النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
(٣) كتاب الصلاة - (٨٦) باب: ما جاء في القنوت
ولْيَؤُمَّكُمَا أكبرُكمَا)). قالَ خالدٌ الحَذَّاءُ: وكانَا مُتقاربيْنٍ في القِرَاءَةِ.
رواه أحمد (٤٣٦/٣)، ومسلم (٦٧٤) (٢٩٣)، والنسائي (٢/ ٧٧)
وابن ماجه (٩٧٩).
(٨٦) باب
ما جاء في القنوت، والدعاء للمُعَيَّنِ وعليه في الصلاة
[٥٦١] عن أبي هُريرةَ، قالَ: كَانَ رسولُ اللهِ وَلَه يقولُ حينَ يفرغُ من
صَلاةِ الفجرِ من القراءةِ، ويُكَبِّرُ ويرفعُ رأسَه: ((سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه، رَبَّنَا
و (قوله وَله: ((وليؤمّكما أكبرُكما))) يدلُّ: على تساويهما في شروط الإمامة،
ورَجَحَ أحدُهما بالسِّنُّ.
(٨٦) ومن باب: ما جاء في القنوت
قد تقدَّم ذِكْرُ القنوت ومعناه في اللغة. وقد اختلف في حُكْمه في الفجر، حُكْم القنوت
وفي الوتر في رمضان: فقيل: لا قنوتَ في فجر ولا غيره. قاله الكوفيون، في الصلاة
والليث، ويحيى بن يحيى من المالكية، وأنكره الشعبي. وقيل: يقنت في الفجر
دائماً، وفي سائر الصَّلوات إذا نزلت نازلةٌ بالمسلمين، قاله الشافعيُّ والطبري.
وقال مالك وغيره: إنه مستحبٌّ في صلاة الفجر. وروي عن الشافعي، وقال
الحسن وابن سحنون: إنه سُنَّة، وهو مقتضى رواية علي عن مالك بإعادة تاركه
الصَّلاة عمداً، وحكى الطبري الإجماعَ على أن تركه غير مُفْسِدٍ للصلاة. وعن
الحسن: في تركه سجودُ السهو .
٣٠٢
(٣) كتاب الصلاة - (٨٦) باب: ما جاء في القنوت
موضع القنوت
في الصلاة
ثم اختلفوا في موضعه، فالمشهورُ عن مالك: قبل الركوع. وهو قولُ
إسحاق، وابن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، وروي عن علي، وعمر،
وابن مسعود، وجماعة من الصَّحابة والتَّابعين: التَّخيير في ذلك. ثم اختلفَ هل
يُكبِّرِ له؟ وهل يرفعُ يديه إذا دَعَا فيه؟ ومالك لا يرى شيئاً من ذلك.
القنوت في
الوتر
ثم اختلف القائلون بالقُنوت في الفجر هل يقنتُ في الوتر؟ فقيل: يقنتُ في
وتر السّنة كلِّها. وهو قولُ ابن مسعود، والحسن، والنخعي، وإسحاق، وأبي ثور.
وقال قتادة: يقنتُ في السنة كلّها إلا في النصف الأول من رمضان. وقالت طائفة:
لا يقنتُ في الوتر جملة. وهو مرويٌّ عن ابن عمر، وطاووس. وهي روايةُ
المصريين عن مالك. وروي عن علي، وأُبيّ، وابن عمر، وجماعة من السّلف،
وهي روايةُ ابن وهب عن مالك: أنه يقنتُ في النصف الآخر من رمضان من ليلة
ست عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو قولُ الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وعن
دعاء القنوت أبي حنيفة: لا يقنتُ إلَّا في وتر رمضان فقط. ثم اتَّفقوا على أنه لا يتعيَّنُ في
القنوت دعاءٌ مؤقَّت إلا ما رُوي عن بعض أهلِ الحديث في تَخْصيصهم بقنوت
مصحف أبيّ بن كعب المروي: أن جبريل علّمه النبيَّ وَلّ وهو: ((اللهم إنا نستعينك
ونستغفرك ... ))(١) إلى آخره. وأنه لا يُصلَّى خلفَ من لا يقنتُ بذلك، واستحبَّه
مالك، واستحبَّ الشافعيُّ القنوتَ بالدعاء المروي عن الحسن بن علي عن
النبي ◌َّ: ((اللهم اهْدني فيمن هديتَ، وعافني فيمن عافيتَ ... ))(٢) إلى آخره.
وقد اختار بعضُ شيوخنا البغداديين الجمعَ بينهما، وهو قولُ إسحاق والحسن بن
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢١٠) من حديث خالد بن أبي عمران. وقال: هذا
مرسل.
(٢) رواه أحمد (١٩٩/١ و٢٠٠)، وأبو داود (١٤٢٥ و١٤٢٦)، والترمذي (٤٦٤)،
والنسائي (٢٤٨/٣).
٣٠٣
(٣) كتاب الصلاة - (٨٦) باب: ما جاء في القنوت
ولكَ الحمدُ)) ثم يقولُ وهو قائمٌ: ((اللَّهُمَّ! أَنْج الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمَةَ بنَ
هِشَامٍ وعَيَّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفينَ مِن المؤمنين، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ
على مُضَرَ، واجعلْهَا عليهم كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ! الْعَنْ لِحْيَانَ ورِعْلاً وذَكْوَانَ
وعُصَيَّةَ. عصَتِ اللهَ ورسولَه. ثم بلغنَا أنَّه تركَ ذلكَ لما أنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِّمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
حيّ (١). وسببُ الخلاف فيما ذكر اختلاف الأحاديث، وهل كان ذلك مخصوصاً
بالنبي ◌َّ أم لا؟ .
و (قوله: ((اللَّهم أنج الوليد ... )) إلى آخره) أنج: من النَّجاة، والهمزة
للتعدية، وقد عُذِّي بالتضعيف، وأصلُه من النّجوة، وهو المرتفعُ من الأرض.
وهؤلاء المدعو لهم هم قومٌ مِن أهل مكة أسلموا، ففتنهم أهلُ مكة، وعذَّبوهم،
وبعد ذلك نجوا منهم، وهاجروا إلى النَّبِي وَّهِ .
و (قوله: ((واجعلها عليهم كسني يوسف))) يعني به قولَه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِ مِنْ دعاؤه ◌َِّ على
بَعْدٍ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَا تُخْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨]. فاستُجيبَ قریش
له وَ لّ، فأجدبوا سَبْعاً أكلوا فيها كلَّ شيء، حتى أكلوا الميتةَ والعظام، وكان
الواحدُ منهم يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع والضَّعف، حتى جاء
أبو سفيان فكلَّم النبيَّ وَّرَ فدعا لهم، فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في
کتاب التفسير .
