ ركعتينٍ، ويُصلِّي بالنَّاسِ العِشَاءَ، ويدخلُ بيتي فيُصلِّي ركعتينٍ. وكانَ يُصلِّي مِن اللَّيْلِ تسعَ رَكَعَاتٍ فيهنَّ الوترُ، من الفريضة، ثم يكون سائرُ عمله على ذلك))(١). والله أعلم. و (قولها: كان رسولُ اللهِوَ﴿ يُصلِّي تسعَ ركعات فيهن الوتر) هو مثلُ حديث سعد بن هشام، قالت: كان يصلِّي تسعَ ركعات لا يجلسُ فيها إلا في الثامنة، ثم ينهضُ ولا يُسلِّم، ثم يقومُ فيصلّي التاسعة. وهذا مخالفٌ لما يأتي بعد هذا مِن قولها: إنَّه ◌َل﴿ كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة، يُسلِّم من كلّ ركعتين، ويوتر بواحدة. ولما قالت: إنه وَ﴿ كان يصلي ثلاثَ عشرةَ ركعةً يوترُ من ذلك بخمس، لا يجلسُ في شيء إلا في آخرها. ولقولها: كان يُصلِّي ثلاثَ عشرةَ ركعةً بركعَتي الفجر(٢). ولقولها: يصلي أربعاً فلا تسَلْ عن حُسْنهن وطُولهن، ثم يُصلِّي أربعاً كذلك، ثم يُصلِّي كذلك ثلاثاً. ولقولها: إنه كان يُوتر بسبع. وقد أشكلتْ هذه الأحاديثُ على كثيرٍ من العلماء، حتى إنَّ بعضَهم نسبوا حديثَ عائشة في صلاة الليل إلى الاضطراب، وهذا إنما كان يصحُّ لو كان الراوي عنها واحداً، أو أخبرتْ عن وقتٍ واحد، والصَّحيحُ: أنَّ كلَّ ما ذكرته صحيحٌ من فِعْل النبيِوَِّ في أوقاتٍ مُتعدِّدة، وأحوالٍ مختلفة، حسب النَّشاط والتَّيسير، وليبين: أنَّ كُلَّ ذلك جائز. ولأجل هذه الأحاديثِ المختلفةِ قال الحنفيُّ: إنَّ صلاةَ النفل ليلاً ونهاراً، لا يُشترطَ صلاة النفل فيها الفصلُ بين كلِّ ركعتين بسلام، بل يُصلِّي ستاً، وثمانياً، وأقلّ، وأكثر، مثنى مثنى (١) رواه الترمذي (٤١٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) تأتي هذه الأحاديث في التلخيص في باب: كيف صلاة الليل وكم عددها، رقم (١٠٣). ٣٦٨ (٣) كتاب الصلاة - (١٠١) باب: رواتب الفرائض وفضلها وكانَ يُصلِّي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعِداً، وكانَ إذا قَرأ وهو قائمٌ ركعَ وسجدَ وهو قائم، وإذَا قرأَ قَاعِداً ركعَ وسجدَ وهو قاعدٌ، وكانَ إذا طلَع الفجرُ صَلَّى رَكْعتينِ. رواه أحمد (٦٢/٦)، ومسلم (٧٣٠) (١٠٥)، وأبو داود (١٢٥١)، والترمذي (٤٣٦). بتسليمة واحدة. وقال عبدُ الوهاب بن نصر رحمه الله: والمختارُ في النَّفل مثنى مثنى، ليلاً ونهاراً. قلتُ: ويُفْهَمُ من هذا: أنه يجوزُ غير ذلك من أربع، وست، وثمان، وعشر، كمذهب الحنفيّ. والجمهورُ: على أنَّ الفصلَ بين كلِّ ركعتين أولی وأفضل. جواز التنفل قاعداً و (قولها: كان يُصلِّي ليلاً طويلاً قاعداً، وليلاً طويلاً قائماً) فيه: جوازُ التنفل قاعداً مع القُدرة على القيام، ولا خلاف فيه. و (قولها: وكان إذا قرأ وهو قائمٌ ركعَ وسجدَ وهو قائم، وإذا قرأَ قاعداً ركعَ وسجدَ وهو قاعِد) هذا يخالِفُ حديثَها الآخر: أنه كان يجمعُ بين القعود والقيام في ركعةٍ واحدة. ولا تناقضَ فيه، فإن ذلك كان منه في أوقاتٍ مختلفة، وبحسب ما يجدُ من المشقة. والانتقالُ في النافلة من الجلوس إلى القيام، أو من القيام إلى الجلوس جائزٌ عند جُمهور العلماء: مالك، والشَّافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم. وكره محمد بن الحسن، وأبو يوسف: أن يبتدىء صلاتَه قائِماً ثم يقعد، ثم يركع قاعداً. وحُجَّةُ الجمهور: أنه انتقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ لو ابتدأ الصَّلاةَ عليه لجاز، كالانتقال من القعود إلى القيام المتَّفق عليه عندهم وعندنا، واختلف کبراءُ أصحاب مالك إذا نوى القيامَ فيها كلّها؛ هل له أن يجلسَ في بقية الصَّلاةِ أم لا؟ على قولين: الأول: لابن القاسم؛ والثاني: لأشهب. وعلى قول أشهب، هل يلزمُه ذلك بمجرّد النية، أو بإلزامه ذلك نفسه وبالنذر؟ قولان لأشياخنا. ٣٦٩ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٢) باب: في صلاة النفل قائماً وقاعداً (١٠٢) باب في صلاة النفل قائماً وقاعداً [٦١٤] عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ كانَ يُصلِّي جالساً، فيقرأُ وهو جالسٌ، فإذا بقيَ من قِراءتِهِ قَدْرُ ما يكونُ ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، قامَ فقراً وهو قائمٌ، ثم ركعَ، ثم سجدَ، ثم يفعلُ في الرَّكعةِ الثانية مثلَ ذلك. رواه أحمد (١٧٨/٦)، والبخاري (١١١٨ و١١١٩)، ومسلم (٧٣١) (١١٢)، وأبو داود (٩٥٣ و٩٥٤)، والترمذي (٣٧٢)، والنسائي (٢١٩/٣)، وابن ماجه (١٢٢٦). [٦١٥] وعنها، قالتْ: لما بَدَّنَ رسولُ اللهِوَهُ وثَقُلَ كانَ أكثرُ صَلاتِهِ جَالِساً. رواه مسلم (٧٣٢) (١١٧). (١٠٢) ومن باب: صلاة النَّفل قائماً وقاعداً (قول عائشة رضي الله عنها: لما بدن وثقل كان أكثر صلاته جالساً. أكثرُ الرُّواة قيَّدُوه: ((بَدُن)) بضم الدال. ورواية الصّدفي عن العذري: بدَّن، مفتوحة الدال، مُشدَّدة. وارتضى أبو عبيد روايةَ الفتح والتشديد، وقال: يقال: بدَّن الرجل تبديناً: إذا أسنَّ. وأنشد(١): وَكُنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدِيْنَا والهمَّ مما يُذْهِلُ القَرِيْنَا قال: ومن رواه ((بَدُنَ)) ليس له معنى لأنه خلاف وصفه وَّهِ، ومعناه: كَثُرَ (١) هو حميد الأرقط. ٣٧٠ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٢) باب: في صلاة النفل قائماً وقاعداً [٦١٦] وعن عبد الله بن شقيقٍ، قالَ: قلتُ لعائشةَ: هل كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يُصَلِّي وهو قاعدٌ؟ قالتْ: نعم، بعدما حطَمَهُ النَّاسُ. رواه أحمد (١٧١/٦ و٢١٨)، ومسلم (٧٣٢) (١١٥)، وأبو داود (٩٥٦). [٦١٧] وعن حفصةَ، قالتْ: ما رأيتُ رسولَ اللهِوَ لَه صَلَّى في سُبْحَتِهِ قاعِداً، حتَّى كانَ قبلَ وفاتِهِ بعام، فكانَ يُصلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِداً، وكانَ يقرأُ بالشُّورة فيُرَتِّلُها، حتَّى تكونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْها. رواه أحمد (٢٨٥/٦)، ومسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي (٢٢٣/٣). لحمه. يقال: بدُن الرجل يبدُن بَدانة. قلتُ: ولا معنى لإنكار ((بَدُنَ)). وقد صحَّت الرواية فيه، وقد جاء معناه مُفسّراً من قول عائشة قالت: فلما كَبُر وأخذه اللَّحْم. وفي رواية: أسنِ وكَثُرَ لحمه. وقول أبي عبيد: لم يكن ذلك وَصْفِهِ وَّ صدق؛ لأنه لم يكن في أَصْل خِلْقته بادناً كثير اللحم، لكن عندما أسنَّ وضَعُف عن كثيرٍ مما كان يتحقَّلُه في حال النشاط من الأعمال الشَّاقة استرخى لحمُه، وزاد على ما كان في أصل خِلْقته زيادةً يسيرة، بحيث يصدقُ عليه ذلك الاسمُ، والله أعلم. و (قولها: بعدما حَطَمَهُ النَّاس) قال أبو عبيد: يقال: حَطَم فلاناً أهله: إذا كبر فيهم، كأنه مما تحمَّل من أثقالهم صيَّرُوه شيخاً مَحْطُوماً. والحطم: كسر الشيء اليابس. يُؤيِّد هذا قول حفصة: أنه نَّهِ ما صلَّى سُبْحَتَه قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام. و (قولها: فيرتِّلُها حتى تكون أطولَ من أطولَ منها) أي: يمدُّ ويُرتِّل في قراءة السورة القصيرة، حتى يكون زمانُ قراءتها أطول من زمان قراءة سورةٍ أخرى فوق الأولى في العدد. ٣٧١ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٢) باب: في صلاة النفل قائماً وقاعداً [٦١٨] وعن عبد الله بن عمرو، قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ رسولَ الله وَله قالَ: ((صَلاةُ الرَّجُلِ قاعِداً نصفُ الصَّلاةِ)) قالَ: فأتيتُهُ فوجدتُهُ يُصلِّي جالِساً، فوضعتُ يَدي على رأسهِ فقالَ: ((ما لكَ يا عبدَ الله بن عمرٍو))، و (قوله وَلجه: ((صلاةُ الرجل قاعِداً نصفُ الصلاة))) يعني: في الأجر، مع عدم أجرُ الصلاة في العُذْر المانع من القيام (١)، وعليه حَمَلُهُ الثَّوري، وابنُ الماجشون، وابن شعبان. حال القعود مع العذر وحمله بعضُهم: على مَن رُخِّص له في الصلاة جالساً من أصحاب الأعذار الذين لو كُلِّفوا ذلك لقدروا على القيام بمشقّةٍ، وهذا يطَّردُ في الفَرْض والنَّفْل، وهو قولُ مالك، وأحمد، وإسحاق. ومنعَ الشافعيُّ من صلاة الفرض قاعِداً، إلاَّ مع عدم القُدرة على القيام، ويجوزُ ذلك في النَّفْل مع القُدْرة بالإجماع. وأما من عجزَ عن القيام لعذرٍ مانعٍ منه فَأَجْرُهُ إن شاء الله تعالى تامٌّ كامل؛ لأنه فَعَلَ عِبادتَهُ على كمالها في حقّه، ولمَ يقصِّر فيها: ﴿ مَنْ جَّةَ بِاَلَْنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وبدلیل قوله ے فیما خرّجه الترمذيُّ، وصححه، من حديث الأربعة النفر حيث قال فيه: ((إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يتََّي اللهَ ربَّه، ويَصِلُ به رَحِمَهُ، ويعلمُ الله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل. ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو بنيَّه، فأجرُهُما سواء))(٢) وهذا نصٌّ في الغرض. و (قوله: فوضعتُ يدي على رأسه) هذا يدلُّ على عظيم تواضع النبي وَّر، عظيم تواضعه وحنانه، وحُسْن أخلاقه، وأنه كان مع خاصَّة أصحابِه فيما يرجعُ إلَى المعاشرة ◌َ ◌ّ والمخالطة كواحدٍ منهم؛ إذ كان يُباسِطهم ويُمازحهمِ، ويكون معهم في عَمَلِهم، ولا يستأثرُ عليهم، ولا يترفَّع عنهم؛ ولذلك كانت الأُمَةُ من إماء أهلِ المدينة تأخذُ (١) ساقط من (ع). (٢) رواه الترمذي (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه. ٣٧٢ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٢) باب: في صلاة النفل قائماً وقاعداً قلتُ: حُدِّثْتُ يا رسولَ الله أنك قلت: ((صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِداً على نِصْفٍ الصَّلاةِ) وأنتَ تُصَلِّي قاعِداً !! قالَ: ((أجلْ، ولكنِّي لستُ كأحدٍ منكم)). رواه مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (٢٢٣/٣)، وابن ماجه (١٢٢٩). بيده وتنطلقُ به حيث شاءت، ويجلسُ يُحدِّثُها حيث أرادتْ. ومَن كانت هذه حالُه فلا يُستنكر مِن بعض أصحابه أن