النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
(٣) كتاب الصلاة - (٧١) باب: المحافظة على الصبح والعصر
رواه أحمد (٤٨٦/٢)، والبخاري (٧٤٢٩)، ومسلم (٦٣٢)،
والنسائي (٢٤٠/١ -٢٤١).
[٥١٨] وعن جَرِيرِ بن عبدِ الله، قالَ: كُنَّا جُلوساً عندَ رسولِ الله وَهـ
إذا نظرَ إلى القمرِ ليلةَ البَدْرِ، فقالَ: ((أَما إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم - عزَّ وجلَّ -
كما تَرَوْنَ هذا القمرَ، لا تُضَافُونَ في رؤيتِه، فإن استطعتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عن
صَلاةٍ قَبْلَ طَلوع الشَّمْس، وقبلَ غُرُوِها - يعني: العصرَ والفجرَ)) -، ثمَّ قرأ
وقد تعسَّف بعضُ النّحويين في تأويلها وردّوها للبدل، وهو تكلّف مُستغنى
عنه، مع أنَّ تلك اللغةَ مشهورةٌ، لها وجهٌ من القياس واضحٌ يُعرف في موضعه.
ومعنى التعاقب: إتيانُ طائفةٍ بعد أخرى، فكأن الثانيةَ تأتي عقيبَ الأولى. وهؤلاء
الملائكة: إن كانوا هم الحفظةُ فسؤالُ الله لهم بقوله: ((كيف تركتم عبادي»؟ إنما
هو سؤالٌ عمَّا أمرهم به مِن حِفْظهم لأعمالهم، وكَتَبْهم إيَّها عليهم؛ وعلى: أنهم
هم الحفظة؛ مذهبُ الجمهور. وإن كانوا غيرهم - وهو الأظهرُ عندي - فسؤاله
تعالى لهم: إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾
[البقرة: ٣٠]، وإظهاراً لما سبق في معلومه إذ قال لهم: ﴿ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٣٠]. وهذه حكمةُ اجتماعهم في صلاة الفجر والعصر. والله تعالى أعلم؛
أو يكون سؤالُه لهم استدعاء لشهادتهم لهم؛ ولذلك قالوا: أتيناهم وهُم يصلُّون،
وتركناهم وهُم يصلُّون. وهذا من خفيٌّ لطفه تبارك وتعالى، وجميل ستره؛ إذ
أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم، ولم يطلعهم عليهم ولا جمعهم لهم في حال
خلواتهم بلذّاتهم، وانهماكهم في معاصيهم وشهواتهم، فسبحانه مِن حليمٍ كريمٍ
جليل؛ إذ ستر القبيحَ، وأظهر الجميل. وقد تقدَّم الكلامُ على رؤية الله تعالى؛
وعلى قوله: لا تُضَامُون.
و (قوله: ((إن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها)) يعني: الفجر والعصر) قال المهلب: لا تغلبوا، أي: على شُهودها في
٢٦٢
(٣) كتاب الصلاة - (٧١) باب: المحافظة على الصبح والعصر
جريرُ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
رواه أحمد (٣٦٢/٤)، والبخاري (٥٧٣)، ومسلم (٦٣٣) (٢١١).
[٥١٩] وعن عمارةَ بن رُؤَيْبَة، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَه يقولُ:
((لن يَلجَ النَّارَ أحدٌ صَلَّى قبلَ طُلوع الشَّمس وقبلَ غُروبها)) يعني: الفجرَ
والعصرَ.
رواه أحمد (١٣٦/٤)، ومسلم (٦٣٤) (٢١٣)، وأبو داود (٤٢٧)،
والنسائي (٢٤١/١).
[٥٢٠] وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دخلَ
الجَنَّةَ».
رواه أحمد (٨٠/٤)، والبخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥).
*
الجماعة. وقراءةُ جرير في هذا الموضع: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طْلُوعَ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠] يشعرُ بأن قولَه: فسبِّح، بمعنى: فصلِّ في هذين الوقتين.
فضل صلاني
و (قوله: ((لن يلج النارَ أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غُروبها))) يعني:
الفجر والعصر الفجر والعصر. أي: لن يدخلَ النارَ مَن عاهد وحافظ على هاتين الصلاتين ببركة
في وقتیھما
المداومة عليهما. والله أعلم.
و (قوله: ((من صلّى البَرْدَيْن دخلَ الجنة))) قال كثيرٌ من العلماء: هما الفجر
والعصر، وسُمِّيا بذلك؛ لأنهما يُفعلان في وقت البرد.
٢٦٣
(٣) كتاب الصلاة - (٧٢) باب: تعجيل صلاة المغرب
(٧٢) باب
تعجيل صلاة المغرب
[٥٢١] عن سلمةَ بن الأكوع، أنَّ رسولَ الله و ◌َّهِ كانَ يُصلِّي المغربَ
إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وتَوَارَتْ بِالحِجَابِ.
رواه البخاري (٥٦١)، ومسلم (٦٣٦)، وأبو داود (٤١٧)،
والترمذي (١٦٤)، وابن ماجه (٦٨٨).
[٥٢٢] وعن رافع بن خَدِيج، قالَ: كثَّا نُصَلِّي المغربَ مع
رسول الله وَ﴿ فينصرفُ أحَدُنا وإِنَّه لِيُبْصِرُ مواقعَ نَبْلِهِ.
رواه أحمد (١٤٢/٤)، والبخاري (٥٥٩)، ومسلم (٦٣٧)،
وابن ماجه (٦٨٧).
(٧٢) ومن باب: تعجيل صلاة المغرب
(قوله: ((إذا غربت الشمس))) أي: ساعة تغرب. وهذا يدلُّ: على تأهّبه لها
قبل وقتها، ومراقبة وقتها.
و (قوله: ((وتوارت بالحجاب))) أي: استترت بما يحجبُها عن الأبصار،
ويعني به: غيبوبةَ جِرْم الشَّمس. وقد تقدَّم حكايةُ إجماع الأمة على استحبابِ
تعجيلها، ولذلك قال وَله: ((لا تزالُ أمتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم
يؤخِّروا المغرب إلى أن تشتبكَ النجوم))(١).