و((لحيان، ورِعْل، وذكوان، وعصية)) قبائلُ من العرب قَتَلُوا أصحابَ بئر أصحاب بثر
معونة، وهم السبعون القرّاء، وكان من حديثهم أن أبا براء الكلابي - ويُعرف معونة
بملاعب الأسنَّة - سأل عن النبيّ وَ لَّ أن يُوَجِّه معه رجالاً من أصحابه إلى قومه
بِنَجْد، يدعونهم إلى الله، ويعرضون عليهم الإسلام، فقال له رسولُ اللهِ وَله: ((إنِّي
(١) هو الحسن بن صالح بن حيّ، ثقةٌ، فقيهٌ، عابدٌ، (ت. ١٦٩ هـ).
٣٠٤
(٣) كتاب الصلاة - (٨٦) باب: ما جاء في القنوت
وفي رواية: قال أبو هريرة: ثم رأيتُ رسولَ الله وَلَه تركَ الدُّعاءَ بَعْدُ.
فقلت: أرى رسولَ الله وَّه قد تركَ الدُّعاءَ لهم. قالَ: فقيلَ: ومَا تَرَاهُم قد
قَدِمُوا؟.
وفي روايةٍ: أنه عليه الصلاة والسلام قَنَتَ بعد الرَّكعةِ في صَلاة الفجرِ
شَهْراً، إذا قالَ: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه)).
رواه البخاري (١٠٠٦)، ومسلم (٦٧٥)، وأبو داود (٨٣٦)،
والنسائي (٢٣٣/٢)، وابن ماجه (١٢٤٤).
أخافُ عليهم أهلَ نجد)) فقال له أبو براء: أنا لهم جارٌ، فبعثهم رسولُ الله ◌َلِّ معه،
فلمّا مروا ببني عامر استصرخَ عليهم عدوُّ الله عامر بن الطفيل تلك القبائلَ التي دعا
عليهم رسولُ الله ◌َّي وهم من بني سليم فأجابوه فقتلوهم، ولم ينجُ منهم إلَّا
عمرو بن أمية الضّمري، فحزنَ عليهم النبيُّ وَ حُزْناً شديداً، فإنه لم يُصَبْ
بمثلهم، وكانوا من خيار المهاجرين رضي الله عنهم(١).
جواز الدعاء
علی مُعيَّن وله
وفي هذا الحديث من الفقه: جواز الدعاء على معيّن وله، وجواز الدعاء بغير
ألفاظ القرآن في الصلاة، وهو حُبَّةٌ على أبي حنيفة في مَنْعه ذلك كلِّه فيها.
ولا خلافَ في جواز لَعْنِ الكَفَرَة والدُّعاء عليهم. واختلفوا في جواز الدُّعاء على
أهل المعاصي: فأجازه قوم، ومَنّعَهُ آخرون، وقالوا: يُدعى لهم بالتوبة لا عليهم.
وقيل: إنَّما يُدعى على أهل الانتهاكِ في حين فِعْلِهم ذلك، وأما في إدبارهم فيُدعى
لهم بالتوبة(٢).
قلتُ: والذي استقرَّ عليه أمرُ رسولِ اللهِوَه في القنوت: ما رواه الدار قطني
(١) انظر: عيون الأثر (٦٧/٢ - ٧٢).
(٢) ساقط من (ع).
٣٠٥
(٣) كتاب الصلاة - (٨٦) باب: ما جاء في القنوت
[٥٦٢] وعن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، أنَّه سمعَ أبَا هُريرةً يقولُ:
والله! لُقَرِّبِنَّ بكم صَلاةَ رسولِ اللهِ وَّهِ. فكانَ أبو هريرةَ يَقْنُتُ في الظُّهْرِ،
والعِشَاءِ الآخرةِ، وصَلاة الصُّبْح، ويَدعُو للمؤمنينَ، ويلعنُ الكفَّارَ.
رواه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦)، وأبو داود (١٤٤٠)،
والنسائي (٢/ ٢٠٢).
[٥٦٣] وعن البَراءِ بن عَازب، أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ كانَ يقنتُ في
الصُّبحِ والمغربِ.
رواه أحمد (٢٨/٤)، ومسلم (٦٧٨) (٣٠٥)، والترمذي (٤٠١)،
والنسائي (٢٠٢/٢).
[٥٦٤] وعن أنس، وسُئلَ عن القُنوتِ قبلَ الرُّكوع أو بعدَه؟ فقالَ:
قبلَ الرُّكوع. فقيلَ: فإنَّ نَاساً يزعمونَ أنَّ رسولَ الله ◌ِوَلِّ قَنَتَ بعدَ الرُّكُوعِ.
قالَ: إِنَّمَا قَنَتَ رسولُ اللهِ وَِّ شهراً.
- وفي روايةٍ: بعدَ الرُّكوع في صَلاة الفَجْرِ - يَدْعُو على أُنَاسِ قَتَلُوا
أُنَاساً من أصحابِهِ. يُقال لهم: القُرَّاءُ.
رواه أحمد (١٦٧/٣)، والبخاري (١٣٠٠)، ومسلم (٦٧٧) (٢٩٩
و ٣٠١)، وأبو داود (١٤٤٤ و١٤٤٥)، والنسائي (٢٠٠/٢)، وابن ماجه
(١١٨٤).
بإسناد صحيح عن أنس أنه قال: ما زال رسولُ الله ◌ِوَ له يقنتُ في صلاة الغداة حتى
فارقَ الدُّنيا(١). والله أعلم.
(١) رواه الدارقطني (٤١/٢).
٣٠٦
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
(٨٧) باب
من نام عن صلاة أو نسیها
[٥٦٥] عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله وَ لَهِ حِينَ قفَلَ مِن غزوةِ خَيبرَ،
سارَ ليلةً حتى إذا أدركَه الكَرَى عَرَّسَ، وقالَ لبلالٍ: («اكْلَأُ لَنا الليلَ)) فصَلَّى
بلالٌ ما قُدِّر له، ونامَ رسولُ الله ◌َّه وأصحابُه، فلمَّا تَقارَبَ الفجرُ استندَ
بلالٌ إلى راحلتِهِ مُوَاجِهَ الفَجْرِ، فغلبتْ بلالاً عَيْناهُ وهو مستندٌ إلى راحلتِهِ،
فلم يستيقظْ رسولُ الله ◌ِوَ ﴿ ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من أصحابِهِ، حتى ضَرَبَتْهُمُ
(٨٧) ومن باب: من نام عن صلاة أو نسيها
(قوله: ((حين قفل من غزوة خيبر))) أي: رجع. قال الأصيليّ: خيبر، غلط
وإنما هو حُنين، ولم يعترِ ذلك النبيَّ وَّهَ إلا مرة واحدة حين قفلَ من حُنين إلى
مكة. وقال الباجيّ وابنُ عبد البر: قول ابن شهاب: من خيبر أصحّ. وهو قولُ أهل
السِّيَر، وفي حديث ابن مسعود: أن نومَه ذلك كان عامَ الحديبية، وذلك في زَمَن
خيبر، وعليه يدلُّ حديثُ أبي قتادة. قال غيرُه: وذلك بطريق مكة؛ وهو طريقٌ
لمكّة لمن شاء، قال أبو عمر: في هذه الأحاديث ما يدلُّ على أنَّ نومَه كان مرةً
واحدة، ويُحتمل أن يكونَ مرَّتين. قال عِياض: أمَّا حديثُ أبي قتادة فلا مريةَ أنه
غير حديث أبي هريرة، وكذلك حديث عمران بن حصين. والكرى: النوم،
وعرَّس: نزلَ آخرَ الليل، قاله الخليلُ. وقال أبو زيد: التعريس: النزولُ أيَّ وقت
كان من ليل أو نهار، وفي الحديث: ((يعرِّسُون في نحر الظهيرة))(١). و ((اكْلأ)) أي:
احْفَظْ، ومنه: كلأك الله، أي: حفظك، وهذا إنما كان من النبي ◌َّهِ بعد أن طَلَبُوا
ذلك منه، كما قال البخاريُّ: إنهم طلبوا التعريسَ منه فقال: ((أخافُ أن تناموا))
(١) رواه البخاري (٢٦٦١) من حديث عائشة رضي الله عنها.
٣٠٧
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
الشَّمْسُ، فكانَ رسولُ اللهِوَيهِ أَوَّلَهُم استيقاظاً، فَفَرِعَ رسولُ اللهِوَه فقالَ:
(أَيْ بلالُ!)) فقال بلالٌ: أخذَ بنفسِي الذي أخذَ ـ بأبي أنتَ وأُمّي
فقال بلال: أنا أوقظكم. فحينئذٍ عرَّس بهم، ووكَّل بلالاً بحفظِ الفجر.
و (قوله: ((ففزع رسولُ اللهِّ))) اختُلِفَ في هذا الفَزَع وفي سببه، فقال
الأصيلي: كان لأجل عدوّهم أن يكون اتّبعهم فيجدهم على غرّة. وقال غيره: لِما
فاتهم من أَمْر الصلاة، ولم يكن عندهم حُكْمٌ من ذلك، وقد دلَّ على هذا قولُهم:
ما كفارةُ ما صنعنا بتفريطنا؟ وهذا بيّنٌ في حقِّهم. وقد يكون الفزعُ بمعنى:
مبادرتهم إلى الصلاة، كما قال: ((فافْزَعُوا إلى الصَّلاة)) أي: بادِرُوا إليها. وقد
يكون فَزَعُ النبي ◌َّه إجابة الفزعين من أصحابه وإغاثتهم لما نَزَلَ بهم. يقال:
فزعتَ: استغثت، وفزعت: أغثت.
و (قوله: ((أي بلال))) كذا عند أكثر الرواة بأي التي للنداء، وعند العذري
والسمرقندي: ((أين بلال؟)) بأين الظرفية. و(قول بلال: ((أَخَذَ بنفسي الذي أَخَذَ
بنفسك))) على طريق العُذْر مما كان تكفَّل به، كما قدَّمناه من رواية البخاري.
والنفس هنا: هي التي تُتَوفَّى بالنوم وبالموت كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ ما هي النفس؟
حِينَ مَوْتِهَا وَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وهي التي تخرجُ من البدن حالةَ
الموت، كما قال تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وهي المناداةُ
بقوله: ﴿ يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيِنَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَدْخُلِ فِ عِبَدِى﴾ [الفجر: ٢٧ -٢٩].
وقد عبّر عنها في الموطأ في هذا الحديث بالروح، فقال: قال رسولُ الله ◌ِصلاته: ((إن
الله قبضَ أرواحَنا، ولو شاء لردَّها إلينا، في حينٍ غير هذا)). فما سمَّاه بلال: نفساً
سمَّاه رسولُ الله ◌َله: روحاً، فهما إذن عبارتان عن مُعبَّر واحد، وهذا مذهبُ
أئمتنا .
وقد اختلفَ الناسُ قديماً وحديثاً في ما هو هذا المعنى المعبَّر عنه بالنفس
٣٠٨
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
يَا رسولَ الله - بنفسكَ، قالَ: ((اقْتَادُوا)) فاقتادُوا رواحلَهم شيئاً،
والروح. والذي يُفهم من مجموع ما في الكتاب والسُّنَّة وأقاويل علمائنا: أن ذلك
هو لطيفةٌ مُودعة في الأجساد، مشاركةٌ لجميع أجزائها التي تحلّها الحياة، يتأتى
إخراجُها من الجسد، وإدخالها فيه، وقَبْضها منه، أجرى الله العادةَ بخلق الحياة في
الجسد ما دامتْ فيه تلك اللطيفةُ، وهي القابلةُ للعلوم. والإنسان: هو الجسد
وتلك اللطيفة .
النفس والروح
عند الصوفية
وقد فرَّق الصوفيةُ بين النفس والروح. فقالوا: النفس: لطيفةٌ مُودَعَةٌ في
الجسم، محلٌّ للأخلاق المعلولة، والروح محلٌّ للأخلاق المحمودة، وهو
اصطلاحٌ مِن قِبَلِهم، ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد فَهْم المعنى.
النفس في اللغة
والنفسُ في اللغة مشتركٌ يُطلق على ما ذكرناه، ويُطلق ويُراد به وجودُ الشَّيءُ
وذاته، ويُطلق ويُراد به الدَّمُ، والروح يُطلق على ما ذُكر، وعلى جبريل؛ إذ قد
سمَّاه الله تعالى رُوحاً في قوله: ﴿نَزَّلَ بِ اُلُُّعُ آلْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ويحتمل أن
يكون المراد بقوله في قوله تعالى: ﴿ثَنَزَّلُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]، وفي قوله:
﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] على ما قاله ابن عباس في قوله: (قل
الروح) وقد تقدَّم: أنَّ الروحَ مشتٌّ من الربح.
و (قوله: قال: ((اقتادوا)) فاقتادوا رواحلَهم شيئاً) قال: استدلَّ به بعضُ
الحنفيين: على أنَّ الفرائضَ لا تُقُضى في هذا الوقت بهذا الحديث؛ لأنَّه ◌َلِّ إنما
ارتحلَ عن ذلك الموضع ليخرجَ الوقتُ المنهيُّ عنه، وهذا تحكم، بل كما يحتملُ
ما ذكروه يحتملُ أنه إنما كان ذلك ليعمَّ النشاطَ جمیعَهم، وأبین من ذلك كلّه، ما
قد نصّ عليه من كراهية ذلك بقوله وَله: («ليأخذْ كلُّ رجل برأس راحلته، فإنَّ هذا
منزلٌ حَضَرنا فيه الشَّيطان)). وقد زاد أبو داود في هذا الحديث: أن النبيَّ وَِّ قال:
((تحوَّلُوا عن مكانكم الذي أصابتُكُم فيه الغَفْلَةُ)).
٣٠٩
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
ثم تَوَضَّأَ رسولُ اللهِهِ وأمرَ بلالاً فأقامَ الصلاةَ. فصلَّى بهم الصُّبْحَ،
فلمَّا قضَى صلاتَه قالَ: ((مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ فَلْيُصَلُّها إذا ذكَرَها. فإنَّ الله قالَ:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]، وكان ابنُ شهاب يقرؤُها: ((للذِّكْرَى)).
و (قوله: فتوضَّأ رسولُ الله﴿ وأمر بلالاً فأقام الصَّلاة) ولم يذكر الأذان،
وقد ذكره في حديث أبي قتادة، فاختلفَ العلماءُ في الفوائت هل يُؤْذَّن لها ويُقام؟ الأذان والإقامة
أو لا يُؤْذَّن لها ولا يُقام؟ أو يُقام لها ولا يُؤْذَّن؟ ثلاثةُ أقوال: فالأول مذهبُ أهل للفوائت
الرأي، وأحمد، وأبي ثور. والثّاني: مذهب الثوري. والثّالث: مذهب مالك
والأوزاعي. والقول الثاني للشافعي. وقد تأوَّلَ بعضُ أصحابنا الأذانَ في حديث
أبي قتادة بمعنى الإعلام، وهو تكلُّفٌ، بل الذي يجمعُ بين الأحاديث أنه إن احتيجَ
إلى الأذان بحيث يجمع متفرقهم فعل، وعلى هذا يُحملُ حديثُ أبي هريرة، وإن
كانوا مجموعين لم يحتجْ لذلك، إذ ليس وقتاً راتباً فَيُدعى إليه الجميعُ ويعلمونه،
ويكون شعاراً، وقد قدَّمنا: أنَّ هذه فوائدُ الأذان، وعلى هذا يُحْمَلُ حديثُ
أبي قتادة. والله أعلم.
و (قوله: فصلّى بهم الصبح) حجةُ الجميع في الفوائت. و (قوله: ((مَن نسي
صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذَكَرها)) وفي لفظٍ آخر: ((أو غَفَل عنها))) كلُّ ذلك
دليلٌ على وجوبٍ القضاء على النَّائم والغافل، كثرتِ الصلوات أو قلَّت، وهذا وجوب القضاء
مذهبُ عامَّةِ العلماء، وقد حُكي خلافٌ شاذٌّ عن بعض الناس فيمن زاد على خمس على النائم
صَلوات أنه لا يلزمه قَضَاء، وهو خلافٌ لا يُعبأ به؛ لأنه مخالف لنصِ الحدیث.
والغافل
وأما مَن ترك الصلاةَ عامِداً فالجمهورُ أيضاً على وُجوب القضاء عليه، وفيه القضاء على
خِلافٌ شاذٌّ أيضاً عن داود وأبي عبد الرحمن الأشعري. وقد احتجَّ الجمهورُ عليهم تارك الصلاة
عمداً
بأوجه :
أحدها: أنه قد ثبت الأمرُ بقضاء الناسي والنّائم، مع أنَّهما غير مُؤَثَّمَيْن،
فالعامد أولى.
٣١٠
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
وثانيها: التمسُّك بقوله: ((إذا ذكرها)) والعامِد ذاكرٌ لتركها فلزمه قضاؤها.
وثالثها: التمشُّك بعموم قوله: ((مَن نسي صلاةً)) أي: من حَصَل منه نسيان،
والنسيان هو التَّرْكُ، سواء كان مع ذُهول أو لم يكن، وقد دلَّ على هذا قولُه تعالى:
﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا معرفةَ الله وأُمْره فتركهم في العذاب.
ورابعها: التمشُّك بقوله: ((مَن نسي صلاةً فكفّارتها أن يصليها إذا ذَكَرها))
والكفَّارةُ إنما تكونُ عن الذنوب غالباً، والنَّائم والناسي بمعنى الذَّاهل ليس بآثم،
فتعيَّن العامد لأن يكونَ هو المرادُ بلفظ النَّاسي.
وخامسها: قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]. أي: لِتذكرني فيها؛
على أحد التأويلات.
وسادسها: أن القضاءَ يجبُ بالخطاب الأول، لأنَّ خروجَ وقتِ العبادة
لا يُسْقِطُ وجوبها؛ لأنها لازمةٌ في ذمَّة المكلَّف كالدُّيون، وإنما يُسْقِطُ العبادةَ فِعْلُها،
أو فَقْدُ شرطها. ولم يحصلْ شيءٌ من ذلك. وهذا أحدُ القولين لأئمتنا الأصوليين
والفقهاء. وفي قوله: ((إذا ذكرها))) حُبَّةٌ للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول:
إن المتروكةَ لا تُقضى بعد الصُّبح ولا بعد العصر. وَوَجْهُ تمسُّكهم: أنها صلاةٌ
تجبُ بسبب ذِكْرها فَتُفْعل عند حضور سَبَيها متى ما حضر، وقد صرَّح بالتعليل في
قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤] فإنَّ اللام للتعليل ظاهِراً، ولا
يعارض هذا بقوله {وَلافيه: ((لا صلاةَ بعد الصبح حتى تطلع الشمسُ))(١). فإن هذا عام
في جنس الصلوات، وذلك خاصٍّ في الواجبات المقضية. والوجهُ الصَّحيحُ عند
الأصوليين بناءُ العام على الخاص، إذ ذلك يَرْفَعُ التعارض، وبه يمكنُ الجمع، وهو
أولى من التَّرجيح باتفاق الأصوليين.
(١) رواه النسائي (٢٥٨/١) من حديث معاذ بن عفراء.
