النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ فإنْ كانَ صَلَّى خَمْساً شفعنَ له صَلاتَه، السلام، وهو حديث لا علة له، وحديث أبي سعيد أرسله مالكٌ عن عطاء، وأسنده غيره، فكان هذا اضطراباً فيه، والتسليمُ عن ذلك أرجح. وثانيها: أن قوله: ((قبل أن يُسلِّم)) يحتملُ أن يريدَ به السلام على النبي ◌َّل الذي في التشهّد، وهو قوله: السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمة الله. فكأنه سَجَدَ ولم یستوفِ التشهد. وثالثها: أنه يحتملُ أن يكون النبيُّ ◌َّ سها عن إيقاعه بعد السَّلام، فأوقعه قبله واكتفى به، إذ قد فَعَلَه، ولا يتكرَّر سجودُ السهو، ولا يُعاد. لا يتكرر سجود السھو، ولا ورابعها: يحتملُ أن يكون شكّ في قراءة السورة، في إحدى الأوليين، يُعاد فيكون معه زيادة الركعة ونقصان قراءة السورة، فغلّب النقصان. وخامسها: أنَّ السجودَ في هذه الصُّورة قبل السلام؛ لأن الزيادةَ متوهّمة مقدورة، بخلاف الزِّيادة المحقّقة، كما في حديث ذي اليدين، فإنه لما تحقَّقتِ الزيادةُ سَجَد بعد السَّلام، وهذا إنما يتمشّى على ما رواه الداودي عن مالك على ما تقدَّم، وعليه حمله ابن لبابة. وسادسها: أنَّ حديثَ أبي سعيد محمولٌ على أن النبيَّ ◌َ ﴿ قَصَد بذلك بيانَ جوازٍ سجود ما بعد و[ما] (١) قبل، وهذا إنما يتمشَى على روايةِ مَن روى أن الترتيبَ في سُجُود السَّهو إنما هو من باب الأولى على ما تقدَّم، وهذا أشبهها؛ فإنه جَمْعٌ بين الأحاديث على وَجْهٍ حسن، وعلى مذهبِ الطبري وغيره ممن قال بالتَّخيير، فيسجدُ للنَّقص والزِّيادة قبلُ أو بعد، أيَّ ذلك شاء فعل، وفي المجموعة عن مالك نحوه. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((فإن كان صلّى خَمْساً شَفَعْنَ له صلاته))) يعني: أنه لما شكَّ هل (١) ساقط من (ع). ١٨٢ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ وإنْ كانَ صَلَّى إِثْماماً لأربعٍ كانتَا تَرْغِيماً للشَّيْطَان)). رواه أحمد (٨٧/٣)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤ و١٠٢٦ و ١٠٢٧ و١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، والنسائي (٢٧/٣)، وابن ماجه (١٢١٠). صلَّى ثلاثاً أو أربعاً، وبنى على الثلاث، فقد اطّرح الرابعة، مع إمكان أن يكونَ فَعَلَها، فإن كان قد فعلها فهي خَمْس. وموضوعُ تلك الصلاة شفع، فلو لم يسجدْ لكانت الخامسة لا تناسبُ أصلَ المشروعية، فلمّا سَجَدَ سجدتي السَّهو ارتفعتِ الوترية، وجاءت الشفعيةُ المناسبةُ للأصل، والله أعلم. والنون في شفعن هي نون جماعة المؤنّث، وعادت على معنى فعلات السجدتين، مشيراً إلى ما فيها من الأحكام المتعدّدة. و (قوله: ((وإن كان صلّى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشَّيطان))) معناه: غيظاً للشيطان، ومذلَّة له؛ لأنه لما فَعَل أربعَ ركعَات أتى بما طُلِب منه، ثم لما انفصلَ زاد سجوداً لله تعالى لأجل ما أوقع الشيطانُ في قلبه من التردد، فحصل للشيطان نقيضُ مقصوده؛ إذ كان إيطالَ الصلاة؛ فقد صحَّت، وعادت وسوستُه بزيادة خيرٍ وأجر. والترغيمُ: مأخوذٌ من الرغام، وهو التراب كما تقدَّم. و (قوله في حديث ابن بُحينة: ((فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبّر فسجد))) أي: فَرَغَ من أركانها عَدَا السلام. ونظرنا: انتظرنا، ومنه: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن تُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] أي: انتظرونا. وهذا التكبيرُ المعقب بالسجود لسجود السّهو قولاً واحداً لا للإحرام، لأنه لم ينفصل عن حُكْم الإحرام الأول. واختلفَ التكبير لسجود في التكبير للتبيين بعد السلام، هل هو للإحرام أو للسُّجود؟ روايتان عن مالك. السھو والأولى: أنه للإحرام، ولا بُدَّ من نيته، لأنه قد انفصلَ عن حُكْمِ الصَّلاة، ولأنَّه ١٨٣ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ [٤٦١] وعن علقمةَ، قالَ: قالَ عبدُ الله: صَلَّى رسولُ اللهِ وَ، (قالَ إبراهيمُ بن سُويد: زادَ أو نقصَ، الوهمُ منه)، فلمَّا سَلَّمَ قيلَ له: يا رسولَ اللهِ! أَحَدَثَ في الصَّلاةِ شيءٌ؟ لا بُدَّ لهما من(١) سلام ينفصلُ به، كما يحرمُ به قياساً على سائر الصَّلوات، وإلى هذا أشار في حديث ذَي اليدين، حيث قال: فصلَّى ركعتين ثم كبَّر، ثم سَجَد، ثم كبّر. فإنه عطف السجود على التكبيرِ بثمّ التي تقتضي التَّراخي، ولو كان التكبيرُ للسجود لكان معه، ومُصاحِباً له. أَلَا تراه كيف قال في بقية الحديث: ثم كبّر ورکع، ثم کېّر وسجد، ثم كبّر وسجد، ثم كبّر فرفع، فعدل عن ثم في مواضع المقارنة، وهذا ظاهر. و (قوله: فسجد سجدتين قبل السلام، ثم سلَّم) حُجَّةٌ لمالك في قوله: إن السجودَ للنقص قبل، وعلى أبي حنيفة في قوله(٢): إن السجودَ للسهو كلّه بعدُ، وحَمْلُ أبي حنيفة هذا السلام على سلام التشهّد فاسدٌ قَطْعاً بمساق الحديث، فتأمله. و (قوله: (مكان ما نسي من الجلوس))) دليلٌ: على أنّ الذي يُجْبَرُ بسجود ما يُجبر بسجود السهو إنما هو ما كان(٣) من قبيل سُنن الصَّلاة، أمَّا أركانها وواجباتها: فلا بُدَّ من السهو الإتيان بها، إذ لا تصحُّ بدون ذلك، أما فضائلُها: فغايتُها تكميلُ الثواب، فلو أسقطها المصلِّي ابتداءً لصحَّتْ صلاتُه اتفاقاً، وليسَ كذلك السُّنن، فقد قيل: إنَّ من تركها مُتعمِّداً أعاد الصلاة. و (قولهم في حديث ابن مسعود: ((أحدَثَ في الصلاة شيء))) سؤالٌ عن (١) في (ع): ولأنه أخرهما عن. (٢) ساقط من (ع). (٣) في (ع): يكون. ١٨٤ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ قالَ: ((ومَا ذاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وكذَا. قالَ: فثنى رِجْلَه واستقبلَ القبلةَ، فسجدَ سَجدتينِ ثمَّ سَلَّمَ، ثم أقبلَ علَيْنا بوجهِهِ، فقالَ: ((إنَّه لو حدثَ في الصَّلاةِ شيءٌ أنبأتكم به، ولكنْ إنَّما أنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كما تَنْسَوْنَ. جواز النسخ جواز النسخ على ما ثَبَتَ من العبادة، ويدلُّ هذا: على أنهم كانوا يتوقّعونه. على ما ثبت من العبادة و (قوله: ((وما ذاك))؟) سؤالُ من لم يشعرْ بما وَقَعَ منه، ولا يقين عنده، ولا غَلَبة ظنّ. و (قولهم: صليتَ كذا أو كذا)) إخبارُ مَن حقَّق ما وقع، وقبول النبي وَّ قبول الإمام قول قول المخبر عما وقع له دليل: على قبول الإمام قول مَن خلفه في إصلاح الصلاة، مَن خلفه في إذا كان الإمامُ على شكّ بلا خِلاف، وهل يُشترطُ في المخبِر عدد؛ لأنه من باب الشهادة، أو لا يشترط ذلك، لأنه من باب قَبُول الخبر؟ قولان: الأول: لأشهب إصلاح الصلاة وابن حبيب، وأما إن كان الإمام جازماً في اعتقاده بحيث يصمِّمُ عليه فلا يرجعُ إليهم؛ إلا أن يفيدَ خبرُهم العلم؛ فيرجع إليهم. وإن لم يُقِدْ خبرُهم العلم؛ فذكر ابنُ القصار في ذلك عن مالك قولين: الرجوع إلى قولهم، وعدمه. وبالأول قال ابنُ حبيب، ونصّه: إذا صلّى الإمامُ برجلين فصاعداً فإنه يعملُ على يقين مَن وراءه. ويَدَعُ يقينَ نفسه، قال المشايخ: يريد الاعتقاد. وبالثاني قال ابنُ مسلمة: ونصّ ما حُكي عنه: يرجع إلى قولهم إن كَثْرُوا، ولا يرجع إذا قلّوا، وينصرف، ویتمّون لأنفسهم. الأصل في و (قوله: ((لو حَدَث في الصَّلاة شيءٌ أنبأتكم به))) يُفهم منه: أنَّ الأصلَ في الأحكام بقاؤها الأحكام بقاؤها على ما قرّرت وإن جوّز غير ذلك. وأن تأخيرَ البيان لا يجوزُ عن علی ما قُرُّرت وقت الحاجة. هل يجوز النسيان و (قوله: ((إنما أنا بَشَرٌ أنسى كما تَنْسَوْن))) دليلٌ على جواز النسيان على النبي ◌َّلر فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع. قال القاضي عياض: وهو عليه ولاغر؟ ١٨٥ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ فإذَا نسيتُ فذَكِّرونِي، فإذا شَكَّ أحدُكم في الصَّلاة فليتحرَّ الصَّوابَ فليُتِمَّ عليه، ثم يسجدَ سَجْدَتَيْنِ)). وفي رواية: ((فلينظرْ أحرى ذلكَ إلى الصَّوابِ)). وفي أخرى: ((فلْيَتَحرَّ أقربَ ذلك إلى الصَّوابِ)). مَذْهَبُ عامة العلماء والأئمة النظّار، وظاهر القرآن والأحاديث. لكن شرط الأئمة: أن الله تعالى يُنُبِّهه على ذلك، ولا يُقرُّه عليه، ثم اختلفوا: هل من شرط التنبيه اتصاله بالحادثة على الفور؟ وهذا مذهبُ القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء، أو يجوز في ذلك التّراخي ما لم ينخرمْ عمره وينقطع تبليغه؟ وإليه نَحًا أبو المعالي. ومنعت طائفةٌ من العلماء السهوَ عليه في الأفعال البلاغية، والعبادات الشَّرعية، كما منعوه اتّفاقاً في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظَّواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذُ أبو إسحاق، وشذَّت الباطنية، وطائفةٌ من أرباب علم القلوب. فقالوا: لا يجوزُ النّسيان عليه، وإنما ينسى قصداً ويتعمد صورةَ النسيان ليسنَّ. ونحا إلى قولهم عظيمٌ من أئمة التحقيق؛ وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه ((الأوسط)). وهذا منحى غير سَديد، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد. قلت: والصحيح أن السهو عليه جائز مطلقاً، إذ هو واحد من نوع البشر، فيجوزُ عليه ما يجوزُ عليهم إذا لم يقدخ في حاله. وعليه نبّه حيث قال: ((إنما أنا بشرٌ أنسى كما تَنْسَوْن)) غير أنَّ ما كان منه فيما طريقه بلاغُ الأحكام قولاً أو فعلاً، لا يقرّ على نسيانه، بل يُنَبَّه عليه إذا تعينتِ الحاجةُ إلى ذلك المبلّغ. فإن أُقِرَّ على نسيانه ذلك؛ فإنما ذلك من باب النسخ، كما قال تعالى: ﴿ سَنُفْرِكُكَ فَلَا تَنَسَىَ * إِلَّا مَا شَآءَ [الأعلى: ٦ - ٧]. اللَّهُ و(قوله: ((فليتحر الصوابَ فليتمّ عليه))) و (فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب) ظاهره ما صار إليه الكوفيون مِن عمله على غَلَبة ظنّه. وقد ذكرنا: أن ١٨٦ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ وفي أخرى: فقال رسول الله وَله: ((إذا زادَ الرجلُ أو نقصَ فليسجدْ سجدتین) قال: ثم سجدَ سجدتین. وفي أخرى: أنَّه عليه الصلاة والسلام صَلَّى خَمْساً (مِن غير شَكِّ). رواه أحمد (٢٨/٦)، والبخاري (١٢٢٦)، ومسلم (٥٧٢) (٨٩ و ٩٠ و٩٢ و٩٦)، وأبو داود (١٠١٩ - ١٠٢٢)، والترمذي (٣٩٢ و ٣٩٣)، والنسائي (٣١/٣ -٣٣)، وابن ماجه (١٢١١). الجمهورَ ردّوه إلى حديث أبي هريرة، وهذا لم تضمّ إليه ضرورة تعارض، إذ يمكن أن يُحمل كلّ واحد من الحديثين على حالة غير الأخرى، فَيُحْمَل حديثُ أبي هريرة فيمن شكّ، ويُحمل هذا الحديثُ فيمِن ظنّ، ولا تعارضَ بينهما، والتَّحري وإن كان هو القَصْد، كما قال تعالى: ﴿فَأُوْلَِّكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] فكما يقصدُ المتيقن يقصد المظنون، والله تعالى أعلم، فإن قيل: الموجبُ لتأويل هذا الحديث وردّه إلى حديث أبي هريرة: أنَّ الصَّلاةَ في ذمّته بيقين، ولا تبرأ ذمَّتُه إلا بيقين. قلنا: لا نسلّم، بل تبرأ ذمَّتُه بغلبة الظنِّ بدليل: أن صحةَ الصلاةِ تتوقَّفُ على شروطٍ مظنونة باتفاق، كطهارة النجاسة، وطهارة الحدث باختلاف، والموقوفُ على المظنون مظنون، فلا يلزمُ اليقين، وإن كان الأولى هو اليقين، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين))) يقتضي التسويةً بين ما كان للنقص وبين ما كان للزِّيادة، فإما أن يكونَ هذا الأمرُ بهما على الوجوب، أو على النّدب. والتفرقةُ التي حكيناها عن أصحابنا مخالفةٌ لهذا الظّاهر فتلغى. و (قوله في الرِّواية الأخرى، التي لا شكَّ فيها: ((أَنِهِوَ﴾ِ صلَّى خمساً ثم سجد))) حُبَّةٌ على أبي حنيفة حيث قال: تبطلُ الصلاةُ بزيادة الخامسة، وهو حُجَّةٌ ١٨٧ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث (٥٤) باب فیمن سَلَّم من اثنتين أو ثلاث [٤٦٢] عن أبي هريرةَ، قالَ: صلَّى بنا رسولُ الله ◌َّ إحدى صَلاتي العَشِيِّ، إمَّا الظهرَ وإمَّا العصرَ، فسلَّمَ في ركعتين، ثم أتى جِذْعاً في قبلَةِ المسجدِ فاستندَ إليها مُغْضَباً، لمالك على صحّة ذلك في غير الثُّنائية، فلو زاد في الثُّنائية ركعةً فقد زادَ مثل نصفها، وقد اخْتُلِفَ فيما إذا زاد مثل نِصْف الصلاة فأكثر، فقيل: النصف كثير حُكْم مَن زاد فتعاد الصلاةُ منه في الصُّبح وغيرها. وهذا قول مطرّف وابن القاسم. وقيل: إنّما مثل نصف تفسدُ بزيادة ركعتين، وليست زيادة ركعة واحدة تبطلُ في الصبح ولا غيرها. وهو الصلاة فأكثر قول عبد الملك، فأما لو زاد مثل الصَّلاة ففي بُطلانها بذلك روايتان مشهورهما: حُكْم مَن زاد البطلان. والثانية: رواية عبد الملك ومطرّف، وهي الصحّة، ويجزئه سجودُ مثل الصلاة السهو، وسببُ هذا الخلاف اعتبارُ الزيادة؛ هل هي كثيرةٌ بالنسبة أم لا؟ . (٥٤) ومن باب: فيمن سلّم من اثنتين أو ثلاث (قوله: ((إحدى صلاتي العشي إما الظّهر وإما العصر))) أول العشي إذا فاء أول العشي الفيء وتمكّن، ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس(١) إلا وهم يصلّون وآخره الظهر بعشي. وآخره: غروب الشمس، وأصله: الظلمة. ومنه: عشا البصر، وعشوتُ النار: نظرتُ إليها عن ظلمة. و (قوله: ((ثم أتى جذعاً فاستندَ إليها))) الجذع: أحد الجذوع، وهو خشبةُ النخلة، وهو مذكّر. لكنه أعاد عليه ضميرَ المؤنّث لأنه خَشَبة. كما قالوا: بلغني كتابه فمزّقتها؛ لأنَّ الكتابَ صحيفة. (١) ساقط من (ع). ١٨٨ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلّم من اثنتين أو ثلاث وفي القومِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهَاباه أنْ يَتكلَّما، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، قُصِرَتٍ الصَّلاةُ. فقامَ ذو اليَدَيْنِ فقالَ: يا رسولَ الله! أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ. أم نَسِيتَ؟ و (قوله في أبي بكر وعمر: ((فهاباه أن يتكلّما))) يعني: أنهما بما غلبهما(١) من احترام النبي ◌َّه وتعظيمه، وإكبار مقامه الشّريف، امتنعا من تكليمه مع علمهما بأنه سيبين أمْرَ ما وقع، ولعلَّه بعد النهي عن السؤال كما قرّرناه في كتاب الإيمان. وإقدامُ ذي اليدين على السؤال، دليل على حرصه على تعلّم العلم، وعلى اعتنائه بأمرِ الصَّلاة. و (قوله: ((وخرج سرعان الناس))) رويته بفتح السين والراء، وهو المحفوظُ عن متقني الشّيوخ، وهو قولُ الكسائي، [وغيرهم يسكن الراء] (٢). وهم أخفّاؤهم، والمسرعون منهم. ورواية الأصيلي في البخاري: سُرْعان: بضم السين وإسكان الراء، وكأنّه جَمْعُ سریع؛ كقفیز وقفزان، وقضیب وقضبان. وکسر السين خطأ. قاله الخطابي. و (قوله: ((قصرت الصلاة))) معناه: يقولون قصرت الصلاة، على اعتقاد مَن هو ذو وقوع ما يجوزُ من النّسخِ. وذو اليدين: رجل من بني سليم، كان طويلَ اليدين، الیدین؟ ووقع في رواية: سبط اليدين، وظاهره: طويل خَلْق اليدين، ويُحتمل: أنه كان طويلَ اليدين بالفضل وبالبذل. وقد سمّاه في حديث عمران بن حصين: الخرباق، قال: وكان في يديه طول، ويُحتمل: أن يكون رجلاً آخر. والله أعلم. وقد سمّاه الزّهري: ذا الشّمالين، قال: رجلٌ من بني زهرة. وقد خطّأه أهلُ السِّيَر في ذلك وقالوا: إن ذا الشمالين الزهري(٣) قُتِل يوم بدر. قلت: ويُحتمل: أن يكون (١) في (ع) و(م): غلب عليهما. (٢) في (م) ورواية غيرهم بسكون الراء. (٣) ساقط من (ع). ١٨٩ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث فنظرَ النبيُّونَ﴿ يميناً وشِمالاً، فقالَ: ((مَا يقولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟)) فقالُوا: صَدَقَ، لم تُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ. الخرباقُ في حديث عمران بن حصين غير ذي اليدين في حديث أبي هريرة. واللهُ أعلم. المخبر عن و (قوله: ((ما يقول ذو اليدين))؟) يَحْتَجُّ به مَن يقول: لا بُدَّ من اشتراط العددِ هل يُشترط في المخبر عن السَّهو. ولا حَُّةَ فيه؛ لأنه وَ ﴿ إنما استكشفَ لما وقع له من العدد في التوقّف في خبره؛ حيث انفردَ بالخبر عن ذلك؛ مع أنَّ الجمعَ كثير، ودواعيهم السهو؟ متوافرة، وحاجتهم داعية إلى الاستكشاف عمّا وقع، فوقعتِ الريبةُ في خبر المخبر لهذا، وجوّز عليه أن يكونَ الغلطُ والسَّهو منه، لا أنَّها شهادة. والله أعلم، وهذا كما وقع في قبول أخبار الآحاد في غير موضع. و (قوله: ((فقالوا: صدق))) حصل من مجموع هذا الحديث أنَّ الكلَّ تكلَّموا في الصلاة بما يصلحها، ثم من بعد كلامهم كمَّل الصَّلاة، وسجد، ولغا كلامهم، ولم يضرّ، فصار هذا حُبَّةً لمالك: على أنَّ من تكلَّم في الصلاة لإصلاحها لم الكلام في تبطلْ صلاتُه. وخالفه بعضُ أصحابه وأكثرُ الناس. قال الحارثُ بن مسكين: الصلاة أصحابُ مالك كلُّهم على خلاف ما قال ابنُ القاسم عن مالك، وقالوا: كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلّم فيها أعادها. ومنع ما أجازه مالك من الكلام أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأهلُ الظاهر، وجعلوه مُفْسِداً للصَّلاة، إلا أنَّ أحمد أباح ذلك للإمام وحده، واستثنى سحنون من أصحاب مالك: أنَّ مَن سلَّم من اثنتين من الرباعية فوقع الكلامُ هناك؛ لم تبطلِ الصَّلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصَّلاةُ. والصحيحُ ما ذهب إليه مالك تمسّكاً بالحديث، وحَمْلاً له على الأصل الكلّي: من تعدّي الأحكام، وعُموم الشريعة، ودفعاً لما يتوهّم من الخصوصية؛ إذ لا دليلَ عليها، ولو كان شيء مما ادّعي لكان فيه تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوزُ إجماعاً، ولكان بيّته كما فعل في حديث أبي بردة بن لإصلاحها ١٩٠ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلّم من اثنتين أو ثلاث فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وسَلَّمَ، ثمَّ كَبَّرَ ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ كَبَّرَ وسَجَدَ ثم كَبَّرَ ورَفَعَ. نِيَار؛ حيث قال: ((ضحّ بها، ولن تجزىء عن أحد بعدك))(١). والله تعالى أعلم. و (قوله: «فصّی رکعتين وسلّم، ثم کبّر، ثم سجد، ثم کبر وسجد، ثم کبَّر ورفع))) هذا حُبَّةٌ لمالك - رحمه الله -: على أن السجودَ للزيادة بعد السَّلام. وحُجَّةٌ على الشافعي حيث قال: السجودُ كلُّه قبل السلام. وتأويل مَن تأوله: على أن المراد به: سلام التشهد ليس بصحيح بما تقدّم؛ ولم تَدْعُ إليه حاجة. وقد بنى النبيُّ نَّه على ما تقدَّم له من صلاته مع ما وقع في أثنائها، ومن استدباره القبلة، هل تبطل الصلاة واستناده إلى الخشبة والمحاورة في ذلك. وقد حمل ذلك أصحابُنا: على أنَّ ذلك بالعمل القليل أو عَمَلٌ قليل، وبحَضْرة ذلك، ولذلك ألغاه، فأما لو كثر ذلك، وطال جداً لبطلتٍ الکثیر؟ الصَّلاة، وقيل: لا تبطلُ وإن طال. وسَبَبُ الخلاف: هل ما وقعَ في قصّة ذي اليدين كثيرٌ أو قليل؟ ثم اخْتُلِف في الطّول ما هو؟ فقيل: يرجعُ في ذلك إلى العُرْف، وقيل: ما لم ينتقضْ وضوءُه، وروي هذا الأخير عن ربيعة ومالك، ولم يبين في هذا الحديث هل رجع النبيُّ وَلّه للصلاة بتكبير أو بغيره؟ أم هل رجع إلى حال الجلوس أو لا؟ وقد اختلف أصحابُنا في ذلك، فهاتان مسألتان: المسألة الأولى: المشهورُ أنه يرجعُ بتكبير. وهل ذلك التكبيرُ للإحرام أو لا؟ المشهورُ أنه للإحرام، فإن كان لا للإحرام؛ فهل هو للإشعار برجوعه، أو هو إيقاع السلام تكبيرُ القيام في الثالثة بعد الجلوس؟ قولان، وسبب هذا الخلاف: هل إيقاعُ السلام ساهياً على التکمیل ساهياً على التَّكميل مُخْرِجٌ عن الصلاة أم لا يكون مُخْرِجاً كالكلام ساهياً؟ فيه ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يكون سهوه عن العدد، فيسلِّم قصداً ثم يذكر، فهذا يحتاج إلى إحرام، أو سهوه عن السلام، فلا يحتاجُ إليه، فإنَّ هذا السلامَ كالكلام المسهو عنه. (١) رواه الدارمي (٨٠/٢). ١٩١ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلّم من اثنتين أو ثلاث قالَ: وأُخْبِرْتُ عن عِمْرانَ بنِ حُصينٍ أنَّه قالَ: وسلَّمَ. وفي رواية: أنَّها صلاةُ العصرِ (من غير شَكِّ)، وأنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ في جواب ذي اليدين إذ قالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يا رسولَ الله! أم نسيتَ؟ قال: ((كلُّ ذلكَ لم يكنْ)) فقالَ: قد كانَ بعضُ ذلك يا رسولَ الله! فأقبلَ رسولُ اللهِوَ ﴿ على النَّاس فقالَ: ((أصدقَ ذُو اليدين؟)) قالُوا: نعمْ يا رسولَ الله! فأتمَّ رسولُ اللهِ ◌ّرِ ما بقيَ من الصَّلاةِ، ثم سجدَ سجدتينِ وهو جالسٌ بعدَ التسليم. رواه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٥٧٣) (٩٧ و١٠٠)، وأبو داود (١٠٠٨ - ١٠١٢)، والترمذي (٣٩٤)، والنسائي (٣٠/٣ - ٣٦)، وابن ماجه (١٢١٤). المسألة الثانية: إذا قلنا: إنه يُكبِّرُ للإحرام، فهل يُكَبِّرُ قائماً كالإحرام الأول، أو جالساً؛ لأنها الحالةُ التي فارقَ الصلاةَ عليها؟ قولان. ثم إذا قلنا: يُحْرِمِ قائماً. فهل يجلسُ بعد ذلك القيام ليأتيَ بالنّهضة في صلاته؟ قاله ابنُ القاسم، أو لا يجلس؛ لأن النهضةَ غير مقصودة لنفسها؛ وقد فات محلُّها فلا يعودُ إليها. رواه ابنُ نافع، وقال به. و (قوله وَّ ر: ((كلّ ذلك لم يكن))) هذا مُشْكِلٌ بما ثبت من حاله وَّهِ، فإنه یستحیلُ علیه الخلف والكذب. والاعتذارُ عنه من وجهين: أحدهما: أنه إنما نفى الكلية وهو صادقٌ فيها؛ إذ لم يجتمعْ وقوعُ الأمرين، وإنما وقع أحدُهما، ولا يلزمُ من نفي الكلية نفي كلِّ جزءٍ من أجزائها، فإذا قال: لم ألقَ كلَّ العلماء. لا يُفهم أنه لم يلقَ واحداً منهم، ولا يلزمُ ذلك منه، إلَّا أنَّ هذا ١٩٢ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلم من اثنتين أو ثلاث [٤٦٣] وعن عِمرانَ بن حُصين، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى الظهرَ فسَلَّمَ في ثلاثٍ رَكَعَاتٍ، ثم دخلَ منزلَه فقام إليه رجلٌ يُقال له الخِرْبَاقُ، وكانَ في يَدَيْهِ طُولٌ، فقالَ: يا رسولَ الله! فذكرَ له صنيعَه، وخرجَ غَضْبَانِ يَجُرُّ الاعتذارَ يُبطله قوله [في الرواية الأخرى](١): ((لم أنس ولم تقصر)) بدل قوله: ((كلّ ذلك لم يكن)). فقد نفى الأمرين نصّاً. والثاني: أنه إنما أخبر عن الذي كان في اعتقاده وظنّه، وهو أنه لم يفعلْ شيئاً من ذلك، فأخبر بحقّ؛ إذ خَبْرُهُ موافقٌ لما في نفسه، فليس فيه خلفٌ ولا كذب. من حلف على وعن هذا ما قد صار إليه أكثرُ الفقهاء: إلى أنَّ الحالفَ بالله على شيءٍ يعتقده، ما يعتقده فظهر فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، أنَّ تلك اليمينَ لاغية، لا حنث فيها. وهي التي خلافه لم يُضِفْها الله تعالى إلى كَسْب القلب، حيث قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِ أَيْمَتِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وقد روى أبو داود حديثَ أبي هريرة هذا، وقال مكان: ((كلّ ذلك لم يكن)): ((لم أنس، ولم تقصر)). ومحمله على ما ذكرناه من إخباره عن اعتقاده، وللأصحاب فيه تأويلاتٌ أُخَر. منها: أن قوله: ((لم أنس)) راجعٌ إلى السلام، أي: لم أنس السلام، وإنما سلَّمْتُ قصداً. وهذا فاسِدٌ، لأنه حينئذٍ لا يكونُ جواباً عما سُئِل عنه. الفرق بين ومنها: الفرق بين النسيان والسهو، فقالوا: كان يسهو ولا ينسى؛ لأنَّ النسيان والسهو النسيانَ غفلة. وهذا أيضاً ليس بشيء، إذ لا نسلِّم الفرق، ولو سُلِّم فقد أضاف ◌َه النسيانَ إلى نفسه في غير ما موضع. فقال: ((إنما أنا بَشَرٌ أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّرُوني))(٢). وقوله: ((إني لأنسى، أو أنسى، لأسُنَّ))(٣) وغير ذلك. (١) ساقط من (ع). (٢) سبق تخريجه برقم (٤٩٦). (٣) رواه مالك في الموطأ (١/ ١٠٠) بلاغاً. ١٩٣ (٣) كتاب الصلاة - (٥٤) باب: فيمن سلّم من اثنتين أو ثلاث رِدَاءَهُ، حتَّى انتهى إلى النَّاس، فقالَ: ((أَصَدَقَ هُذا؟)) قالُوا: نعم. فصَلَّى ركعةً ثم سَلَّمَ ثم سجِدَ سجدتين ثم سَلَّمَ. رواه مسلم (٥٧٤) (١٠١)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، وابن ماجه (١٢١٥). ومنها: ما اختاره القاضي عياض: أنه إنما أنكر ◌َ﴿ نسبةَ النّسيان إليه، إذ ليس مِن فِعْلِهِ، كما قال في الحديث الآخر: ((بئس ما لأحدكم أن يقولَ نسيتُ آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي))(١) أي: خُلِقٍ فيه النسيان، وهذا يبطله قولُه أيضاً: ((أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني)). وأيضاً: فلم يصدرْ ذلك عنه على جهة الزَّجر والإنكار، بل على جهة النَّفي لما قاله السّائلُ عنه. وأيضاً: فلا يكونُ جواباً لما سُئِل عنه، والصوابُ حَمْلُه على ما ذكرناه، والله تعالى أعلم. ولا يلزمُ عليه شيءٌ من الاستبعادات. وفي الأم(٢): ((تَوَشْوَشَ القوم)) رواه أبو بحر معجمة، وغيره مهملة، وكلاهما بمعنى: الحركة. قال ابنُ دريد: وسوسة الشيء ـ مهملاً -: حَرَكَتُهُ. وتوشوش القوم: تحرّكوا، وهَمَسُوا. و (قوله في حديث عمران: ((فقام إليه رجلٌ فذكر له صنيعهُ))) يعني: سلامه في ثالثة. وغضبه وَ﴿ يحتملُ أن يكونَ إنكاراً على المتكلِّم إذ قد نسبه إلى ما كان يعتقدُ خِلافه، ولذلك أقبل على الناس متكشّفاً عن ذلك. وعلى هذا يدلُّ ما في الرواية الأخرى: إذ قال فيها: فقام رجلٌ بسيط اليدين، فقال: قصرتِ الصلاةُ يا رسولَ الله؟ فخرج مُغضَباً. ويحتملُ أن يكون غضبُه لأمرٍ آخر لم يذكره الراوي، (١) رواه أحمد (٤١٧/١ و٤٣٨)، والبخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (١٥٤/٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. (٢) انظر: صحيح مسلم (٤٠٢/١). ١٩٤ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن (٥٥) باب ما جاء في سجود القرآن [٤٦٤] عن ابن عمرَ، قالَ: ربَّما قرأَ رسولُ اللهِوَّةِ القرآنَ فيَمرُّ بالسجدةِ فيسجدُ بنا حتَّی ازدحمَنا عنده، وکأن الأول أظهر. وحديث عمران بن حصین هذا واقعة أخرى غير واقعة حديث أبي هريرة. وقد تواردَ الحديثان على أنّ السجودَ للزِّيادة بعد السلام، كما هو مشهورُ مذهب مالك، فانتهضت حُجَّتُه والحمد لله. وفي حديث ذي اليدين حُجَّةٌ المالك على قوله: إن الحاكمَ إذا نسي حكمه فشهدَ عنده عدلان بحكم؛ أمضاه، خِلافاً لأبي حنيفة والشَّافعي في قولهما: إنه لا يمضيه حتى يذكره، وَأنه لا يقبلُ الشَّهادة على نفسه بل على غيره. وهذا إنما يتمُّ لمالك إذا سلم له أن رجوعَه إلى الصَّلاة إنما كان لأجل الشَّهادة؛ لا لأجل تیقّنه ما كان قد نسيه. (٢٥) ومن باب: سجود القرآن (قوله: ((ربما قرأ رسولُ اللهِوَهرِ القرآنَ فيمرُّ بالسَّجدة فيسجدُ بنا حتى ازدحمنا عنده))) هذا يدلُّ: على أنَّ سجودَ القرآن أمرٌ مشهورٌ معمولٌ به في عصر عزائم القرآن النبي ◌َّه، وقد استمرَّ العملُ عليه. ولذلك قال مالكٌ: الأمرُ عندنا: إنَّ عزائمَ القرآن [إحدى عشرة سجدة ليس في المفصّل منها