و (قوله: (وإنه لیبصرُ مواقعَ نَبله») أي: حیث یقُ. وهذا يدلُّ على تعجيل
المغرب، وأنه في كان لا يطوّلها.
(١) رواه أحمد (١٤٧/٥ و٤٢٢)، وأبو داود (٤١٨) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه.
٢٦٤
(٣) كتاب الصلاة - (٧٣) باب: تأخير العشاء الآخرة
(٧٣) باب
تأخير العشاء الآخرة
[٥٢٣] عن عائشةَ، قالتْ: أَعْتَمَ النبيُّ نَِّ ذاتَ ليلةٍ: حَتَّى ذهبَ
عَامَّةُ اللَّيْلِ، وحثَّى نامَ أهلُ المسجدِ، ثم خرجَ فصَلَّى، فقالَ: ((إنَّه لَوَقْتُها
لَوْلا أنْ أشَقَّ على أُمَّتِي)).
وفي روايةٍ: ((لَوْلا أنْ يَشُقَّ».
رواه أحمد (٦/ ١٥٠)، والبخاري (٥٦٩)، ومسلم (٦٣٨)(٢١٩)،
والنسائي (٢٦٧/١).
(٧٣) ومن باب: تأخير العشاء الآخرة
[(قول عائشة: ((أعتم النبيُّ وَ ﴿ ذات ليلة))) أي: أخّر العشاءَ الآخرة إلى عتمة
الليل](١) وهي ظلمته. و (ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي. وهذا يدلُّ: على أنَّ
غالبَ أحواله كان يقدّمُها رفقاً بهم، ولئلا يشقّ عليهم كما قال في آخر هذا
الحديث. وقال الخطابي: إنما أخّرهم [ليقلّ حظُّ النوم وتطول مدَّةُ الصلاة، فيكثر
أجرُهم](٢) لأنهم في صلاةٍ ما داموا ينتظرون الصَّلاة. وقال بعضُ الحكماء(٣):
النومُ المحمودُ مقدارُ ثمان ساعات.
و (قوله: ((إنه لوقتها))) يعني: الأفضل. ولهذا وشبهه قال مالك: إنَّ تأخيرَ
العشاء أفضلُ. وقيل عنه: تعجيلُها أفضلُ أخذاً بالتَّخفيف. ولأنَّ التعجيلَ كان
(١) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (م).
(٣) في هامش (ظ): العلماء.
٢٦٥
(٣) كتاب الصلاة - (٧٣) باب: تأخير العشاء الآخرة
[٥٢٤] وعن ابن عمرَ، قالَ: مكثْنَا ليلةً ننتظرُ رسولَ الله وَلِّ لصلاةِ
العِشاءِ الآخرةِ، فخرجَ إلينا حينَ ذهبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أو بَعْدَه، فلا نَدري أَشَيءٌ
شَغَلَه في أهلِهِ، أو غيرَ ذلكَ، فقالَ حينَ خرِجَ: ((إنَّكم لتنتظرونَ صَلاةً
ما ينتظرُهَا أهلُ دِينٍ غَيْرُكُم، ولولا أنْ يَثْقُلَ على أُمَّتِي لصَلَّيْتُ بهم هذه
السَّاعَةَ)) ثم أمرَ المؤذِّنَ فأقامَ الصَّلاةَ وصَلَّى.
وفي رواية: شُغِلَ عنها ليلةً فَأَخَّرَها حتَّى رَقَدْنَا في المسجدِ، ثم
استيقظْنَا، ثم رَقَدْنا، ثم استيقظْنَا، ثم خرجَ علينَا رسولُ الله ◌َِّ ... وذكرَ
نحوَه.
رواه أحمد (٨٨/٢)، والبخاري (٥٧٠)، ومسلم (٦٣٩)، وأبو داود
(٤٢٠)، والنسائي (٢٦٧/١ -٢٦٨).
غالب أحوالِ رسولِ اللهِ وَل﴿ِ فيها. وقد اختارَ بعضُ أصحابنا تقديمَها إذا اجتمعوا،
وتأخيرها إذا أبطؤوا أَخْذاً بحديث جابر الآتي.
و (قوله في حديث ابن عمر: ((مَكَثْنا ليلةً))) أي: لبثنا وأقمنا ننتظر.
و (قوله: ((فلا ندري! أشيء شغله(١) في أهله أو غير ذلك))) وقال في الرواية
الأخرى: شغل عنها ليلة، قيل: إنه جهّز جيشاً.
و (قوله: ((فأخّرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا») يعني
به: نوم الجالس المحتبي وخطرات السنات(٢)، لا نوم الاستغراق، كما قال في
الحديث الآخر: «کان أصحابُ رسول الله پو ینامون حتی تخفقَ رؤوسهم، ثم
(١) في (ظ): شغله عنها.
(٢) ((السنات)): جمع سِنة، وهي النعاس، وهو ما يتقدَّم النوم من الفتور وانطباق العينين.
٢٦٦
(٣) كتاب الصلاة - (٧٣) باب: تأخير العشاء الآخرة
[٥٢٥] ومن حديث عائشةَ: فلم يخرجْ رسولُ الله وَّهِ حتَّى قالَ
عمرُ: نامَ النساءُ والصِّبْيَانُ. فخرجَ رسولُ اللهِ وَّهِ ... وذكرَ نحوَه. وفيه:
قال ابنُ شهاب: وذُكرَ لي أنَّ رسولَ الله ◌ِّ قالَ: ((ومَا كانَ لكم أن تَنْزُرُوا
رسولَ اللهِ وَّ﴿ على الصَّلاة)) وذلكَ حين صاحَ عمرُ.
رواه مسلم (٦٣٨) (٢١٨).
[٥٢٦] وعن ثابتٍ، أنَّهم سألوا أنسَاً عن خاتم رسولِ الله وَّه فقالَ:
أَخَّرَ رسولُ اللهِهِ العِشَاءَ ذاتَ ليلةٍ إلى شَطْرِ اللَّيْلِ، أو كادَ يذهبُ شطرُ
يصلُّون ولا يتوضّؤون))(١). وقد تقدَّم القولُ في النوم في كتاب الطّهارة.