٣١١
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
وفي روايةٍ، فقالَ النبيُّ ◌َاهِ: ((ليأخذْ كلُّ رجلٍ برأس راحلتِهِ، فإنَّ
هذا منزلٌ حضرنَا فيه الشَّيطانُ)) قالَ: ففعلْنَا، ثم دَعًا بالماءِ فتوَضَّأَ، ثم
سجدَ سجدتينٍ، ثم أُقيمتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الغداةَ.
رواه مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥ و٤٣٦)، والترمذي (٣١٦٢)،
والنسائي (٢٩٥/١ -٢٩٨)، وابن ماجه (٦٩٧).
واستدلالهُ بَّهِ بقوله تعالى: (وأقم الصَّلاة لذكري) دليلٌ على أنَّ شَرْعَ مَن
قبلنا شَرٌْ لنا ما لم يرد شرعُنا بخلافه، وهو قولُ أكثر أصحابنا. واختلف أهلُ
التفسير في قوله تعالى (لذكري) فقال مجاهد: لتذكرني فيها. وقال النخعي: اللام
للظرف، أي: إذا ذكرتني، أي: ذكرتَ أمري بعدما نسيتَ، ومنه الحديثُ. وقيل:
لا تذكر فيها غيري. وقيل: شكراً لذكري. وقيل ما ذكرناه: من أنَّ اللام للتسبیب،
وهو أوضحها، ويقرب منه قولُ النخعي. وقراءة ابن شهاب: تأنيث للذكر.
و (قوله: ((ثم سجد سجدتين ثم صلَّى الغداة))). وفي حديث أبي قتادة:
((فصلَّى ركعتين))) وبهذه الزيادة قال أبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد، وداود. وهو
قول أشهب، وعلي بن زياد من أصحابنا، ومشهور مذهب مالك: أنه يصلّيها قبل
الصُّبح الفائتة، وهو قولُ الثوري والليث تمشُّكاً بحديث ابن شهاب. وليس فيه من
ذلك شيء، ولأنَّ فِعْلَها قبل الفائتة يزيدُ الفائتةَ فواتاً، وقال أصحابنا: إنَّ النوافلَ
لا تُقُضى؛ إذ ليس في الذِّمة شيءٌ فيجب قضاؤه، فإن أرادَ أن يقضيَ فليصلِّ نفلاً
مبتدأ. والله أعلم.
و (قوله: ((وليأخذْ كلُّ رجل برأس راحلته فإن هذا منزِلٌ حَضَرنا فيه
الشَّيطان))) ذهب بعضُ العلماء إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فقال: إنَّ مَن انتبه من الانتباه من النوم
نوم عن صلاة فائتة في سفر زال عن موضعه، وإن كان وادياً خرج عنه. واعتضد عن صلاة فائتة
بقوله : ((تحوَّلوا عن مكانكم الذي أصابتكُم فيه الغفلة)). وهذه الزيادةُ ذكرها
٣١٢
(٣) كتاب الصلاة - (٨٧) باب: من نام عن صلاة أو نسيها
[٥٦٦] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا رَقَدَ
أحدُكم عن الصَّلاةِ أو غَفَلَ عنها فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذكرَها؛ فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى
يقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤].
رواه أحمد (١٨٤/٣)، والبخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) (٣١٦)،
وأبو داود (٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، والنسائي (٢٩٣/٢ - ٢٩٤).
أبو داود في حديث أبي هريرة. وقال آخرون: إنما يلزمُ هذا في ذلك الوادي بعينه؛
إن عُلِم ونزلت فيه مثل تلك النازلة، فيجب الخروجُ منه كما فَعَلَ النبي ◌َّهِ. وقال
الجمهورُ: إنَّ هذا غير مُراعى، وإنَّ مَن استيقظ عن صلاة فاتته صلّها في ذلك
الوقت وحيثما كان، لقوله وَله: ((فحيثما أدركتك الصلاة فصلٌ)) (١) وهذا الحديثُ
لا يصلحُ لتخصيصه في غير حقِّ النبيِ ◌ّهِ؛ إذ لا يَعْلَمُ غيرُ النبي ◌َّ من حال ذلك
الوادي ولا مِن غيره من المواضع ما علمه النبيُّ ◌َ﴿، وبتقدير أن تَقَعَ النازلةُ في ذلك
الوادي؛ فلا ندري هل ذلك الشيطانُ باقٍ فيه أم لا؟.
و (قوله: ((تحولوا))) خطابٌ لأصحابه الكائنين معه خاصّة، لا يتعدَّى إلى
غيرهم؛ لأنه كان لسبب علمه ﴿ بحضور الشَّيطان فيه، وغيره لا يعلمُ ذلك فلا
يتعدى إليه ذلك الحكم، والله تعالى أعلم. وإلى معنى ما ذكرناه ذهب الداودي
وغيرُه من أصحابنا في تأويل الحديث.
(١) رواه أحمد (٣٠٤/٣)، والنسائي (٢١٠/١ و٢١١) من حديث جابر رضي الله عنه.
٣١٣
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
(٨٨) باب
من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس،
فله أن يُؤَذِّنَ إذا كان في جماعة،
ويُصَلِّيَ ركعتي الفجر
[٥٦٧] عن أبي قتادةَ، قالَ: خطبنا رسولُ الله ◌ِهِ فقالَ: ((إنكم
تسيرون عشيّكُم وليلتكم، وتأتونَ الماءَ - إن شاءَ اللهُ - غَدا)) فانطلقَ النَّاسُ
لا يلوي أحدٌ على أحدٍ. قالَ أبو قتادة: فبينما رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ يسيرُ حتى
ابْهَارَّ اللَّيلُ، وأنَا إلى جنبهِ. قالَ: فنعَسَ رسولُ اللهِ وَلِّ فمالَ عن راحلتِهِ،
فأتيتُهُ فَدَعَمْتُهُ مِن غير أنْ أوقظَه، حتى اعتدلَ على راحلتِهِ. قالَ: ثم سارَ
(٨٨) ومن باب: شرح ما تضمّنه حديثُ أبي قتادة
وعمران بن الحصين من الغريب
(قوله: ((لا يلوي أحدٌ على أحد))) أي: لا يعطفُ عليه ولا ينتظره، وأصلُه
من ليّ العنق.
و (قوله: ((حتى ابهارَّ الليلُ))) أي: انتصفَ، وبهرةُ كلِّ شيء: وسطه، وقيل:
ذهب عامّته، وبقي نحو من ثلثه، قال أبو سعيد الضَّرير: ابهرارُ الليل: طلوعُ
نجومه إذا تتامَّت. وقال غيره: ابهارَّ الليل: طال. والباهر: الممتلىء نوراً، وقد
صحَّفه بعضُ الشارحين تصحيفاً قبيحاً، فقال: انهارّ الليلُ - بالنون - وقال: ومنه
قوله تعالى: ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ. فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩].