يُعامِلَهُ بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيِّما وكان مقصودُ عبد الله: أن يُقْبِلَ عليه رسولُ اللهِلهِ، حتى يُجِيبَهَ عمَّا وَقَعَ في خاطره من هذا الأمر الدِّيني المهمِّ في حقُّه، والله تعالى أعلم. وهذا كلُّه على ما صحَّ عندنا من الرواية ((على رأسه)) وظاهره: أنه عائدٌ على النبي ◌ُ *، وقد ذُكِرَ لي أنَّ بعضَ الناس رواه: ((رأسِیة))فألحق به تاء المتكلم وهاء السکت، ووجهُھا واضحً لو ثبت، وأظنُّ: أنه إصلاحٌ ورأي، لا روايةٌ. ويقربُ من فعلِ عبد الله فِعْلُ جبريل عليه السلام معه حيث أسندَ رُكبتيه إلى رُكبتيه، ووضعَ كَفَّيِه على فَخِذَيْه (١)، على قول مَن قال: إنه أراد فخذي النبي ﴿﴿، وهو الصَّحيح(٢). و (قوله: ((أجل))) أي: نعم. و (قوله: ((لستُ كأحدٍ منكم))) أي: لا يكونُ له في صلاته قاعِداً نصف الأجر؛ بل أكثر من ذلك، أو الأَجْر كلّه، والله أعلم. ويُحتمل أن يكونَ معناه: لستُ كأحدٍ منكم ممن لا عُذْرَ له، ممن قلتُ له هذا القول، فإنه لم يصلُ قاعداً حتى ثَقل، والأول أظهر. (١) سبق تخريجه في كتاب الإيمان برقم (٧). (٢) في حاشية (ظ): قد ثبت في هذه القصة أنَّ وَضْع عبد الله يده على رأس رسول الله وَل﴾ إنَّما كان في الليل، في ظلمةٍ، مِن غير قصدٍ من عبد الله، وإنَّما وقعتْ يدُه على رأسه ﴿ بغير تعمُّد، وهذا هو الحقّ، والله أعلم. ٣٧٣ (٣) کتاب الصلاة- (١٠٣) باب: کیف صلاة الليل، و کم عددها؟ (١٠٣) باب كيف صلاة الليل وكم عددها؟ [٦١٩] عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ◌َ لْ قالَ: ((إذَا قامَ أحدُكم من اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتَحْ صَلاتَه بركعتينٍ خَفِيفَتِينِ)) . رواه أحمد(٣٩٩/٢)، ومسلم (٧٦٨)، وأبو داود (١٣٢٣ و ١٣٢٤). [٦٢٠] وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَي﴿ يُصلِّي فيما بينَ أنْ يَقْرُغَ من صَلاة العِشَاءِ (وهي التي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ) إلى الفجرِ - إحدى عشرةَ ركعةً، يُسلِّم مِنْ كُلِّ ركعتينٍ، ويُوتر بواحدةٍ، فإذَا سكتَ المُؤذِّنُ مِن صَلاة الفَجْرِ، وتَبَيَّنَ له الفجرُ، وَجَاءَ المُؤَذِّنُ، قامَ فركعَ ركعتينٍ خَفيفتينِ، ثم اضْطَجَعَ على شِقُّهِ الأيمنِ حتَّى يأتِيَه المُؤَذِّنُ للإقامةِ. (١٠٣) ومن باب: كيفيّة صلاة الليل (قوله: (إذا قام أحدُكم من الليل فليفتتخ صلاته بركعتين خَفِيفتين))) هذا أمرٌ على جهة الإرشادِ إلى ما يدفعُ به بقايا النوم، وينشط إلى الصَّلاة، وقد ثَبَت: أنه ﴿﴿ كان في وقتٍ يفتتحُ بركعتين خفيفتين، وفي وقت آخر يفتتحُ بركعتين أطول من اللتين بعدهما، وبأربع ركعات طوال، فلهذا لا يتخيّلُ أنَّ هذا الأمرَ من قبيل الواجب، ولم يقلْ به أحدٌ فيما علمته. و (قولها: إنه وَ ﴿ اضطجع(١) [بعد ركعتي الفجر] (٢) على شِقُّه الأيمن) هذه حكم الاضطجاع ضجعةُ الاستراحةِ من قيام الليل، والأمرُ الذي في كتاب التّرمذي(٣) محمولٌ على بعد ركعتي سنة الفجر (١) ساقط من (ع). (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه الترمذي (٤٢٠). ٣٧٤ (٣) کتاب الصلاة - (١٠٣) باب: کیف صلاة الليل، و کم عددها؟ رواه أحمد (٨٣/٦)، ومسلم (٧٣٦) (١٢٢)، وأبو داود (١٣٣٥)، وابن ماجه (١٣٥٨). [٦٢١] وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِّهِ يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثلاثَ عشرةَ رَكْعَةً يُوتر مِن ذلكَ بِخَمْسٍ، لا يجلسُ في شَيءٍ إلَّا في آخِرِها. وفي رواية، قالت: كانَ يُصَلِّي ثلاثَ عشرةَ ركعةً بركعتيْ الفَجْرِ . رواه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٧)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٩). [٦٢٢] وعن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، أنَّه سألَ عائشةً: كيفَ كانتْ صَلاةُ رسولِ اللهِ﴿ في رمضانَ؟ قالتْ: ما كانَ يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرِه على إحدى عَشْرَةَ ركعةً، يُصَلِّي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهنّ، ثم يُصلِّ أربعاً فلا تسألْ عن حُسنهنَّ وطُولهنَّ، ثم يُصلِّي ثلاثاً. فقالتْ عائشة: فقلتُ: يا رسولَ الله! أَتْنَامُ قبلَ أنْ تُوتِرَ؟ فقالَ: ((يا عائشةُ! إِنَّ عَينِيَّ تَنَامانِ ولا يَنَامُ قلبي)). الإرشاد إلى الرَّاحة، ولينشط لصلاة الصُّبح، وليست بواجبةٍ عند الجمهور، ولا سُنَّة، خلافاً لمن حَكَم بوجوبها من أهل الظَّاهر، ولمن حكم بسنيَّتها، وهو الشَّافعيُّ، والدليلُ على أنَّها ليستْ كذلك؛ أنه قَ﴿ لم يكنْ يفعلُها دائماً، أَلَا ترى أنَّ عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: إِنَّ النبيَّ وَ ﴿ كان إذا صلَّى ركعتي الفَجْر فإن كنتُ مستيقظةً حدَّثني، وإلا اضطجع. وأيضاً: فقد كان ◌َله يضطجعُ هذه الضّجعةَ أيضاً بعد فراغه من وتره، وقبل ركعتي الفجر، فدلَّ ذلك: على أنَّها ليستْ مخصوصةً بما بعد ركعتي الفجر، ولا وُجوباً ولا سُنَّة، والله تعالى أعلم. و (قوله وَله: ((إنَّ عينيَّ تنامان، ولا ينام قلبي))) قد تقدَّم: أنَّه من خصائص ٣٧٥ (٣) کتاب الصلاة۔ (١٠٣) باب: کیف صلاة الليل، و کم عددها؟ رواه أحمد (٧٣/٦)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٧٣٨) (١٢٥)، وأبو داود (١٣٥١)، والترمذي (٤٣٩)، والنسائي (٢١٠/١ -٢١١). [٦٢٣] وعنها، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ ينامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ويُحْيي آخِرَه، ثم إنْ كانتْ له حاجَةٌ إلى أهلِهِ قَضَى حاجتَه ثمَّ ينامُ، فإذَا كانَ عندَ النِّداءِ الأَوَّلِ، قالتْ: وَثَبَ وأفاضَ عليه الماءَ؛ وإنْ لم يكنْ جُنُباً تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجلِ الصَّلاةِ، ثم صَلَّى الرَّكعتينِ. رواه أحمد (١٠٢/٦ و٢٥٣)، والبخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩)، والنسائي (٢١٨/٣)، وابن ماجه (١٣٦٥). [٦٢٤] وعنها، وسُئِلَتْ عن عَمَلِ رسولِ اللهِ وَّرَ فقالتْ: كانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ. قالَ: قلتُ: أيَّ حِينٍ كانَ يُصلِّي؟ فقَالتْ: كانَ إذا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فصلَّى. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. و (قول عائشة: كان رسولُ الله ◌ِوَ﴿ ينامُ أوَّلَ الليل ويُحيي آخره) تعني به: أنَّ هذا كان آخر فِعْله، أو أغلب حاله، وإلا فقد قالت: من كلِّ الليل قد أوتر رسولُ اللهِ وَّه: من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وِتْرُه إلى السَّحر(١). و (قولها: إن كانت له حاجةٌ إلى أهله قضى حاجته، ثم نام) يُفهم منه: جوازُ نومِ الجُنُب من غير أن يتوضَّأ، فإنها لم تذكرْ وضوءاً عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنباً توضَّأ وضوءَ الصلاة، وقد تقدَّم هذا. و (قولها: كان يحبُّ الدائم) تتميمةُ قولها في أخرى: وإنْ قلَّ. وسببُ محبة محبَّه ◌ِ﴾ للدائم من الأعمال (١) يأتي الحديث برقم (٩٢٧). ٣٧٦ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر رواه أحمد (٢٧٩/٦)، ومسلم (٧٤١). [٦٢٥] وعنها، قالت: كان النبيُّ ◌َّ﴿ إذا صَلَّى ركعتي الفجرِ، فإنْ كنتُ مستيقظةً حَدَّثَنِي وإلا اضْطَجَعَ. رواه أحمد (١٢١/٦ و٢٥٤)، ومسلم (٧٤٣). * # (١٠٤) باب في صلاة الوتر [٦٢٦] عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِوَهِ يُصلِّي بِاللَّيل، فإذَا أوترَ قالَ: ((قُومِي فَأَوتِرِي، يا عائشةُ!)). الدائم: أنَّ فاعلَه لا ينقطعُ عن عَمَل الخير، ولا ينقطعُ عنه الثَّوابُ والأجر، ويجتمعُ منه الكثيرُ وإن قلَّ العملُ في الزمان الطَّويل، ولا تزالُ صحائفُه مكتوبةً بالخير، ومصعد عملِه معموراً بالبِرِّ، ويحصلُ به مشابهةُ الملائكة في الدَّوام. والله تعالى أعلم. و (قولها: فإن كنتُ مستيقظةً حذَّثني)(١) فيه دليلٌ على جوازِ الحديثِ بعد ركعتي الفجر، وهذا مذهبُ الجمهور، وقد كرهه الكوفيون. ورُوي مِثْلُه عن ابن مسعود وبعض السّلف؛ لما جاء أنه وقتُ الاستغفار، وما ذكرناه أولى، والله أعلم. (١٠٤) ومن باب: الوتر (قوله وَّهُ: ((قومي فَأَوْتِرِي))) دليلٌ: على مشروعيّةِ تنبيهِ النَّائم للصَّلاة إذا (١) في التلخيص كلمة (باب) قبل هذا الحديث (٦٢٥) وآثرنا حذفها؛ لأنَّ السياق واحد، ولا وجود لباپٍ جديد في الشرح. ٣٧٧ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر وفي روايةٍ: أَنَّه كانَ يُصلِّي صلاتَه وهي معترضةٌ بينَ يديْه، فإذا بقيَ الوترُ أيقظَها فأوترتْ. رواه أحمد (١٥٢/٦ و ٢٠٥)، ومسلم (٧٤٤). [٦٢٧] وعنها، قالتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قدْ أوترَ رسولُ اللهِ وَله: مِنْ أَوَّلِ اللَّيْل، وأوسطِه، وآخرِهِ، فانتهَى وترُه إلى السَّحَر. رواه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥) (١٣٧)، وأبو داود (١٤٣٥ و ١٤٣٧)، والترمذي (٤٥٦)، والنسائي (٢٣٠/٣)، وابن ماجه (١١٨٥). [٦٢٨] وعن سعدٍ بن هشام، قالَ: انطلقتُ أنَا وحَكِيمُ بن أَفْلَح إلى خيف عليه(١) خروجُ وقتِ الصَّلاة، ولا يبعدُ أن يقالَ: إنَّ ذلك واجبٌ في الصَّلاة الواجبة؛ لأن النائمَ وإن لم يكنْ مُكلَّفاً في حالِ نومه، لكن مانعَهُ سريعُ الزوال، فهو کالغافل، ولا شكّ أنه يجبُ تنبيه الغافل. واختلف في حكم الوتر: فذهب مالك، وجمهورُ العلماء: إلى أنه سُنَّةٌ حكم صلاة مؤكّدة، ولا يُؤْثَّم تاركُها، من حيث هو تارك. وقال مالك: إنه يُحَرَّجُ تاركه، الوتر وذهب أبو حنيفة: إلى أنه واجبٌ يأثم تاركُه، ولم يُسَمِّه: فرضاً؛ بناءً منه على أنَّ الفرضَ هو الذي يُقْطَعُ بلزومه، أو ما وجبَ بالقرآن، أو ما يكفر من خالف فيه. هذه عباراتُ أصحابٍ مذهبه، والمعنى مُتقارِب، وهذا الفرقُ إن اذَّعاه لغةً أو شرعاً