و(قوله {يَافي: ((وما كان لكم أن تبرزوا رسول الله وَلچي))) رواه الرازي بالباء،
وتقديم الراء، وضم التاء، وكسر الراء: من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائرُ
الرواة: ((تنزُروا)) بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي وضمّها، وهو الصَّحيح(٢)؛
ومعناه: الإلحاحُ عليه في الخروج، وهذا إنما قاله وَّهِ مؤدِّباً لهم ومعلِّماً لمَّا صاح
عمر: نام النساءُ والصِّبيان. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((أخّر رسولُ اللهِ وَلَه العشاءَ ذات ليلةٍ إلى شَطْر الليل، أو كاد يذهبُ
شطرُ الليل))) أي: نصفُ الليل. وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: ووقتُ العشاء
مغيب الشفق إلى نصفِ الليل(٣). فكلاهما حجّةٌ لما صار إليه ابنُ حبيب؛ من أنَّ
آخرَ وقت العشاءِ الآخرة نصف الليل.
(١) رواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨) من حديث أنس رضي الله
عنه .
(٢) انظر: إكمال إكمال المعلم (٣١٥/٢) حيث قال: وهو الصواب.
(٣) سبق تخريجه برقم (٤٩٩).
٢٦٧
(٣) كتاب الصلاة - (٧٣) باب: تأخير العشاء الآخرة
اللَّيل، ثم جاءَ فقالَ: ((إنَّ النَّاسَ قد صَلَّوْا ونَامُوا، وإنَّكمْ لنْ تَزَالُوا في
صَلاةٍ ما انتظرتُم الصَّلاةَ».
قال أنس: كأني أنظرُ إلى وَبِيصٍ خَاتَمِهِ في يدِهِ مِن فِضَّةٍ، ورفعَ
إصبعَه اليُسرى بالخِنْصَرِ .
رواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٤٠) (٢٢٢)، والنسائي (٢٦٨/١)،
وابن ماجه (٦٩٢).
[٥٢٧] وعن جابرٍ بن سَمُرة، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَهِ يُصَلِّي
الصَّلَوَاتِ نَحْواً مِن صَلاتِكم، وكان يُؤْخِّرُ العَتَمَة بعدَ صَلاتِكم شيئاً، وكانَ
يُخِفُّ الصَّلاة.
رواه مسلم (٦٤٣) (٢٢٧).
[٥٢٨] وعن عبدِ الله بن عُمر، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقولُ:
((لا تغلبنَّكُم الأعرابُ على اسم صَلاتِكم، ألا إنَّها العِشَاءُ، وهُم يُعْتِمُونَ
بالإبلِ)).
و (قوله: ((كأني أنظر إلى وبيصٍ خاتمه في يده من فضّة))) الوبيصُ: البريقُ.
وهو دليلٌ: على جوازِ اتِّخاذ خاتم الفضَّة، وعلى جَعْله في اليد اليسرى، وهو اتخاذ خاتم
الأفضلُ. والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلامُ على ذلك.
الفضة
و (قوله وَله: ((لا تغلبنكم الأعرابُ على اسم صَلاتكم العشاء)))(١) الأعرابيُّ: تسمية العشاء:
مَن كان من أهلِ البادية. والعربيُّ: منسوبٌ إلى العرب وإن لم يكن بدوياً. وهذا عتمة
(١) وردت لفظة (باب) قبل هذا الحديث في المخطوط، ورأينا حذفها وإتباع الحديث
للباب السابق لعدم الفصل في المفهم، ولأن المعنى بين الأحاديث متفق.
٢٦٨
(٣) كتاب الصلاة - (٧٣) باب: تأخير العشاء الآخرة
وفي روايةٍ: ((فإنَّها في كتابِ اللهِ العِشَاءُ، وإنها تُعْتِمُ بحلابٍ
الإبلِ».
رواه أحمد (١٠/٢ و١٩)، ومسلم (٦٤٤)، وأبو داود (٤٩٨٤)،
والنسائي (١/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٧٠٤).
النهي عن اتّباع الأعراب في تسميتهم العشاء: عَتَمة. إنما كان لئلّاً يعدلَ بها عمّا
سمّاها الله تعالى به في كتابه إذ قال: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَآءِ﴾ [النور: ٥٨]. فكأنه
إرشادٌ إلى ما هو الأولى، وليس على جهة التَّحريم، ولا على أنَّ تسميتها العتمةً
لا يجوزُ، أَلَا ترى أنه قد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ وَّرِ قد أطلقَ عليها ذلك. إذ قال: ((ولو
يعلمون ما في العتمة والُّبح»(١) وقد أباحَ تسميتها بذلك أبو بكر، وابن عباس
رضي الله عنهم. وقيل: إنما نهى عن ذلك تَنْزيهاً لهذه العبادةِ الشَّريفة الدِّينية عن أن
يُطْلَقَ عليه ما هو اسمٌ لفعلة دنيوية، وهي الحلبةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك
الوقت ويسمّونها: العَتَمة، ويشهدُ لهذا قوله: ((وإنها تُعْتِمُ كلاب الإبل)). قلت:
يظهرُ لي أنَّ المقصودَ من هذا النهي ومن قوله: ((لا تغلبنكم الأعرابُ على اسم
صلاتكم المغرب))(٢): أَلَّا تَّبعَ الأعراب في تسميتهم هاتين الصَّلاتين بذلك؛ لأنهم
لم يقتدوا في تَسْميتها لا بما جاء في الكتاب - من تسميتها العشاء - ولا بما جاء في
السُّنَّة - من تسميتها بالمغرب - إذ قد ثبت في غير ما حديث تسميتها: بالمغرب كما
جاء في حديث جبريل وغيره. والله تعالى أعلم.
#
(١) رواه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه أحمد (٥٥/٥)، والبخاري (٥٦٣) من حديث عبد الله المزني.