٣١٤
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
حتى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ، مالَ عن راحلتِهِ. قالَ: فدعمتُهُ مِن غير أنْ أوقظَه حتى
اعتدلَ على راحلتِهِ. قالَ: ثم سارَ حتى إذا كان مِن آخرِ السَّحَرِ مالَ ميلةً،
هي أشدُّ من المَيْلتينِ الأُولَيَيْنِ، حتَّى كادَ ينجفلُ، فأتيتُه فدعمتُه، ثمَّ رفعَ
رأسَه فقالَ: ((مَنْ هُذَا؟)) قلتُ: أبو قَتَادَةَ. قالَ: ((متَى كانَ هذا مسيرُك
مِني؟)) قلتُ: ما زالَ هُذا مَسِيري منذُ اللَّيلةَ. ثم قالَ: ((حفظكَ الله بما
حَفِظْتَ به نبيَّه)) ثم قالَ: ((هل تُرانَا نَخْفى على النَّاس؟)) ثم قالَ: ((هَلْ تَرى
مِن أحدٍ؟)) قلتُ: هذا راكبٌ. ثم قلت: هذا راكبٌ آخر، حتى اجتمعْنَا
فكُنَّا سبعةَ رَكْبٍ، قالَ: فمالَ رسولُ اللهِوَّهِ عن الطريقِ فوضعَ رأسَه ثم
قالَ: ((احْفَظُوا علينَا صَلاتَنَا)) فكانَ أوَّلَ مَن استيقظَ رسولُ اللهِوَّهِ وَالشَّمسُ
في ظهرِهِ قالَ: فقمنَا فَزِعِينَ، ثم قالَ: ((اركبُوا)) فركبنَا فسِرنَا، حتَّى إذا
و (قوله: وتهوَّر الليل) قال الهروي: معناه: ذهب أكثره وانهدم كما يتهوَّرُ
البناء، يقال: تهوَّر الليلُ وتوهَّر.
و (قوله: ((فدعمته))) أي: أقمتُ میله، وصرتُ له كالدّعامة تحته.
و (قوله: حتى كاد ينجفل) أي: قارب أن ينقلبَ ويقع، ومنه ما جاء في
الحديث: ((أنَّ البحر جفل سمكاً)) (١) أي: ألقاه فرمى به. ذكره الهروي.
و (قوله: ((فمال عن الطريق فوضع رأسه))) هذا الفعلُ منه وَ ل مثل قوله: ((إذا
عرّستم فاجتنبوا الطريقَ، فإنه مأوى الهوام))(٢).
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٨٠/١).
(٢) رواه مسلم (١٩٢٦)، وأبو داود (٢٥٦٩)، والترمذي (٢٨٦٢) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه.
٣١٥
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
ارتفعتِ الشَّمسُ نزلَ، ثم دَعا بميضأةٍ كانتْ مَعي فيها شيءٌ مِن مَاءٍ، فَتَوضَّأَ
مِنْها وُضُوءاً دُونَ وُضُوء، قالَ: وبقيَ فيها شيءٌ مِن ماءٍ، ثم قالَ لأبي
قَتَادة: احفظْ علينَا مِيضأَتَكَ، فسيكونُ لها نَبَأَ)) ثم أذَّن بلالٌ بالصَّلاة، فصلَّى
رسولُ اللهِوَ﴿ ركعتين، ثم صَلَّى الغداةَ، فصنعَ كما كان يصنعُ كلَّ يومٍ.
قالَ: وركبَ رسولُ اللهِ وَّهِ وركبْنَا معه، قالَ: فجعلَ بعضُنا يهمسُ إلَّى
بعضٍ: ما كفَّارةُ ما صنعنَا بِتَفْرِيطِنا في صَلاتِنَا؟ ثم قالَ: ((أمَا لكم فِيَّ
و ((الميضأة))) الإناء الذي يُتُوضَّأ فيه، وهي التي قال فيها: ((أطلقوا لي
غمري))، والغمر: القعبُ الصغير. ويقال: تغمرت، أي: شربتُ قليلاً، قال أعشى
باهلة :
يكفيه حُزَّةُ فِلْذٍ إِنْ ألَّ بِها
مِنَ الشِّواءِ ويروي شُرْبَهُ الغُمَرُ
و (قوله: ((فتوضَّأ منها وضوءاً دون وضوء») يعني: وضوءاً مُخَفَّفاً، وكأنه
اقتصرَ فيه على المرَّة الواحدة، ولم يكثر صبَّ الماء؛ لأنه أراد أن يفضلَ منه فضلةٌ
لتظهر فيها بركته وكرامته، وهذا أولى مِن قول مَن قال: أراد بقوله: ((وضوءاً دون
وضوء)»: الاستجمار بالحجارة؛ لأن ذلك لا يُقالُ عليه وضوءٌ عُرفاً ولا لغة؛ لأنه
لا نظافةَ فيه بالغة، ولما روى أبو داود في هذه القصة من حديث ذي مخبر الحبشي
خادم رسولِ الله وَله: أنه ي هر توضأ وضوءاً لم يبتل منه التراب(١). و(الأسوة):
القدوة.
و (قوله: ((فجعل بعضُنا يهمسُ إلى بعض))) أي: يُحرِّك شفتيه بكلام خفيّ.
(١) رواه أحمد (٩١/٤)، وأبو داود (٤٤٥).
٣١٦
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
أُسْوةُ؟)) ثم قالَ: ((أمَا إنَّه ليس في النَّوم تفريطٌ، إنَّما التفريطُ على مَنْ لم
يُصَلِّ الصَّلاةَ حتى يجيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرى، فمنْ فعلَ ذلك فليُصَلِّها
حينَ ينتبهُ لها، فإذَا كانَ الغَدُ فليصلِّها عندَ وقْتِها»،
النائم غير مكلّف
ولا مؤاخذ
و (قوله: ((إنه ليس في النوم تفريط))) يدلُّ: على أنَّ النائمَ غير مُكلَّف، ولا
مُؤَاخَذ.
و (قوله: ((إنما التفريطُ على مَن لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيءَ وقتُ الأخرى)))
أوقات الصلوات أي: مَن لم يُصلِّها عامداً لتركها. وفيه ما يدلُّ: على أن أوقات الصلوات كلها
كلها موسّعة
موسّعة.