مَنَعْناه، وطالبناهُ بالدَّليل عليه، وإن كان اصطلاحاً من جهته سلَّمناه، ولم نناقشه عليه، ونستدلُّ بعد ذلك: على أنَّ الوترَ ليس بواجبٍ بأدلَّةٍ قد تقدَّمتْ في باب الإسراء، وفي باب: التنقُّل على الراحلة. (١) ساقط من (ع). ٣٧٨ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر عائشةَ، فَاسْتَأْذَنَّا عليهَا، فَأَذِنَتْ لنا؛ فدخلْنَا عليهَا، فقالتْ: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتْهُ) فقال: نعم. فقالتْ: مَنْ معكَ؟ قالَ: سعدُ بن هِشَام، قالتْ: مَنْ هِشَام؟ قالَ: ابنُ عَامِر، فترجَّمتْ عليه، وقالتْ خيراً (قال قَتَادَةُ: وكان أُصيبَ يومَ أُحُدٍ)؛ فقلتُ: يا أُمَ المؤمنينَ، أنبئيني عن خُلُقِ رسولِ اللهِلَّه . فقالتْ: أَلَسْتَ تقرأُ القرآنَ؟ قلتُ: بلى. قالتْ: فإنَّ خُلُقَ نبيِّ اللهِ نَّهِ كانَ القرآنَ. قالَ: فهممتُ أنْ أقومَ، ولا أسألَ أحداً عن شيءٍ حتَّى أموتَ، ثم بدا لي فقلتُ: أنبِئِيني عن قيام رسولِ اللهِ وَّهِ، فقالتْ: ألستَ تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَمِّلُ﴾؟ قلتُ: بلى. قالتْ: فإنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) افترضَ قيامَ اللَّيل في أوَّلِ هذه السورة، فقامَ نَبِيُّ اللهِ وَِّ وأصحابُهُ حَوْلاً، وأمسكَ الله خاتمتَها اثْنَي عَشَر شهراً في السَّماءِ، حتَّى أنزلَ الله في آخرِ هذِه الشُّورة التخفيفَ، فصارَ قيامُ اللَّيلِ تَطَوُّعاً بعدَ فَريضةٍ، قالَ: فقلتُ: يا أمَّ كانَ خُلُقُه ◌ِلِ القرآن و (قول عائشة: كان خُلُق رسولِ اللهِوَ﴿ القرآن) أي: كان يتخلَّقُ بما فيه من محمودِ الأوصاف، ويجتنبُ ما فيه مِن ممنوعها، ويحتملُ أن تريدَ بقولها: ((القرآن)): الآيات التي اقتضتِ الثَّاءَ على رسول اللّهِوَّر، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى ◌ُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وكقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُتِىَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] إلى آخرها، وما في معنى ذلك، والله أعلم. وكون سعدٍ همَّ أن لا يسألَ أحداً عن شيءٍ حتى يموتَ: إنما كان ذلك منه استقصاراً لفهمه، إذ لم يفهمْ ذلك من القرآن مع وُضُوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضاً لهمَّته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاءً بذلك عن سُؤالِ أحدٍ من أهل العلم. حکم قيام الليل و (قول عائشة: إنَّ اللهَ فرضَ قيامَ الليل إلى قولها: فصار قيامُ الليل تطوُّعاً) ظاهِرُ قولِها هذا يدلُّ: على أنَّه كان فَرْضاً عليه وعلى الناس. قال مكي: وهو قولُ كافَّةِ أهل العلم. وقيل: إنه لم يكنْ فرضاً عليه، ولا عليهم، حكاه الأبهريُّ عن ٣٧٩ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر المؤمنينَ، أنبئيني عن وِتْرِ رسولِ الله ◌َّهِ فقالتْ: كنَّا نُعِدُّ له سِوَاكَهُ وطَهُورَهُ فَيَبْعَثُهِ اللهُ مَا شَاءَ أنْ يبعثَهَ من اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ ويَتَوَضَّأُ، ويُصلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ لا يجلسُ فيها إلا في الثَّامنةِ، فيذكرُ الله ويَحْمَدُهُ ويدعُوه، ثم ينهضُ ولا يُسلِّم، ثم يقومُ فيُصلِّي التاسعةَ، ثم يقعدُ فيذكرُ اللهَ ويَحْمِدُه ويدعُوه، ثم يُسلِّم تسليماً يُسْمِعُنا، ثم يُصلِّي ركعتين بعدَما يُسلِّمُ وهو قاعدٌ، فتلكَ إحدى عشرة ركعةً يا بنيَّ. فلمَّا أسنَّ رسولُ اللهِ وَّةِ، وأَخذَه اللحمُ أوتر بسبعٍ، وصنعَ في الركعتين مثلَ صنيعِه في الأوَّلِ؛ فتلكَ تسعٌ يا بنيَّ. وكانَ نبيُّ الله ◌َ﴿ إذا صلَّى صَلاةَ أحبَّ أن يُداومَ عليها. وكانَ إذا غَلَبَهُ نومٌ أو بعضهم، قال لقوله: ﴿نِصْفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣ -٤] وليس هذا ضَرْبُ الفروض، وإنما هو نَذْب. وقيل: كان فَرْضاً على النَّبَِّهِ وَحْدَه، مَنْدُوباً لغيره. وكأنَّ هذا مأخوذٌ من مواجهةِ النَّبِيَِه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ﴾ [المزمل: ١] فخُصَّ بالخطاب، وبما روي عن ابن عباس مرفوعاً: ((ثلاثٌ عليَّ فريضة، ولكم تطوُّع: الوتر، والضُّحى، وركعتا الفجر))(١) وهو ضعيف. والصَّحيحُ ما نَقَلَتْهُ عائشة. و (قولها: إن النَّسخَ كان بعد حَوْل) خُولفتْ في ذلك، وقيل: بعد عشر سنين. قال عِياض: وهو الظَّاهر؛ لأنَّ السورةَ مكية، ومِن أوَّل ما نزلَ من القرآن، إلا الآيتين آخرها نزلت بالمدينة، وهذا الذي قاله صَحِيحٌ. فصحيحُ الأحاديث، والنَّقلِ المشهور على ما قدَّمناه في كتاب الإيمان. و (قولها: ثم يُصلِّي ركعتين بعدما يسلّم وهو قاعد) تعني: أنه كان يُسلِّم من وتره وهو قاعد، مخبرةً بمشروعية محلِ السَّلام، ولم يرد عنه وَلّى: أنه صلَّى ركعتي الفجر قاعِداً، والله أعلم، وسيأتي الكلامُ على مَن غُلِب عن حِزْبه. (١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢٣٢/٩). ٣٨٠ (٣) كتاب الصلاة - (١٠٤) باب: في صلاة الوتر وَجَعٌ عن قِيامِ اللَّيلِ صلَّى من النَّهارِ ثنتي عشرةَ ركعةً، ولا أعلمُ نبِيَّ الله وَّل قرأ القرآنَ كلَّه في ليلةٍ، ولا صلَّى ليلةً إلى الصُّبْحِ، ولا صامَ شَهْراً كامِلاً غیرَ رمضانَ. رواه مسلم (٧٤٦) (١٣٩)، وأبو داود (١٣٤٢ - ١٣٥٢)، والنسائي (١٩٩/٣). [٦٢٩] وعن ابن عمر، أنَّ رجلاً سألَ رسولَ الله وَ له عن صَلاة اللَّيلِ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذَا خَشِيَ أحدُكم الصُّبْحَ صَلَّى ركعةً واحدةً، تُوترُ له مَا قَدْ صَلَّى)). وفي روايةٍ: ((فإذا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرِ بواحدةٍ)). وفي أخرى: فقيل لابنٍ عمرَ: ما مَثْنَى مَثْنَى؟ قال: تُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رکعتین. رواه أحمد (١٥٥/٢)، والبخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) (١٤٥ و١٤٦ و١٥٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٢٢٧/٣)، وابن ماجه (١١٧٥). [٦٣٠] وعنه، عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((اجعلوا آَخِرَ صلاتِكم بالليل وِتْراً). و (قول ابن عمر في تفسير مثنى مثنى: يُسَلِّم من كُلِّ ركعتين) إخبارٌ منه عن صلاته وَ ل# كيف كانت، كما تقدَّم من قول عائشة - رضي الله عنها -. و (قوله وَله: ((اجْعَلُوا آخرَ صلاتِكم وتراً)) يُفْهَمُ منه: أنَّ الوترَ يُضافُ إلى شَفْعٍ قبلَه، لكنْ هل هذا الشَّفع هو العِشاء، أو هو نَفْلٌ، فيكون أقلُّه ركعتين؟ قولان أقلُّ صلاة الوتر