٢٦٩
(٣) كتاب الصلاة - (٧٤) باب: التغليس بصلاة الصبح
(٧٤) باب
التغليس بصلاة الصبح
[٥٢٩] عن عائشةَ، قالتْ: إنْ كانَ رسولُ اللهِ وَيِ لَيُصلِّي الصُّبحَ،
فينصرفُ النِّساءُ مُتَلَفِّعاتٍ بمرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَس.
وفي رواية: مُتَلَفْفاتٍ.
رواه أحمد (٣٣/٦)، والبخاري (٥٨٧)، ومسلم (٦٤٥) (٢٣٢)،
وأبو داود (٤٢٣)، والترمذي (١٥٣)، والنسائي (٢٧١/١)، وابن ماجه
(٦٦٩).
(٧٤) ومن باب: التَّغليس بصلاة الصُّبح
(قوله: ((متلفعات بمروطهن))) كذا الروايةُ الصَّحيحةُ بالفاء والعين المهملة،
من التلفع، وهو تغطيةُ الرأس والجسد. وقد وَقَعَ لبعض رواةِ الموطأ: ((متلفّفات))
أي: متغطيات. والمروط: جَمْعُ مِرط بكسر الميم، وهو الكساء.
و (قوله: ((ما يُعرفن من الغلس))) هو بقايا ظُلمة الليل يخالِطُها بياضُ الفجر.
قاله الأزهري. وقال الخطابيُّ: الغبشُ - بالباء والشين المعجمة - قبل الغبس
- بالسين المهملة - وبعده الغلس - باللام - وكلّها في آخر الليل. ويكون الغبشُ في
أول الليل [أيضاً] (١).
و (قوله: ((ما يعرفن))) أي: هُنّ نساء أم رجال. وقيل: لا تُعرف أعيانُهن وإن
عرف أنهن نساء، وإن كنّ متكشفات الوجوه. وهذا يدلُّ على أنَّ الغالبَ من صلاة
رسول الله وَ﴿ الصُّبح إنما كان في أول الوقت. وكذا قال ابنُ عباس: ((ثم كانت .
(١) من النهاية لابن الأثير.
٢٧٠
(٣) كتاب الصلاة - (٧٤) باب: التغليس بصلاة الصبح
[٥٣٠] وعن جابرِ بن عبدِ الله، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَلِ يُصلِّي
الظهرَ بالهَاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ نَقِيَّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَتْ، والعِشَاءَ
أحياناً يُؤَخِّرُها، وأحياناً يُعَجِّلُ، كانَ إذا رآهم قد اجتمعُوا عَجَّلَ، وإذَا رآهُم
قد أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، والصَّبْحَ كَانوا (أو قال: كان النَّبِي وََّ) يُصلِّيها بِغَلَس.
رواه أحمد (٣٦٩/٣)، والبخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦) (٢٣٣)،
وأبو داود (٣٩٧)، والنسائي (٢٦٤/١).
[٥٣١] وعن أبي برزةَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَِّ يُصَلِّي الظهرَ حينَ
تزولُ الشَّمسُ، والعصرَ يذهبُ الرَّجلُ إلى أَقْصَى المدينةِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ.
قالَ: والمغربَ لا أَدْرِي أيَّ حينٍ ذكَرَ. وكانَ يُصلِّي الصُّبْحَ، فينصرفُ
الرجلُ فينظرُ إلى وجهِ جليسِه الذي يعرفُ فيَعرِفُه. وكانَ يقرأُ فيها بالسِّتِّين
إلى المِئةِ .
صلاة الصبح في صلاتُه بعد ذلك التَّغليس حتى مات لم يَعُدْ إلى أن يُشْفِرِ))(١). ويفيدُ هذا أن صلاةً
الصُّبح في أول وقتها أفضل. وهو مذهبُ مالك، والشَّافعي، وعامَّة(٢) العلماء
خلا(٣) الكوفيين؛ فإن آخرَ وقتِها عندهم أَفْضَلُ.
أول وقتها
أفضل
و (قوله: ((والمغرب إذا وجبت))) أي: سقطتْ، يعني: الشمس. ومنه:
وَجَبَ الحائط؛ أي: سقط.
و (قوله: ((والشمس حيّة))) أي: بيضاءُ لم تدخلها صُفْرَةٌ. وقيل: أي لم
تذهب حرارتها.
(١) سبق تخريجه من حديث أبي مسعود برقم (٤٩٨). أما حديث ابن عباس ففيه تحديد
وقت صلاة الفجر وآخره. انظر: سنن أبي داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩).
(٢) في (ظ): كافة.
(٣) في (م): خلافاً.
٢٧١
(٣) كتاب الصلاة - (٧٤) باب: التغليس بصلاة الصبح
وفي روايةٍ: كانَ رسولُ اللهِّهِ يُؤْخِّرُ العِشَاءَ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ويكرهُ
النومَ قبلَها، والحديثَ بعدَها.
رواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧) (٢٣٥ و٢٣٧)، وأبو داود
(٣٩٨)، والنسائي (٢٤٦/١).