و (قوله: ((فمن فعل ذلك فليصلِّها حين ينتبهُ لها))) الإشارةُ بـ (ذلك) إلى
ما وقعَ له مِنَ النومِ عن الصَّلاة. ويُحتملُ أن يعودَ الضميرُ إلى جميعٍ ما ذكر من
النوم والتفريط على ما قرَّرنا في قَضَاء العامِد.
و (قوله: ((فإذا كان الغدُ فليصلِّها عند وَقْتِها») قال قومُ: ظاهِرُه إعادةُ
المقضية مرَّتين: عند ذِكْرها، وعند حُضور مثلها من الوقت الآتي. وقد وافق هذا
الظاهِرُ ما رواه أبو داود نصّاً من حديث عمران بن حُصين، وذكر القصَّة، وقال في
آخرها: ((فمن أدركَ منكم صلاةَ الغداةِ من غدٍ صالحاً فليقضٍ معها مِثْلَها)». قال
الخطابيُّ: لا أعلمُ أحداً قال هذا وجوباً، ويشبُهُ أن يكونَ الأمرُ به استحباباً ليحرزَ
فضيلةَ الوقت في القضاء. قلتُ: وهذا كلُّه يُعارِضُه ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من
حديث الحسن عن عمران بن حصين في هذه القصة: أنه ◌ِ ل﴿ لما صلَّى بهم المقضيةَ
قالوا: أَلَا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال: ((لا ينهاكُمُ الله عن الربا ويأخذه
منكم))(١). والصَّحيحُ: تركُ العمل بذلك الظاهِر لهذه المعارضة، ولِما حكى
الخطابي، ولأنَّ الطرقَ الصِّحاحَ المشهورةَ ليس فيها من تلك الزيادة شيءٌ إلا
(١) رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٦٤).
٣١٧
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
ثم قالَ: ((ما ترَوْنَ النَّاسِ صَنَعُوا؟)) قالَ: ثم قالَ: ((أصبحَ الناسُ فَقَدُوا نبيَّهم
فقالَ أبو بكر وعمر: رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ بعدَكم، لم يكنْ لِيُخَلْفَكُم، وقالَ
النَّاسُ: إِنَّ رسولَ اللهِّهِ بِينَ أيديكم، فإنْ يُطيعُوا أبا بكر وعمرَ يرشُدوا)).
قالَ: فانتهيْنَا إلى النَّاسِ حينَ امتدَّ النَّهارُ وحَمِيَ كلُّ شيءٍ، وهم يقولون:
يا رسولَ الله! هلكنَا، عَطِشْنا. فقالَ: ((٧ هُلْكَ عليْكُم)»، ثم قال: ((أَطْلِقُوا لي
غُمَرِي)) قال: ودعا بالمِيْضَأَةِ، فجعل رسولَ الله ◌ِّه يصبُّ، وأبو قتادة
يَسقيهم، فلم يَعْدُ أنْ رأَى النَّاسُ ماءً في المِيْضأةِ تَكَابُوا عليها، فقالَ رسولُ
اللهِ وٍَّ: ((أَحْسِنُوا المَلَّ، فكلُّكُم سَيَرْوَى)) قالَ: ففعلُوا. فجعلَ رسولُ الله
وَ ﴿ يصبُّ وأَسقيهم، حتَّى ما بقي غيري وغيرُ رسولِ اللهِ وَ طّ قال: ثم
ما ذكر في حديث أبي قتادة، وهو محتملٌ كما قرَّرناه، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ثم قال ما ترونَ الناسَ صَنَعُوا))) هذا قولُ النَّبِيِ ل لمن كان معه
مستفهماً على جهة استحضارِ أفهامهم. ثم قال ◌َ ﴿ مخبراً بما صنعوا وبما قالوا إلى
قوله: ((وقال الناس: إن رسولَ الله ◌َ ل﴿ بين أيديكم)) وهنا انتهى الخبر عنهم، ثم قال
النبيُّ ◌َّ: ((فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يُرشدوا)) لأنهما وافقا الحقَّ فيما قالاه،
فصوابُه إذاً أن يكون: يطيعوا ويرشدوا: بياء الغائبين. وقد قيل في بعض النُّسخ:
بتاء المخاطبين، وَوَجْهُه: أن النبيَّ ◌َ﴿ كأنه أقبلَ على الغائبين فخاطبهم.
ويجري هذا مجرى قول عمر: ((الجبلَ يا سارية))(١) وهو بالمدينة، وسارية
بمصر، أو بالشام، فسمعه سارية ولجأ إلى الجبل، ونجا هو وأصحابه. والله
أعلم. ويحتملُ أن يكون النبيُّ وَل# حاكياً قولهم.
و (قوله: ((وأحسنوا المَلأ))) بفتح الميم والهمزة مقصوراً، أي: الخُلقُ، قاله
(١) أسد الغابة (٣٠٦/٢).
٣١٨
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
صبَّ رسولُ الله ◌َ﴿ فقالَ لي: ((اشربْ)) فقلتُ: لا أشربُ حتى تشربَ
يا رسولَ الله! قالَ: ((إنَّ سَاقِيَ القوم آخرُهم»، قال: فشربتُ وشربَ
رسولُ الله ◌ِوَ ل﴿ قَالَ: فأتى النَّاسُ المَاءَ جَامِّينَ رِواءٌ.
رواه أحمد (٢٩٨/٥)، ومسلم (٦٨١)، وأبو داود (٥٢٢٨)،
وابن ماجه (٣٤٣٤).
[٥٦٨] وعن عمرانَ بن حُصينٍ، قالَ: كنتُ مع نبيِّ الله ◌َِّ في مسيرٍ
له، فَأَدْلَجْنا ليلتَنا، حتَّى إذا كنَّا في وجهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنا، فغلَبَتْنا أعيُنُنا حتى
جماعةٌ من اللغويين: أبو زيد، والمفضل، والزّجاج، وابن السّكيت، وابن قتيبة،
وأنشد بعضهم(١):
تَنَادَوْا يَا لَبُهْئَةَ إِذْ رَأَوْنَا فَقُلْنا: أَحْسِنِي مَلَأَ جُهَيْنا
أي: خُلُقاً. وروى ابنُ قتيبة: أن النبيَّ ◌َ ◌ّ قال لأصحابه حين زَجَرُوا
الأعرابيَّ البائلَ في المسجد: (أَحْسِنُوا مَلأكم))(٢) أي: خُلُقگُمْ، ومن روى هذا
الحرف ((ملأكم)) ساكنة اللام مهموزة من معنى الامتلاء فقد أخطأ؛ لأنه لم يملأ
أحدٌ في هذه النازلة قربةً ولا وعاء، وإنما كان شُرباً .