شيء](١)، وبدليل فِعْل عمر حُكم سجود وغيره، وقد اختلفَ العلماءُ في حُكْمه، وعدده، ومحله، ووقته، وشرطه، فَلْتُرْسَمْ في ذلك مسائل: القرآن وعدده ... المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى وجوبه عند قراءة موضع السَّجدة، (١) ساقط من الأصول، واستدركناه من الموطأ (٢٠٧/١). ١٩٥ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن مُحتجّاً في ذلك بما في كتاب الله من الأمر بالسَّجود، كقوله: ﴿فَأَتْهُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢] وكقوله: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتِبِ﴾ [العلق: ١٩] وغير ذلك. وبقوله وَ له: ((إذا قرأ ابنُ آدم السجدةَ، فسجدَ اعتزلَ الشيطانُ يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأُمِرْتُ بالسُّجودِ فعصيتُ فلي النار))(١). وجمهورُ الفقهاء: على أنَّ سجود التلاوة ليس بواجب، وصرفوا ما ذُكِر من الأمر بالشُّجود إلى الصلاة الواجبة، واختلف أصحابُنا هل هو سُنَّة، أو فَضِيلة؟ على قولين، فإذا قلنا: إنه ليس بواجب؛ فالأولى أن يكون سُنَّة؛ لأنَّ النَّبِيَّ وَلِّ قد داوم عليه وفَعَلَه في جماعة، وفَعَلَه الناسُ بعده، فتأكَّد أمره، فيكون سُنَّة، والله أعلم. المسألة الثانية: واختلف في عَدَد سجدات القرآن، فَأَقْصى ما قِيل في سجدات القرآن عَدَدها: خمس عشرة. أولها: خاتمة الأعراف، وآخرها: خاتمة العَلَق. قاله ابنُ حبيب من أصحابنا، وابنُ وهب في روايةٍ، وإسحاق. وقيل: أربع عشرة. قاله ابنُ وهب، وأسقط ثانية الحجّ. وهوقولُ أبي حنيفة [وأهل الرأي](٢)، وقول الشافعي، إلا أنه أسقط سجدة ((صّ))(٣) وأثبت آخرة الحج. وقيل: إحدى عشرة. وأسقط آخرة الحج، وثلاث المفصّل وهو مشهور (٤) مذهب مالك وأصحابه، وَرُوي عن ابن عمر، وابن عباس. وقيل: عشرة، وأسقط آخرة الحج، وصّ، وثلاث المفصّل. ذُكِر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع سجدات: أَلّمّ تنزيل، وحمَ تنزيل، والنجم، والعلق. وسببُ الخلاف: اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأمر بالسُّجود في القرآن، هل المرادُ به سجودُ التَّلاوة، أو سجودُ الفرض؟ والله أعلم. (١) رواه أحمد (٢/ ٤٤٠ و٤٤٣)، ومسلم (٨١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) ساقط من (ع). (٣) في (م) و (ل) و(ط): النجم. (٤) ساقط من (ع). ١٩٦ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن محل سجود القرآن المسألة الثالثة: وأما محلّه: فمهما قرأ القرآن؛ ومرّ بموضع سجدة؛ سجد إذا كان في وقتها على ما يأتي، وإن كان في صلاة؛ ففي النافلة إن كان منفرداً، وفي جماعة يأمنُ التخليطَ فيها، فإن كان في جماعةٍ لا يأمنُ فيها ذلك فالمنصوصُ جوازه، وقيل: لا يسجد فيها، وأما في الفريضة: فالمشهورُ عن مالك؛ النهي عنه فيها سواء كانت صلاة (١) سرّ أو جهرٍ، جماعةً أو فرادى، وهو مُعلّل بكونها زيادة في أعداد السُّجود في الفريضة. وقيل: هو مُعلَّل بخوف التَّخليط على الجماعة. وعلى هذا لا يمنعُ منه الفرادى، ولا الجماعة التي يأمنُ فيها التَّخليط. وقت سجود القرآن المسألة الرَّابعة: وأما وقته: فقيل: يسجدُ في سائر الأوقات، مُطلقاً؛ لأنها صلاةٌ لسبب. وهو قولُ الشافعي وجماعة، وقيل ما لم يسفر الصبح، أو ما لم تصفرّ الشَّمس بعد العصر. وقيل: لا يسجدُ بعد العصر، ولا بعد الصُّبح. وقيل: يسجدُ بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجدُ بعد العصر. وهذه الثلاثةُ الأقوال في مذهبنا، وسببُ الخلافِ معارضةُ ما يقتضيه سببُ قراءة السجدة من السجود المرتّب عليها؛ لعموم النَّهي عن الصَّلاة بعد العصر، وبعد الصبح، واختلافهم في المعنى الذي لأجله نُهي عن الصلاة في هذين الوقتين. والله أعلم. شرط سجود القرآن المسألة الخامسة في شرطه: قال القاضي أبو الفضل عياض - رحمه الله تعالى -: لا خلافَ أنَّ سجودَ القرآن يحتاجُ إلى ما تحتاجُ إليه الصَّلاة: من طهارة حدث ونجس، ونية، واستقبال قِبْلة، ووقت على ما تقدَّم. وهل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده، وتكبير وتسليم؟ فذهب الشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاق: إلى أنه يُكبِّر ويرفعُ يديه للتَّكبير لها، ومشهورُ مذهبٍ مالك أنه يُكبِّر لها في الخفض والرفع في الصَّلاة، واختلف عنه في التّكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامةُ الفقهاء، ولا سلامَ لها عند الجمهور، وذهب جماعةٌ من السلف وإسحاق بن (١) من (ل) و(ط) و(ج ١). ١٩٧ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن حتَّى ما يجدُ أحدُنا مكاناً يسجدُ فيه في غير صَلاة. رواه البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥) (١٠٤)، وأبو داود (١٤١١ - ١٤١٣). [٤٦٥] وعن عبدِ الله، عن النبيِّ وَّرِ أنَّه قرأ: ﴿والنَّجم﴾ فسجدَ فيها، وسجدَ مَنْ كانَ معه، غيرَ أنَّ شَيخاً أخذَ كَفّاً مِن حَصْبَاءَ أو تُرابٍ فرفعَه إلى جبهتِه، وقالَ: يَكفِيْنِي هَذا. قال عبدُ الله: لقد رأيتُه بَعْدُ قُتِلَ كَافِراً. راهويه: إلى أنه يُسَلِّم منها. وعلى هذا المذهب يتحقَّق: أنَّ التكبيرَ في أولها للإحرام، وعلى قول مَن لا يسلّم يكون للسجود فحسب(١). و (قوله: ((حتى ما يجد أحدنا مكاناً يسجدُ فيه))) وفي لفظ آخر: ((مكاناً لجبهته)) اختلف فيمن اعتراه ذلك؛ فقال الداودي: مالكٌ یری لمن نزل به مثل ذلك أن يسجدَ إذا رَفَعَ غيره. وكان عمرُ يرى أن يسجدَ على ظهر أخيه. واختلف في الخطيب يوم الجمعة يقرأُ السَّجدةَ في خطبته: فقال مالكٌ: يمرُّ في خطبته ولا خطيب الجمعة يسجدُ. وقال الشافعيُّ: ينزلُ ويسجد، وإن لم يفعلْ أجزأه. وقد روي عن عمر في بقرأ السجدة الموطأ(٢)، وعن النبي وَلاغير: أنهما نزلا وسجدا. رواه أبو داود(٣)، وهو صحيح. و (قوله: ((قرأ (والنجم) فسجد فيها))) كان هذا منه مُتقدِّماً، وكذلك قيل في سجود (الانشقاق) و (اقرأ) والذي استقرَّ عليه العملُ: السجودُ في العزائم الإحدى عشرة التي ليس في المفصّل منها شيء. سجدة سورة و (قوله: ((غير أن شَيْخاً أخذ كفّاً من حصى))) هذا الشيخُ هو أميةُ بن خلف، النجم (١) ساقط من (ع). (٢) رواه مالك في الموطأ (٢٠٦/١). (٣) رواه أبو داود (١٤١٠) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ١٩٨ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن رواه البخاري (١٠٧٠)، ومسلم (٥٧٦)، وأبو داود (١٤٠٦)، والنسائي (١٦٠/٢). [٤٦٦] وعن عَطَاء بن يَسَار، أنَّه أخبرَه أنَّه سألَ زيدَ بنَ ثابتٍ عن القراءةِ مع الإمام، فقالَ: لا قراءةَ معَ الإمام في شيءٍ، وزعم أنَّه قرأ على رسول الله وَله: ﴿والنَّجْم إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجدْ. رواه مسلم (٥٧٧)، والنسائي (١٦٠/٢). قُتِل يوم بدر كافراً، وإنما سَجَدَ لما رُوي أنه سَجَد حينئذٍ مع النبي ◌ِّ المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس؛ قاله ابنُ عباس، ورواه البزار(١). حتى شاع أنَّ أهلَ مكة قد أسلموا، وقدم مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة لذلك، وكان سَبَبُ سجودهم - فيما قال ابنُ مسعود -: أنها كانت أوَّل سورةٍ نزلتْ فيها سجدة. وروى أصحابُ الأخبار والمفسِّرون: أنَّ سَبَبَ ذلك ما جرى على لسان النبيَّ وَّه من ذِكْر النَّناء على آلهة المشركين في سورة النجم، ولا يصحُّ هذا من طريق النقل، ولا العقل. وأشهرُ طريق النقل فيه عن الكلبي، وهو كذّاب. وأما العقل: فلا يصدّق بذلك لأمور مستحيلة، قد عدَّدها القاضي عياض في الشفاء (٢). و (قول زيد: لا قراءة مع الإمام في شيء) يعني: لازمة. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك. و (قول عطاء عن زيد: أنه زعم أن النبي ◌َ ﴿ قرأ: (والنجم) فلم يسجد) يُشْكِل بما قدمناه في الزعم: أنه القولُ غير المحقّق. ويزولُ الإشكالُ: بأنَّ (١) رواه ابن مردويه وابن أبي شيبة عن الشعبي. انظر: (الدر المنثور ٦٣٩/٧). (٢) الشفا (١/ ٢٨٢ وما بعدها). ١٩٩ (٣) كتاب الصلاة - (٥٥) باب: ما جاء في سجود القرآن [٤٦٧] وعن أبي هريرةَ، قالَ: سجدنَا مع النبيِّلنَّ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأُ بِاسْمٍ رَبِّكَ ... ﴾. رواه مسلم (٥٧٨)، وأبو داود (١٤٠٧)، والترمذي (٥٧٨) (١٠٨)، والنسائي (١٦١/٢ - ١٦٢)، وابن ماجه (١٠٥٨). * # ما قدَّمناه هو الأصلُ فِي وَصْفه، وقد يُقال على الخبر المحقّق، كما قال الشاعر(١): عَلَى اللهِ أَرْزاقُ العِبَادِ كَمَا زَعَمْ(٢) قال الهروي: زعم هنا بمعنى: أخبر، ويجوزُ أن يُقال: إنَّ زعم بمعنى ضمن، ومنه الحديث: ((الزعيمُ غارمٌ))(٣). قلتُ: وهذا يصحُّ في معنى البيت، ويبعدُ أن يحملَ عليه ما في الحديث. ويُقال: زَعُم وزَعَم وزَعِم، بالضّم، والفتح، والكسر . وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ قوله تعالى في سورة النَّجم: ