النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٣) كتاب الصلاة - (٩٣) باب: التنفل والوتر على الراحلة في السفر من مكَّةَ إلى المدينةِ، على راحلتِهِ حيثُ كان وَجْهُهُ، قالَ: وفيه نزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. رواه البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠) (٣٣)، والترمذي (٤٧٢)، والنسائي (٢٤٤/١). [٥٨١] وفي رواية، قال: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يُصلِّي على حِمَارٍ، وهو موجّه إلی خیبرَ . رواه مسلم (٧٠٠) (٣٥)، وأبو داود (١٢٢٦). و (قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]) أي: جهة الله. يعني: القِبلة، وأضافها اللهُ تعالى إليه تَشْريفاً، وقيل: رضاه. وقيل: رحمته. كما قال في الحديث: ((فإن الرحمةَ تواجهه)»(١) وقال الفرَّاء: العمل. كما قال الشاعر: أُسْتَغْفِرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُخْصِيَهُ ربَّ العِبَادِ إليْهِ الوجْهُ والعَمَلُ وفي قوله نظر؛ فإن الوجه المذكورَ في الشعر ليس هو العمل، بدلیل ذِكْر العمل بعده، وإنما معناه: القصد، أي: إليه القصد والعمل. ويمكنُ حَمْلُ الوجه في الآية على هذا، والله أعلم. و (قوله في رواية عمرو بن يحيى المازني: على حمار) وهَّم الدار قطنيُّ وغيره هذه الرواية، قالوا: والمعروفُ: على راحلته، وعلى بعير، ولم يخرِّج البخاريُّ هذه الرواية . و (قوله: وهو مُوجِّهٌ إلى خيبر) أي مُتَوَجِّه، يقال: وجّه فلان: إذا توجه. (١) رواه أبو داود (٩٤٥)، والترمذي (٣٧٩)، والنسائي (٦/٣)، وابن ماجه (١٠٢٧). ٣٤٢ (٣) كتاب الصلاة - (٩٣) باب: التنفل والوتر على الراحلة في السفر [٥٨٢] وعنه، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يُسَبِّحُ على الرَّاحِلَةِ قِبَل أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عليْهَا، غيرَ أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ. رواه مسلم (٧٠٠) (٣٩)، وأبو داود (١٢٢٤)، والنسائي (١/ ٢٤٤) . وقد يقال: إن معناه قاصد، يقال: هذا وجهي إليه. أي: قَصْدي. ولم يقع في كيفية الصلاة كتاب مسلم كيفيةُ صلاته على الدابة، وقد وقع مفسَّراً في الموطأ من فعل أنس: أنه صلَّى إيماءٍ(١). قال مالك: وتلك سُنَّهُ الصلاة، قال: ولا يسجد على القربوس(٢). على الدَّابةً و (قوله: كان يُسبِّحُ على الرَّاحلة، ويُوتِر عليها) حُبَّةٌ للجمهور على أصحاب الرأي، حيث يقولون: إن الوترَ لا يُصلَّى على الراحلة. و (قوله: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبة) حُجَّةٌ على مَن يقولُ بوجوب الوتر، وقد أجمع أهلُ العلم فيما حكاه عِياض: على أنه لا يُصلِي فريضةٌ على الذَّابة، في غير عُذْرِ خوف أو مرض. واختلف في الزَّمِن، واختلف فيه قولُ مالك. واختلف قول مالك أيضاً: هل حكم السفينة في التَّنفل حيث توجّهت به حُكْم الدابة أو خلافها؟. والمشهور أنَّها ليستْ كالدَّابة. (١) الموطأ (١٥٠/١ و١٥١). (٢) ((القربوس)): حِنْوُ السرج، أي: قِسْمه المقوَّس المرتفع من قدّام المقعد ومن مؤخره. والجمع: قرابیس. ٣٤٣ (٣) كتاب الصلاة - (٩٤) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر (٩٤) باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر [٥٨٣] عن ابن عمر، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّ إذا عَجِلَ به السَّيْرُ، جمعَ بينَ المغربِ والعِشاءِ. (٩٤) ومن باب: الجمع بين الصَّلاتين المرادُ في هذا الباب من الجمع: إنَّما هو إخراجُ إحدى (١) الصَّلاتين المشتركتين عن وقت جوازها، وإيقاعها في وقت الأخرى مَضْمُومة إليها. وهو إنما يكونُ في الصَّلوات المشتركة الأوقات، وهي: الظُّهر، والعَصْر، والمغرب، والعِشاء، ولا يكونُ في غيرها بالإجماع. ثم الجمع: مُتَّفَق عليه، ومُخْتَلفٌ فيه: فالأول: هو الجمعُ بعرفة والمزدلفة، والمختلفُ فيه: هو الجمعُ في السفر، الجمع بين. والمطر، والمرض. فأما الجمعُ في السفر: فإليه ذهبَ جماعةُ السَّلف، وفقهاءُ الصلاتين متفق المحدِّثين، والشافعي، وهو مشهورُ مذهبٍ مالك. وهل ذلك لمجرَّد السَّفر؟ أو لا بُدَّ معه من جدّ السَّير (٢) قولان: بالأول: قال جمهورُ السَّلف، وعلماءُ الحجاز، وفقهاءُ المحدِّثين، وأهلُ الظاهر. وبالثاني: قال مالك، واللَّيث، والثّوري، والأوزاعي، وأبى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر (٣)، وكرهه الحسن، وابنُ سيرين. وروي عن مالك كراهيته، ورُوي عنه: أنه كرهه للرجال دون النساء. علیه، ومختلف فيه (١) ساقط من (ع). (٢) (يُشير القرطبي - رحمه الله - في هذا إلى ما حدث لابن عمر، عندما كان عائداً من حجّة الوداع، فقيل له: إن صفية في السِّياق (نزع الموت) فأسرع السير، وجمع جمع التأخير. (الإصابة ١٣١/٨). (٣) في (م) وأبو حنيفة وحده منع من الجمع للمسافر. والمثبت من (ع) و(ظ) و (ط). ٣٤٤ (٣) كتاب الصلاة - (٩٤) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر وفي رواية، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َّه إذا أَعْجَلَهُ السَّيْر في السَّفر يُؤَخِّرْ صَلاة المغربِ، حتَّى يجمعَ بينَها وبينَ صَلاةِ العِشَاءِ. وأحاديثُ ابنِ عمر، وأنس، ومُعاذ المذكورة في هذا الباب حُبَّةٌ على أبي حنيفة. لكن أبو حنيفة تأوَّلَها على أنَّ الصَّلاةَ الأولى وقعت في آخر وقتها، والثانية وقعت في أول وقتها، وهذا يجوزُ باتفاق. وقد جاء في حديث مُعاذ في كتاب أبي داود: أنه و # كان إذا ارتحل قبل أن تزيغَ الشَّمسُ أخر الظهرَ حتى يجمعَها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشَّمسِ صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعاً، ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّرَ المغربَ حتى يصلِّيَها مع العشاء. وإذا ارتحلَ بعد المغرب عجَّلَ العشاء فصلاَّها مع المغرب وهذا حُبَّةٌ ظاهرةٌ للجمهور في الردِّ على أبي حنيفة. وأما الجمع بين الجمعُ لعذر المطر: فقال به مالك، والشَّافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وجمهورُ الصلاتين لعذر السّلف: بين المغرب والعشاء. وأما بين الظّهر والعصر: فقال بالجمع بينهما في المطر الوابل الشَّافعيّ، وأبو ثور، والطّبري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأهلُ المطر والمرض الظاهر، والليث: من الجمع في صلاتي اللَّيل والنَّهار. وأما الجمعُ لِعُذْر المرض: فقال به مالك: إذا خاف الإغماء على عَقْلِه، وأبى ابنُ نافع الجمعَ لذلك، وقال: لا يجمعُ قبل الوقت، فمن أُغمي عليه حتى ذهبَ وقتُه لم يجب عليه قضاؤه. ومنعه أيضاً أشهب، والشافعي. منع الجمع بين وذهبَ كافةُ العلماء: إلى مَنْع الجمع بين الصَّلاتين في الحضر لغير عذر، إلا الصلاتين في شُذوذاً. منهم من السّلف: ابن سيرين. ومن أصحابنا: أشهب، فأجازَ ذلك الحضر لغير عذر للحاجة ما لم تُتَّخذ عادة، ونحوه لعبد الملك في الظُّهر والعصر. وحُجَّتُهم في ذلك حدیثُ ابن عباس. و (قوله في حديث أنس وابن عمر: إذا عَجِل به السَّير) حُبَّةٌ ظاهِرةٌ لمشترط ٣٤٥ (٣) كتاب الصلاة - (٩٤) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر رواه أحمد (٧/٢ و٥١)، والبخاري (١٠٩٢)، ومسلم (٧٠٣) (٤٢)، وأبو داود (١٢٠٧ - ١٢١٧)، والترمذي (٥٥٥)، والنسائي (٢٨٧/١ و ٢٨٩). [٥٨٤] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِِّ إذا ارتحلَ قبلَ أن نزيغَ الشَّمسُ أخّرَ الَظهرَ إلى وقتِ العصرِ، ثم نزلَ فجمعَ بينَهما. فإنْ زاغتْ قبلَ أنْ يرتحلَ صَلَّى الظهر ثم رکبَ. وفي روايةٍ: يُؤخِّرُ الظهرَ إلى أَوَّلِ وقتِ العَصْرِ. رواه أحمد (٢٤٧/٣ و٢٦٥)، والبخاري (١١١١)، ومسلم (٧٠٤) (٤٦ و٤٨) وأبو داود (١٢١٨ و١٢١٩)، والنسائي (٢٨٤/١ و٢٨٥). جدّ السير في الجمع، ولا تعارِضُ هذه الأحاديثُ التي لم يذكر فيها ذلك؛ لأنَّ اشتراط جدّ السير في الجمع الحجَّةَ في المنقول لا في المسكوت عنه، ويتعيّن حَمْلُ المطلق منهما على المقيّد هنا لاتحاد الموجِب والموجَب، وهو موضعُ اتفاقِ الأصوليين في حمل المطلق على المقيّد. وإنما خصَّ ابنُ عمر صلاةَ المغرب والعشاء بالذكر، ولم يذكر العصر لوقوع الجمعِ له بين المغرب والعشاء، وهو الذي سأله عنه نافع، فأجاب عمّا سُئِل عنه حين استصرخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد، فاستعجلَ بالجمع بين المغرب والعشاء، وسُئِل فأجاب بما ذكر . و (قوله في حديث أنس: إنه وَلّ كان إذا ارتحلَ قبل أن تزيغَ الشمسُ أخَّر الظهرَ إلى وقت العصر ثم [نزل) ظاهِرٌ في أنه كان يصلِّ الظهرَ في وقت العصر، لأنه إذا أخّر الظهر