و (قوله: ((فأتى الناسُ الماءَ جامّين رواء») أي: نشاطاً، صالحي الأحوال.
و ((رواء)) من الري، وهو الامتلاءُ من الماء.
وفي حديث أبي قتادة أوجهٌ من الفقه لا تخفى على مُتأمِّل.
و (قوله في حديث عمران: ((فأدلجنا ليلتنا))) أي: سرنا ليلتَنا كلَّها، يقال:
(١) هو الجهني.
(٢) النهاية (٤/ ٣٥٠).
٣١٩
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
بزغتِ الشمسُ، قالَ: فكانَ أوَّلَ مَنْ استيقظَ مِنَّا أبو بكر، وكنّا لا نُوقظُ
رسولَ اللهِ وَ﴿ من منامِه إذا نامَ حتى يستيقظَ، ثم استيقظَ عمرُ، فقامَ عندَ
نبيِّ الله وَِّ، فجعلَ يُكَبِّرُ ورفعَ صوتَه حتَّى استيقظَ رسولُ اللهِوَّهِ، فلمَّا رفعَ
رأسه ورأى الشَّمسَ قد بزغتْ فقالَ: ((ارتحلُوا)) فسارَ بِنا، حتى إذا ابيضَّتِ
الشَّمسُ نزلَ فصَلَّى بنا الغداةَ، فاعتزلَ رجلٌ مِن القومِ لم يُصَلِّ معنًا، فلمَّا
انصرفَ قالَ له رسولُ الله ◌َّهِ: ((يا فلان، ما منعكَ أنْ تصلِّيَ معنَا؟)) قال:
يا نبيَّ الله! أصابتني جَنَابَةٌ ولا ماءَ، فأمرَه رسولُ الله ◌ِوَّهِ فَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ،
فصَلَّى، ثم عَجَّلَني في رَكْبٍ بين يديْهِ، نطلبُ الماءَ. وقد عَطَشْنَا عَطَشاً
شديداً، فبينا نحنُ نسيرُ إذَا نحنُ بامرأة سادلة رِجْلَيْها بين مَزادتينٍ، فقلنَا
لها: أينَ الماءُ؟ فقالتْ: أيْهَاهُ أَيْهَاهْ، لا ماءَ لكم، فقلْنَا: فكم بينَ أهلكِ
أَذْلجَ بقطع الألف، وسكون الدال، أي: سار الليلَ كلَّه، يدلجُ إذلاجاً، و ((اذَّلج))
بوصل الألف وتشديد الدال: سار من آخره، وقد قيل: هما بمعنى واحد.
والتَّعريسُ في أصله: النزولُ من آخر الليل، وقد تقدم. و((بزغت الشمس)) أي:
بدأ طلوعها .
و (قوله: ((وكُنَّا لا نوقظُ رسولَ اللهِ وَله من منامه))) إنما كان ذلك؛ لأنه كان
يُوحى إليه في النوم، فكان يُخافُ أن يكونَ إيقاظُه قَطْعاً للوحي وتَشْويشاً له.
و (قوله: ((ثم عجَّني))) مشدَّد الجيم، أي: أمرني بالاستعجال، وأكَّده عليَّ.
و (قوله: ((فإذا نحنُ بامرأةٍ سادلةٍ رجليها بين مزادتين») سادلة: أي: مرسلة،
وكذلك روايةُ الجماعة، وللعذري: سابلة - بالباء بواحدة - والأول أصوبُ؛ لأنه
لا يقال: سبلت، إنما يقال: أسبلت. والمزادتان: القِربتان، وقيل: المزادةُ: القربةُ
الكبيرةُ التي تُحمل على الدابة، سمِّتْ بذلك لأنه يُزادُ فيها جلدٌ من غيرها لتكبر.
و (قولها: ((أيهاه أيهاه))) كذا رُوي هنا: بالهمزة في أولهما، وبالهاء في
٣٢٠
(٣) كتاب الصلاة - (٨٨) باب: من نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس
وبينَ الماء؟ قالتْ: مسيرة يوم وليلةٍ، قلنا: انطلقي إلى رسولِ الله وَّهِ، قالتْ:
ومَا رسولُ الله؟ فَلَمْ نُمَلِّكْها مِنْ أَمْرِها شَيئاً، حتى انطلقنَا بها، فاسْتَقْبَلْنَا بها
رسولَ الله ◌َل﴿ فسألَها، فأخبَرَته مثلَ الذي أخبرتْنا، وأخبرتْهُ أنَّها مُوتِمَةٌ لها
صِبيانٌ أيتامٌ، فأمرَ بِرَاوِيَتِها، فَأَنيخَتْ، فمَجَّ في العَزْلاوَيْنِ العُلْيَاوَيْنِ، ثم
آخرهما، وتروى: بالتاء أيضاً في آخرهما. وهي هيهات المذكورة في قوله تعالى:
﴿ هَيْهَاتَ هَّهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] أبدلت الهاءُ همزة، ومعناها:
البعد. والهاء في آخرها للوقف. وقيل: هي مُركَّبةٌ من (هَيْ) للتأسف، و (هاوه)
للتأوه، فقلبت الهاءُ في الوصل تاء، ثم حُرِّكَتْ بالفتح، والضم، والكسر. وقد
قُرىء بها في قوله تعالى (هيهات هيهات). وهي اسم من أسماء الأفعال، فتارة:
تقدرّ ببعد كما في قول الشاعر:
فهِيهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَأَهْلُهُ
وَهَيْهِاتَ خِلٌّ بالعَقِيقِ نُواصِلُهْ
أي: بَعُدَ العقيقُ وأهله. وتارة: تُقدَّر بِيُعْد الذي هو المصدر، كما قيل في
قوله تعالى: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦] أي: بُعْداً بُعْداً للذي
تُوعدون، هي حكاية عن قول الكفار.
((ومؤتمة))) بكسر التاء أي: ذات أيتام، و ((راويتها)) هنا: الجملُ الذي
تستقي عليه الماء. وهذه روايةُ الجماعة، وعند السّمرقندي: ((فأمر براويتيها)) وكأنه
أراد المزادتين. وفيه بُعْدٌ من جهة اللَّفظ.
و (قوله: ((فأنيخت فمجّ))) أي: طرَح مِن فيه فيهما، ومعناه: وبَزَقَ فيهما.
و (العزلاوان)) قال ابنُ ولاد: العزلاء - بالمد - عزلاء المزادة، وهي مخرجُ الماء
منها. وقال الهرويُّ: هو فُوها الأسفلُ. والذي في الكتاب يشهدُ لما ذكره
ابنُ ولاد.