النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات فإنَّها تطلعُ بِينَ قَرْنَيْ شَيْطَان)). رواه مسلم (٦١٢) (١٧٣ و١٧٤)، وأبو داود (٣٩٦)، والنسائي (٢٦٠/١). [٥٠٠] وعن أبي مُوسى، عن رسولِ اللهِ وَ لَ، أَنَّه أتاه سَائلٌ فسألَه عن مواقيتِ الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه شَيئاً - وفي روايةٍ: فقالَ له: ((صَلِّ معنَا لفسدتْ عليه. وهذا بخلاف ما عليه كافةُ العلماء، فإنهم رأوا أنَّ الفرضَ لا يتناوله هذا العمومُ بنص قوله ◌َله: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها))(١). وفي بعض رواياته: ((فذلك وقتها)) فجمعوا بين الحديثين على هذا الوجه، والجمعُ أولى من التَّرجيح. وقد تقدَّم الكلامُ على قوله: ((بين قرني الشيطان)). و (قوله في بعض روايات حديث عبد الله بن عمرو: ((ووقت المغرب ما لم يسقطْ ثور الشفق)) قال الخطابي: هو ثوران حمرته واندفاعه. ويروى بالفاء في غير الأم. وهو بمعنى فورانه؛ أي: سطوعه، وظهوره، مِن: فار الماء؛ إذا اندفع وظھر . و (قوله في حديث أبي موسى: ((فلم يَرُدَّ عليه شيئاً)) يعني: على السائل، تأخير البيان أي: لم يردّ عليه ما يحصلُ له به بيانُ ما سأل عنه. وإلا فقد قال له: ((صلِّ معنا إلى وقت الحاجة هذين اليومين)) كما جاء في الرواية الأخرى. وفي هذا: جوازُ تأخير البيانِ إلى وقتِ الحاجة. وجاز للنبي وَ﴿ أن يؤخِّر بيانَ ما سأله عنه؛ وإن جاز على السائل أن يُخترمَ قبل ذلك(٢)، لأنَّ الأصلَ: استصحابُ السلامة، والبقاءُ إلى مثل هذه المدة، أو: أوحي إليه: أنه يبقى إلى هذه المدة. (١) رواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (١٨٦٨)، وأبو داود (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١)، والنسائي (١٥٥/٦) من حديث أنس رضي الله عنه. (٢) أي: يموت. ٢٤٢ (٣) كتاب الصلاة - (٦٥) باب: أوقات الصلوات هذَينٍ، يعني: اليومين)) - قالَ: فأقامَ الفجرَ حين انْشَقَّ الفجرُ والنَّاسُ لا يَكادُ يَعرِفُ بعضُهم بَعْضاً - وفي روايةٍ: فأمرَ بلالاً فَأَذَّنَ بغَلَس، مكانَ: فأقامَ -، ثم أمرَه فأقامَ بالظَّهْرِ حينَ زالتِ الشَّمسُ والقائلُ يقولُ: قد انتصفَ النَّهارُ، وهو كانَ أعلمُ منهم. ثم أمرَه فأقامَ العَصْرَ والشَّمسُ مرتفعةٌ - في روايةٍ: بيضاءُ نقيّة -، ثم أمرَه فأقامَ بالمغربِ حين وقعتِ الشَّمسُ. ثم أمرَه فأقامَ العشاءَ حين غابَ الشَّفَقُ. ثم أخَّرَ الفجرَ مِن الغَدِ حتى انصرفَ منها والقائلُ يقولُ: قد طَلعتِ الشَّمسُ أو كَادَتْ. ثم أخَّرَ الظهرَ حتى كانَ قريباً من وقتِ العصرِ بالأمس. ثم أخَّرَ العصرَ حتَّى انصرفَ منها والقائلُ يقولُ: قد احْمَرَّتِ الشَّمسُ. ثَم أخَّرَ المغربَ حتى كانَ عندَ سُقوط الشَّفَقِ. ثم أخّرَ العشاءَ حتى كان ثلثُ اللَّيلِ الأَوَّل. ثم أصبحَ فدَعا السائلَ فقالَ: ((الوقتُ بين هذينٍ» وفي روايةٍ، قال: ((وقتُ صلاتِكم بينَ ما رأيتُم)). رواه مسلم (٦١٣) (١٧٦ و١٧٧) من حديث بريدة و (٦١٤) (١٧٨) من حديث أبي موسى، وأبو داود (٣٩٥)، والنسائي (٢٦٠/١ - ٢٦١)، والترمذي (١٥٢)، وابن ماجه (٦٦٧). و (قوله: ((فأقام الفجر))) أي: أَمَر بها فأقيمت. كما قال في الرواية الأخرى: ((فأمر بلالاً فأذّن بغلس)) أي: أقام، فسمّى الإقامة: أذاناً؛ إذ يحصلُ بها الإعلامُ بحضور الصَّلاة والشُّروع فيها . وقت الوجوب و (قوله: ((الوقت بين هذين)) و(قوله: ((ووقت صلاتكم بين ما رأيتم))) وكذلك في حديث جبريل ((الوقت بين هذين) هي كلُّها حُجَّةٌ لمالك وأصحابه على قولهم: إنَّ الوقتَ الموسّع كلَّه للوجوب مِن أوله إلى آخره، وأن المكلَّفَ مُخيّرٌ بين تقديم الصلاة وتأخيرها إلى آخر الوقت، فأيُّ وقتٍ صلَّى فيه المكلَّفُ فقد أدّى ما عليه. وقد تخبّط كثيرٌ من الناس في هذا المعنى، وطال فيه نزاعُهم، وما ذكرناه واضحٌ موافقٌ لظاهر الحديث، وقد ذهبَ بعضُ أصحابنا وأصحاب الشافعي: إلى ٢٤٣ (٣) كتاب الصلاة - (٦٦) باب: الإبراد بالظهر في شدّة الحرّ [٥٠١] وخرَّجه من حديثٍ بُريدة بن حُصَيْب، وقالَ: ثم أمرَ بلالاً بالعصرِ والشَّمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ، لم تخالطْهَا صُفْرَةٌ - يعني: في اليومِ الثاني -. رواه أحمد (٣٤٩/٥)، ومسلم (٦١٣) (١٧٧)، والترمذي (١٥٢)، والنسائي (٢٥٨/١)، وابن ماجه (٦٦٧). (٦٦) باب الإِبْرَاد بالظهر في شِدَّةِ الحَرِّ [٥٠٢] عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَليهِ قالَ: ((إذَا كانَ الحَرُّ - وفي روايةٍ: إذا اشتدَّ الحَرُّ - فأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). أنَّ وقتَ الوجوب وقتٌ واحدٌ غير مُعيَّن، وإنما يُعيِّنه المكلَّفُ بفعله. وذهب الشافعيُّ: إلى أنَّ أولَ الوقتِ هو الواجب، وإنما ضربَ آَخِره فَضْلاً بين القضاء والأداء، وهذا باطل؛ بما أنه لو تعيَّن ذلك الوقتُ للوجوب لأَثِمَ مَن أخَّر الصلاةَ عنه إلى غيره. وبالإجماع لا يُؤْثَّم. وذهبَ الحنفية: إلى أنَّ وقتَ الوجوب آخرُ الوقت. وهذا أيضاً باطلٌ؛ إذ لو كان كذلك لما جاز لأحدٍ أن يُوقِعَ الصلاة قبلَ آخرِ الوقت، وقد جاز بالإجماع ذلك. ثم الحديث الذي ذكرناه يردُّ على هذه الفِرَقِ کلِّها. (٦٦) ومن باب: الإبراد في شدَّة الحرِّ (قوله ◌َله: ((إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة))) أي: أخّروها عن ذلك وقت الإبراد الوقت وادخلُوا بها في وقت البرد. وهو الزمنُ الذي يتبيَّنُ فيه انكسارُ شدَّة الحر، بالصلاة وتوجدُ فيه برودةٌ ما. يقال: أبرد الرجلُ؛ أي: صار في بردِ النهار، و (عن) في ! ٢٤٤ (٣) كتاب الصلاة - (٦٦) باب: الإبراد بالظهر في شدّة الحرّ وذَكَرَ ((أن النَّارَ اشْتَكتْ إلى رَبِّها، فأُذِنَ لها في كُلِّ عَامٍ بِنَفَسَيْن،َ نَفَسٍ في الشِّتَاءِ، ونَفَسٍ في الصَّيْفِ». قوله: ((عن الصلاة)) بمعنى الباء، كما قد رُوي في بعض طرقه: ((أبردوا بالصَّلاة)). و (عن) تأتي بمعنى الباء. كما يقال: رميتُ عن القوس؛ أي: به، كما تأتي الباء بمعنى: عن، كما قال الشاعر(١): بَصِيرٌ بِأَذْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ فإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّساءِ فَإِنَّنِي أي: عن النِّساء. وكما قيل في قوله تعالى: ﴿فَسْتَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي: عنه. وقيل: إنَّ (عن) هنا زائدة، أي: أبردوا الصلاة. يقال: أبردَ الرجلُ كذا: إذا فَعَلَه في بردِ النهار. ((وفيح جهنم): شدّة حرّها، وشدّة غليانها. يقال: فاحتِ القدر، تفيح: إذا هاجتْ، وغَلَتْ. و(النفس): التنفس. [فإذا تنفّستْ في الصيف قوّى لهيبَها حرُّ الشمس، فزاد حرّها وتضاعف](٢)، وإذا تنفست في البرد دفع حرّها شدّة البرد إلى الأرض، وهو الزمهرير الذي ذكره واخْتُلِف في معنى هذا الحديث: فمن العلماء مَن حَمَلَهُ على ظاهِره، وقال: هو لسانُ مقالٍ محقّق، وشكوى محقّقة، وتنفّس محقّق، إذ هو إخبارٌ من الصادق بأمرٍ جائز فلا يُحتاجُ إلى تأويله. وقيل: إنَّ هذا الحديثَ خَرَجَ مخرجَ التشبيه والتقريب، أي: كأنه نار جهنم في الحرّ. وقد تكونُ هذه الشكوى وهذه المقالة لسان حال، كما قال: شَكا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى [صَبْرٌ جَمِيْلٌ](٣) فكِلانَا مُبْتَلى والأول أولى؛ لأنه حَمْلُ اللفظِ على حقيقته، ولا إحالةَ في شيءٍ من ذلك. (١) هو علقمة. (٢) ساقط من (ع). (٣) في اللسان: صبراً جُمَيْلِي. ٠ ٢٤٥ (٣) كتاب الصلاة - (٦٦) باب: الإبراد بالظهر في شدّة الحرّ وفي روايةٍ: ((فمَا وَجَدْتُمْ مِن حَرٍّ أو حَرُورٍ فمن نَفَس جَهَنَّمَ، ومَا وجدتُم مِن بَرْدٍ أو زَمْهَریرٍ فمن نَفَسِ جَھنَّم». رواه أحمد (٤٦٢/٢)، والبخاري (٥٣٣)، ومسلم (٦١٥) (١٨٠) و (٦١٧) (١٨٦)، وأبو داود (٤٠٢)، والترمذي (١٥٧)، والنسائي (٢٤٨/١ - ٢٤٩)، وابن ماجه (٦٧٧ و٦٧٨). [٥٠٣] وعن أبي ذَرٍّ، قالَ: أَذَّن مُؤْذِّنُ رسولِ اللهِ وَّهِ بِالظُّهرِ، فقالَ النبيُّ وَّهِ: ((أَبْرِذْ، أَبْرِد)) أو قال: ((انتظرْ، انتظرْ))، وقالَ: ((إنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن وفيه دليلٌ: على أنَّ النارَ قد خُلِقت، وأنَّها موجودةٌ، خِلافاً لما قالته المعتزلةُ وغيرهم من أهل البدع: أنها سَتُخْلَقُ في القيامة. و (قوله: ((فما وجدتم من حرّ أو حرور فمن نَفَس جهنم))) (أو) هذه: يُحتمل أن تكون شكّاً من الراوي، فيكون النبيُّ مَ ﴿ قال أحدهما، فشكَّ فيه الراوي، فجمعهما بأو، ويُحتملُ: أن يكونَ ذكَرَ النبيُّ ◌َّرَ اللفظين، فتكون ((أو)) للتقسيم والتنويع. والحرور: اشتداد الحرّ، وفيحُه بالليل والنهار، فأما السّموم: فلا يكونُ إلا بالليل. والزمهرير: شدّة البرد. وبتأخير الظهر في شدّة الحر قال مالك وأهلُ الرأي،. ورأوا: أنها في ذلك الوقتِ أفضل. وقدَّر أصحابُنا هذا الوقت بزيادة على ربع القامةِ إلى وسط الوقت. وهذا في الجماعة عند أصحابنا. وقد اخْتَلَفُوا في المنفرد: هل يبردُ أم لا؟ وقال الشَّافعيُّ: تقديمُ الصَّلواتِ كلّها للفذ إيراد المنفرد والجماعة أفضلُ في الشتاء والصيف إلَّا للإمام الذي ينتابُ إليه الناس من بعيد، فيبردُ بالظّهر في الصيف دون غيره. ولم يقلْ أحدٌ بالإبراد في غير الظهر إلا أشهب، فقال به في العصر، وقال: يؤخّر ربع القامة، ورأى أحمد بن حنبل: تأخيرَ العشاءِ الآخرة في الصَّيف بالليل كما يؤخّر الظهر، وعكسه ابن حبيب، فرأى: تأخيرَها في الشّتاء لطول الليل، وتعجيلها في الصَّيف لقصره. ٢٤٦ (٣) كتاب الصلاة - (٦٧) باب: تعجيل الظهر بعد الإبراد فَيْحِ جَهِنَّمَ، فإذَا اشْتَكَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ». قال أبو ذرّ: حتَّى رأَيْنا فيَ القُلُولِ. رواه أحمد (١٧٦/٥)، والبخاري (٥٣٥)، ومسلم (٦١٦)، وأبو داود (٤٠١)، والترمذي (١٥٨). (٦٧) باب تعجیل الظهر بعد الإبراد وفی زَمن البرد [٥٠٤] عن جَابرٍ بن سَمُرَة، قالَ: كَانَ النبيُّ نَّهِ يُصلِّي الظُّهْرَ إذا دَحَضَتِ الشمسُ. رواه أحمد (١٠٦/٥)، ومسلم (٦١٨)، وابن ماجه (٦٧٣). و (قوله في حديث أبي ذر: ((حتى رأينا فيء التُّلول))) هي جمع تلّ، وهي الرَّوابي، وظلُّها لا يظهر إلا بعد تمكُّن الفيء واستطالته جدّاً، بخلاف الأشياءِ المنتصبة التي يظهر فيتُها سريعاً في أسفلها؛ لاعتدال أعلاها وأسفلها. (٦٧) ومن باب: تعجيل الظهر بعد الإبراد وفي زمن البرد (قوله: ((كان يُصلِّي الظهر إذا دحضتِ الشَّمس))) أي: زلقت وزالت عن كبد السماء. والدّحض: الزّلق. كان هذا منه ﴿ في زمن البرد، كما قد رواه أنس: (أنه إذا كان الحرُّ أبرد بالصلاة، وإذا كان البردُ عجَّل))(١). (١) رواه النسائي (٢٤٨/١)، وانظر: التمهيد (٧/٥). ٢٤٧ (٣) كتاب الصلاة - (٦٧) باب: تعجيل الظهر بعد الإبراد [٥٠٥] وعن خَبَّابِ، قالَ: شَكَوْنا إلى رسولِ اللهِلَّهِ الصَّلاةَ في الرَّمْضَاء، فلم يُشْكِنا. قال زهيرٌ: قلتُ لأبي إسحاق: أفي الظَّهْرِ؟ قالَ: نعم. قلتُ: أفي تَعْجِيلِها؟ قالَ: نعم. رواه أحمد (١٠٨/٥)، ومسلم (٦١٩)، والنسائي (٢٤٧/١)، وابن ماجه (٦٧٥). و (قوله: ((شكونا إلى رسول الله وَ ﴿ الصَّلاةَ في الرمضاء))) أي: شدّة ما يلقون من حرِّ الأرض المحمَّاة بالشَّمس في أقدامهم إذا صلَّوا. و (قوله: ((فلم يُشْكِنا)) أي: لم يسعفْ طلبنا، ولم يُجِبْنا إلى مطلوبنا. يقال: شكوت إلى فلانٍ؛ إذا رفعتَ إليه حاجتَك، وأشكيتُه: إذا نزعتَ عنه الشَّكوى، وأشكيته: إذا ألجأتَهُ إلى الشَّكوى. كما قال: تُشْكِي المُحِبَّ وتَشْكُو وهي ظَالمةٌ كالقَوْسِ تُصْمِي الزَّمايا وهَي مِرْنان(١) ويُحْتَمَلُ: أن يكونَ هذا منه ◌ِوَِّ قبل أن يُؤْمَرَ بالإبراد، ويُحْتَمَلُ: أن يُحْمَلَ على أنهم طلبوا زيادةَ تأخيرِ الظُّهر على وقتِ الإبراد فلم يُجبْهُمْ إلى ذلك. وقد قال ثعلب في قوله: ((فلم يُشْكِنا)) أي: فلم يخوِجْنا إلى الشَّكوى، ورخَّص لنا في الإبراد. حكاه عنه القاضي أبو الفرج، وعلى هذا تكونُ الأحاديثُ كلُّها متواردةً على معنى واحد. (١) (أصميتَ الصيد)): إذا رميتَه فقتلته وأنت تراه. وأصمى الرمية: أنفذها. ((المرنان)): يُقال: أرنت القوس في إنباضها؛ أي: صوَّتت. ٢٤٨ (٣) كتاب الصلاة - (٦٨) باب: تعجيل صلاة العصر [٥٠٦] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: كنَّا نُصلِّ معَ رسولِ الله وَِّ في شِدَّةِ الحَرِّ، فإذا لم يستطعْ أحدُنَا أنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِن الأرضِ بَسَطَ ثوبَه، فسجدَ علیه. رواه البخاري (٣٨٥)، ومسلم (٦٢٠)، وأبو داود (٦٦٠)، وابن ماجه (١٠٣٣). (٦٨) باب تعجيل صلاة العصر [٥٠٧] عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله وَهِ كانَ يُصلِّي العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ حَیَّةٌ، و (قول أنس: ((كُنَّا نُصلِّي مع رسولِ اللهِ ل﴿ في شدَّة الحرِّ)) ليس فيه دليلٌ: على أنه وَ﴿ كان لا يُبْرِد، بل قد توجدُ سَوْرةُ الحر وشدَّتُه بعد الإبراد إلا أنها أخفُّ مما قبله. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكِّنَ جبهتَهُ من الأرض بَسَطَ ثوبَهُ فسجد الصلاة على عليه))) مما يدلُّ على الصَّلاة على البُسْطِ والثِّياب لا سيما عند الضَّرورة والمشقَّة، البسط والثياب وعلى أنَّ العمل القليل في الصلاة لا يفسدها. (٦٨) ومن باب: تعجيل صلاة العصر (قوله: ((كان يصلي العصر والشمسُ مرتفعةٌ حيّة))) قال الخطابيُّ: حياتها: صفاء لونها قبل أن تصفرّ أو تتغيّر. وهذا مثل قوله: بيضاء نقية. وقال غيره: حياتها: بقاء حرها. ٢٤٩ (٣) كتاب الصلاة - (٦٨) باب: تعجيل صلاة العصر فيذهبُ الذَّاهِبُ إلى العَوَالِي، فَيَأْتِي والشَّمْسُ مرتفعةٌ - وفي رواية: إلى قُبَاءَ -. رواه البخاري (٥٥٠)، ومسلم (٦٢١) (١٩٢ و ١٩٣)، وأبو داود (٤٠٤ - ٤٠٦)، والنسائي (٢٥٢/١ - ٢٥٤)، وابن ماجه (٦٨٢). [٥٠٨] وعن العَلاءِ بن عبد الرحمن، أنَّه دخلَ على أنس بن مالكِ فِي دَارِهِ بالبَصْرةِ، حتَّى انصرفَ من الظُّهْر ودارُه بجنبِ المسجدِ، فلمَّا دخلْنَا عليه قالَ: أَصَلَّيْتُمُ العصرَ؟ فقلنا له: إنَّما انصرفْنَا السَّاعَةَ مِن الظُّهْرِ. قالَ: فصَلُّوا العصرَ. فقمنًا فصلَّيْنَا. فلما انصرفنًا قال: سمعتُ رسولَ الله وَل﴿ يقولُ: ((تلكَ صَلاةُ المنافِقِ، يجلسُ يرقبُ الشَّمسَ حتَّى إذا كانت بين قَرْنَي الشَّيطانِ قامَ فنقرَها أَرْبَعاً، لا يذكرُ اللهَ فيها إلا قَليلاً)). رواه أحمد (١٠٣/٣ و١٨٥)، ومسلم (٦٢٢)، وأبو داود (٤١٣)، والترمذي (١٦٠)، والنسائي (٢٥٤/١). و (قوله: ((فيذهب الذاهبُ إلى العوالي فيأتيها والشمسُ مرتفعة))). فسّر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، وقال غيرُه: هي مفترقةٌ، فأدناها: ميلان. وأبعدها: ثمانية أميال. قلتُ: وهذا إنما يتَّفقُ في الأيام الطويلةِ إذا عجّلت العصر في أول وقتها، وفي الرّواية الأخرى: ((إلى قباء» مكان العوالي، وكلاهما صحیحُ الرواية والمعنى، فإنَّ قباء من أدنى العوالي، وبينها وبين المدينة ميلان أو نحوهما. قاله الباجيّ. و (قوله: ((تلك صلاةُ المنافقين))) إشارةٌ إلى صلاة العصر المخرجة عن إخراج صلاة وقتها. ومعناه: أن الذي يُخرجها عن وقتها يشبه فعلُه ذلك فعلَ المنافق الذي العصر عن وقتها يتهاونُ بأمرها، ويُضيِّعها حتى يخرجَها عن وقتها، ولذلك وَصَفَه بقوله: ((يجلسُ ٢٥٠ (٣) كتاب الصلاة - (٦٨) باب: تعجيل صلاة العصر [٥٠٩] وعن أبي أُمامةَ بن سهلِ، قالَ: صلَّينا مع عمرَ بن عبد العزيز الظهرَ، ثم خرجْنَا حتَّى دخلْنَا على أنس بن مالكِ، فوجدناه يُصلي العصرَ، فقلْنَا: يا عمِّ! ما هذه الصَّلاةُ التي صَلَّيْتَ؟ قالَ: العصرُ. وهذه صَلاةُ رسولِ اللهِ وَّ﴾ِ التي كنّا نُصَلِّي معه. رواه البخاري (٥٤٩)، ومسلم (٦٢٣)، والنسائي (١/ ٢٥٣). [٥١٠] وعن رافع بن خَديج، قالَ: كَّا نَصلِّي العصرَ مع رسولِ اللهِوَ﴿ ثم تُنْخَرُ الجَزُورُ، فَتُقْسَمُ عَشَرَ قِسَمِ، ثم تُطْبَخُ، فنأكلُ لَحماً نَضِيجاً، قبلَ مَغِيبِ الشَّمس. رواه البخاري (٢٤٨٥)، ومسلم (٦٢٥) (١٩٨). يرقبُ الشمسَ)) وهذه عبارةٌ عن عدم مبالاته بها وتضييعه لها، حتى إذا رأى الشمسَ قد حان غروبُها قام يصلِّيها على ما ذكر رياءً وتلبيساً. وقد تقدَّم القول على ((قرني آخر وقت إباحة الشيطان)). وهذا الحديث يدلُّ: على أنَّ آخرَ وقتِ إباحة العصر ما لم تصفرّ العصر الشمس، وما لم يصرْ ظلُّ كلِّ شيء مثليه على ما قدَّمناه. و (قوله: ((كنا نصلِّي العصرَ ثم تُنحر الجزور))) الحديثُ هذا وما قبله يدلُّ: على فساد مذهب أبي حنيفة، إذ قال: إنّ أولَ وقتِ العصر إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثليه. إذ لا يشَّسع الوقتُ على رأيه لمثل هذا الفعل، ولا لأن يأتوا العواليَ والشمسُ مرتفعة، بل يتمكَّنُ مِن مثل هذا كلِّه إذا صلّيت في أول المثل الثاني؛ وكان النهارُ طويلاً. والله تعالى أعلم. نَقْرُ الصلاة و (قوله: ((قام فنقرها أربعاً)) هذا النقرُ عبارةٌ عن سرعةِ حركاته في أركان الصلاة في ركوعها وسُجودها، وخفّة ذلك، بحيث لا يتمُّ ركوعها، ولا سجودها، فشبّهه بنقر الطّائر، وهو ذٌّ لمن فعلَ ذلك، وفيه ردٌّ على مَن قال: إنَّ الواجبَ مِن ٢٥١ (٣) كتاب الصلاة - (٦٨) باب: تعجيل صلاة العصر [٥١١] وعن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((إنَّ الذي تَقُوتُه صَلاةُ العصرِ كأنما وُتِرَ أهلُه ومالُهُ». رواه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (٦٢٦) (٢٠٠)، وأبو داود (٤١٤ و ٤١٥)، والترمذي (١٧٥)، والنسائي (٢٣٨/١)، وابن ماجه (٦٨٥). أركان الصلاة ومن الفَصْل بين أركانها أقلّ ما ينطلقُ عليه الاسم؛ لأنَّ مَن اقتصرَ على ذلك صَدَق عليه: أنه نقر الصَّلاة، فدخل في الذمِّ المترتّب على ذلك. و (قوله: ((لا يذكر اللهَ فيها إلا قليلاً))) أي: لسرعة حركاته فيها، وليرائي بالقليل الذي یذکره عند تخيّله مَن یلاحظُه من الناس. والجزور من الإبل، والجزرة من غيرها: وهو ما يُعَدُّ من ذلك للجزر. وهو: الشَّقُّ والقَطْع، وتأخيرُ عمر بن عبد العزيز الظهرَ كان على عادةٍ بني أمية في تأخيرهم الصلوات، كما قد أخّر عمر العصر حين أنكر عليه عُروة، ويُحتملُ أن يكونَ ذلك التأخيرُ منه نادراً لشغلٍ شَغَله من أمور المسلمين. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((كأنما وُتِرِ أهلُه ومالُه))) رويناه: برفع أهله وماله، ونصبهما. فالرفع على أنّ وتر: بمعنى: نزع وأخذ ومحمول عليه، فيكون ((أهله)) هو المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، و ((ماله)) معطوف عليه، والنصب: حَمْلٌ لـ وُتِرِ على سُلِبَ، وهو يتعدَّى إلى مفعولين بنفسه، تقول: سُلب زيدٌ ثوبه. فتقيمُ الأول مقامَ الفاعل، وتتركُ الثاني منصوباً على حاله. وقد اختلفوا في تأويل هذا الحديث: فذهب ابنُ وهب: إلى أنَّ هذا [إنما هو](١) لمن لم يُصَلِّها في الوقت المختار، وقاله (١) ساقط من (ع). ٢٥٢ (٣) كتاب الصلاة - (٦٨) باب: تعجيل صلاة العصر ٠٠٠ الداودي، فيكون معناه على هذا: إنّ ما فاته من الثَّواب يلحقُه عليه من الأسف والحزن مثل ما يلحقُ مَنْ أُخِذ مالُه وأهلُه منه. وذهب الأصيليُّ: إلى أنَّ هذا الفوات إنما هو بغروب الشمس، فيكون معناه على هذا: ما قاله أبو عمر: إنه يكونُ بمنزلة الذي يُصابُ بأهله وماله إصابةً يطلب بها وتراً، فلا يلحقه، فيجتمع عليه غُّ المصاب، وغُّ مقاضاة طلب الوتر. وقال الداودي: معناه: أنه يجبُ عليه من الأسف والاسترجاع مثل الذي يمسّه عذابُ مَن وُتِرِ أهله وماله؛ لأنه أتى بكبيرةٍ يجبُ عليه الندمُ والأسفُ لأجلها. وقيل: هذا الفواتُ هو أن يُؤْخِّرها إلى أن تصفرَّ الشمسُ. [وقد روي مفسَّراً من رواية الأوزاعي في الحديث: قال فيه: وجوابها أن تدخل الشمسَ](١) صفرةٌ، وأما تخصيصُ هذا بالعصر: فقال أبو عمر: يحتملُ أنَّ جوابَه فيه على سؤال سائلٍ عن العصر، وعلى هذا يكون حكمُ مَن فاتته صلاةٌ من الصَّلوات كذلك، وقيل: خُصَّت بذلك: لكونها مشهودةٌ للملائكة عند تعاقبهم. وعلى هذا يشاركُها في ذلك الصُّبح؛ إذ الملائكةُ يتعاقبون فيها. وقيل: خُصَّتْ بذلك [تأكيداً وحضّاً على المثابرة عليها؛ لأنها صلاةٌ تأتي في وقت اشتغال الناس، وعلى هذا: فالصبح أولى بذلك] (٢)؛ لأنها تأتي وقتَ النوم. ويُحتملُ أن يقال: إنما خُصَّت بذلك لأنها الصلاةُ الوسطى، كما سيأتي. وقد جاء في البخاري: ((مَن تَركَ صلاةَ العصرِ فقد حَبِط عملُه))(٣). قال الداودي: ليس ذلك خاصّاً بالعصر، بل ذلك حُكْمُ غيرها من الصَّلوات. وسيأتي الكلامُ على الحبط إن شاء الله تعالى. (١) ساقط من (ع). (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه البخاري (٥٩٤) من حديث بريدة رضي الله عنه. ٢٥٣ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى (٦٩) باب ما جاء في الصلاة الوسطى [٥١٢] عن علي، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ الأحزابِ: ((شَغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسطَى، صَلاةِ العَصْر، - وفي روايةٍ: حتَّى غابتِ الشَّمسُ -، (٦٩) ومن باب: ما جاء في الصَّلاة الوسطى (قوله: ((شَغَلُونا عن الصَّلاة الوسطى))) اختلفوا في الصَّلاة الوسطى. فقيل: ما هي الصلاة هي مُبهمة؛ ليحافظَ على الصَّلوات كلِّها، وقيل: الجمعة. وقيل: الصَّلوات الوسطى؟ الخمس، قاله مُعاذ، قال: لأنها أوسطُ الدِّين. وقال ابنُ عباس: هي الصُّبح. ووافقه مالك، والشَّافعي. وقال زيد بن ثابت، وعائشة، وأبو سعيد الخدري: هي الظُّهر، وقال علي بن أبي طالب: هي العصر. ووافقه أبو حنيفة، وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وقال غيره: هي العتمة. وأضعفُ هذه الأقوال مَن قال: هي الصَّلواتُ كلّها؛ لأن ذلك يؤدِّي إلى خلافٍ عادة الفصحاء من أوجه: أحدها: أنَّ الفصحاءَ لا يذكرون شيئاً مفصَّلاً مُبيّناً ثم يذكرونه مُجملاً، وإنما عادتهم: أن يشيروا إلى مجمل، أو كُلِّي، ثم يُفَصِّلوه، كقوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَفَخْلُ وَرُمَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقد قال الله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَ الصََّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والصلوات: مبين، والصلاة الوسطى: مُجمل. وثانيها: أن الفصحاءَ لا يُطلقونَ لفظَ الجمع ويعطفون عليه أحدَ مفرداته، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع؛ فإنَّ ذلك في غاية العِيِّ والإلباس. وثالثها: أنه لو أرادَ بالصلاة الوسطى: الصلوات، لكان كأنه قال: حافظوا على الصَّلوات والصَّلواتِ. ويريد بالثاني: الأول، ولو كان كذلك لما كان فَصِيحاً في لفظه، ولا صَحِيحاً في معناه؛ إذ لا يحصلُ باللفظ الثاني تأكيد للأول لأنَّه ٢٥٤ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى معطوف، ولا يفيدُ معنى آخر، فيكون حَشْواً، وحَمْلُ كلام الله تعالى على شيءٍ من هذه الثَّلاثة غير مسؤَّغ ولا جائز. وسَبَبُ اختلافِ العلماء القائلين بالتعيين: صلاحيةُ ((الوسطى)) لأن يرادَ بها: التوسط في العدد أو في الزمان، فإن راعينا أعدادَ الرَّكعات أدَّى: إلى أنها المغرب؛ لأن [أكثر] (١) أعداد الصلوات أربع ركعات، وأقلّها: ركعتان. وأوسطها: ثلاث. وهي المغرب. وإن راعينا [أعداد الصلوات أنفسها فما من صلاةٍ إلا وهي متوسطةٌ بين شفعين، إذ الصلوات خمسٌ. وإن راعينا](٢) الأوسطَ من الزمان كان الأبين: أنها الصّبح؛ لأنها بين صَلاتي نهار محقّق، وهما الظهر والعصر، وبين صلاتي ليل محقّق وهما: المغرب والعشاء. فأما وقت الصبح فوقتٌ متردِّد بين النهار والليل. قلتُ - والله أعلم -: لا يصلحُ هذا الذي ذُكر أن يكون سَبياً(٣) في الخلاف فيها؛ إذ لا مناسبة لما ذُكر، لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها. أما أعدادُ الركعات فالمناسبُ هو أن تكونَ ما كثر عمله كثر الرباعيةُ أفضل؛ لأنها أكثر ركعات، وأكثر عملٍ. والقاعدة: أنَّ ما كثر عملُه كثر ثوابُه، وأما مراعاةُ أعداد الصلوات: فيلزم منه أن تكونَ كلُّ صلاةٍ هي الوسطى. وهو الذي أبطلناه. وأيضاً: فلا مناسبةَ بين ذلك وبين أكثرية الثواب. وأما اعتبارها من حيثُ الأزمان: فغير مُناسبٍ أيضاً؛ لأنَّ نسبةَ الصَّلواتِ إلى الأزمان كلِّها من حيثُ الزَّمانية واحدة، فإن فرض شيء يكونُ في بعض الأزمان؛ فذلك لأمرٍ خارجٍ عن الزمان. والذي يظهرُ لي: أنَّ السببَ في اختلافهم فيها: اختلافُهم في مفهوم الكتاب والسُّنَّة الواردة في ذلك المعنى، ونحنُ نتكلّم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساقُ الكلام وصحيحُ الأحاديث إن شاء الله تعالى، فنقول: إنَّ قولَه تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هو من باب قوله ثوابه (١) من هامش (ظ). (٢) ساقط من (ع). (٣) في (م): متبنى. ٢٥٥ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلُ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فخصَّ الرُّمان والنَّخل وجبريل وميكال بالذِّكْر؛ وإن كانوا قد دَخَلُوا فيما قيل بحكم العموم تشريفاً وتكريماً. وإذا كان ذلك كذلك؛ فلهذه الصلاة المعبّر عنها بالوسطى شرفيةٌ وفضيلة ليست لغيرها، غير أنَّ هذه الصلاةَ الشريفةَ لم يعيّنها اللهُ تعالى في القرآن، فوجبَ أن يُبحث عن تعيينها في السُّنَّة، فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعيِّنها. وأصحُّ ما في ذلك: أنها العصرُ على ما في حديث عليّ، وأنصُّ ذلك ما ذكره التِّرمذي وصحَّحه. وهو قولُه عليه الصلاة والسلام: ((الصلاةُ الوسطى صلاة العصر))(١) وهذا نصٌّ في الغرض، غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه، وهو ما ذكره البراءُ بن عازب، وذلك أنه قال: ((نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصَّلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضََّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلزم من هذا: أنها بعد أن عُيِّنت نُسِخ تعيينُها، وأُبهمت، فارتفعَ التَّعيين. ولم يُمْكِنَّا أن نتمسَّك بالأحاديث المتقدِّمة، فلما أُبهم أمرُ تعيينها أخذَ العلماءُ يستدلُّون على تعيينها بما ظهر لكل واحدٍ منهم بما يناسبُ الأفضلية. فذهب مالك وأهلُ المدينة: إلى أنَّ الصبحَ أولى بذلك؛ لكونها تأتي في وقت نومٍ فضل صلاة وركونٍ إلى الرَّاحة، واستصعابِ الطَّهارة، فتكثرُ المشقَّةُ في المحافظة عليها أكثر الصبح من غيرها، فتكونُ هي الأحقُّ بكونها أفضل. وأيضاً: فإنه وقتٌ يتمكَّنُ الإنسانُ فيه من إحضار فَهْمه وتفرُّغه للصلاة؛ لأن علاقات الليل قد انقطعتْ بالنوم، وأشغال النهار بَعْدُ لم تأت، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ اٌلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: يحضره القارىء بفراغ ذهنه، على أحد التّأويلات، وهو (١) رواه الترمذي (٢٩٨٦ و٢٩٨٨) من -حديث سمرة بن جندب وابن مسعود رضي الله عنهما . ٢٥٦ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى مَلَّ الله بيوتَهم