لأول وقت العصر](١) ثم بعد ذلك بمهلةٍ نزل فتوضأ، فصلَّى (١) ساقط من (ع). ٣٤٦ (٣) كتاب الصلاة - (٩٤) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر [٥٨٥] وعنه، قالَ: كانَ رسول الله ﴿ إذا عَجِلَ به السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظهرَ إلى أوَّلِ وقتِ العصر، فيجمعُ بينَهما، ويُؤَخِّرُ المغربَ حتَّى يجمعَ بينها وبينَ العِشَاءِ حينَ يغيبُ الشَّفَقُ. رواه مسلم (٧٠٤) (٤٨). [٥٨٦] وعن ابن عَبَّاس، قالَ: صَلَّى رسولُ اللهِنَّهِ الظهر والعصرَ جميعاً، والمغربَ والعِشَاء جميعاً، في غير خَوْفٍ ولا سَفَرٍ . الصَّلاتين، فيلزم أن يصلِّي الظهرَ في أول وقتِ العصر ولا بُدَّ، وأوضح من هذا ما في الرواية الأخرى: من أنه وَ﴿ كان يُؤخِّر المغربَ حتى يجمعَ بينها وبين العشاء حين يغيبُ الشفق. فظاهِرُ ذلك حُبَّةٌ على أبي حنيفة؛ حيث مَنَعَ الجمعَ المذكور، وهذا إنما فَعَلَه ابنُ عمر والنبيُّ ◌َ﴿ِ لأنهما زالتْ عليهما الشمسُ وغربت، وهما يجدّان السّير، فلو أراد أن يرتحلَ بعد الزوال ناوياً أن لا ينزلَ حتى يخرج وقتُ الصَّلاتين صلَّى الأولى في أول الوقت، والثّانية بعدها مجموعة إليها. قال أبو محمد عبد الوهاب: وله أنْ يجمعَ بين الصَّلاتين في وقت أيّهما شاء. والاختيارُ في آخر وقت الأولى، وأول وقت الثانية. وكونه وَّ صلَّى الظهرَ ثم ركب، ولم يصلِّ العصرَ مجموعة إليها؛ إما لأنه نوى أن ينزلَ في وقت العصر، وإما لأنه لم يُرِدْ أن يجمعَ بينهما؛ لأنَّ الجمعَ - هنا - غايته أن يكونَ جائزاً للرُّخصة، وإما أنه لم يجدّ به السّير، والله تعالى أعلم. الجمع الصوريُّ في غیر خوف، ولا سفر، ولا مطر و (قوله في حديث ابن عباس: أنه ◌َ ﴿ أَخَّر الظهر والعصرَ والمغرب والعشاء في غير خوفٍ، ولا سفر، ولا مطر) قد أخذ الناسُ في تأويل هذا الحديث مآخد. وأولاها: أن هذا الجمعَ يمكنُ أن يكونَ المرادُ به تأخيرُ الأولى إلى أن يفرغَ منها في آخرٍ وقتها، ثم بدأ بالثّانية في أول وقتها. وإلى هذا يشيرُ تأويلُ أبي الشعثاء. ويدلُّ على صحَّة هذا التأويل: أنه قد بقي فيه الأعذارُ المبيحةُ للجمع التي هي: ٣٤٧ (٣) كتاب الصلاة - (٩٤) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر وفي رواية: بالمدينة في غيرِ خَوْفٍ ولا مَطَرِ. قِيلَ لابن عبّاس: ما أرادَ إلى ذلكَ؟ قال: أرادَ ألَّا يُحْرِجَ أمَّتَه. رواه أحمد (١٣٨/٣)،والبخاري(١١١٢)، ومسلم (٧٠٥)(٤٩ ,٥٤). [٥٨٧] وعنه، قالَ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ وَّه ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً. قيلَ: يا أبا الشعثاء! أظنُّه أخّرَ الظهرَ وعَجَّلَ العصرَ، وأخّرَ المغربَ وعَجَّلَ العشاءَ. قالَ: وأنا أظنُّ ذلكَ. رواه أحمد (٢٢١/١)، والبخاري (١١٧٤)، ومسلم (٧٠٥) (٥٥)، وأبو داود (١٢١٠ - ١٢١٤)، والترمذي (١٨٧)، والنسائي (٢٩٠/١). [٥٨٨] وعن مُعَاذِ بن جَبَل، قالَ: خرجنا مع رسولِ اللهِ وَّل في غزوة تبوك، فكانَ يُصلِّي الظهر والعصرَ جميعاً، والمغربَ والعشاءَ جميعاً، فقيلَ: ما حمله على ذلكَ؟ فقالَ: أرادَ أَلَّا يُحرِجَ أُمَّتَه. رواه مسلم (٧٠٦) (٥٢) و (٧٠٥) (٥١)، وأبو داود (١٢٠٦ و١٢٠٨)، والترمذي (٥٥٣ و٥٥٤)، والنسائي (٢٨٥/١)، وابن ماجه (١٠٧٠). الخوف، والسفر، والمطر. وإخراجُ الصَّلاة عن وقتها المحدود لها بغير عذر لا يجوزُ باتفاق، فتعيَّن ما ذكرناه، والله أعلم. وقولُ مَن تأوَّله: على أنه كان في مطرٍ، قد أبطلته هذه الروايةُ الصَّحيحةُ، التي قال فيها: من غير خوف، ولا مطر. و (قوله: أراد أن لا يُخْرِجَ أمته) رُوي بالياء باثنتين من أسفل وبضمّها. وأمته: منصوباً على أنه مفعول. وبفتح التاء باثنتين من فوق وضمّ أمته، على أنها فاعله. ومعناه: إنما فَعَل ذلك لئلا يشقَّ عليهم، ويُثْقِل. فقصدَ إلى الثَّخفيفِ عنهم مع المحافظةِ على إيقاعِ كلِّ صلاةٍ في وقتها، على ما تأوَّلْناه، والله أعلم. ٣٤٨ (٣) كتاب الصلاة - (٩٥) باب: الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال (٩٥) باب الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال [٥٨٩] عن عبد الله، لا يَجْعَلَنَّ أحدُكم للشَّيْطَانِ من نفسِه جُزْءاً، لا يَرى إلا أنَّ حقّاً عليه أنْ لا يَنْصَرِفَ إلا عَنْ يمينِهِ. أكثرُ ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَ ﴿ِ ينصرفُ عن شمالهِ. رواه أحمد (٤٦٤/١)، والبخاري (٨٥٢)، ومسلم (٧٠٧) (٥٩)، وأبو داود (١٠٤٢)، والنسائي (٨١/٣). [٥٩٠] وعن الشُّدي، قالَ: سألتُ أنساً: كيف أنصرفُ إذَا صَلَّيْتُ عن يميني أو عن يَسارِي؟ قالَ: أمَّا أنا فأكثرُ ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَهِ ينصرفُ عن يمينه . رواه أحمد (٢١٧/٣)، ومسلم (٧٠٨) (٦٠)، والنسائي (٨١/٣). (٩٥) ومن باب: الانصراف من الصَّلاة عن اليمين والشّمال (قوله وَله: ((لا يجعلنَّ أحدُكم للشّيطان من نفسه جزءاً)) هذا الحديثُ يدلُّ: على أنَّ ملازمةَ الانصراف عن اليمين من الصَّلاة غيرُ جائز، وأنَّ له أن ينصرفَ عن يمينه وشماله. وهو مذهبُ كافَّة العلماءِ. غير أنَّ الحسنَ ذهب: إلى استحباب الانصراف عن اليمين. وهو الظَّاهِرُ من حديث أنس. وما حكاه ابنُ مسعود وأنس في هذين الحديثين يدلُّ: على أنَّ النبيَّ وَّهِ كان يفعلُ الأمرين جميعاً، وأنَّ ذلك واسع، وليس فيه سُنَّةٌ يُدامُ عليها، إذ قد(١) رأى ابنُ مسعود النبيَّ نَّه في أكثر حالاته ينصرفُ عن شماله، ورأى أنس عكسَ ذلك، فكان ذلك دليلاً على ما قلناه. والله أعلم. (١) ساقط من (ع). ٣٤٩ (٣) كتاب الصلاة - (٩٦) باب: إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة [٥٩١] وعن البَرَاءِ، قالَ: كنَّا إذا صَلَّيْنا خلفَ رسولِ اللهِوَ أَحْبَيْنا أنْ تكونَ عن يمينِهِ، يُقْبِلُ عليْنَا بوجهِهِ، قالَ: فسمعتُهُ يقولُ: ((رَبِّ قِنِي عذابَكَ يومَ تبعثُ (أو تجمعُ) عِبادَكَ)). رواه أحمد (٣٠٤/٤)، ومسلم (٧٠٩) (٦٢)، وأبو داود (٦١٥). # * (٩٦) باب إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاةَ إلَّا المكتوبة [٥٩٢] عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ وَهِ قالَ: ((إذا أقيمتِ الصَّلاةُ فلا صَلاة إلَّا المكتوبةُ». رواه أحمد (٤٥٥/٢)، ومسلم (٧١٠) (٦٣)، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي (١١٦/٢)، وابن ماجه (١١٥١). و (قوله: أحببنا أن نكونَ عن يمينه يُقْبِلُ علينا بوجهه) وهذا يحتملُ أن يكونَ أنَّ هذا الإقبالُ منه ◌ِوََّ في حالِ سَلامِه من الصَّلاة؛ فإنه كان يبدأُ السَّلامَ بيمينه. والأظهر: أنه كان حين انصرافِه من الصَّلاة. ويكون هذا حين كان يكثرُ أن ينصرفَ عن یمینه کما قاله أنس، والله أعلم. (٩٦) ومن باب: قوله: ((إذا أقيمتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة)» ظاهِرُه أنه لا تنعقدُ صلاةُ التطوع في وقتٍ إقامةِ الفريضة. وبه قال أبو هريرة، وأهلُ الظَّاهِر، ورأوا: أنه يقطعُ صلاته إذا أقيمتْ عليه المكتوبة. وروي عن ٣٥٠ (٣) كتاب الصلاة - (٩٦) باب: إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة [٥٩٣] وعن عبد الله بن مَالكِ بن بُحَيْنَةَ، قالَ: أُقيمتْ صَلاةُ الصُّبْحِ، فرأَى رسولُ اللهِ وَّهِ رَجُلا يُصلِّي، والمُؤْذِّنُ يُقِيمُ، فقالَ: ((أَتْصَلِّي الصُّبْحَّ أَرْبَعاً؟)). رواه أحمد (٣٤٥/٥)، والبخاري (٦٦٣)، ومسلم (٧١١) (٦٦)، والنسائي (١١٧/٢)، وابن ماجه (١١٥٣). عمر بن الخطاب: أنه كان يضربُ على صلاةِ الرَّكعتين بعد الإقامة. وذهب مالك: إلى أنه إذا أقيمتْ عليه المكتوبةُ، وهو في نافلةٍ، فإن كان ممَّن يخفّ عليه ويتمّها بأمّ القرآن وحدها فَعَل ولا يقطع، وإن لم يكنْ كذلك قطع. وذَهَبَ بعضُ أصحابنا: إلى أنه يتمّها. وعلى هذا الحديث: فمن دَخَلَ لصلاةِ الصُّبح، والإمامُ حكم صلاة في الصلاة، ولم يكن صلَّى الفجر لا يصلي ركعتي الفجر(١). وهو مذهبُ جُمهور ركعتي الفجر السّلف من العلماء وغيرهم، وقد اختلفوا: هل يخرجُ لها من المسجد ويُصلِّي وصلاة الفريضة قائمة خارجه أم لا يخرج؟ قولان لأهل العلم. وإذا قُلْنا: لا يخرج. فهل يصلِيهما والإمامُ يصلّي؟ أو لا يصليهما ويدخلُ مع الإمام في صلاته؟ وبالأول: قالتْ طائفةٌ من السلف؛ منهم: ابن مسعود. وبالثاني: قال الشافعي، وأحمد، والطّبري، وابن سيرين، وحُكي عن مالك. وإذا قُلنا: إنَّه يخرج، فهل ذلك ما لم يخشَ فواتَ الركعة الأولى؟ فإن خشيه دَخَل، أو إنما يُراعي خشيةَ فوات الآخرة؟ قولان: الأول: لمالك والثوري، والثاني: أيضاً حُكِي عن مالك. وقيل: يُصلِّيهما وإن فاتته صلاةُ الإمام؛ إذا كان الوقت واسعاً. قاله ابنُ الجلاب. و (قوله ◌َّ: ((أتصلِّي الصُّبح أربعاً؟!))) إنكارٌ على الرجل الذي فَعَل ذلك، وهذا الإنكارُ حُجَّةٌ على مَن ذهب إلى جواز صلاةٍ ركعتي الفجر في المسجد (١) أي: سنة الفجر. ٣٥١ (٣) كتاب الصلاة - (٩٦) باب: إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة [٥٩٤] وعن عبدِ الله بن سَرْجِسَ، قالَ: دخلَ رجلٌ المسجدَ، ورسولُ اللهِوَّ فِي صَلاة الغَدَاةِ، فصَلَّى ركعتينٍ في جَانبِ المسجدِ، ثم دخلَ معَ رسولِ اللهِِّ فلمَّا سَلَّمَ رسولُ اللهِ قالَ: ((يا فُلانُ بأيّ الصَّلاتينِ اعْتَدَدْتَ؟ أبِصَلاتِكَ وحدكَ أم بِصَلاتِكَ مَعَنا؟)). رواه أحمد (٨٢/٥)، ومسلم (٧١٢)، وأبو داود (١٢٦٥)، والنسائي (١١٧/٢)، وابن ماجه (١١٥٢). والإمامُ يصلِّي، كما ذكرناه آنفاً. وعلى سدِّ الذريعة التي يُخاف منها توقُّمُ الزيادة في الفرائض. وقال في رواية أخرى ما ينصّ على ذلك: ((يوشكُ أن يصلِّي أحدُكم الصبحَ أربعاً». وكذلك يُفهم مِن قوله ◌ِوَ له في الحديث الآخر: ((يا فلانُ! بأيّ الصلاتين اعتددت؛ بصلاتك وحدك؛ أو بصلاتك معنا؟)). ويزيدُ معنى آخر وهو: أنَّ فيه منع ما يُؤدِّي إلى الخلافِ على الإمام. ويمكنُ أن يُستنبطَ من هذين الحديثين: أنَّ ركعتي الفجر إن وقعتْ في تلك الحال صحَّت؛ لأنه وَ لّ لم يقطع عليهما مع تمكّنه من ذلك، وفي إنكاره عليه الصلاة والسلام على المصلِّي مع كونه صلَّى في جانب المسجد ما يدلُّ على حكم تحية شدة المنع من صلاتهما والإمامُ في الصَّلاة. وإن كان في زاوية. وقول عبد الله بن المسجد ومتى مالك بن بُحينة هو الصَّحيح، وما رواه القعنبي خطأ، كما قاله في الأم. وقال تجوز؟ أبو مسعود الدمشقي: أهلُ العراق يقولون: عن مالك بن بحينة، وأهلُ الحجاز قالوا: يقولون في نسبه: عبد الله بن مالك بن بُحينة، وهو الأصح. و ((بُحينة)): أم عبد الله، قال أبو عمر بن عبد البرّ: إن بحينةَ اسمُ أم أبيه مالك. والأول أصحُ وأثبت. ولعبد الله ولأبيه مالك صحبة. ٣٥٢ (٣) كتاب الصلاة - (٩٧) باب: ما يقول عند دخول المسجد (٩٧) باب ما يقول عند دخول المسجد، والأمرِ بتحيَّهِ [٥٩٥] عن أبي حُمَيْدٍ، أو عن أبي أُسَيْدٍ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: (إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ، فليقلْ: اللَّهُمَّ افتح لي أبوابَ رحمتِكَ، وإذَا خرَج، فليقلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ)). رواه أحمد (٤٢٥/٥)، ومسلم (٧١٣) (٦٨)، وأبو داود (٤٦٥)، والنسائي (٥٣/٢)، وابن ماجه (٧٧٢). [٥٩٦] وعن أبي قتادة - صاحب رسولِ الله وَّهــ، قالَ: دخلتُ المسجدَ ورسولُ اللهِ وَ لِّ جالسٌ بينَ ظَهْرَانَي النَّاس. قالَ: فجلستُ - فقالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((مَا مَنَعَكَ أنْ تركعَ ركعتينٍ قَبْلَ أَنْ تجلسَ؟)) قالَ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! رأيتُك جالِساً والنَّاسُ جلوسٌ. قالَ: «فإذَا دخلَ أحدُكم المسجدَ، فلا يجلسْ حتَّى يَرْكَعَ رَكعتينِ». رواه أحمد (٣٠٥/٥ و٣١١)، والبخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، (٧٠)، وأبو داود (٤٦٧ و٤٦٨)، والترمذي (٣١٦)، والنسائي (٥٣/٢)، وابن ماجه (١٠١٣). (٩٧) ومن باب: ما يفعل عند دخول المسجد (قوله: ((إذا دخل أحدُكم المسجدَ فليركع ركعتين قبل أن يجلس))) عامَّةُ العلماء: على أنَّ هذا الأمرَ على النَّدب والتَّرغيب. وقد ذهب داودُ وأصحابه: إلى أنَّ ذلك على الوجوب. وهذا باطلٌ، ولو كان الأمرُ على ما قالوه لحرم دخولُ المسجد على المُحدِث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائلَ به، وإنما الخلافُ ٣٥٣ (٣) كتاب الصلاة - (٩٧) باب: ما يقول عند دخول المسجد في دخول الجُنُب، فإذا جاز دخولُ المسجد على غير وضوءٍ لزم منه: أنه لا يجبُ عليه تحيّتُه عند دخوله؛ إذ لو كان ذلك للزمه أن يتوضَّأ عند إرادة الدُّخول، فإن قيلَ: الخطاب بالتحية لمن كان متوضّاً، قُلنا: هذا تحكّم، وعُدولٌ عن الظَّاهِر بغير دليل؛ فإنه متوجّه لداخل المسجد، فيلزم ما ذكرناه. وقد عدَّها بعضُ أصحابنا في السنن. ثم هل يُحيِّي المسجد في أي الأوقات دخله؟ أو لا يُحِيِّيه في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها؟ قولان: الأول: لبعض أهل الظّاهِر، والثاني: للجمهور. فلا يحيي المسجد عندهم بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، غير أنَّ الشَّافعيَّ مَنَعَ منها حالةَ الطُّلوع، وحالة الغروب، وأجازها فيما قبل ذلك، بناءً منه على أنَّ أصلَه: في أنَّ كلَّ صلاةٍ يتعيَّن فِعْلُها بحسب سببها، فجائز فِعْلُها ما لم تطلعِ الشمسُ وما لم تغرب، وسيأتي الكلامُ على هذا الأصل. وسَبَبُ الخلافِ في تلك المسألة: اختلافُ ظواهر الأحاديث؛ إذ تعليقُ الأمر بالتحية على الدخول يقتضي فِعْلُها متى دَخَلَ المسجد، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاةَ بعد العصر وبعد الصبح))(١) يقتضي أَلَا تُفعل. وكذلك اختلفوا في تحية المسجد بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح: فقال بجواز ذلك: الشافعيُّ، وأحمد، وداود. وقال بالمنع: أبو حنيفة، واللّيث، والأوزاعي. واختلف عن مالك فيمن ركع ركعتي الفَجْر في بيته، هل يُحيِّي المسجد أو لا يُحيِّه؟ قولان عنه. وهذا الخلافُ فيمن أراد الجلوسَ في المسجد، فأما العابرُ فَخَفَّفَ فيه أكثرُهم. وهو قولُ مالك، ومنهم من أمره به، وهو قياسُ مذهبٍ أهل الظَّاهِر. واختلف قولُ مالك في تحية المسجد إذا صلِّيت العيدُ فيه، ورأى في مسجد مكّة تقديمَ الطَّواف على التحية، وفي مسجد المدينة تقديمَ التحية (١) رواه أحمد (٩٥/٣)، والبخاري (١٨٦٤)، ومسلم (٨٢٧)، والنسائي (٢٧٧/١ و ٢٧٨) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. ٣٥٤ (٣) كتاب الصلاة - (٩٧) باب: ما يقول عند دخول المسجد [٥٩٧] وعن جابر بن عبدِ الله، قالَ: كانَ لي على رسولِ اللهِ وَّل دَيْنٌ، فقضَانِي وزادَنِي، ودخلتُ عليه المسجدَ، فقالَ لي: ((صَلِّ رَكعتينٍ)). رواه أحمد (٣٠٢/٣ - ٣٠٨)، والبخاري (٢٣٩٤)، ومسلم (٧١٥). [٥٩٨] وعن كعب بن مالكٍ، أنَّ رسولَ الله وَّلِ كانَ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرِ إلا نَهاراً في الضُّحى، فإذَا قَدِمَ بَدأَ بالمسجدِ، فصَلَّى فيه ركعتينٍ، ثم جلسَ فيه . على السَّلام على النبي ◌َِّ، وقد وسَّع في ذلك أيضاً. وقال بعضُ أصحاب مالك: إنَّ مَن تكرّر عليه الدخول في المسجد تسقط عنه تحیُه، کمن کثر ترُّده إلى مكة من الحطَّابين وغيرهم، وكسقوط السجود عمّن كثرت تلاوتُه من القرآن، وسقوط الوضوء لمسّ المصحف للمتعلِّمين(١). و (قول جابر: كان لي على النََِّ﴿ِ دَيْن فقضاني، وزادني) هذا الدينُ هو ثمن البعير الذي كان النبيُّ وَّ﴿ اشتراه منه في رُجُوعه إلى المدينة مِن بعض أسفاره، وشَرَطَ عليه ركوبَه إلى المدينة، فلما بَلَغَها دَفَعَ له رسولُ اللهِ وَّهِ الجملَ والثمن، وزاده قيراطاً. وسيأتي في البيوع إن شاء الله تعالى. وكونه وَ﴿ ﴿ لا يَقْدَمُ من سفرٍ إلا نهاراً، إنما كان ذلك لأنه قد نَهَى أن يأتي (١) زاد في (ع) قوله: باب: ركعتين لمن قدم من سفر. والأولى حذفه؛ لأن السياق متّصل، والمعنى واحد. النهي عن طروق الأهل ليلاً ٣٥٥ (٣) كتاب الصلاة - (٩٨) باب: في صلاة الضحى رواه أحمد (٤٥٥/٣)، والبخاري (٤٦٧٧)، ومسلم (٧١٦)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والترمذي (٣١٠١)، والنسائي (١٥٢/٦). (٩٨) باب في صلاة الضحى [٥٩٩] عن عبدِ الله بن شقيقٍ، قالَ: قلتُ لعائشةَ: أكانَ النبيُّ لَله يُصلِّي الضُّحَى؟ قالتْ: لا، إلا أنْ يجيءَ من مَغِيبِهِ. رواه أحمد (١٧١/٦)، ومسلم (١٧) (٧٦)، والنسائي (٤/ ١٥٢). الرجلُ أهلَه طُروقاً، وقد نبّه على تعليله في حديث جابر فقال: ((يتخوَّنهم، ويطلب عثراتهم))(١). وفي حديث غيره: ((كي تستحدَّ المُغيَّية، وتمتشط الشَّعِثة))(٢). واقتصر هنا كعبٌ على ذكر وقت الضحى. وقد رواه أنس فقال: كان لا يطرقُ أهله، وكان يأتيهم غدوةً وعشيةً(٣). وكأنه كان أكثر قدومه في أول النهار ليبدأ بالصلاة في المسجد، فكان يتأخَّر حتى يخرجَ وقت النَّهي. والله أعلم. (٩٨) ومن باب: صلاة الضحى قد تقدَّم أنَّ الضُّحى صَدْرُ النهار، والصلاةُ الموقعةُ فيه هي المنسوبةُ إليه، وأول وقتها: خروج الوقت المنهيّ عنه، وآخره ما لم تَزُلِ الشمس، وأفضلُ وقتها إذا رَمِضَتِ الفِصالُ، وسيأتي. (١) رواه البخاري (٥٢٤٣)، ومسلم (٧١٥) من حديث جابر رضي الله عنه. (٢) رواه البخاري (٥٢٤٤)، ومسلم (٧١٥)، وأبو داود (٢٧٧٦)، والترمذي (١١٧٢). (٣) رواه البخاري (١٨٠٠)، ومسلم (١٩٢٨). ٣٥٦ (٣) كتاب الصلاة - (٩٨) باب: في صلاة الضحى [٦٠٠] وعن عائشةَ، أنَّها قالتْ: ما رأيتُ رسولَ الله ◌ِوَ لهل يُصلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قطُّ، وإِنِّي لأُسَبِّحُها، صلاة الضحى مشروعة ومندوبة وهذه الصَّلاةُ مشروعة، مندوبٌ إليها، مرغَّبٌ فيها، على ما يأتي بيانُه عند جمهور العلماء، وقد رُوي عن أبي بكر، وعمر، [وابن عمر](١)، وابن مسعود: أنهم كانوا لا يصلُّونها، وهذا إن صحَّ محمولٌ على أنهم خافوا أن تُتَّخَذَ سُنَّة، أو يظنّ بعضُ الجهال أنّها واجبة. وقولُ عمر (٢) وقد رأى الناس يصلّونها في المسجد: (بدعة))، يعني به: الاجتماع لها. وفِعْلها في المسجد. ويُحتمل أن یکونَ قولُه في الضحى: «بدعة) أي: حَسَنة، كما قال في قيام رمضان، وقد روي عنه: ما ابتدع المسلمون بدعةً أفضلَ من صلاة الضُّحى. وهذا منه نصٌّ على ما تأوَّلْناه. و (قول عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ رسولَ اللهِ ل﴿ يُصلِّي سُبْحَةَ الضحى قط) يعارضُه قولُها فيما روت عنها مُعاذة: أنه كان يُصلِّيها أربعَ ركعات، ويزيد ما شاء الله. واختلف في الجمع بينهما، فقيل: إنما نَفَتْ أن تكونَ رأته يُصلِيها بحضرتها، وغير حال قدومه من سَفَر، وحيث صلَّى أربعاً كان إذا قَدِم من سفر، كما جاء في حديث عبد الله بن شقيق أنها قالتْ: كان لا يُصلِّي الضحى إلا أن يجيءَ من مغیبه. وقال القاضي عياض: والأشبهُ عندي في الجمع بين حديثَيْها: أن تكونَ إنما أنكرتْ صلاةَ الضُّحى المعهودةَ حينئذٍ عند الناس على الذي اختاره جماعةٌ من السلف من صلاتها ثماني ركعات، فقد صلَّها كذلك خالد بن الوليد، فإنه وَلاّ إنما (١) ساقط من (م). (٢) كذا في الأصول، وفي مصنف ابن أبي شيبة (٤٠٦/٢)، وفتح الباري (٥٢/٣): ابن عمر . ٣٥٧ (٣) كتاب الصلاة - (٩٨) باب: في صلاة الضحى وإنْ كانَ رسولُ اللهِ﴿ لَيَدَعُ العَمَلَ وهو يُحِبُّ أنْ يعملَ به؛ خشيةَ أنْ يعملَ به النَّاسُ: فَيُفْرَضَ عليهم. رواه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨)، وأبو داود (١٢٩٣). [٦٠١] وعن مُعاذَة، أَنَّها سأَلَتْ عائشةَ: كم كانَ رسولُ اللهِوَل يُصلِّي الضُّحَى؟ قالت: أربعَ رَكَعاتٍ، ويزيدُ ما شاءَ. رواه أحمد (١٢٤/٦)، ومسلم (٧١٩) (٧٨)، وابن ماجه (١٣٨١). [٦٠٢] وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قالَ: ما أَخبرني أحدٌ أنَّه كان يُصلِّيها أربعاً كما قالت، ويزيدُ ما شاء. قلتُ: ويمكنُ أن يُقالَ: يحتملُ أن يكون الذي أنكرتْ ونَفَتْ أن يكونَ النبيُّ وَّهِ فَعَلَه؛ اجتماع النَّاس لها في المسجد وصلاتها كذلك، وهو الذي قال عنه عمر(١): إنه بدعة. و (قول عائشة: وإني لأسبِّحها) بالسين والباء بواحدة، وهي الروايةُ المشهورةُ، أي: لأفعلها. وقد وَقَعَ في الموطأ: ((لأستحبّها))(٢)، من الاستحباب، والأول أولى، وقد رُوي عنها: أنها كانت تُصلِّيها. و (قولها: وإن كان ليدعُ العملَ وهو يحبُّ أن يعملَ به خشيةَ أن يعملَ به تركها﴾ الناسُ فَيُفْرَضَ عليهم) أي: يظنّونه فَرْضاً للمداومة، فيجبُ على مَن يظنّه كذلك، المِداه المداومة على القُرب رحمة بالأمة كما إذا ظنَّ المجتهدُ حلَّ شيءٍ أو تحريمه وَجَبَ عليه العملُ بذلك، وقيل: إنَّ. النبيَّ ◌َ﴿ كان حُكْمِه أنه إذا ثَبَتَ على شيءٍ من أعمالِ القُرَب، واقتدى الناسُ به في ذلك العملِ فُرِضَ عليهم، كما قال في قيام رمضان، وسيأتي. (١) سبق أن الصحيح: ابن عمر. (٢) الذي في الموطأ المطبوع (١٥٢/١): لأسبحها. : ٣٥٨ (٣) كتاب الصلاة - (٩٨) باب: في صلاة الضحى رأى النبيَّ وَّهِ يُصلِّي الضُّحَى إلا أُمُّ هَانىٍ، فإنَّها حَدَّثَتْ أَنَّ النبيَّ نَِّ دخلَ بيتَها يومَ فتح مَكَّةَ، فصلَّى ثمانِي رَكَعاتٍ ما رأيتُه صَلَّى صَلاةَ قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أنَّه كانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجودَ. وفي روايةٍ: لا أدرِي أَقيامُه فيها أطولُ أم ركوعُه أم سجودُه. كلُّ ذلكَ منه مُتقارِبٌ. قالتْ: فلم أَرَهُ سَبَّحَها قَبْلُ ولا بَعْدُ. وفي روايةٍ: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - صَلَّى في بيتِها عامَ الفتحِ ثَمَانِي رَكَعاتٍ فِي ثَوْبٍ، قد