النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس بعثَ براويتها، فشربنا ونحنُ أربعونَ رَجُلاً عِطَاشٌ حتَّى رَوِينا، ومَلَُّنا كلَّ قِرْبَةٍ معنَا وإدَارةٍ، وغَسَّلْنَا صَاحِبَنَا، غيرَ أنَّا لم نَسْقِ بعيراً، وهي تكادُ تنضرجُ مِن الماءِ (يعني المزادتينِ) ثم قالَ: ((هَاتُوا مَا كانَ عِنْدَكم)) فجمعنا لها من كِسَرٍ وتَمْرٍ، وصرَّ لها صُرَّةً فقالَ لها: «اذهبي فأطعمِي هذا عِيَالَكِ، واعْلَمي أنَّا لم نَرْزَأْ مِنْ مَائِكِ)). فلمَّا أتتْ أهلَها قالتْ: لقد لقيتُ أَسْحَرَ البَشَرِ، أو إنَّه لنبيُّ كما زَعَم، كانَ من أمره ذَيْتَ وذَيْتَ. فهدَى اللهُ ذاكَ الصِّرْم بتلكَ المرأةِ، فأسلمتْ وأسلمُوا. وفي روايةٍ: كَّا مع رسولِ الله وَّ في سفرٍ، فَسَرَيْنا ليلةً حتى إذا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ، قُبِيلَ الصُّبْح، وقعْنَا بتلكَ الواقعةِ التي لا وقعةَ عندَ المسافرِ أحلَى منها. فما أيقظَنا إلا حَرُّ الشَّمْس. وفيها: فلما استيقظَ عمرُ ورأى ما أصابَ النَّاسَ، وكانَ أجوفَ و (قوله: ((وغسَّلنا صاحِبَنا))) أي: أعطيناه من الماء ما يغتسلُ به. وهو مشدَّدُ السین. و (قوله: ((وهي تتضرجُ من الماء))) كذا عند ابن ماهان بتاءين وبمن، وعند الجماعة: تنضرج بالماء، وهي بمعنى واحد، أي: تقاربُ أن تنشقَّ من الامتلاء. و ((لم نرزا)) أي: لم نَتْقُصْ، ومنه قولهم: ما رزاتُه ذبالاً، أي: ما نقصتُه. و ((ذيت وذيت))) أي: كيت وكيت. وهو كنايةٌ عن حديثٍ معلوم. و ((الصِّرم))) بكسر الصاد. قال يعقوبُ: هو أبياتٌ مجتمعةٌ. ولا يخفى ما تضمَّنه هذا الحديثُ من الأحكامِ ومن معجزاتِ النَّي ◌ِّر، وأن حديثَ عمران بن حصين نازلةٌ أخرى غير ما تضمَّنه حديثُ أبي قتادة. ٣٢٢ (٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس جلِيداً، فكبَّرَ ورفعَ صوتَه بالتَّكبيرِ، حتَّى استيقظَ رسولُ اللهِ وَّهِ لِشِدَّةِ صوتِهِ، فلمَّا استيقظَ رسولُ الله شَكَوْا إليه الذي أصَابَهم. فقالَ رسولُ اللهِ وَلته: ((لا ضَيْرَ! ارتحلُوا)). واقتصَّ الحديثَ. رواه أحمد (٤٣٤/٤)، والبخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢). و (قوله: ((لا ضَيْرِ))) أي: لا ضَرَر. وقد تقدَّم في كتاب الإيمان. ٣٢٣ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر (٨٩) باب ما جاء في حكم قَصْرِ الصلاة في السفر [٥٦٨ م] عن عروة، عن عائشة، قالتْ: فرضَ الله الصَّلاةَ - حينَ فَرَضَها - ركعتين، ثم أَتَّمَّها في الحَضَرِ، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ على الفريضةِ الأُولى. -- (٨٩) ومن باب: حكم قصر الصلاة في السفر (قول عائشة رضي الله عنها: فرضَ اللهُ الصَّلاةَ حين فرضها ركعتين صلاة السّفر ركعتين (١)) الحديثُ مخالفٌ لفعلها، فإنها كانتْ تُتِمُّ في السّفر. ومخالفٌ لما قاله ركعتان غيرُها من الصَّحابة رضي الله عنهم، كعمر، وابن عباس، وجُبير بن مطعم؛ فإنهم قالوا: إنَّ الصلاةَ فُرِضَتْ في الحضر أربعاً، وفي السَّفر ركعتين، كما رواه مسلمٌ عن ابن عباس(٢). ويخالفُ أيضاً ظاهِرَ الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] مع قوله ێے و قد سُئِل عن ذلك فقال: ((صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) كما يأتي في حديث يعلى(٣)، وقد رامَ بعضُ المتأخرين الجمعَ بين حديث عائشة وبين حديث (١) في مسلم والتلخيص: ركعتين، والتكرار في مسند أحمد. (٢) انظر: التلخيص (٥٦٩). (٣) انظر: التلخيص (٥٧٠). ٣٢٤ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر ابن عباس، فقال: يُحْمَلُ حديثُ عائشة على أول الأمر؛ وحديثُ ابن عباس على الذي استقرَّ عليه الفرضان، وهو تحكّم؛ مع أنه بقي عليه العذرُ عن مخالفتها هي، وعن معارضةٍ ظاهرٍ الكتاب. ثم نقولُ: لو كان الأمرُ على ما ذكرَتْهُ عائشةُ؛ لاستحال عادةً أن تنفردَ بنقلِ ذلك عائشة؛ فإنه حُكْمٌ يَعُمُّ الناسَ كلَّهم فيشيع، وتنقله الكافَّةُ من الصَّحابة والعدد الكثير منهم؛ ولم يُسْمَعْ ذلك قطَّ مِن غيرها من الصَّحابة، فلا معوَّلَ عليه، والله أعلم. فإن قيل: فلعلَّ ذلك كان في أول مشروعيةِ الصَّلاة، ولم يستمرَّ ذلك الحكمُ فلا يلزمُ الإشاعة. قلنا: ذلك باطلٌ؛ لأنَّ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها لعلّها لم تكن موجودةً في ذلك الوقت؛ فإن أولَ مشروعية الصَّلاة إنما كانتْ حين الإسراء، وقد ذكرنا وقتَ ذلك في كتاب الإيمان. وإن كانتْ موجودةً إذ ذاك فلم تكنْ ممن يُميُِّ ولا يعقلُ لصغرها. حكم القصر في السفر واختلفَ في حُكْم القَصْر في السَّفَر: فروي عن جماعةٍ أنه فَرْض، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والكوفيين، وإسماعيل القاضي. وحكى ابنُ الجهم: أنَّ أشهب روى عن مالك: أن القصرَ فرض. ومشهورُ مذهب مالك، وجلِّ أصحابه، وأكثر العلماء من السلف والخلف: أن القصرَ سُنَّة. وهو قولُ الشافعي. ومذهب عامة البغداديين من أصحابنا: أنَّ الفرضَ التخييرُ. وهو قولُ أصحاب الشافعي. ثم اختلف أصحابُ التَّخيير: في أيّهما أفضل؟ فقال بعضُهم: القصرُ أفضل. وهو قولُ الأبهري(١) مِن أصحابنا وأكثرهم، وقيل: إن الإتمامَ أفضلُ. ويحكى عن الشافعي. (١) هو الإمام القاضي المحدِّث شيخ المالكية: أبو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد التميمي الأبهري، توفي عام (٣٥٧ هـ). (سير أعلام النبلاء ٣٣٢/١٦). ٣٢٥ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر وسببُ الخلافِ: اختلافُ الأحاديث في ذلك كما سيأتي. وقد تأوَّلَ القائلون: بأن القَصْرَ ليس بفرض، حديثَ عائشة وحديثَ ابن عباس: أن الفرض(1) فيهما بمعنى التَّقدير، وهو أصلُه في اللغة؛ فيكون معناه أنَّ اللهَ تعالى قدَّر صلاةَ المسافر بركعتين عَدَداً؛ كما قدَّر صلاةَ الحضر أربعَ ركعات على ما في حديثٍ ابن عباس. وعلى أيٍّ وجه يكونُ هذا التقدير، على حُكْم الوجوب أو السُّنة؟ ذلك يُؤخذ من دليلٍ آخر؛ وقد دلَّتْ أدلّةٌ كثيرةٌ على أنه ليس بواجب. منها: حديث عمر؛ حيث قال له: ((صدقةٌ تصدَّق اللهُ بها عليكم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). وقد روى النَّسائيُّ من حديث عائشة، وهو صحيحٌ: أنَّ عائشةَ اعتمرتْ مع رسول الله وَ لتر من المدينة إلى مكّة، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله ! - بأبي أنت وأمي - قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ؟ فقال: ((أحسنتِ يا عائشة)! وما عابه عليَّ(٢). وهكذا قيّدته بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين؛ وكذلك دلَّ قولُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١] فإذا تقرَّر أنه ليس بواجب، فهل هو سُنَّةٌ أم لا؟ قلنا: هو سُنَّةٌ دلّ عليه مداومَتُه وَّر على القصر. واستمرار عملِ الخلفاء على ذلك وأكثر الصّحابة. نوع ثم اختلفوا في السَّفر الذي تُقْصَرُ فيه الصَّلاة: فذهب عامَّةُ العلماء إلى جَوازه السّفر الذي في كلِّ سفرٍ مُباح، ومَنْعِه في سَفَر المعصية. وهو قولُ مالك، والشَّافعي، والطّبري وأصحابهم. وذهب أبو حنيفة، وأصحابُه، والثَّوري: إلى جَوازه في كلِّ سفر: وقَدْراً طاعةً كان أو معصية. وهو روايةٌ شاذَّة عن مالك. وذهب داود: إلى أنه لا يجوزُ إلا في سفرِ الحج والعُمرة، والغزو، لا في غيرها. ورُوي ذلك عن ابن مسعود. واختلفَ عن أحمد بن حنبل: فمرةً قال بقول مالك، ومرة قال: لا يقصرُ إلا في تُقصر فيه الصلاة نوعاً (١) في (ع) و(م) و (ط): القصر، والتصحيح من (ظ) وإكمال إكمال المعلم (٣٤٥/٢). (٢) رواه النسائي (١٢٢/٣). ٣٢٦ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر حجّ أو عُمرة. وقال عطاء: لا يقصرُ إلا في سبيلٍ من سُبُل الله، والصَّحيحُ: المذهبُ الأول؛ لأنَّ القصرَ إنما شُرع تخفيفاً عن المسافر للمشقَّات اللاحقةِ فیه، ومعونةً له على ما هو بصدده مما يجوزُ، وكل الأسفار في ذلك سواء؛ وأما سفرُ المعصية فلا يُتْرَخَّصُ فيه بالقصر ولا بالفطر؛ لأنَّ ذلك يكونُ معونةً له على معصية؛ واللهُ تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَ اَلْبِّ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢] . - واختلفوا في قَدْرِ السّفر الذي تُقْصَرُ فيه الصَّلاةُ. فقال داود: تُقْصَرُ في كلِّ سفر قصيرٍ أو طويلٍ، ولو كان ثلاثة أميال في سَفَر الطاعة؛ وكافة [العلماء على أنّ](١) القصر إنما شُرع تخفيفاً، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحقُ فيه المشقة غالباً؛ واختلفوا في تقديره: فذهب مالك، والشَّافعي، وأصحابُهما، والليثُ، والأوزاعي، وفقهاءُ أصحاب الحديث: إلى أنها لا تُقْصَرُ إلا في اليوم الَّامِ؛ وقول مالك: يوم وليلة؛ راجعٌ إلى اليوم التَّام، وهو قولُ ابن عباس، وابن عمر، وقدَّره مالك: بثمانية وأربعين ميلاً؛ والشافعي، والطبري: بستة وأربعين ميلاً، وهو أمرٌ متقارب. والتفتَ هؤلاء