النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ (٣) کتاب الصلاة - (٥٦) باب: كيفية الجلوس للتشهد وأشارَ بإِصْبَعِه. زاد في رواية: ووضعَ إبهامَه على إِصْبَعهِ الوسطى، ويُلْقمُ كَفَّهُ الیسری رکبتَهُ. رواه مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٨)، والنسائي (٢/ ٢٣٧). [٤٦٩] وعن ابن عُمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ كانَ إذا جلسَ في الصَّلاة وضعَ يديْه على رُكبتيْهِ، ورفعَ إِصْبَعَهُ اليُمنَى التي تَلي الإبهامَ فدعَا بِها، ويدُه اليُسْرَى على رُكْبتِه اليُسرى باسطَها عليها. وفي روايةٍ: وعقدَ ثلاثاً وخمسينَ. وأشارَ بالسَّبابةِ. ركبته)) مع تبديد أصابعه وتفريقها. و (قوله: ((ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى))) يعني: مقبوضة. وعليه يدلُّ قوله: ((ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى)). و (قوله في حديث ابن عمر: ((وعقد ثلاثاً وخمسين))) وقد بيَّن هذا بياناً شافياً معنى: عقد وائلُ بن حُجْر فيما رواه أبو داود (١) قال: وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه ثلاثاً وخمسين اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه، وحلّق حلقة. وإلى ظاهر حديث وائل هذا ذَهَبَ بعضُ أهل العلم، فقالوا بالتَّحليق. وكرهه بعضُ علماء المدينة، أخذاً بظاهر حديث ابن عمر، حيث حكى: أنه ﴿ عقد ثلاثاً وخمسين. ومن قال بالتحليق منهم: مَن ذَهَبَ إلى أن التحليقَ برؤوس الأنامل، وهو الخطابيُّ. ومنهم: من ذهب إلى أنه هو أن يضعَ أنملةَ الوسطى بين عقدتي الإبهام. والأمرُ قريب. ويفيدُ مجموعُ الأحاديث التخيير. الإشارة بالمُسبِّحة في التشهد و (قوله: ((وأشار بإصبعه))) يعني بها المسبِّحة، وهي التي تلي الإبهام، كما (١) رواه أبو داود (٩٥٧). İ ٢٠٢ (٣) كتاب الصلاة - (٥٦) باب: كيفية الجلوس للتشهد رواه مسلم (٥٨٠) (١١٤ و١١٥)، وأبو داود (٩٨٧)، والترمذي (٢٥٤)، والنسائي (٢٣٧/٢)، وابن ماجه (٩١٣). قال ابنُ عمر. و ((أشار بها)) معناه: مدَّها في القِبْلة، وهل حرَّكها أم لا؟ اختلفتِ الروايةُ في ذلك. فزاد أبو داود في حديث ابنِ الزُّبير: أنه ◌َّ كان يشيرُ بإصبعه إذا دعا ولا يُحرِّكها. وإلى هذا ذهب بعضُ العراقيين(١)، فمنع من تحريكها. وبعضُ أصحابنا رأوا: أن مدَّها إشارةٌ إلى دوام التَّوحيد. ومِن حديث وائل بن حُجْر بعد قوله: رفع الإصبع ((وحلَّق حلقة)): ((ثم رفع إصبعه فرأيته يُحَرِّكُها يدعو بها))(٢). وإلى هذا ذَهَبَ أكثرُ وتحريكها في العلماء، وأكثرُ أصحابنا. ثم مَن قال بالتحريكِ، فهل يواليه أو لا يواليه؟ اختُلِفَ التشهد فيه على قولين. وسَبَبُ اختلافهم: في ماذا يُعَلَّل به ذلك التحريك؟ فأمّا مَن وَالَى التحريكَ: فتأوَّل ذلك: بأنها مذكّرة بموالاة الحضور في الصلاة، وبأنها مقمعةٌ ومدفعةٌ للشَّيطان، ومَن لم يُؤَالِ: رأى تحريكها عند التلفّظ بكلمتي الشّهادة فقط. وتأوَّل في الحركة: كأنها نُطْقُ تلك الجارحة بالتوحيد. والله تعالى أعلم. من وقد اختلف العلماءُ في المختار من كيفية الجلوس في الصَّلاة. فقال مالك: المختار كيفية الجلوس كلُّ جلوس في الصلاة هو على هيئةٍ واحدة، وهو: أن يفضيَ إلى الأرض بأيسر في الصلاة وَرِكَیه، ويقعد على مقعدته، ويضع قدمه اليسرى تحت ساقه اليمنى، وينصب قدمه اليمنى مُستقبلاً بأطراف أصابعه القبلةَ، تمشُّكاً بحديث ابن عمر، وهو أنه علم الجلوسَ في الصَّلاة كذلك، وقال: هو سُنَّةُ الصَّلاة، ويمثله قال أبو حنيفة، غير أنه يفرشُ قدمه اليسرى تحت مقعدته، ويقعد عليها. وبهذا قال الشافعيُّ في الجلسة الوسطى. وبمذهب مالك قال في الآخرة، وفرّق بينهما تمشُّكاً بحديث أبي حميد (١) في (م): البغداديين. (٢) هذا لفظ النسائي (١٢٧/٢). ٢٠٣ (٣) كتاب الصلاة - (٥٧) باب: كم يُسلِّم من الصلاة؟ (٥٧) باب كم يُسَلِّم من الصلاة، وبأي شيءٍ كان يُعرف انقضاءُ صلاة رسول الله وَلِّ؟ [٤٧٠] عن أبي معمر، أن أميراً كان بمكة يُسَلِّمُ تسليمتين. فقالَ عبدُ الله: أنَّى عَلِقَها؟! إنَّ رسولَ اللهِ وَ لِكَانَ يفعلُه. رواه مسلم (٥٨١) (١١٧). السَّاعدي الذي خَرَّجه البخاري(١)، فإنه قال: وإذا جَلَسَ في الركعتين؛ جلس على رجله اليسرى، ونَصَبَ الأخرى، وإذا جَلَسَ في الرّکعة الآخرة؛ قدَّم رِجْله الیسری ونَصَب اليمنى وقَعَدَ على مقعدته. وقال أبو داود(٢): ((إذا جَلَسَ في الركعة الرابعة أفضى بوَركه إلى الأرض، وأخرج قَدَمَيْهِ من ناحيةٍ واحدة)). والتمسُّك بهذا الحديث أولی؛ فإنه نصٌّ في موضع الخلاف. (٥٧) ومن باب: كم يُسَلُّم من الصَّلاة؟ (قوله: إنَّ أميراً كان بمكة يُسلِّم تسليمتين) هذا الأميرُ هو فيما أحسب: الحارث بن حاطب الجمحي، وهو - والله أعلم - الذي ذكر أبو داود: أنّ أميرَ مكّة خطب فقال: عهد إلينا رسولُ اللهِ ﴿، أن ننسك لرؤيته، فإن لم نره، وشهد به شاهدا عدلٍ، نَسَكْنا بشهادتهما، واللهُ أعلم. و (قول عبد الله بن مسعود: ((أنّى عَلِقَها؟))) أي: كيف حفظها؟ وأصله: من علاقة الحب. وهذا الاستبعاد من ابن مسعود يدلُّ: على أنَّ عملَ الناس كان على (١) رواه البخاري (٨٢٨). (٢) رواه أبو داود (٩٥٧). ٢٠٤ (٣) كتاب الصلاة - (٥٧) باب: كم يُسلِّم من الصلاة؟ تسليمةٍ واحدة. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك في حقّ الإمام والمأموم والمنفرد، فذهب الجمهور: إلى أنَّ الفرضَ في حقُّهم تسليمةٌ واحدة. وذهب أحمدُ بن حنبل وبعضُ أهل الظَّاهر: إلى أن فرضهم اثنتان. قال الدّاودي: وأجمعَ العلماءُ: على أنَّ مَن سلَّم واحدةً فقد تمَّتْ صلاتُه، وعلى هذا: فالذي ذُكِر عن أحمد وأهل الظاهر محمولٌ على أنَّ التسليمةَ الثانية فرضٌ ليست بشرط، فيعصي مَن تركها، ويقعُ التحُّل بدونها. فإذا تنزّلنا على قول مَن قال: إنَّ الفرضَ واحدة؛ فهل يختارُ زيادة عليها لجميعهم أو فيه تفصيل؟ اخْتُلِفَ فيه: فذهب الشافعيُّ ومالك في غير المشهور عنه: أنه يستحبُّ للجمع تسليمتان. وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنَّ الإمامَ والمنفرد يقتصران على تسليمةٍ واحدة، ولا يزيدان عليها. وأما المأموم: فيسلُّم ثانية، يردّ بها على الإمام. فإن كان عن يساره مَن سلَّم عليه؛ فهل ينوي بالثانية الردّ على الإمام وعليه، أو يسلِّم ثلاثاً ينوي بهما الردّ على مَن سلَّم عليه ممن على يساره؟ قولان. ثم إذا قلنا بالثالثة فهل يُبدأُ بعد الأولى بالإمام أو ممّن على يساره؟ أو هو مخيّر؟ ثلاثة أقوال. وسَبَبُ الخلاف: اختلافُ الأحاديث. وذلك أنَّ في حديث ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص: أنه لنََّ ((كان يُسلِّم تسليمتين))(١). قال النسائي في حديث ابن مسعود: ((حتى نرى بياضَ خدِّه الأيمن، وبياض خده الأيسر)). وفي حديث عائشة(٢) وسمرة بن جندب(٣): ((كان يُسلم تسليمةً واحدة تلقاء وجهه يميلُ إلى الشق الأيمن شيئاً)). وأحاديث التَّسليمتين أصحُّ، وأحاديث التسليمة الواحدة عَمِل عليها أبو بكر وعمر، ولم ير مالكٌ في السلام من الصلاة زيادة: ((ورحمة الله وبركاته)) تمسّكاً بلفظ التعليم، ورأى ذلك الشافعيُّ تمسّكاً بحديث وائل بن حُجْر: قال: صليتُ مع النبي ◌َّ﴿ فكان يُسلِّم عن (١) رواه أبو داود (٢٣٣٨) من حديث حسين بن الحارث الجدلي. (٢) رواه الترمذي (٢٩٦)، وابن ماجه (٩١٩). (٣) رواه أبو داود (٩٧٥). ٢٠٥ (٣) كتاب الصلاة - (٥٧) باب: كم يُسلِّم من الصلاة؟ [٤٧١] وعن عَامرٍ بن سعدٍ، عن أبيه، قالَ: كنتُ أَرى رسولَ اللهِ وَ﴿ يُسلُّم عن يمينِهِ وعن يَسارهِ، حتَّى أُرى بياضَ خَدِّهِ. يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته(١). وفي حديث ابن مسعود: السلام عليكم ورحمة الله(٢) - فقط - ومعنى قول مالك - والله أعلم - بأنَّ التحلُّلَ يقعُ بالاقتصار على لفظ التَّسليم، ولا يشترطُ في ذلك زيادة. ثم هل يشترطُ في السلام لفظُ معيَّن، فلا يجزىء غيره؛ أو يجزىء(٣) كلُّ ما هل يُشترط في كان مأخوذاً من لفظ السلام؟ وبالأول: قال مالك؛ تمسُّكاً بقوله مصر: ((تحريمُ مثّ؟ لفظ الصلاة التكبير، وتحليلُها التَّسليم)) (٤) والألف واللام حوالة على معهودِ سلامِهِ وَّ. وكلّ مَن روى سلامه عيّن لفظه، فقال: السَّلام عليكم. وبالثاني: قال الشّافعيُّ تمشُّكاً بلفظ التسليم، وحَمْلاً له على عموم ما يشتقّ منه، وبإطلاق قول الراوي: حُكْم السلام؟ إنه وَلِّ كان يُسلِّم. وكلّ ما ذكرنا من أصول السَّلام وفروعه إنما هو على مَذْهَب مَن يرى: أنه لا يُتُحلّل من الصلاة إلا بالسَّلام. [وهم الجمهور](٥). وقد ذهب أبو حنيفة، والثّوري، والأوزاعي: إلى أنه ليس مِن فروضها، وأنه سُنَّة، وأنه يُتُحلَّل منها بكل فِعْل أو قول يُنافيها. وذهب الطبريُّ إلى التَّخيير في ذلك. والأحاديثُ المتقدِّمة كلُّها تردّ عليهم، والله أعلم. و (قول سعد: ((كنتُ أرى رسولَ اللهِ وَلٍ يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى كيفية التسليم أرى بياضَ خدِّه») هذا حُكْمُ الإمام والمنفرد على قول من يقول: إنهما يُسلِّمان اثنتین. وأما من قال: يُسلِّم واحدة؛ فحقُّه أن يبدأ قبالة وجهه ویتیامن، کما روي (١) رواه أبو داود (٩٩٧). (٢) رواه أبو داود (٩٩٦)، والترمذي (٢٩٥)، والنسائي (٦٣/٣). (٣) في (ع): يجوز. (٤) رواه أحمد (١٢٣/١ و١٢٩)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٣) من حديث علي رضي الله عنه. (٥) في (م) وهو مذهب الجمهور. ٢٠٦ (٣) كتاب الصلاة - (٥٧) باب: كم يُسلِّم من الصلاة؟ رواه أحمد (١٨٢/١)، ومسلم (٥٨٢)، والنسائي (٦١/٣)، وابن ماجه (٩١٥). [٤٧٢] وعن ابن عباس، قالَ: كَّا نعرفُ انقضاءَ صَلاةٍ رسولِ الله وَ ﴿ بالتَّكبيرِ . رواه البخاري (٨٤٢)، ومسلم (٥٨٣) (١٢٠)، وأبو داود (١٠٠٣)، والنسائي (٦٧/٣). [٤٧٣] وعنه: إنَّ رفعَ الصَّوتِ بالذِّكرِ حينَ ينصرفُ النَّاسُ مِن المكتوبةِ كانَ على عهدِ النبيِّ وَّهِ. قالَ: كنتُ أعلمُ إذا انصرفُوا بذلكَ، إذا سمعتُه. رواه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٥٨٣)، (١٢٢)، وأبو داود (١٠٠٢). في حديث عائشة وسمرة، وقد ذكرناهما، وذكرنا الاختلافَ في المأموم. و(قول ابن عباس: ((كنا نعرفُ انقضاءَ صلاةٍ رسول الله وَل﴿ بالتكبير))) قال الطّبري: فيه الإبانةُ عن صحةِ فعْل مَن كان يفعلُ ذلك من الأمراء، يكبّر بعد صلاته ويكبر مَنْ وراءه. قال غيرُه: ولم أَرَ أحداً من الفقهاء قال بهذا؛ إلا ما ذكره ابنُ حبيب في ((الواضحة))(١): أنهم كانوا يستحبُّون التَّكبيرَ في العساكر والبعوث إثر صلاة الصبح والعشاء، تكبيراً عالياً ثلاثَ مرات، وهو قديمٌ من شأن الناس، وعن مالك: أنه مُحْدَث. و (قوله: ((كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته))) هذا يدلُّ على أنَّ ابن عباس لم يكنْ يحضر معهم، وهذا كان لصغره يومئذٍ أو لعذرٍ آخر. والله أعلم. (١) هو كتاب: ((الواضحة في الفقه)) لعبد الملك بن حبيب المالكي القرطبي (ت ٢٣٩ هـ). ٢٠٧ (٣) كتاب الصلاة - (٥٨) باب: الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر (٥٨) باب الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر وغيره [٤٧٤] عن عائشةَ، قالتْ: دخلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ وَّةِ، وعندي امرأةٌ مِن اليهودِ، وهي تقولُ: هل شَعَرْتِ أنكم تُفْتَنُونَ في القُبُورِ؟ قالتْ: فارْتاعَ رسولُ الله ◌ِّهِ، وقالَ: ((إنما تُفْتَنُ يَهودُ))، فقالتْ عائشةُ: فَلَبِثْنَا لِيَالِيَ، ثم قالَ رسولُ الله ◌َّ: ((هَلْ شَعَرْتِ أنَّه أُوحِيَ إِلَيَّ أنَّكم تُفتنونَ في القُبُورِ؟)) قالتْ عائشةُ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ بَعْدُ يَستعيذُ مِن عذابِ القَبْرِ. وفي روايةٍ؛ قالتْ: فما رأيتُه بَعْدُ في صَلاةٍ إلا يَتَعَوَّذُ مِن عَذابٍ القبرِ. رواه أحمد (٨٩/٦ و٢٧١)، ومسلم (٥٨٤) و (٥٨٦). (٥٨) ومن باب: الاستعاذة في الصَّلاة من عذاب القبر وغيره (قول اليهودية: إنكم تُفتنون في القبور) أي: تُعذَّبون. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠] أي: عذبوهم. وقد قدّمنا: أن الفتنةَ تنصرفُ على وجوه، وأنَّ أصلَها: الاختبار. وهذا الحديثُ وما في معناه يدلُّ: على صحة اعتقاد أهل السُّنَّة في عذاب عذاب القبر القبر، وأنه حقّ، ويردُّ على المبتدعة المخالفين في ذلك، وسيأتي إن شاء الله. حق وارتياعُ النبيِ وَ﴿ عند إخبار اليهودية بعذاب القبر إنما هو على جهة استبعادٍ ذلك للمؤمن، إذ لم يكن أُوحي إليه في ذلك شيء. ولذلك حقّقه علىٍ اليهود. التعوذ فى فقال: ((إنما تُفتن يهود)). على ما كان عنده من عِلْم ذلك، ثم أخبر؛ أنه أوحي إليه الصلاة من فتنة بوقوع ذلك، وحينئذ تعوَّذَ منه، ولما استعظم الأمرَ واستهوله أكثر الاستعاذة منه، القبر ٢٠٨ (٣) كتاب الصلاة - (٥٨) باب: الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر [٤٧٥] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أحدُكم فليستعذْ باللهِ مِن أربع، يقولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ من عذابٍ جَهنَّمَ، ومِنْ عَذاب القبرِ، ومِن فتنةِ المَحْيَا والمماتِ، ومِن فتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ». وفي روايةٍ: ((إذا فرغَ أحدُكم مِن التَّشَهُّدِ الآخِرِ فليتعوَّذْ ... )) الحديث. رواه أحمد (٤٧٧/٢)، والبخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) (١٢٨ و ١٣٠)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي (٥٨/٣). [٤٧٦] وعن طَاووس، عن ابن عباس، أنَّ رسولَ اللهِ وَهُ كانَ وعلّمها، وأَمَر بها، وبإيقاعها في الصلاة؛ ليكون أنجحَ في الإجابة، وأسعف في الطّلبة؛ إذ الصلاةُ من أفضل القُرَب، وأرجى للإجابة، وخصوصاً بعدَ فراغها، ولذلك قال ◌َله: ((أقرب ما يكون العبدُ من ربِّه وهو ساجِد، فَأَكْثِرُوا الدعاء))(١). وفي هذا الحديث حُجَّةٌ على أبي حنيفة، حيث مَنَع الدعاءَ في الصلاة إلا بألفاظ القرآن. التعوذ من فتنة المحيا والممات في الصلاة و (قوله: ((ومن فتنة المحيا والممات))) أي: الحياة والموت، ويُحتمل زمانُ ذلك؛ لأن ما