خالفَ بينَ طَرَفَيْهِ. رواه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٣٣٦) في صلاة المسافرين (٨٠ و٨١ و٨٣)، وأبو داود (١٢٩٠ و١٢٩١)، والترمذي (٤٧٤)، والنسائي (١٢٦/١)، وابن ماجه (١٣٧٩). [٦٠٣] عن زيد بن أرقَم، قالَ: خرجَ رسولُ اللهِ وَلَه على أَهْلِ قُبَاءَ، عدد ركعات صلاة الضحى و (قول أم هانىء: إنه وَل﴿ل صلَّى الضُّحى يوم الفتح ثماني ركعات)) وفي حديث معاذ: أربع ركعات) يدلُّ: على أنها ليس لعددها حدٍّ محدود، وقد ذكر البزار عن أبي ذرِّ قال: قال رسولُ الله ◌ِوَله: ((إن صليتَ الضُّحى ركعتين لم تُكْتَبْ من الغافلين، وإن صَلَّيْتَ أربعاً كُتِبْتَ من العابدين، وإن صليتَ ستّاً لم يلحقْكَ ذنب، وإن صليتَ ثمانياً كُتِبْتَ من القانتين، وإن صَلَّيْتَ اثنتي عشرةَ بُنِّي لك بيتٌ في الجنة))(١). قال البزار: لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه. (١) رواه البزار (٦٩٤) كما في كشف الأستار. ٣٥٩ (٣) كتاب الصلاة - (٩٩) باب: الوصية بالضحى وهم يُصَلُّونَ، فقالَ: ((صَلاة الأَوَّابِينَ، إذا رَمِضَتِ الفِصَالُ)). رواه أحمد (٣٦٦/٤)، ومسلم (٧٤٨) (١٤٤). (٩٩) باب الوصية بالضُّحى، وأقله ركعتان [٦٠٤] عن أبي الدرداء، قالَ: أَوْصَاني حبيبي بثلاثٍ، ألا و (قوله: ((صلاةُ الأوابين إذا رَمِضَتِ الفِصال))) الأوّابون: جَمْعُ أوّاب، وهو مبالغةُ آيب، وهو من: آب إلى كذا، أي: رجع، ومنه قول تأبط شراً: فَأُبْتُ إِلى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيِبا أي: رجعت. فمعنى الأوابين هنا، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَقَّبِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: الرَّاجعين من الإساءة إلى الإحسان، على ما قاله قتادة. وقال مجاهد: التائبون. وابن عمر: المستغفرون. وقال ابنُ عباس: المسبّحون. وكلُّ ذلك متقارب. وأمّا الفصال، والفُصْلان: جمع فصيل، وهو الذي يُقْطَمُ عن الرَّضاعة من الإبل. وأما الرَّمضاء: شدَّةُ الحرِّ في الأرض. وخصَّ الفصلان هنا بالذكر؛ لأنها هي التي ترمضُ قبل انتهاء شدَّةِ الحر التي ترمضُ فيها أمهاتُها لقلَّة جَلَدِها، وذلك يكون في الضُّحى أو بعده بقليل، وهو الوقتُ المتوسّط بين طُلوع الشَّمس وزوالها. (٩٩) ومن باب: الوصية بالضُّحى وَصِيَّةُ النبيِنَّه لأبي الدَّرداء وأبي هريرة تدلُّ: على فضيلة الضُّحى، وكثرة ثوابه، وتأكُّده، ولذلك حافظا عليه ولم يتركاه، وقد بيَّنَّا: الخليل والخلّة في كتاب الإيمان. ٣٦٠ (٣) كتاب الصلاة - (٩٩) باب: الوصية بالضحى أَدَعَهُنَّ ما عِشْتُ، بصيام ثلاثة أيامٍ من كلِّ شَهْرٍ، وصَلاةِ الضُّحَى، وبألّا أنامَ حتَّى أُوتِرَ. رواه أحمد (٦/ ٤٤٠)، ومسلم (٧٢٢)، وأبو داود (١٤٣٣). [٦٠٥] وعن أبي هريرةَ، قالَ: أوصاني خليلي نَّهِ بِثَلاثٍ: بصيامِ ثلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأَنْ أُوترَ قبلَ أنْ أَرْقُدَ. رواه أحمد (٢٣٣/٢ و٢٥٨)، والبخاري (١١٧٨)، ومسلم (٧٢١)، وأبو داود (١٤٣٢)، والترمذي (٧٦٠)، والنسائي (٢٢٩/٣). [٦٠٦] وعن أبي ذَرٍّ، عنِ النبيّ وَّ أنَّه قالَ: ((يُصْبِحُ عَلى كُلِّ سُلامَىْ مِن أحدِكُم صدقةٌ، فكلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وكلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وقد عاب بعضُ الطَّاعنين على أبي هُريرة قوله: خليلي، في النَّبِيِنَّه بناءً منه على أنَّ النبيَّ نَّه لم يَتَّخَذْه ولا أحداً من الخلق خليلاً، وهذا إنما وَقَعَ فيه قائلُه ظنّاً أن ((خليل)» بمعنى: مخالل. من المخاللة التي لا تكونُ إلا من اثنين، وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ خليلاً مثل حبيب، لا يلزمُ فيه مِنَ المفاعلة شيء؛ إذ قد يُحَبُّ الكارِهِ. و (قوله: ((ركعتي الضُّحى))) يُشْعِرُ بأنَّ أقلَّه ركعتان، وسيأتي الكلامُ على الوتر . و (قوله: ((يصبحُ على كلِّ سُلامى من أحدكم صَدَقَةٌ))) أصلُ السُّلامى؛ بضم السين: عظامُ الأصابع والأكف والأرجل، ثم استُعْمِلَ في سائر عظام الجسد ومفاصله، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: ((خُلِقَ الإنسانُ على ستين وثلاثمئة مفصل، ففي كلِّ مفصل صدقة))(١) وسيأتي. (١) رواه أحمد (٣٥٤/٥ و٣٥٩)، ومسلم (١٠٠٧) من حديث عائشة رضي الله عنه.