إلى أقلّ ما سمَّاه رسولُ الله واليوم سفراً؛ فإنه وَله قال: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر تسافرُ مسيرةَ يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها))(٢). ومسيرةُ يوم وليلة هو مسيرةُ اليوم التام؛ فإنَّ عادتَهم في أسفارهم أن يقيلوا بالنَّهار، ويسيروا بالليل، ولأنَّ مسيرةَ يوم تام لا يمكِّنُ الخارجَ من منزله الرجوع إليه [من يومه] (٣) ويبيت ضرورةً عنه؛ فخرج عن القرار (١) ساقط من (ع). (٢) رواه أحمد (٣٤٠/٢)، والبخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩)، وأبو داود (١٧٢٣ - ١٧٢٥)، والترمذي (١١٧٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) ساقط من (ع). ٣٢٧ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر قال الزهريُّ: فقلتُ لعروةَ: ما بالُ عائشةَ تُتِمُّ في السَّفَرِ؟ قالَ: إنَّها تَأَوَّلتْ مَا تَأَوَّلَ عثمانُ. رواه أحمد (٢٣٤/٦ و٢٤١)، والبخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥) (١ و٣)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (٢٢٥/١). في السَّفر. وقال الكوفيون: لا يقصرُ في أقلّ من مسيرة ثلاثة أيام. وهو قولُ عثمان، وابن مسعود، وحذيفة. وقال الحسنُ، وابنُ شهاب: يقصرُ في مسيرة يومين. وأولاها: القول الأوّل، والله تعالى أعلم . .. و (قول عمر: ((إنها تأوّلتْ ما تأوَّلَ عثمان))) اخْتُلِفَ في تأويلِ إتمام عائشة تأويل إتمام وعثمان في السفر على أقوال. وأولى ما قيل في ذلك: أنهما تأوّلًا: أن القصرَ عائشة الصلاة رُخصةٌ غير واجبة، وأخذا بالأكمل. وما عدا هذا القول: إما فاسِد، وإما بعيد. في السّفر ولنذكر ما قيل في ذلك. فمنها: أن عائشةَ تأوَّلتْ أنها أمّ المؤمنين؛ فحيث حلَّتْ نزلتْ في أهلها وولدها. وهذا يبطلُ بما بين المنزلتين من المسافات البعيدة، فإنها كانت تُتِمُّ فيها وهي على ظهر سَفَر. ومنها: أنها كانت لا تَرَى القَصْر إلا في الحِّ والعُمرة والغزو. وذلك باطلٌ؛ لأن ذلك لم يُنقل عنها، ولا عُرِف من مَذْهَبِها، ثم قد أتمتْ في سفرها إلى علي(١) رضي الله عنهما. ومنها: أنها حيث أتمت لم تكن في سَفَرِ جائز. وهذا باطلٌ قَطْعاً، فإنها كانت أتقى لله؛ وأخوف؛ وأطوُ من أن تخرجَ في سفر لا يرضاه اللهُ تعالى. وهذا التأويلُ عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة، وتشنيعاتهم عليها: ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وإنما خرجتْ - رضي الله عنها - مجتهدةً محتسبةً في خروجها، تريدُ أن تطفىء نار الفتنة، ثم خرجتِ الأمورُ عن الضَّبط؛ وأقلّ درجاتها أن تكونَ ممن قال فيها رسول الله إِ ليه: (إذا اجتهدَ الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإن أخطأً فله أجر))(٢). (١) أي: في موقعة الجمل. (٢) رواه أحمد (٢/ ١٨٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ٣٢٨ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر [٥٦٩] وعن ابن عَبَّاس، قالَ: فرضَ اللهُ الصَّلاةَ على لسانِ نَبِيِّكُم في الحَضَرِ أربعاً، وفي السَّفَرِ ركعتينٍ، وفي الخَوْفِ ركعةً. رواه أحمد (٢٣٢/١)، ومسلم (٦٨٧) (٥)، وأبو داود (١٢٤٧)، والنسائي (١١٨/٣ -١١٩)، وابن ماجه (١٠٧٢). وقد ذكرنا من حديث النَّسائي عن عائشة ما يُبيِّن: أنَّ المعنى الذي لأجله أتمتْ في السّفر؛ إنما هو ما اخترناه أوّلاً . تأويل إتمام عثمان الصلاة في السفر وأما عثمانُ فقد تؤول له: أنه كان إمامَ الناس؛ فحيث حلَّ فهو منزله. وهذا يردُّه: أنَّ النبيَّ ◌َ ليل كان أولى بذلك، ومع ذلك فلم يفعلْه. ومنها: أنه كان معه أهلُه بمكة. وهذا يردُّه: أنَّ النبيَّ وَ﴿ُ سافَرَ بزوجاته وكُنَّ معه بمكة ومع ذلك فقصر. ومنها: أنه إنما فَعَل ذلك من أجل الأعراب لئلا يظنُوا أن فَرْض الصلاة أبداً ركعتان. وهذا يردُّه: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان أولى بذلك ولم يفعلْه. ثم قد عَلِمَ الأعرابُ والكلُّ مِنَ المسلمين: أنَّ الصلاة في الحَضَر أربع، ومن جَهِلَ ذلك مِن قُرْب عهدٍ بالإسلام نادرٌ قليل، لا تُغَيِّرُ القواعدُ لأجله. ومنها: أنَّ عثمانَ أزمعَ على المقام بمكة بعد الحج، ويردُّه: أن المقامَ بمكة للمهاجر أكثر من ثلاث ممنوع (١). ومنها: أنه كان لعثمان بمنى أرض ومال فرأى أنه كالمقيم. وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ لم يقلْ أحدٌ: إنَّ المسافرَ إذا مرَّ بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل حُكْمه حُكْم المقيم. والوجهُ ما ذكرناه أولاً . کم رکعة صلاة الخوف؟ و (قول ابن عباس: وفي الخوف ركعة) ذهبَ جماعةٌ من السَّلفِ إلى ظاهر هذا، فقالوا: صلاةُ الخوف ركعةٌ واحدة عند الشدَّة. وهو قول إسحاق. قال: أما عند الشدة فركعة واحدة يُومِىء بها إيماءً، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر (١) زاد في (ع): محرّم. انظر: المفهم، كتاب: الجهاد، باب: لا هجرة بعد الفتح، والتمهيد (١٨٥/١١). ٣٢٩ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر [٥٧٠] وعن يَعلى بن أُميَّةَ، قالَ: قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ بُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْهُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١] فقد أَمِنَ النَّاسُ! فقالَ: عجبتُ مِمَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ وَله عن ذلكَ، فقالَ: ((صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عليكم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ)). رواه أحمد (٢٥/١)، ومسلم (٦٨٦) (٤)، وأبو داود (١١٩٩)، والترمذي (٣٠٣٧)، والنسائي (١١٦/٣). [٥٧١] وعن حفص بن عاصم بن عمرَ بن الخَطَّابِ، عن أبيه، قالَ: صحبتُ ابنَ عمرَ في طريقٍ مَكَّةَ، قَالَ: فصلَّى لنا الظُّهْرَ ركعتين، ثم أقبلَ وأقبلْنَا معه حتى جاءَ رَحْلَهُ وجلسَ وجلَسْنا معه، فَحَانَتْ منه الْتِفَاتَةُ نَحْوَ فتكبيرة. وقال الضحاك: إن لم يقدر على ركعةٍ فتكبيرتان. وقال الأوزاعي: لا يجزئه التّكبير. وقال قتادة والحسن: صلاةُ الخوف ركعةٌ ركعةٌ لكلِّ طائفةٍ من المأمومين، وللإمام ركعتان، وسيأتي القولُ في صلاة الخوف. و (قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء: ١٠١]) يعني به: القصر في عدد القصرَ من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله وَ لفيه: ((صدقة تصدَّق الركعات، الله بها عليكم)) عندما سُئِلٍ عن قَصْرها مع الأمن، فكان قولُه ذلك تيسيراً وتوقيفاً وبتغيير الهيئات على أن الآية مُتضمِّنة لقصر الصَّلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصرُ مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به: إنما هو إلغاءُ شرطٍ الخوف في قَصْر عدد الركعات مع الأمن. وعلى هذا فيبقى اعتبارُ الخوف في قَصْر الهيئات على ما يأتي. وقد أكثرَ الناسُ في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. ((والجناح)): الحرج. وهذا يُشعرُ أن القصرَ ليس واجباً لا في السفر ولا في الخوف؛ لأنه لا يقالُ في الواجب: لا جناحَ في فعله. ٣٣٠ (٣) كتاب الصلاة - (٨٩) باب: ما جاء في حكم قَصْر الصلاة في السفر حيثُ صلَّى، فرأى نَاساً قياماً فقالَ: ما يصنعُ هؤلاء؟ قلتُ: يُسَبِّحُونَ، قالَ: لو كنتُ مُسَبِّحاً لأتممتُ صَلاتي، يا بنَ أخي، إنِّي صَحِبْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ فِي السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على ركعتينِ حتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وصحبتُ أبا بكرٍ فلم يزدْ على ركعتينٍ حتَّى قبضَه اللهُ، وصحبتُ عمرَ فلم يزد على ركعتينٍ حتَّى قبضه الله، ثم صحبتُ عثمانَ فلم يزدْ على ركعتين حتى قبضَه الله، وقد قالَ الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسُّوَةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١]. التنفُّل في السفر و (قوله في حديث ابن عمر: يُسبِّحون) أي: يصلُّون سُبحة الضحى، أو غيرها من النَّوافل، والسُّبحة: صلاة النافلة. قال الهروي: تُسمَّى الصلاةُ تسبيحاً، ومنه: ﴿فَلَوْلَا أَنَّمُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] أي: من المصلِين؛ و (قول ابن عمر: ((لو كنت مسبِّحاً لأتممتُ))) ظاهِرُ هذا: أنَّ ابن عمر كان يمنعُ من التنفُّل في السَّفر ليلاً ونهاراً؛ هكذا نَقَل أهلُ الخلاف عنه؛ وحُكي عنه: أنه مَنَعَهُ بالنهار، وجوَّزه بالليل؛ لقوة أَمْر القيام بالليل؛ إذ كان فَرْضاً. وعامةُ العلماءِ على جَوازه، وقد روى جابرٌ وغيره: أن النّبِيِنَّهِ ((كان يتنفَّلُ في السفر على راحلته، وبالأرض ليلاً ونهاراً))(١). و (قوله: إن النبيَّ وَ ل﴿ والخلفاء كانوا يصلّون ركعتين لا يزيدون) هو محمولٌ: على أنهم ما كانوا يتنفّلون رواتبَ الفرائض في السَّفر، لا قبل الفرض، ولا بعده، وأما في غيرِ ذلك فقد