*
و (قوله: ((وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها))) أمَّا كراهةُ النوم قبلها كراهة النوم قبل
فَلِمَا يُخافُ مِن غَلَبة النوم، فيفوت وقتُها، أو أفضل وقتها المستحسن. وقال بهذا صلاة العشاء
جماعةٌ، منهم: ابنُ عمر، وابن عباس، وغیرهم [وهو مذهب مالك، ورخّص فیه
والحديث بعدها
بعضُهم، منهم: علي، وأبو موسى، وغيرهم](١). وهو مذهبُ الكوفيين، واشترط
بعضُهم: أن يجعل معه من يوقظه للصَّلاة. ورُوي عن ابن عمر مثله، وإليه ذَهَبَ
الطحاوي. وأما كراهة الحديث بعدها؛ فلما يؤدِّي إليه من السَّهر، ومخافة غَلَبة
النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينامُ عن صلاة الصُّبح. قلتُ:
ويظهرُ لي: أنَّ كراهةَ ذلك إنما هو لما أنَّ الله جعل الليلَ سَكناً، أي: يُسْكَن فيه،
فإذا تحدَّثَ الإنسانُ فيه فقد جَعَلَه كالنَّهار الذي هو مُتَصرَّف المعايش، فكأنه قَصَد
إلى مخالفةِ حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده. وقيل: يُكره ذلك؛ لئلا نلغو
في كلامنا، أو نخطىءٍ فيه، فَيُخْتَم عملُنا بعمل سيِّىء، أو بقولٍ سيِّىء. و ((النومُ
أخو الموت))(٢) أو لعلَّه يكون فيه الموتُ. والله تعالى أعلم. وقيل: كُرِه ذلك
لِتُراحَ الكتبةُ الكرام. وقد كان بعضُ السلف يقول لمن أرادَ أن يتحدَّثَ بعد العشاء:
أريحُوا الكتبة. وهذه الكراهةُ تختصُّ بما لا يكونُ من قبيل القُرَب، والأذكار،
وتعلُّم العلم، ومسامرة أهل العلم وتعلُّم المصالح وما شابه ذلك. فقد وَرَدَ عن
النبي وَ﴿ وعن السَّلف ما يدلُّ على جواز ذلك، بل على ندبيته. والله تعالى أعلم.
(١) من (ظ).
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤١٥/١٠): رواه الطبراني في الأوسط والبزار، ورجال
البزار رجال الصحيح.
٢٧٢
(٣) كتاب الصلاة - (٧٥) باب: المنع من إخراج الصلاة عن وقتها
(٧٥) باب
المنع من إخراج الصَّلاة عن وقتها
[٥٣٢] عن أبي ذرٍّ، قالَ: قال لي رسولُ اللهِوَّهِ: «كيفَ أنتَ إذا
كانتْ عليكَ أُمراءُ يُؤخِّرونَ الصَّلاة عن وقتِها؟ أو يُمِيتُون الصَّلاةَ عن
وقتِها؟)) قالَ: قلتُ: فما تأمرُني؟ قالَ: ((صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أدركتَها
معهم فَصَلِّ، فإنَّها لكَ نافلةٌ)).
وفي روايةٍ: ((فإنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِها كانتْ لك نافلةً، وإلَّا كنتَ قد
أحرزتَ صَلاتَكَ)).
رواه مسلم (٦٤٨) (٢٣٨ و٢٣٩)، وأبو داود (٤٣١)، والترمذي
(١٧٦)، والنسائي (٢/ ٧٥).
(٧٥) ومن باب: المنع من إخراج الصَّلاة عن وقتها
(قوله: ((يؤخِّرون الصَّلاةَ عن وقتها أو يُميتون الصَّلاة))) هو شكٌّ من أحد
الرواة. وإماتتُها: إخراجُها عن وقتها حتى تكونَ كالميت الذي لا رُوْحَ له. وهذا
منه وَ﴿ مِن أعلام نبوَّته؛ إذ قد أخبر بأمرٍ غيبيّ وَقَعَ على نحو ما أخبر. وقد ظَهَرَ
بعده من تأخير بني أمية الصَّلاة ما قد عُرف، وشوهِد.
و(قوله وَّر: ((كيف أنت إذا كانت أمراء))) إشعارٌ بقُرْبٍ زمان ذلك.
و (قوله وَله: ((صلِّ الصَّلاة لوقتها))) يعني: الأفضل؛ بدليل قوله: ((فإن
أدركْتَها معهم)) أي: في الوقت، وبدليل قوله: ((فإن صَلَّيْتَ لوقتها كانت لك نافلة»
أي: زيادة في العمل والثواب.
و (قوله: ((وإلا كنت قد أحرزت صلاتك))) أي: فَعَلْتَها في وقتها، وعلى
٢٧٣
(٣) كتاب الصلاة - (٧٥) باب: المنع من إخراج الصلاة عن وقتها
[٥٣٣] وعن أبي العَالية البَرَّاءِ، قالَ: أَخَّرَ ابنُ زياد الصَّلاةَ، فجاءَني
عبدُ الله بنُ الصَّامتِ، فألقيتُ له كُرسيّاً فجلسَ عليه، فذكرتُ له صنيعَ ابنِ
زيادٍ، فعضَّ على شَفَتِهِ، فضربَ فَخِذي وقالَ: إنِّي سألتُ أبا ذَرَّ كما
سَألْتَني، فضربَ فَخِذي كما ضربتُ فَخِذَكَ، وقالَ: إِنِّي سألتُ
رسولَ الله ◌ََّ كما سَألْتَني، فضربَ فَخِذِي كما ضربتُ فَخِذَكَ، وقالَ:
((صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أدركتْك الصلاةُ معهم فصَلِّ، ولا تقلْ إنِّي قد
صَلَّيْتُ فلا أُصَلِّي)).
رواه أحمد (١٤٧/٥ و١٦٠)، ومسلم (٦٤٨) (٢٤٢)، والنسائي
(٢ /٧٥ و ١١٣).
ما يجبُ أداؤها. وفيه: جواز فِعْل الصَّلاة مرَّتين، ويُحمل النَّهيُ عن إعادة الصَّلاة: فِعْل الصلاة
على إعادتها مِن غير سَبَب. وتأخيرُ ابنِ زياد الصَّلاةَ على رأي بني أمية في تأخيرهم مرَّتين
الصَّلوات. وضَرْبُ النَّبِيَِّ على فخذ أبي ذرِّ تنبيهٌ له على الاستعدادِ لقبول
ما يُلْقَی إلیه.
و (قوله: ((ولا تقلْ إني قد صلَّيتُ فلا أصلي))) نهاه عن إظهار خلافٍ على السمع والطاعة
الأئمة. ولذلك قال: إنَّ خليلي أوصاني أن أسمع وأُطيع وإن كان عبداً مجدّع للأئمة
الأطراف(١).
(١) رواه مسلم (١٨٣٧).
٢٧٤
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
(٧٦) باب
صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
[٥٣٤] عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((صَلاةُ الجماعةِ
أفضلُ من صَلاةِ أحدِكُم وحدَه بخمسةٍ وعشرينَ جُزءا)).