كان معتلّ العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر، والزمان، والمكان، بلفظ واحد. ويريد بذلك: محنة الدُّنيا وما بعدها. ويُحتمل أن يريدَ بذلك: حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لمّا استعاذَ من فتنةٍ هذين المقامين سأل التثبُّتَ فيهما. كما قال تعالى: ﴿يُحَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] والله أعلم. وقد تقدَّم القولُ في المسيح الدجال في الإيمان. وأمرُ طاووس ابنه بإعادة لما لم يتعوَّذْ من تلك الأمور دليلٌ: على (١) رواه أحمد (٤٢١/٢)، ومسلم (٤٨٢)، وأبو داود (٨٧٥)، والنسائي (٢٢٦/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٢٠٩ (٣) كتاب الصلاة - (٥٨) باب: الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر يُعلِّمُهم هذا الدُّعاءَ، كما يُعلِّمُهم الشُّورةَ مِن القُرْآنِ، يقولُ: ((قُولوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نعوذُ بكَ من عَذابٍ جَهِنَّمَ، وأعوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْرِ، وأعوذُ بكَ مِن فتنةِ المَسيح الدَّجَّالِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المَحْيَا والمماتِ». قال مسلم: بلغني أن طَاووساً قالَ لابنه: دعوتَ بِها في صَلاتِكَ؟ قال: لا، قال: أَعِدْ صلاتَكَ. رواه أحمد (٣٠٥/١)، ومسلم (٥٩٠)، وأبو داود (٩٨٤)، وابن ماجه (٣٨٤٠). [٤٧٧] وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَ لَ كانَ يدعُو في الصَّلاةِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن عَذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ مِن فتنةِ الدَّجَّالِ، وأعوذُ بكَ من فتنةٍ المَحْيَا والمماتِ، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن المَأْثِمِ والمَغْرِمِ» قالتْ: فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِن المَغْرِمِ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فكذبَ ووعدَ فأخلفَ». رواه أحمد (٨٩/٦)، والبخاري (٦٣٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٥٦/٣)، وابن ماجه (٣٨٣٨). أنه كان يعتقدُ وجوبَ التعوُّذ منها في الصلاة، وكأنه تمسّك بظاهر الأمر بالتعُّذ منها، وتأكَّد ذلك بتعليم النبي ◌َّه إياها النَّاس، كما يُعلِّمهم السورةَ من القرآن، وبدوام النَّبِي وَ﴿ على ذلك، ويُحتمل: أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تَغْلِيظاً عليه؛ لئلّاً يتهاون بتلك الدَّعوات، فيتركها فيُحْرَم فائدتها، وثوابها. والله تعالى أعلم. و ((المأثم)): ما يجرُّ إلى الذَّمِّ والعقوبة. ((والمغرم)): الغُرْمُ. وقد نبه في الحديث على الضّرر اللاحق من الغرم، والله أعلم. ٢١٠ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام (٥٩) باب قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام، وما يقال بعده [٤٧٨] عن عائشةَ، قالتْ: كانَ النبيُّ وَلِّ إذا سَلَّم لَم يقعدْ إلا مقدارَ ما يقولُ: ((اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجِلالِ والإِكْرَام)). (٥٩) ومن باب: قَدْر ما يقعدُ الإمامُ بعد السلام (قول عائشة رضي الله عنها: ((كان النبيُّ وَّ إذا سلَّم لم يقعدْ إلا مقدار(١) المقام للإِمام ما يقول: اللهم أنت السلام)) الحديث) دليلٌ لمالك: على كراهيته للإمام المقام في في موضعه بعد موضعه الذي صلَّى فيه بعد سلامه خِلافاً لمن أجاز ذلك، والصَّحيحُ: الكراهةُ. سلامه لهذا الحديث، ولما رواه البخاريُّ من حديث أم سَلَمة: أنَّ النبيَّ وَّ كان إذا سلَّم يمكثُ في مكانه يسيراً. قال ابنُ شهاب: فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النِّساء. ووجْهُ التمسُّك بذلك أنهم اعتذروا عن المقام اليسيرِ الذي صَدَر عنه عليه الصلاة والسلام. وبَيْنُوا وَجْهَه، فدلَّ ذلك: على أن الإسراعَ بالقيام هو الأصلُ والمشروع، وأما القعودُ فإنما كان منه ليستوفي من الذِّكر ما يليقُ بالسَّلام الذي انفصلَ به من الصلاة، ولينصرفَ النساء. وقد روى البخاريُّ أيضاً عن سمرة بن جندب: أنه وَلّ كان إذا صلَّى أقبل بوجهه(٢). وهذا يدلُّ: على أنَّ إقبالَه على الناس كان مُتَّصلاً بفراغه، ولم يكن يقعد. وقد روى أبو أحمد بن عدي ما هو أنصّ من هذا كلّه عن أنس قال: صلَّيتُ مع رسولِ الله وَ لهَ فكان ساعةَ يسلِّمُ يقومُ، ثم صليتُ مع أبي بكر فكان إذا سلَّم وَثَبَ كأنه يقومُ عن رَضْفة(٣). وهذا الحديثُ (١) في (ل) و(ط): قدر. (٢) رواه البخاري (١٣٨٦). (٣) رواه ابن عدي في الكامل (١٥١٦/٤). ((الرضفة)): الحجر المحمّى على النار. ٢١١ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام رواه أحمد (٦٢/٦ و١٨٤ و٢٣٥)، ومسلم (٥٩٢)، والترمذي (٢٩٨)، والنسائي (٦٩/٣)، وابن ماجه (٩٢٤). [٤٧٩] وعن ثَوْبَانَ، قالَ: كَانَ رسولُ الله ◌َّهِ إِذَا انصرفَ من صَلاتِه استغفرَ ثَلاثاً، وقالَ: ((اللَّهُمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تباركتَ ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ)). قالَ الأوزاعيُّ: تقولُ أستغفرُ اللهَ، أستغفرُ اللهَ. وإن لم يكن في الصحة مثل ما تقدَّم، فهو عاضِدٌ للصَّحيح، ومُبَّيِّن لمضمونه. وإذا کړه له القعود في موضع صلاته، فأحری وأولی أن تُكره له الصَّلاة فیه. وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة، قال رسول الله وَ لجر: ((لا يصلِّي الإمامُ في الموضع الذي صلَّى فيه حتى يتحول))(١). ويعتضدُ هذا من جهة المعنى، بأنَّ ذلك الموضعَ إنما استحقَّه الإمامُ للصلاة التي يُقتدى به فيها، فإذا فرغت ساوى النَّاس، وزال حُكْمُ الاختصاص. والله أعلم. و (قوله: ((اللهم أنت السَّلام ومنك السلام))) السَّلامُ الأول: اسمٌ من أسماء معنى السلام الله تعالى. كما قال تعالى: ﴿السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]. والسلام الثاني: السلامة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] ومعنى ذلك: أن السلامة من المعاطب والمهالك إنما تحصلُ لمن سلَّمه الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآءَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. و (قوله: ((تباركت ذا الجلال والإكرام))) تباركتَ: تفاعلْتَ، من البركة، وهي: الكثرةُ والنّماء، ومعناه: تعاظمت؛ إذ كثرتْ صفاتُ جلالك وكمالك. و (ذا الجلال) ذا العظمة والسلطان. وهو على حَذْف حرف النداء. تقديره: يا ذا الجلال. و (الإكرام): الإحسانُ وإفاضةُ النِّعم. (١) رواه أبو داود (٦١٦). ٢١٢ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام رواه أحمد (٢٧٥/٥ و٢٧٩)، ومسلم (٥٩١)، وأبو داود (١٥١٣)، والترمذي (٣٠٠)، والنسائي (٦٨/٣)، وابن ماجه (٩٢٨). [٤٨٠] وعن المغيرة بن شُعْبَةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ لهِ كانَ إذا فرَغَ مِن الصَّلاةِ وسلَّم، قالَ: ((لا إلهَ إلَّ اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهُو على كلِّ شيءٍ قَدير، اللَّهُمَّ لا مَانعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ». رواه أحمد (٢٤٥ و٢٤٧)، والبخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٧٠/٣). [٤٨١] وعن أبي الزُّبيرِ، قالَ: كانَ ابنُ الزُّبيرِ يقولُ في دُبُر كلِّ صَلاةٍ حينَ يُسَلِّم: ((لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو عَلى كلِّ شيءٍ قَدير، لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، لا إلهَ إلَّ اللهُ؛ ولا نعبدُ إلا إِيَّاهُ، له النعمةُ وله الفضلُ، وله الثََّاءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إلَّ اللهُ مخلصينَ له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكَافِرونَ». وقالَ: كان رسولُ الله ◌َّهِ يُهَلِّلُ بهنَّ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ. رواه أحمد (٤ / ٤)، ومسلم (٥٩٤) (١٣٩)، وأبو داود (١٥٠٦ و ١٥٠٧)، والنسائي (٧٥/٣). [٤٨٢] وعن أبي هُريرةَ، أن فقراءَ المُهاجِرِينَ أَتَّوْا رسولَ اللهِ وَل و (قوله في حديث المغيرة: ((ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ)) الجدُّ: الحظّ والغِنى، ومعناه: أنَّ ذا الغِنى لا ينتفعُ بغناه، ولا يحولُ بينه وبين ما يريده الله تعالى له، إذ لا حَوْلَ ولا قوة إلا به. والجدُّ ينصرف في اللغة على أوجهٍ متعدّدة. ٢١٣ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام فقالُوا: ذهبَ أهلُ الذُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلَى والنَّعيمِ المقيمِ. فقالَ: (وما ذاكَ؟)) قالُوا: يُصَلُّونَ كما نُصلِّي، ويَصُومونَ كما نَصومُ، وَيتصدَّقُونَ ولا نتصدَّقُ، ويُعْتِقونَ ولا نُعْتِقُ. فقالَ رسولُ اللهِِّ: (أفلا أُعَلِّمُكُم شيئاً تُدركونَ به مَنْ سَبَقَكُم، وتَسبقونَ به مَنْ بعدَكم. فلا يكونُ أحدٌ أفضلَ منكم، إلَّا مَنْ صنعَ مثلَ ما صَنَعْتُم؟)) قَالُوا: بَلَى يا رسولَ الله! قالَ: (تُسَبِّحُونَ وتُكَبِّرُونَ وتَحْمَدُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وثلاثينَ مَرَّةً)). قالَ أبو صَالح: ثم رجعَ فقراءُ المهاجرينَ إلى رسولِ الله وَّهِ، فقالُوا: سمعَ إخوانُنا أهلُ الأموالِ بما فعَلْنا، ففعلُوا مثلَه. فقالَ رسولُ اللهِِّ: ((ذلكَ فضلُ اللهِ یؤتیهِ مَنْ یَشاءُ» . رواه البخاري (٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥) (١٤٢)، وأبو داود (١٥٠٤). و (قول المهاجرين: ذهب أهلُ الدّثور بالأجور) واحد الدثور: دَثْر، وهو: المال الكثير، ومنه الحديث الآخر: ((وابعث راعِيَها في الدَّثْرِ))(١). وكذا الدِّبر، بكسر الدال، وبالباء بواحدة. قال ابنُ السكيت: الدِّبر: المالُ الكثير. ووقع في السِّيرة في خبر النجاشي: ((دَبر من ذهب))، بفتح الدال، قال ابن هشام: ويقال دِبْرٌ. قال: وهو الجبلُ بلغة الحبشة(٢). قال الهروي: يقال: مال دثر، ومالان دثر، وأموال دثر، وحكى أبو عمر المطرز: إن الذَّثْرَ بالثاء تُثنى وتُجمع. و (قوله ◌َ﴾: ((ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء))) استدلَّ به من يُفضِّل الغِنى الغنى والفقر على الفقر. وهي مسألةٌ اختلفَ النَّاسُ فيها على خمسة أقوال: فمن قائلٍ: بتفضيل الغِنى. ومن قائل: بتفضيل الفقر. ومن قائل: بتفضيل الكفاف. ومن قائل رابع: يردُّ هذا التفضيلَ إلى اعتبار أحوال النَّاس في ذلك. ومن قائل خامس: توقّف ولم (١) ذكره ابن عبد البر في أسد الغابة (٩٦/٣). (٢) سيرة ابن هشام (٢٣٨/١). ٢١٤ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام [٤٨٣] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِوَ له: ((مَنْ سَبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كلِّ صَلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ، وحَمِدَ اللهَ ثلاثاً وثلاثينَ، وكَبَّرَ اللهَ ثلاثاً وثلاثينَ، فتلك تسعٌ وتسعونَ، وقالَ تَمَام المائة: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وإنْ كانتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ)). رواه أحمد (٣٧١/٢)، ومسلم (٥٩٧). يفضل واحداً منهما على الآخر. والمسألةُ لها غورٌ، وفيها أحاديثُ متعارضة. ولعلَّنا نتكلّم عليها تفصيلاً إن شاء الله تعالى، وقد كتب الناسُ فيها كُتُباً كثيرة، وأجزاءً عديدة. والذي يظهرُ لي في الحال: أن الأفضلَ من ذلك ما اختاره اللهُ لنبيه ◌َ*، ولجمهور صحابته رضوانُ الله تعالى عليهم، وهو الفقرُ غير المدقع. ويكفيكَ من هذا: أنَّ فقراءَ المسلمين كما رُوي: ((يدخلونَ الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام، وأصحاب الأموال محبُوسون على قنطرةٍ بين الجنة والنار يُسألون عن فضول أموالهم))(١) وعلى هذا يتعيَّن تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِهِ مَنْ يَشَآءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] وقد تأوّله بعضُهم بأن قال: إنَّ الإشارةَ في قوله: ((ذلك)) راجعةٌ إلى الثواب المترتّب على الأعمال، الذي به يحصلُ التَّفضيلُ عند الله، فكأنه قال: ذلك الثوابُ الذي أخبرتكم به لا يستحقُّه الإنسانُ بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فَضْلُ الله يؤتيه من يشاء. والله تعالى أعلم. ولم يذكرْ في هذه الرِّواية تمامَ المئة، وذكره في الرواية الأخرى وعيَّن: أنه التَّهليل، وفي رواية: أنَّ زيادةَ تكبيرةٍ كملت المئة. وهذا يدلُّ على عَدَم تعين ما تكمل به المئة، بل أيّ شيء قال من ذلك حَصَلَ له ذلك الثَّواب. والله تعالى (١) رواه الترمذي (٢٣٥٤) من حديث أبي هريرة. و (٢٣٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهما -. ٢١٥ (٣) كتاب الصلاة - (٥٩) باب: قدر ما يقعدُ الإمام بعد السلام [٤٨٤] وعَنْ كَعْب بن عُجْرَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((مُعَقِّبَاتٌ لا يخيبُ قَائِلُهنَّ (أو فَاعِلُهُنَّ)، دُبرَ كلّ صَلاةٍ مَكتوبةٍ، ثلاثٌ وثلاثونَ تسبيحةً، وثلاثٌ وثلاثونَ تحميدةً، وأربعٌ وثلاثونَ تكبيرةً». رواه مسلم (٥٩٦) (١٤٥)، والترمذي (٣٤٠٩)، والنسائي (٧٥/٣). أعلم. وقد اتَّفَقَ مساقُ هذه الأحاديث والتي قبلها: على أنَّ أدبارَ الصَّلوات أوقاتُ أدبار الصلوات فاضلةٌ للدعاء والأذكار، فيُرتجى فيها القبول، ويبلغ ببركة التفرّغ لذلك إلى كلِّ أوقات فاضلة مأمول. وتُسَمَّى هذه الأذكار: معقبات؛ لأنها تُقال عقيب الصَّلوات، كما قال في للدعاء حديث أبي هريرة: ((دبر كلّ صلاة))، أي: آخرها. ويقال: دُبر بضم الدال. وحكى أبو عمر المطرز(١) في ((اليواقيت)): دَبر كل شيء بفتح الدال: آخر أوقات الشيء، الصّلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروفُ في اللغة، قال: وأما الجارحة: فبالضمّ. وقال الدَّاودي عن ابن الأعرابي: دبر الشيء، ودبره، بالوجهين: آخر أوقاتٌ الشيء، والدّبار جَمْعُه، ودابر كل شيء: آخره أيضاً. وأمّا اجتهادُ النبي ◌َِّ في الاستعاذة مما استعاذ في الدُّعاء بما دعا - وإن كان قد أُمِّن قبل الاستعاذة، وأُعطي قبل السؤال - فوفاءٌ بحقّ العبودية، وقيامٌ بوظيفة الشُّكر وبحقّ العبادة، كما قال: (((أفلا أكونُ عبداً شكوراً؟!)) (٢). (١) هو محمد بن عبد الواحد، المعروف بـ: ((غُلام ثَعْلَب)): إمام في اللغة. له ((الياقوتة)) - رسالة في غريب القرآن - و ((المدخل)) في اللغة وغير ذلك. (ت ٣٤٥ هـ). (٢) رواه البخاري (٦٤٧١)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذي (٤١٢)، والنسائي (٢١٩/٣) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ٢١٦ (٣) كتاب الصلاة - (٦٠) باب: السكوت بين التكبير والقراءة في الركعة الأولى (٦٠) باب السُّكوت بين التكبير والقراءة في الرَّكعة الأولى وما يُقال فيه [٤٨٥] عن أبي هريرةَ، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِوَه إذا كَبَّر في الصَّلاة سكتَ هُنَيِّئَةً قبلَ أنْ يقرأَ فقلتُ: يا رسولَ الله! بأبي أنتَ وأُمّ! أرأيتَ سكوتَك بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ، ما تقولُ؟ قالَ: ((أقولُ: اللَّهُمَّ باعِدْ بينِي وبينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بينَ المشرقِ والمَغربِ، اللَّهُمَّ نَقْنِي مِنْ خَطَايَايَ كما يُنَفَّى الثَّوْبُ الأبيضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ والمَاءِ والبَرَدِ». رواه أحمد (٢٣١/٢ و٤٩٤)، والبخاري (٧٤٧)، ومسلم (٥٩٨)، وأبو داود (٧٨١)، والنسائي (١/ ٥٠ - ٥١)، وابن ماجه (٨٠٥). [٤٨٥ م] وعنه، قالَ: كانَ رسول الله وَّهِ إِذَا نهضَ من الرَّكعةِ الثّانيةِ استفتحَ القراءةَ بالحمدِ للهِ ربِّ العالمينَ، ولم يسكتْ. (٦٠) ومن باب: السكوت بين التكبير والقراءة (قوله: ((سكت هُنَيِّئَةً قبل أن يقرأ))) ((هنيئة)) بضم الهاء، وياء التَّصغير، وهمزة مفتوحة - كَحُطَيْئَة - رواية الجمهور. وعند الطبري: هنيهة، يبدل من الهمزة هاء، تصغير هَنَّة، وهنٌّ، وهَنَّةٌ: كناية عن أسماء الأجناس، هذا هو المعروف. وقد رأيتُ لأبي الحسن بن خروف: هَنٌّ، كناية عن كلّ اسم نكرة عاقل. كفلان في الأعلام. وفيه لغتان: هَنوك، وهَنُك. وسكوته﴿ - هنا - إنما كان للدعاء كما بيّنه ◌َ له. فلا حُجَّةَ فيه لمن يرى أنه سكوت الإمام، حتى يقرأ مَن خلفه الفاتحة. وبدليل أنه ﴿ ﴿ كان لا يسكتُ إذا ٢١٧ (٣) كتاب الصلاة - (٦١) باب: فضل التحميد في الصلاة قال الشيخ أبو العباس: ذكرَه مسلمٌ مُنقطعاً، فقالَ: وحُدِّثْتُ عن يَحيى بن حَسَّان، وهو أحدُ الأربعةَ عشرَ حديثاً المنقطعة الواقعة في كتابهِ، وقد وصلَه أبو بكرِ البزَّارُ. رواه مسلم (٥٩٩)، وانظر مسند أبي عوانة (٩٩/٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٩٦/٢). (٦١) باب فضل التحميد في الصلاة [٤٨٦] عن أنس، أنَّ رَجُلاً جاءَ فدخلَ الصَّفَّ وقدْ حَفَزَه النَّفَس، فقالَ: الحمدُ لله حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، فلما قَضَى رسولُ اللهَِهل صَلاتَه قالَ: ((أيُّكُم المُتَكَلِّمُ بالكلماتِ؟)) فأَرَمَّ القَوْمُ، فقال: ((أيُّكُم المُتَكلِّمُ نهضَ في الركعة الثانية، وهذا الدُّعاءُ منه ◌َّ على جهة المبالغة في طلب غُفران الذُّنوب، وتبرئته منها، وقد تقدَّم القولُ في باقي الحديث. (٦١) ومن باب: فضل التَّحميد في الصلاة (قوله: ((حفزه النّفس))) أي: كذّه لسرعة سيره ليدركَ الصَّلاة مع النبي ◌َّر، الإسراع لإدراك وفيه دليلٌ على أنَّ من أسرعَ عند إقامة الصَّلاة ليدركها لم يفعلْ مُحَرَّماً، لكن الأولى الصلاة به الرفق والسكينة، كما يأتي بَعْدَ هذا إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((فأرمّ القوم))) الروايةُ المشهورةُ فيه بالراء والميم المشدَّدة. ومعناه: سكتوا. مأخوذٌ من المرمّة، وهي الشّفَة، أي: أطبقوا شفاههم. ورواه ٢١٨ (٣) كتاب الصلاة - (٦١) باب: فضل التحميد في الصلاة بِهَا؟ فإنَّه لم يقلْ بَأُساً)) فقالَ رجلٌ: جئتُ وقد حَفَزَنِي النَّفَسُ فقُلتُها. فقالَ: ((لقد رأيتُ اثنيْ عَشَرَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَها، أَيُّهُمْ يَرْفعُها)). رواه أحمد (١٠٦/٣ و١٦٧ و٢٥٢)، ومسلم (٦٠٠)، وأبو داود (٧٦٣)، والنسائي (١٣٢/٢). [٤٨٧] وعن ابن عُمرَ، قالَ: بينما نحنُ نُصَلِّي مع رسول الله وَّةِ، إذْ قالَ رجلٌ في القَوْمِ: اللهُ أكبرُ كبيراً، والحمدُ لله كثيراً، وسبحانَ اللهِ بُكْرَةً بعضُهم في غير لام(١): فأزم، بزاي مفتوحة، وميم مخففة. مأخوذ من الأزم، وهو شدُّ الأسنان بعضها على بعض. ومعناه: سكتوا. و (قوله: ((رأيتُ اثني عشرَ مَلَكاً يبتدرونها، أيُّهم يرفعُها))) يبتدرونها: يستبقونها. ورفعها: إلى المحل الذي ترفع إليه الأعمال. وقد روى البخاريُّ من ما يقوله حديث رفاعة بن رافع قال: كنا نُصلِّي يوماً وراءَ النبي ◌ِ لتر، فلما رفع رأسه من المأموم بعد: الركعة قال: ((سمع الله لمن حمده)) قال رجلٌ من ورائه: ربَّنا ولك الحمدُ حمداً ((سمع الله لمن كثيراً طيّباً مباركاً فيه. فلما انصرفَ قال: ((من المتكلم))؟ قال: أنا. قال: ((رأيتُ حمده، بضعاً وثلاثين مَلَكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول))(٢). ومساقُ هذا الحديث يدلُّ: على أنه حديثٌ آخر، غير حديث أنس المتقدِّم؛ فإنَّ ذلك حَمِدَ الله على إدراكه الصَّلاةَ مع النبي وَّر، وهذا حَمِدَ اللهَ عند الرَّفع من الركوع، وعند قول النبي ◌َّ: ((سمع الله لمن حمده))، وحينئذ لا يكونُ بينهما تعارضٌ، وهذا أولى من أن يقدِّرونها قصَّةً واحدة، ويُتُعسَّفَ إما في التأويل؛ أو في الحمل على الرُّواة، والله تعالى أعلم. و (قوله في حديث ابن عمر: ((اللهُ أكبر كبيراً)) قيل: هو منصوبٌ على إضمار الفعل، أي: كبّرْتُ كبيراً. وقيل: على القَطْع. وقيل: على التَّمييز. (١) أي: في غير صحيح مسلم. (٢) رواه البخاري (٧٩٩)، وأبو داود (٧٧٠ و ٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي (١٩٦/٢). ٢١٩ (٣) كتاب الصلاة - (٦٢) باب: إتيان الصلاة بالسكينة وأصِيلاً. فقالَ رسولُ الله وَّهِ: ((مَن القَائِلُ كلمةَ كَذَا وَكَذَا؟)) - قالَ رجلٌ مِن القَوْمِ: أنَا يا رسولَ اللهِ! قالَ: ((عَجِبْتُ لَها، فُتِحَتْ لَها أبوابُ السَّماءِ». قال ابنُ عمرَ: فما تركتُهنَّ منذُ سمعتُ رسولَ اللهِوَهِ يقولُ ذلكَ. رواه مسلم (٦٠١)، والترمذي (٣٥٩٢)، والنسائي (١٢٥/٢ و ١٤٥). (٦٢) باب إتيان الصلاة بالسكينة، ومتى تُقام؟ ومتى يُقام لها؟ وإتمامُ المسبوق [٤٨٨] عن أبي هريرةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ: ((إذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تأْتُوها وأنتم تَسْعَوْنَ، (٦٢) ومن باب: إتيان الصَّلاة بالسَّكينة (قوله: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعَوْن))) أصلُ السَّعي: الجري. ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وقد يكون السَّعي: العمل، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وعلى هذا الثاني حمل مالكٌ قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَّى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد اختلف العلماءُ فيمن سمع الإقامةَ هل يُسْرِعُ أو لا؟ فذهبَ الأكثر: إلى أنه لا يسرعُ وإن خافَ فوتَ الإسراع بعد الركعة؛ تمشّكاً بهذا الحديث، ونظراً إلى المعنى. وذلك أنه إذا أسرع انبهر (١)؛ الإقامة فشوَّش عليه دخولَه في الصلاة، وقراءتها، وخشوعَها. وذهب جماعةٌ من السّلف، (١) أي: انقطع نَفَسُه من الإعياء. ٢٢٠ (٣) كتاب الصلاة - (٦٢) باب: إتيان الصلاة بالسكينة وَائْتُوهَا تمشونَ، عَلِيكُمْ السَّكينةُ، فمَا أدركتُم فَصَلُوا، وما فَاتَكُم فَأَتِقُوا)). زادَ في أُخرى: ((فإنَّ أحدكم إذَا كانَ يَعْمِدُ إلى الصَّلاةِ فهُو في صَلاة)). رواه أحمد (٢ / ١٧٠ و٤٥٢)، والبخاري (٩٠٨)، ومسلم (٦٠٢) (١٥١ و١٥٢)، وأبو داود (٥٧٢ و ٥٧٣)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي (١١٤/٢ و١١٥). منهم ابن عمر، وابن مسعود في أحد قوليه: إلى أنه إذا خاف فواتَها أسرعَ. وقال إسحاق: يسرعُ إذا خافَ فوتَ الركعة، ورُوي عن مالك نحوه، وقال: لا بأسَ لمن كان على فرس أن يُحرِّكَ الفرس. وتأوَّله بعضُهم على الفرق بين الرَّاكب والماشي، لأنَّ الراكبَ لاَ ينبهر كما ينبهر الماشي. والقولُ الأول أظهر. و (قوله: ((وائتوها تمشون عليكم السَّكينةَ))) بنصب السَّكينة على الإغراء، كأنه قال: الزموا السكينة. والسكينة والوقار: اسمان لمسمَّى واحد؛ لأنَّ السكينةَ: من السكون، والوقار: من الاستقرار والتَّثاقل، وهما بمعنى واحد، وقد علَّل ملازمة الوقار: بأنَّ الماشي إلى الصَّلاة هو في الصلاة. ومعناه: أنه لما خَرَجَ من بيته إلى المسجد يريدُ الصَّلاةَ كان له حُكْمُ الداخل في الصلاة من الوقار حتى يتمّ له التشُّه به، فيتحصَّلُ له ثوابه. وفي كتاب أبي داود، من حديث أبي هُريرة مرفوعاً: ((مَن توضَّأ فأحسنَ الوضوء؛ ثم جاءَ إلى المسجد فوجدَ الناسَ قد صلّوا؛ أعطاه اللهُ من الأجر مثل أجرٍ مَن حَضَرها وصلاَّها، لا ينقصُ ذلك مِن أجورهم شيئاً)(١). ما يدركه المسبوق و (قوله: ((ما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا)) وفي الرواية الأخرى: هل هو أوَّل صلاته ((صلِّ ما أدركتَ، واقضٍ ما سبقك)) واختلف العلماءُ في الإتمام والقضاء أو آخرها؟ المذكورين في هذا الحديث؛ هل هما بمعنى واحد؟ أو بمعنيين؟. ويترتَّب على (١) رواه أبو داود (٥٦٤)، والنسائي (١١١/٢).