روى جابرٌ وعليّ بن أبي طالب أنَّ النبي ◌َِّ ((كان يتنفَّل في السفر ليلاً ونهاراً». و (قوله: (ثم صحبتُ عثمانَ فلم یزد علی رکعتين حتى قبضه الله») قد روي (١) رواه البخاري (١٠٩٤). ٣٣١ (٣) كتاب الصلاة - (٩٠) باب: من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه رواه البخاري (١١٠١)، ومسلم (٦٨٩) (٨)، وأبو داود (١٢٢٣)، والترمذي (٥٤٤)، والنسائي (١٢٢/٣ و١٢٤)، وابن ماجه (١٠٧١)٨ (٩٠) باب من أين يبدأ بالقصر إذا خرجَ من وطنه، واستمراره على القصر ما لم ينو إقامة [٥٧٢] عن أنس بن مالكِ، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ صَلَّى الظهرَ بالمدينةِ أَرْبَعاً، وصَلَّى العصرَ بذي الحُلَيْفَةِ ركعتينٍ. رواه أحمد (١٧٧/٣ و١٨٦)، والبخاري (١٠٨٩)، ومسلم (٦٩٠) (١٠)، وأبو داود (١٢٠٢)، والترمذي (٥٤٦)، والنسائي (٢٣٤/١). عنه في الحديث الآتي بعد هذا أنه قال: ((ومع عثمان صَدْراً من خلافته ثماني سنين أو ست سنين))(١) ووجهُ التَّلفيق: أنَّ ابنَ عمر إنما أخبرَ عن عثمان في سائر أسفاره في غير منى؛ لأنَّ إتمامَ عثمان إنما كان بمنى على ما فسَّره عمران بن حصين، وكذا قال ابن حبيب. و ((الأسوة)): القدوة. (٩٠) ومن باب: مِن أين يبدأ بالقَصْرِ؟ (قول أنس: إنَّ رسولَ اللهِوَ لَّهِ صلَّى الظهرَ بالمدينة أربعاً وصلَّى العصرَ بذي الحُليفة ركعتين) هذا كان وقد أزمعَ وَّهِ على سَفَره إلى مكّة؛ والظاهِرُ: أنه كان في حَجَّته، وبين ذي الحُليفة والمدينة نحو من ستة أميال، وقيل: سبعة. واختلفَ (١) انظر الحديث في التلخيص (٥٧٥). ٣٣٢ (٣) كتاب الصلاة - (٩٠) باب: من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه [٥٧٣] وعن يَحيى بن يَزِيد الهُنَائِيِّ، قالَ: سألتُ أنسَ بنَ مالك عن قَصْرِ الصَّلاةِ فقالَ: كانَ رسولُ اللهِوَّهِ إذا خرجَ مَسِيرة ثلاثةِ أميالٍ، أو ثَلاثَةِ فَرَاسِخَ (شُعْبَةُ الشَّاكُ) صَلَّى ركعتينِ. رواه أحمد (١٩٠/٣)، ومسلم (٦٩١)، وأبو داود (١٢٠١). [٥٧٤] وعن أنس، قالَ: خرجنا مع رسول الله وَّهِ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ فَصَلَّى ركعتينٍ ركّعتينٍ، حتَّى رجعَ، قلتُ: كم أقامَ بمكَّةَ؟ قالَ: عَشْراً. في الموضع الذي يبدأُ منه بالقصر المسافرُ؛ فذهب جمهورُ السَّلف والعلماء: إلى أنه إذا خرجَ من بيوتِ المدينة قَصَر، وإذا دَخَلها راجعاً من سفره أتمَّ. ومحصولُ مشهورِ مذهبٍ مالك هذا؛ ورُوي عنه: أنه لا يقصرُ حتى يجاوزَ ثلاثةَ أميال؛ إن كانت القريةُ مما تُجْمَعُ فيها الجمعة؛ فإذا رجع أتمَّ من هناك. ورُوي عن عطاء وغيره وجماعة من أصحاب عبد الله: أنه إذا أراد السَّفر قصر قبل خروجه. ورُوي عن مجاهد: لا تَقْصِرْ إذا خرجتَ يومَك إلى الليل. ولم يوافقه أحدٌ على هذا؛ والصَّحيح: مذهبُ الجمهور. وفي حديث أنس ما يردُّ قولَ عطاء ومَن قال بقوله، وقول مجاهد؛ فإنه قَصَرَ بعدما فارق المدينة وقبل الليل؛ فكان ذلك ردّاً لقولهما. القصر في السفر القصير و (قوله: كان رسولُ اللهِوَ﴿وإذا خرجَ مسيرةَ ثلاثةِ أميال، أو ثلاثة فراسخ) ربما تمسَّك به بعضُ الظاهرية وبحديث ذي الحليفة على: أنَّ مَن نوى سَفَراً قصيراً ولم يبلغْ يوماً تاماً: أنه يقصُر، ولا حُجَّة له فيه؛ لأنه مشكوكٌ فيه؛ فلا يُوثق لا بالثلاثة أميال، ولا بالثلاثة فراسخ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما مشكوكٌ فيه؛ وعلى تقدير أحدِهما: فلعلَّه حدَّدَ المسافةَ التي بدأ منها القصر؛ وسَفَرُه بعد ذلك كان أزيدَ مدة قصر بالمقدار الذي حكيناه عن الجمهور. والله تعالى أعلم. و (قول أنس: إنَّ النبيَّ ◌َله أقام بمكّة عشراً يصلِّي ركعتين ركعتين) تمسَّك المسافر إذا نوى الإقامة ٣٣٣ (٣) كتاب الصلاة - (٩٠) باب: من أين يبدأ بالقصر إذا خرج من وطنه رواه أحمد (١٨٧/٣ و٢٨٢)، والبخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣) (١٥)، وأبو داود (١٢٣٣)، والترمذي (٥٤٨)، والنسائي (١٢١/٣)، وابن ماجه (١٠٧٧). به بعضُ مَن قال: إن المسافرَ إذا نوى إقامةَ عشرة أيام قَصَر، فإن نوى زيادةً عليها أتم، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن عباس في أحدٍ قولیه. وقد كثر اختلافُ الناس في هذه المسألة: فقيل عن ربيعة: إذا نوى إقامةً يوم وليلة أتمّ. ورُوي عن سعيد بن المسيّب: إذا نوى إقامةَ ثلاثة أيام أتمَّ. ورُوي عن جمهور أئمة الفتوى: إذا نوى إقامةَ أربعةِ أيام بلياليها أتمَّ. ورُوي عن أحمد، وداود: إذا نوى زيادةً على أربعة، ويقصر في الأربعة. وروي: زيادة على عشرة عن من ذكرنا. وروي: اثنا عشر عن ابن عمر في أَحَد قولَيْه، وعن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيِّب. ورُوي عن الأوزاعي: ثلاثة عشر، وهو قولُ الكوفيين. وروي عن الليث: أنَّه إذا زاد على خمسة عشر يوماً أتمَّ. وروي عن ابن عباس: يُتُمُّ فيما زادَ على سبعة عشر. وروي: تسعة عشر. ورُوي عن أحمد يقصرُ إذا نوى إقامةَ أحد وعشرين، ويتمُّ فيما زاد اعتماداً على إقامةِ النَّبِي ◌َّ بمكة، فإنه خَرَجَ صبيحةَ الثامن من يوم التَّروية. وقال داود: في عشرين صلاة ويتمُّ إذا زاد، ونحو هذا لابن الماجشون. ورُوي عن الحسن: أنه يقصرُ أبداً إلا أن يَقْدَم مِصْراً من الأمصار. قال القاضي عياض: وأكثرُ اختلافهم في هذا مبنيٌّ على مدّة إقامةِ النبيِ وَ﴿ وتقصيرِه في حَجَّته؛ فإنه دخلَ مكَّة صبحَ رابعة من ذي الحجَّة، وخرج صُبْحَ أربعة عشر على ما تظاهرتْ به الروايات؛ لكنَّ بعضَ شيوخنا قال: كان شارفَ مكَّة في اليوم الثالث فقصرَ عنها، وبات بذي طوى حتى صلَّى الصُّبح، ثم دخل نهاراً، والنهارُ لا اعتدادَ ٣٣٤ (٣) كتاب الصلاة - (٩١) باب: قَصْر الصلاة بمنى (٩١) باب قَصْرِ الصَّلاةِ بِمِنىٌ [٥٧٥] عن ابن عمرَ، قالَ: صلَّى رسولُ اللهِوَ ◌ّه بِمِنِىَ رَكعتينٍ، وأبو بكرٍ بعدَه، وعمرُ بعدَ أبي بكرٍ، وعثمانُ صَدْراً من خلافتهِ، ثم إنَّ به عند العرب إذا انقضت (١) ليلتُه، فأقام بها اليوم الخامس والسادس والسابع؛ وخرجَ بعد تمام ثلاثٍ كما شرع فلم يقمْ بمكة أكثرَ من ثلاث؛ وخرج إلى مِنى للنظر في حَجِّه، وهو فيه في حُكْم المسافر حتَّى أكمله، ثم عاد إلى المدينة، فجاء هذا مُوافِقاً لمذهبنا: في أنَّ ثلاثةَ أيام ليست بإقامة. واختلفَ في إقامته بمكة زمن الفتح؛ فروي عن ابن عبَّاس: خمس عشرة، وسبع عشرة، وتسع عشرة. وعن عمران بن حصين: ثماني عشرة. ترجيح قول الجمهور، ودليله قلتُ: والأشبهُ في هذه الأقوال قولُ الجمهور، ومالك وغيره؛ لأنه يعتضدُ بإباحة النَّبِي ◌َ﴿ المقامَ للمهاجر بمكة ثلاثاً؛ فإنه أبقى عليه فيها حُكْم المسافر. ومنعه من مقام الرابع فحكمَ له فيه بمقام الحاضِر القاطِن؛ فكان ذلك أَضْلاً مُعْتَمداً. وأما ما استدلَّ به غيرُ هذا من إقامة النَّبي ◌َّهِ بمكَّة في الفتح، وفي حَجَّته، وكم أقام في الطَّائف؟ فلا حُبَّةَ فيه؛ لما في تلك الرِّوايات من الاضطراب الكثير؛ ولأنه يمكنُ أن يُقالَ في كلّ واحدٍ منها: إنَّ النبيّ وَّهِ إنما أقامَ تلك المدة فقصرَ؛ لأنه لم يجمع في نيَّته على إقامة أربعة أيام بلياليها، والله أعلم. (٩١) ومن باب: قَصْر الصَّلاة بمنى (فيه حديث ابن عمر: أنَّ رسولَ اللهِوَ ل﴿ صلَّى بمنىّ ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صَدْراً مِن خلافته) لا خلافَ أنَّ هذا حُكْم الحاجّ من غير أهل مكة وعرفة (١) في نسخة (ع): دخلت. ٣٣٥ (٣) كتاب الصلاة - (٩١) باب: قَصْر الصلاة بمنى عثمانَ صَلَّى بَعْدُ أربعاً، فكانَ ابنُ عمرَ إذا صَلَّى مع الإمامِ صَلَّى أربعاً وإذا صَلَّها وحدَه صَلَّى ركعتينِ. وفي رواية، مكان: صَدْراً من خلافتِهِ: ثماني سنين، أو قالَ: سِتَّ سنينَ. رواه البخاري (١٠٨٢)، ومسلم (٦٩٤)(١٧)، والنسائي (١٢١/٣). بمنىَ يقصرون. وعند مالك: أنَّ حُكْمَ الحاج من أهل مكّة: أنهم يقصرون بمنىّ وعرفات، وكذلك أهل عرفة بمنىّ ومكة يقصرون، وخالَفَهُ في ذلك أبو حنيفة، والشّافعي، وجماعة فقالوا: إنّهم (١) يُتِمُّون؛ إذ ليس في المسافة مسافة قَصْر. وحُجَّةُ مالك: التمسُّكُ بظاهر حديث ابن عمر المذكور؛ واتّباع العمل العام في ذلك؛ ولأن تكرار الحاجّ في مشاعره ومناسكه مقدار المسافة التي تقصرُ فيها الصلاة. والله تعالى أعلم. فأما أهلُ تلك المواضع فلا خلافَ أحسبه في أنَّ كلَّ واحد منهم يتمُّ في موضعه، وإن شَرَع في عمل الحجِّ؛ لأنهم في أهلهم، وقد ذكرنا ما تُؤوِّل به إتمامُ عثمان. و (قوله: ست سنين أو ثماني سنين) الصَّحيحُ سبع سنين. قال عمرانُ بن حصين: حججتُ مع عثمانَ سبعاً من إمارته؛ لا يُصلِّي إلا ركعتين، ثم صلَّى بمنىّ أربعاً(٢). و (قوله: فكان ابنُ عمر إذا صلَّى مع الإمام صلَّى أربعاً، وإذا صلَّى وحده؛ صلَّى ركعتين) يعني بالإمام: عثمان لما أتمَّ؛ فإنَّ ابنَ عمر وابنَ مسعود كانا يُصلِّيان معه، ويُتِمَّان، مع اعتقادهما: أنَّ القصرَ أولى وأفضل؛ لكنهما اتَّبعاه؛ لأنَّ (١) من (ظ) و(ط). (٢) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٥٠). ٣٣٦ (٣) كتاب الصلاة - (٩١) باب: قَصْر الصلاة بمنى [٥٧٦] وعن عبد الرحمن بن يزيدَ، قالَ: صَلَّى بنا عثمانُ بمنىَ أربعَ ركعاتٍ، فقيلَ ذلك لعبدِ الله بن مسعودٍ، فاسترجعَ، ثم قالَ: صَلَّيْتُ معَ رسولِ الله ◌َّهِ بِمِنِىَ ركعتينٍ، وصَلّيْتُ مع أبي بكر الصِّدِّيق بمِنى ركعتينِ، الإتمامَ جائز؛ ومخالفةُ الإمام فيما رآه مما يسوغ ممنوعة. ويُحتملُ: أن يريدَ بالإمام هنا: أيَّ إمام اتَّفق من أئمة المسلمين؛ ويعني به: أنَّ ابنَ عمر كان إذا صلَّى خلفَ مقيمٍ أتمَّ؛ تغليباً لفضيلةِ الجماعة، ويحكم الموافقة فيما يجوزُ أصله. المسافر يصلي خلف مقیم وقد اختلفَ في مسافرٍ صلَّى خلفَ مقيم؛ وهذا الخلافُ يتنزلُ على الخلاف المتقدِّم في حُكْم القصر؛ فقياسُ مَن قال: إن القصرَ فرض؛ أن لا تجزئه صلاتُه. وحكاه القاضي أبو محمد عن بعض المتأخّرين من أصحابنا. وقال غيرُ هؤلاء: يقتدي به في الركعتين خاصّة. ثم هل يُسلِّم ويتركه، أو ينتظره ويُسلِّم معه؟ قولان. ومن قال: بأن القصرَ سُنَّةٌ من أصحابنا اختلفوا: فروى ابنُ الماجشون وأشهب: أنه يتمّ، ثم يعيدُ في الوقت؛ إلا أن يكونَ في أحد مسجدي الحرمين، أو مساجد الأمصار الكبار؛ وروى مطرف أن لا إعادة، ورواه ابنُ القاسم. قلتُ: وقياس مَن قال بالتخيير أن لا إعادةَ أصلاً بل القصر والإتمام في حقُّه سيّان يفعلُ أيّهما شاء؛ إلا أنَّ الأولى به: أن لا يخالفَ الإمام؛ فإذا صلَّى خلفَ مقيم اتَّبعه من جهة مَنْع المخالفة، لا من جهة التَّخيير. والله أعلم. و (قوله: فاسترجع) أي: قال: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وهذا الاسترجاعُ لِما رأى من تفويت عثمانَ لفضيلة القَصْر، ولوجود صُورة خلافه لمن تقدّمه. ولا يفهمُ منه: أن ذلك الإتمامَ لا يُجزىء؛ لأنه قال: وليتَ حظي من أربع ركعات(١) ركعتان مُتَقبَّلَتان. فلو كانت تلك الصلاةُ لا تُجزىء لما كان له فيها حظّ؛ لا من ركعتين؛ ولا من غيرهما؛ فإنَّها كانت تكونُ فاسدةً كلّها. والله تعالى أعلم. (١) ساقطة من الأصول، واستدركناها من التلخيص. ٣٣٧ (٣) كتاب الصلاة - (٩٢) باب: جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر وصَلَيتُ مع عمرَ بن الخطّابِ بِمِنِى ركعتينٍ، فَلَيْتَ حَظِّي مِن أربعٍ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقبَّلْتَانِ. رواه أحمد (٣٧٨/١ و٤١١٦)، والبخاري (١٠٨٤)، ومسلم (٦٩٥) (١٩)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائي (١٢٠/٣ -١٢١). (٩٢) باب جواز التخلُّف عن صَلاة الجماعة والجمعةِ لِعُذْرِ المطَر [٥٧٧] عن ابن عمر، أنه نادى بالصَّلاة في ليلةٍ ذات بَرْدٍ وريحٍ ومَطَرِ، فقالَ في آخر ندائه: ((أَلَا صَلُوا فِي رِ حالِكُمْ، أَا صَلُّوا في الرِّحالِ)) وقال الدّاودي: خشيَ أَلَّا تجزئه الأربع. وليس صَحِيحاً لما ذكرناه. قلتُ: ولا خلاف أن القصرَ المذكورَ إنما هو في الصَّلاة الرُّباعية؛ فإن الصبحَ والمغربَ لا تُقصران بالإجماع؛ حكى ذلك القاضيان أبو عبد الله بن أبي صفرة، وعِیاض. (٩٢) ومن باب: جواز التَّخلُّف عن الجماعة لعذر المطر (قوله: نادى) أي: أذّن. وظاهِرُ قوله: (في آخر ندائه) أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان، ويحتملُ أن يكونَ في آخره قبلَ الفراغ، ويكون هذا مثل حديثٍ ابن عباس. حيث قال المؤذِّنه: (إذا قلتَ: أشهدُ أن [لا إله إلا الله وأشهد](١) أن الكلام في الأذان (١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، والمثبت من صحيح مسلم والتلخيص. ٣٣٨ (٣) كتاب الصلاة - (٩٢) باب: جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر ثم قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ كانَ يأمرُ المُؤَذِّنَ إذا كانتْ ليلةٌ باردةٌ أو ذاتُ مَطَرِ في السَّفر أنْ يقولَ: (أَلَا صَلُّوا في رِحالِگُم)). رواه أحمد (١٠/٢ و٥٣)، والبخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧) (٢٢ و ٢٣)، وأبو داود (١٠٦٠ - ١٠٦٤)، والنسائي (١٥/٢)، وابن ماجه (٩٣٧). [٥٧٨] وعن جابر، قالَ: خرجْنَا مع رسولِ اللهِوَّ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنا، فقالَ: ((لِيُصَلِّ مَنْ شاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ)). رواه مسلم (٦٩٨)، وأبو داود (١٠٦٥)، والترمذي (٤٠٩). [٥٧٩] وعن عبدِ الله بن عَبَّاس، أنَّه قالَ لمؤذنهِ في يومِ مَطيرٍ: إذا قلتَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ وأشهدُ أنَّ محمّداً رسولُ الله، فلا تقلْ: حَيَّ محمداً رسول الله؛ فلا تَقُلْ: حيَّ على الصلاة، قل: صَلُّوا في رحالكم). وقد استدلَّ بهذين الحديثين مَن أجاز الكلامَ في الأذان، وهم: أحمد، والحسن، وعروة، وعطاء، وقتادة، وعبد العزيز بن أبي سَلَمة، وابن أبي حازم من المالكية. ولا حُجَّةَ لهم في ذلك؛ لأنَّ الحديثَ الأولَ إن لم يكنْ ظاهِراً فيما ذكرناه، فلا أقلّ من أن يكونَ مَحْمولاً، على أنَّ هذا الحديثَ قد رواه أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة، قال فيه: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا كانت ليلةٌ باردةٌ أو مطيرة، أَمَرَ المؤذِّن فأذَّن بالأذان الأول، فإذا فرغَ نادى: الصَّلاةَ في الرحال، أو: في رحالكم(١). وهذا نصُّ يرفعُ ذلك الاحتمال. والحديث الثاني لم يسلكْ به مسلكَ الأذان، أَلَا تراه قال: لا تقلْ حيَّ على - (١) رواه ابن عدي في الكامل (٢٢٦٣/٦). ٣٣٩ (٣) كتاب الصلاة - (٩٢) باب: جواز التخلف عن صلاة الجماعة والجمعة لعذر المطر عَلى الصَّلاةِ، قُلْ: صَلُّوا في بُيُوتِكم. قالَ: فكأنَّ النَّاسَ استنكرُوا ذلكَ، فقالَ: أتعجبونَ مِنْ ذَا؟ قد فعلَ ذا مَنْ هو خَيْرٌ مِنِّي. إنَّ الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وإنِّي كرهتُ أن أُخْرِ جَكُمْ فَتَمْشُوا في الطِّينِ والدَّخْضِ. رواه أحمد (٢٧٧/١)، والبخاري (٩٠١)، ومسلم (٦٩٩) (٢٦)، وأبو داود (١٠٦٦)، وابن ماجه (٩٣٩). الصلاة. وإنما أراد إشعارَ الناس بالتَّخفيف عنهم للعذر، كما فَعَل في التَّئويب للأمراء. وقد كره الكلامَ في الأذان مالكٌ، والشَّافعي، وأبو حنيفة، وعامةُ الفقهاء. وظاهِرُ هذين الحديثين: جواز التخلُّف عن الجماعة والجمعة للمشقَّة التخلف عن الجماعة اللاحقة من المطر والرِّيح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاقِّ المحرِجة في الحضر والسَّفر، وهذا في غير الجمعة قريبٌ، إذ ليس غيرها بواجبٍ على أصولنا، وأما في الجمعة ففيه إشكالٌ، وقد اختلفَ الناسُ في جواز التخلُّفِ عنها لعذر المطر والوحل: فذهب أحمدُ بن حنبل: إلى جواز التخلُّفِ عنها للمطر الوابل، وبمثله قال مالكٌ في المطر الشَّديد والوحل، في أحد القولين عنه، وروي عنه: أنه لا يجوز. وحديثُ ابن عباس حُجَّةٌ واضحةٌ على الجواز. والجمعة فرع: وعلى القول بالجواز عن مالك: تُتْرَكُ لعذر تمريض المشرف على الهلاك القريب، والزوجة، والمملوك. وقال ابنُ القاسم: ولجنازةِ أخٍ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابنُ حبيب: ولغسل ميت عنده. و (قوله: كرهت أن أُحرجكم) الروايةُ فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقّة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] والدحض: الزلق، وهو الزلل. ٣٤٠ (٣) كتاب الصلاة - (٩٣) باب: التنفل والوتر على الراحلة في السفر (٩٣) باب التنفل والوتر على الراحلة في السفر [٥٨٠] عن ابن عمر، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصلِّي، وهو مُقْبِلٌ و (قوله في الأم(١): في يوم ذي ردغ) الروايةُ المشهورة فيه بدالٍ مهملةٍ ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السّمرقندي: رزغ بالزاي، وكلاهما: الطين الذي يزلق فيه، وقد قيد: رزَغ بفتح الزاي، وسكونها. وصوابه: الفتح؛ فإنه الاسم، كالنقَص والنَّقَض، والسكون للمصدر. (٩٣) ومن باب: التنفُّل والوتر على الرَّاحلة لم يختلفِ العلماءُ في جواز التنفُّل على الرَّاحلة للمسافر قِبَل أيٍّ وجهٍ توجَّه بعد الشُّروع فيها. واختلفوا: هل يلزمُه أن يفتتحَ نافلَته إلى القِبلة أم لا؟ فذهب الشافعيُّ، وأحمد، وأبو ثور: إلى أنَّ ذلك يلزمُه، وذهب مالكٌ وغيره: إلى أنَّ ذلك لا يلزمُه، وحجَّتهُم: التمسُّك بظاهِر الحديثين المذكورَيْن في هذا الباب، أعني: حديث ابن عمر [وأنس](٢) فتأمّلهما. التنفل على ولا شكّ أن هذا الفعلَ منه ◌ِوَّهَ إنما كان في السَّفر، وهل يجوزُ فِعْلُه في الراحلة في الحضر أم لا؟ فذهب أبو يوسف: إلى أنه يجوزُ في الحضر، ورُوي عن أنس أنه الحضر كان يُومِىء على حمارٍ في أزقَّة المدينة، وحكاه بعضُ الشافعية عن مذهبهم، ومالك لا يراه إلا في سفرٍ طال. (١) انظر: صحيح مسلم (٦٩٩) (٢٧). (٢) (ساقط من (م). وفي صحيح مسلم حديث رقم (٧٠٢) يروي فيه أنس بن سيرين فِعْلَ أنس بن مالك. ولم يذكره القرطبي في تلخيصه.