رواه أحمد (٤٨٤/٢)، والبخاري (٤٧٧)، ومسلم (٦٤٩) (٢٤٥)،
وأبو داود (٥٥٩)، والترمذي (٦٠٣)، وابن ماجه (٧٨٦).
(٧٦) ومن باب: صلاة الفذّ جائزة والجماعة أفضل
(قوله: ((صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صَلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين
جزءاً)) وفي حديث ابنِ عمر: ((بسبع وعشرين درجةً)). اخْتُلِفَ في الجزء والدَّرجة،
هل مقدارُهما واحدٌ أو لا؟ فقيلَ: الدَّرجةُ أصغرُ من الجزء، فكأنَّ الخمسةَ
والعشرين إذا جُزِّئَتْ درجات كانت سبعاً وعشرين. وقيل: يُحْمَلُ على أنَّ الله تعالى
كَتَبَ فيها: أنها أفضلُ بخمسة وعشرين جزءاً، ثم تفضَّل بزيادة درجتين. وقيل: إنَّ
هذا بحسب أحوال المصلِّين، فمن حافظَ على آداب الجماعة، واشتدّتْ عنايتُه
بذلك كان ثوابُه سبعاً وعشرين. ومن نقص عن ذلك؛ كان ثوابُه خمساً وعشرين.
وقيل: إنَّه راجعٌ إلى أعيان الصَّلوات فيكون على بعضِها سبعاً وعشرين، وعلى
بعضها خمساً وعشرين. والله تعالى أعلم.
وهذا الحديثُ ردِّ على داود في قوله: إنَّ مَن صلَّى فذّاً وترك الجماعة
لا تُجزئه صلاتُه. ووجهُ الردِّ عليه: أنه وَلَ قال: ((صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة
الفذّ)) فشرَّك بينهما في الفضيلة. وذلك لا يكونُ إلا بعد الحكم بصحَّة كلِّ صلاةٍ
منهما. وقد نصَّ على هذا المعنى في الرواية التي قال فيها: ((صلاةُ الرَّجُلِ في
جماعةٍ تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة)) ولا تتحقَّقُ الزيادةُ إلا بعد
٢٧٥
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
[٥٣٥] وعن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((صَلاةُ الجماعةِ
أفضلُ من صَلاة الفَذِّ بسبعٍ وعشرينَ درجةً)).
وفي روايةٍ: ((صَلاة الرَّجُلِ في الجماعة تزيدُ على صَلاتِهِ وحدَه سبعاً
وعشرينَ)).
رواه أحمد (١٠٢/٢)، والبخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠)،
والترمذي (٢١٥)، والنسائي (١٠٣/٢)، وابن ماجه (٧٨٩).
ثبوتِ المزيد عليه وتحقُّقه، وقد أفادتْ هذه الزيادةُ أنَّ المصليَ في جماعةٍ يكونُ له
ثمانية وعشرون جزءاً باعتبار الأصل الذي زِيْدٍ عليه سبع وعشرون، ويكونُ
للمصلي وحده جزءٌ واحد. لا يُقال: إنَّ لفظةَ أفعل قد تردُ لإثبات صفةٍ في إحدى
الجهتين ونفيها عن الأخرى، وأفعل المضافة إلى صلاة الفذِّ كذلك؛ لأنَّا نقول:
إِنما يصحُّ ذلك في أفعل مُطلقاً غير مقرونٍ بمن كقوله تبارك وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ
أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقد اختلفَ العلماءُ في هذا الفَضْلِ المضافِ
للجماعة: هل هو لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما يكون ذلك الفضلُ الجماعة
للجماعة التي تكونُ في المسجد؟ لما يلازم ذلك من أفعالٍ تختصُّ بالمساجد، لها الفضل
كإكثار الخطا إلى المساجد، وكتب الحسنات، ومَحْو السيئات بكل خُطوة، وانتظار
الصَّلاة، ودُعاء الملائكة، ومُراعاة آدابِ دخول المسجدِ إلى غير ذلك. والظاهِرُ
الأول؛ لأنَّ الجماعةَ هو الوصفُ الذي عُلّق عليه الحكم. ثم إذا قلنا ذلك لأجل
الجماعة، فهل تفضلُ جماعةٌ جماعةً بالكثرة؟ المشهورُ عن مالك: أنه لا فَضْلَ هل تفضلُ
الجماعةٍ على جماعة. وقال ابنُ حبيب: بل تفضلُ جماعةٌ جماعةً بالكثرة، وفضيلة جماعةٌ جماعة
الإمام. وعلى المشهور: فمن صلَّى في جماعةٍ فلا يعيدُ في أكثر منها. وعليه عامةُ بالكثرة؟
العلماء إلا ما رُوي عن مالك وغيره من إعادتها في المساجدِ الثَّلاثةِ في الجماعة .
التي
٢٧٦
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
(٧٧) باب
التغليظ في التخلف عن الجماعة والجمعة
[٥٣٦] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ
عَلى المنافقينَ صلاةُ العِشَاءِ وصَلاةُ الفَجْرِ، ولو يعلمونَ مَا فيهما لأَتَوْهُما
ولو حَبْواً، ولقد هَمَمْتُ أنَّ آمرَ بالصَّلاةِ فتُقَامَ، ثم آمُرَ رجلاً فيُصَلِّيَ
بِالنَّاس، ثم أنطلقَ معي برجالٍ، معهم حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قومٍ لا يَشهدونَ
الصَّلاَة؛ فَأُحَرِّقَ عليهم بيوتَهم بالنَّار)).
(٧٧) ومن باب: التغليظ في التخلُّف عن الجماعة
ثِقل صلاة العشاء والفجر على المنافقين للمشقَّة اللاحقةِ من المحافظةِ
ثقل صلاني
العشاء والفجر عليهما لأنّهما في وقتٍ نومٍ، وركون إلى الراحة، ولمشقة الخروج إليهما في
على المنافقين
الظلمة إلى غير ذلك، فلا يَتجشّم هذه المشاقَّ إلا مَن تيقّن ثواب الله وَرَجاهُ،
وخافَ عقاب الله واتَّقاه، وذلك هو المؤمن. وأما المنافقُ فكما قال اللهُ تعالى
فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُّوْاْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كَُالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّّ قَلِيلًا﴾
[النساء: ١٤٢].
و (قوله: ((ولو يعلمون ما فيهما))) أي: في فِعْلهما من الثواب، وفي تركهما
من العقاب. ((لأتوهما))) أي: لجاؤوا إليهما ((ولو حبواً)) أي: محتبين، يزحفون
على أَلْيَاتهم من مرضٍ أو آفةٍ.
و (قوله: ((ولقد هممتُ أن آمرَ بالصَّلاة فتُقَام)) إلى قوله: ((فأحرّق عليهم)))
استدلَّ بهذا الهمّ داود، وعطاء، وأحمد، وأبو ثور: على أنَّ صلاةَ الجماعة فَرْض،
وعيده وَ﴿ لمن ولا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنه ((همَّ)) ولم يفعل، وإنما مخرجُه مخرج التَّهديد والوعيد
للمنافقين الذين كانوا يتخلّفون عن الجماعة والجُمُعة. وقد كان التخلفُ عن
الصلاة في الجماعة علامةً من علامات النفاق عندهم كما قال عبدُ الله بن مسعود:
تخلف عن
الجماعة
٢٧٧
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
وفي رواية: ((ثم تُحَرَّقُ بيوتٌ على مَنْ فيهَا)).
لقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاق، وكما قال ◌َله: ((بيننا وبين
المنافقين شهودُ العَتَمة والصبح لا يستطيعونهما))(١) ويفيدُ هذا الحديثُ تأكد أمر
شهود الصَّلوات في الجماعة، ولذلك قال جماعةٌ من أمّتنا: إنَّ الجماعةَ فيها واجبةٌ حكم صلاة
على الكفاية من أجل أنّ إقامة السنن وإحياءها واجب على الكفاية، أي تَرْكُها يُؤدِّي الجماعة
إلى إماتتها. وذهب عامَّةُ العلماء: إلى أنها سُنَّةٌ مؤكدة، كما قد دللنا عليه بقوله:
(صلاةُ الجماعة أفضلُ من صلاة الفذ))(٢) إذا حاصِلُه: أنَّ صلاةَ الفذّ صحيحة.
ووقوعها في الجماعة أفضل. قال القاضي عياض: اختلفَ في التمالؤ(٣) على ترك
ظاهِرِ السُّنن هل يُقاتل عليه أم لا؟ والصَّحيحُ قتالهم؛ لأن في الثَّمالي عليها إمائتها .
قلتُ: ويُحْتَمَلُ أن يكونَ ذلك التهديدُ لقوم من المؤمنين صلَّوا في بيوتهم لأمرٍ
توهّموه مانعاً ولم يكن كذلك. ويؤيِّد هذا التّأويلَ ما في كتاب أبي داود من الزِّيادة
في هذا الحديث فقال: ((لقد هممتُ أن آمر فتيتي فيجمعوا حُزَماً من حَطَب ثم آتي
قوماً يُصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّةٌ فأحرِّقها عليهم)). والمنافقون لا يصلُّون في
بيوتهم، إنما يصلُّون في الجماعة رياءً وسُمعةً، وأما إذا خَلَوا فكما وصفهمُ
اللهُ تعالى به من الكفر والاستهزاء، وعلى هذا التأويل: تكونُ هذه الجماعةُ المهدَّد
على التخلف عنها هي الجمعة. كما قد نصَّ عليه في حديث عبد الله بن مسعود،
فَيُحْمَلُ المطلقُ منهما على المقيّد. والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث دليلٌ: على جواز العقوبةِ في المال.
و (قوله: ((ثم تُحَرَّقُ بيوتٌ على مَن فيها))) ما يدلُّ: على أنَّ تاركَ الصَّلاة
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٣٠) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(٢) سبق تخريجه برقم (٥٣٤).
(٣) أي: التمالؤ، وهو الاجتماع على الشيء.
٢٧٨
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
وفي روايةٍ: ((ولو علمَ أحدُهم أنَّه يجدُ عَظْماً سَمِيناً لشهدَها)) يعني:
صَلاة العِشَاء.
رواه أحمد (٤٢٤/٢)، والبخاري (٤٤/٢) تعليقاً، ومسلم (٦٥١) (٢٥٢
و ٢٥٣)، وأبو داود (٥٤٨ و٥٤٩)، والترمذي (٢١٧)، والنسائي (١٠٧/٢)،
وابن ماجه (٧٩٧).
[٥٣٧] وعن عبدِ الله، أنَّ النبيَّ وَّهِ قالَ لقوم يَتَخلَّفُونَ عن الجُمعة:
((لقد هَمَمْتُ أن آمرَ رجلاً يُصَلِّي بالنَّاس، ثم أُحَرِّقَ - على رِجَالٍ يَتَخلَّفونَ
عن الجُمُعَةِ - بيوتَهم)).
رواه أحمد (٤٠٢/١ و ٤٤٩ و٤٦١)، ومسلم (٦٥٢).
أَخْذ أهل مُتهاوناً يُقتل. وفيه جوازُ أخذ أهل الجرائم على غِرَّة.
الجرائم على
غِرَّة
و (قوله: ((ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لَشَهِدَها))) وقال البخاري في
آخر هذا الحديث: ((والذي نفسي بيده! لو يعلمُ أحدُهم أنه يجدُ عَزْقاً سميناً أو
مِرْماتين حسنتين لشهدَ العشاء)» والعَرْق، والعراق: العظمُ الذي عليه اللحم.
والمِرماة، بكسر الميم، صحيح الرواية فيه كذلك. وقد اخْتُلِفَ فيها؛ فقال
ابنُ حبيب: هما السَّهمان. وقال الأخنسُ: المرماةُ: لعبةٌ كانوا يلعبونها بنصالٍ
مُحَدَّدة يرمونها في كَوْم من تراب؛ فأيّهم أثبتها في الكوم غلب. وهي: المرماة،
والمدحاة، والجمع: مرام ومداح. وقال أبو عُبيد: المِرماةُ: ما بين ظلفي الشاة.
جَهْل المنافق ومعنى هذا الحديث: أنَّ المنافقَ لجهله بما أعدَّ اللهُ على شهودها في الجماعة
بفضل الجماعة يكسلُ عنها، وتثقلُ عليه، ولقلَّة رغبته في أعمالِ الخير. فلو عنَّ له حظّ يسيرٌ من
الدنيا كالمرماة، أو كالعَرْق: لبادر إليه، وأتى المسجدَ في أيّ وقت كان؛ إذا كان
ذلك الحظُّ في المسجد. والله تعالى أعلم.
٢٧٩
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
[٥٣٨] وعن أبي هُريرةَ، قَالَ: أتى النبيَّ بَّه رجلٌ أَعمى فقالَ:
يا رسولَ الله! إنَّه ليسَ لي قَائِدٌ يَقُودني إلى المسجدِ، فسألَ رسولَ الله وَله
أن يُرَخِّصَ له فيُصلِّ في بيتِهِ، فَرَخَّصَ له، فلمَّا وَلَّى دَعَاه، فقال: ((هلْ
تَسمِعُ النِّدَاءُ بالصَّلاةِ؟)) قالَ: نعم. قالَ: ((فَأَجِبْ)).
رواه مسلم (٦٥٣)، والنسائي (١٠٩/٢).
[٥٣٩] وعن عبدِ الله، قالَ: مَنْ سَرَّهُ أنْ يلقَى اللهَ غَداً مُسلماً
فليحافظْ على هؤلاءِ الصَّلواتِ، حيثُ يُنَادَى بهنَّ. فإنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ -
و (قول أبي هريرة: ((أتى النبيَّ نَّهَ رجلٌ أعمى))) هو ابنُ أمِّ مكتوم على
ما ذكره أبو داود والدار قطني(١).
و (قوله: ((فرخص له فلما ولّى دَعَاهُ))) هذا الترخيصُ إنما كان من النبي وَ ◌ّ
بناءَ منه على أنه لما لم يكنْ له قائدٌ يقوده تعذَّر عليه المشي إلى المسجد، ثم إنه
لما تبيَّن له مِن حاله أنه يتمكَّنُ من ذلك، كما قد يتَّفقُ لبعض العميان، قال له:
((لا أجدُ لكَ رخصة)) كما رواه أبو داود في هذا الخبر. ودليلُ صحّة ما ذكرناه:
أنه إنَّ لو تحقَّقَ له عُذْراً (٢) لَعَذَرَهُ كما رخّص لعتبان(٣). ولِمَا قد أجمعتِ الأمةُ
عليه من سقوط حضور الجماعة عن ذَوي الأعذار.
و (قوله وَلّى: ((هل تسمعُ النداء بالصَّلاة؟ قال: نعم. قال: أجب))) يدلُّ:
على أنَّ ذلك كان في الجمعة، وحينئذٍ لا تكونُ فيه حُجَّةٌ لداود، ولا لمن استدلَّ به
(١) رواه أبو داود (٥٥٣)، والنسائي (١١٠/٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، والدار قطني
(٣٨١/١) من حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه.
(٢) في المعجم: تحقَّق فلانٌ الشيءَ.
(٣) سيرد في التلخيص برقم (٥٤٣).
٢٨٠
(٣) كتاب الصلاة - (٧٦) باب: صلاة الفذ جائزة والجماعة أفضل
شرعَ لنبيِّكُمْ وَ﴿ سُنَنَ الهُدَى، وإنَّهنَّ من سُنَن الهُدى، ولو أنَّكم صَلَيتم في
بُيُوتِكم كما يُصلِّي هذا المُتخلِّفُ في بيتِه لتركتُمْ سُنَّ نبِيُّكم ◌ََّ، ولو تركتُم
سُنَّةَ نبيَّكم لضَلَلْتُمْ، ومَا مِن رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهورَ، ثم يَعْمِدُ إلى
مَسْجِدٍ مِن هذِهِ المساجدِ، إلا كتبَ اللهُ له بكلِّ خُطوةٍ يَخطُوها حَسَنةً،
ويَرْفَعُه بها درجةً، ويَحُطُّ عنه بها سيئةً، ولقد رأَيْتُنَا ومَا يتخلَّفُ عنهَا إلا
منافقٌ مَعلومُ النِّفاقِ. ولقد كانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى به يُهَادَى بِينَ الرَّجُلَيْن حتى يُقَامَ
في الصَّفِّ.
رواه مسلم (٦٥٤) (٢٥٧)، وأبو داود (٥٥٠)، والنسائي (١٠٧/٢
و ١٠٩)، وابن ماجه (٧٧٧).
على وجوب الجماعة في غيرِ الجمعة. ولو سلم أن المرادَ به الجماعةَ لسائر
الصلوات لأمكنَ أن يُقال: كان ذلك سدّاً لباب الذَّريعة إلى إسقاطها لأجلٍ
المنافقين، كما قال عبدُ الله: ولقد رأيتُنا وما يتخلَّفُ عنها إلا منافقٌ أو مريض.
و (قوله في حديث ابن مسعود: ولو أنكم صلَّيتم في بيوتكم كما يصلِّي هذا
المتخلِّفُ؛ لتركتم سُنَّة نبيكم، ولو تركتموها لَضَلَلْتُم) هذا يصلحُ أن يتمسَّكَ به مَن
قال: إن إقامةَ الجماعةِ للصَّلوات فَرْضٌ على الكفاية. كما حكيناه. ويصلحُ لمن
يقول: إنها سُنَّة. ويكون إطلاقُه الضلالَ على التَّاركين إذا تمالؤوا على تَرْكها كما
قدَّمناه. والضلالُ: ضدّ الهدى، وأصله: من ضلّ عن الطريق؛ إذا أخطأه وعَدَل
عنه. والسَّنن: روي بفتح السين: وهو الطريق، وبضمها: جمع سنة، وهي
الطريقة. (ويُهادى بين الرجلين): يتماشى بينهما مُعتمداً عليهما لمرضه وضَعْفه.
والله أعلم.