وقُبُورَهم نَاراً) ثم صَلَّها بين العِشَاءَيْنِ، بِينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ. رواه أحمد (٨٢/١ ١١٣ و١٢٢)، والبخاري (٢٩٣١)، ومسلم (٦٢٧) (٢٠٤ و٢٠٥)، وأبو داود (٤٠٩)، والترمذي (٢٩٨٧)، والنسائي (٢٣٦/١)، وابن ماجه (٦٨٤). أحسنُها، وبنحو من هذا يُستدلُّ لسائرها من الصَّلوات، إلا أن الصبحَ أدخلُ في هذا المعنى. وعلى الجملة: فهذا النحو هو الذي يمكنُ أن يكون باعثاً لكلِّ من المختلفين على تعيين ما عيّنه من الصَّلوات بحسب ما غلبَ على ظنّه من أرجحيّة ما عُيِّن. والذي يظهرُ لي بعد أن ثبتَ نَسْخُ الثَّعيين. أن القولَ قولُ من قال: إن اللهَ أخفاها في جُملة الصَّلوات، ليُحَافِظَ على الكُلِّ، كما فَعَلَ في ليلةِ القدر، وساعة الجمعة. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((شَغَلُونا))) يُحْتَمَلُ: أنه نسيها لشغله بالعدو. ويُحتمل: أن يكونوا لم يمكّنوه منها، ولم يفرغوه لفعلها. ويُحتمل: أن يكونَ أخَّرها قَصْداً لأجل شغله بالعدو، وعلى هذا يكونُ هذا التأخيرُ لأجل القتال مشروعاً، ثم نُسِخ بصلاة الخوف، وقد ذهبَ مكحول والشَّاميون: إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقتِ الأمن. والصَّحيحُ الذي عليه الجمهورُ: أن يؤخِّرها، ويُصَلِيها على سُنَّتِها. على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((ثم صلّها بين العشاءين المغرب والعشاء))) ظاهِرُ هذا: أنه صلَّى العصرَ المتروكةَ بعد أن صلَّى المغرب، وليس بصحيح؛ بدليل ما جاء في حديث جابر قال: ((فصلَّى رسولُ اللهِوَ﴿ العصرَ بعدما غربتِ الشمسُ، ثم صلَّى بعدها المغربَ))(١) وهذا نصٌّ. وإنما أرادَ بقوله: بين العشاءين: بين وقتي العشاءين. فإن (١) رواه أحمد (١٢٩/٣)، والبخاري (٥٩٨)، والترمذي (١٨٠)، والنسائي (٨٤/٣). ٢٥٧ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى [٥١٣] ومِن حديثِ عبدِ الله، قالَ: حَبَسَ المشركونَ رسولَ اللهِوَّل عن صَلاةِ العَصْرِ حتَّى احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، أو اصْفَرَّتْ. فقالَ رسول الله وَلَّه : ((شَغَلُونَا ... )) وذكرَ نحوهُ. رواه أحمد (٤٠٣/١ - ٤٠٤)، ومسلم (٦٢٨)، وابن ماجه (٦٨٦). [٥١٤] وعن أبي يُونسَ - مولى عائشةً، أنَّه قالَ: أَمرتني عائشةُ أنْ أكتبَ لها مُصْحَفاً، وقالتْ: إذا بَلَغْتَ هذه الآيةَ فَاذِنِّي: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلما بَلَغْتُهَا آذَنْتُها فَأَمْلَتْ التأخير كان منه إلى أن غربتِ الشمسُ، ثم توضَّأ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب. وقد روى التّرمذي عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن المشركين شَغَلُوا رسولَ اللهِوَلِّ عن أربع صَلَوات يوم الخندق حتى ذهبَ من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذَّن، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ثم أقام فصلَّى المغرب، ثم أقام فصلَّى العشاء(١). وبهذه الأحاديث استدلَّ جمیعُ العلماء: على أنَّ مَن فاتته صلواتٌ قَضَاها مرتبةً كما فاتته إذا ذكرها في وقتٍ قضاء الصلوات واحد. واختلفوا إذا ذكر صلاةً فائتةً في ضيقِ وقتٍ حاضرة؛ هل يبدأُ بالفائتة وإن الفائتة خرج وقتُ الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة؟ أو يتخيَّر فيقدِّم أيتها شاء؟ ثلاثة أقوال: وبالأول قال مالك والليث، والزّهري. وبالثاني قال الحسن، وابن المسيب، وفقهاء أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، والشَّافعي، وابن وهب من أصحابنا. وبالثالث قال أشهب من أصحابنا. وهذا ما لم تكثر الصلوات؛ فلا خلافَ عند جميعهم على ما حكاه القاضي عياض: أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة. واختلفوا في مقدار اليسير: فعن مالك: فقال: إن الخمسَ فدون من اليسير. وقيل: الأربع فدون، ولم يختلف المذهب: أنَّ الست كثير. (١) رواه الترمذي (١٧٩). ٢٥٨ (٣) كتاب الصلاة - (٦٩) باب: ما جاء في الصلاة الوسطى عَليَّ: (حَافظوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسطى وصَلاةِ العَصْرِ وقُوموا للهِ قَانتينَ)، قالتْ عائشةُ: سمعتُها من رسولِ الله ◌ِّر. رواه مسلم (٦٢٩)، وأبو داود (٤١٠)، والترمذي (٢٩٨٦)، والنسائي (٢٣٦/١). [٥١٥] وعن البَراءِ بن عازبٍ، قالَ: نزلتْ هذه الآيةُ: (حَافِظُوا عَلَى الصلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وصَلاةِ العَصْرِ) فقرأنَاها ما شاءَ اللهُ، ثم نَسَخَها اللهُ، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فقالَ رجلٌ - كان جالساً عند شَقيقٍ -: هي إذنْ صَلاةُ العَصْرِ. فقالَ البراءُ: قد أخْبَرْتُكَ كيفَ نزلتْ وكيفَ نسخَها اللهُ، والله أعلم. رواه أحمد (٣٠١/٤)، ومسلم (٦٣٠). و (قوله في حديث عائشة رضي الله عنها: ((حافِظُوا على الصَّلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر))) هكذا ثبتتِ الروايةُ بالواو في صلاة العصر؛ وقيل فيها: إنها زائدة، كما زيدتْ في قول الشاعر(١): فَلَمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحَى (٢) أي: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى. فإذا قدَّرنا زيادتها؛ كانت صلاةُ العصر الصلاة الوسطى، كما جاء في حديث عليَّ المتقدِّم. وهذا الذي سمعته عائشة، وأمرت بكَتْبه في المصحف كان على القراءة المتقدِّمة التي أخبر بها البراء أنها (١) هو امرؤ القيس. (٢) وعجزه: بنا بطنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَتْقَلِ. ٢٥٩ (٣) كتاب الصلاة - (٧٠) باب: من فاتته صلوات، كيف يقضيها؟ (٧٠) باب من فاتته صلوات، كيف يقضيها؟ [٥١٦] عن جابر بن عبد الله، أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ - يومَ الخَنْدَقِ - جعلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُريشٍ، وقالَ: يا رسولَ الله! واللهِ ما كِدْتُ أنْ أُصَلِّي العصرَ حتَّى كادتْ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فقالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((فَواللهِ إنْ صَلَيْتُها)) فنزلنَا إلى بُطْحَانَ، فَتَوضَّأَ رسولُ اللهِهِ، وتَوَضَّأْنَا، فَصَلَّى نُسِخت على ما نصّ. والله تعالى أعلم. وقد اتَّفق المسلمون كافَّةً: على أنَّ قولها: ((وصلاة العصر)) ليس قرآناً اليوم يُتلى، وإنما هي روايةٌ شاذّة انفردتْ بها وبرفعها إلى النبي وَ﴾، وغايتُها أن تكونَ خبراً، إلا أنها قد رفعتها وأسندتها. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ في قوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقول البراء للسّائل: ((قد أخبرتُك كيف نزلتْ وكيف نَسَخَها الله ... )) يظهر منه تردُّد، لكن في ماذا؟ هل نُسِخ تعيينها فقط وبقيت هي الوسطى؟ أو نُسِخ كونها وسطى؟ في هذا تردّد، والله تعالى أعلم. وإلا فقد أخبر بوقوع النسخ. (٧٠) ومن باب: من فاتته صلوات، كيف يقضيها؟ (قول عمر: ((ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس))) معناه: ما قاربت صلاة العصر إلى أن قارب غروبُ الشمس. و (قوله وَّهِ: فوالله إن صليتها))) يقوِّي قولَ مَن قال: إنه كان ناسياً و ((إِنْ)) بمعنى: ما. و((بُطْحان)) وادٍ بالمدينة. ورويناه بضم الباء وسكون الطاء، وبفتح الباء وكسر الطاء، وهو صوابه عند أهل اللغة. وقد تقدَّم الكلامُ(١) على قضاء الفوائت في الباب الذي قبله. (١) في (ظ) و(ط): القول. ٢٦٠ (٣) كتاب الصلاة - (٧١) باب: المحافظة على الصبح والعصر رسولُ الله ◌َّ العَصْرَ بعدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثمَّ صَلَّى بعدَها المَغْرِبَ. رواه أحمد (١٢٩/٣)، والبخاري (٥٩٨)، ومسلم (٦٣١)، والترمذي (١٨٠)، والنسائي (٨٤/٣). (٧١) باب المحافظة على الصبح والعصر [٥١٧] عن أبي هُريرةَ، أَنَّ رسولَ الله وَهِ قالَ: ((يتعَاقبُونَ فيكم ملائكةٌ باللَّيْلِ ومَلائكةٌ بالنَّهارِ، ويجتمعونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثم يَعْرُجُ الذينَ بَاتُوا فِيكُم، فيسألُهم ربُّهُم - وهُو أعلمُ بهم -: كيفَ تركتُم عِبَادِي؟ فيقولونَ: تركناهم وهُم يُصَلُّونَ، وأتينَاهُم وهُم يُصَلُّونَ)). (٧١) ومن باب: المحافظة على الصبح والعصر (قوله: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار))) وهذه الواو في يتعاقبون فيكم: علامةٌ للفاعل المذكَّر المجموع؛ وهي لغةُ بني الحارث، وهي أنهم يُلحقون علامةً للفاعل المثنّى والمجموع، وهم القائلون: أكلوني البراغيث، وهي لغةً معروفةٌ فاشية؛ وعليه حمل الأخفشُ قولَه تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَىَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣]. ومن هذا قول الشاعر(١): ولُكِنْ ديافِيٍّ أَبُوهُ وأُّه بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُه(٢) (١) هو الفرزدق. (٢) ((ديافي)): نسبة إلى دياف، قرية بالشام. و ((السليط)): الزيت.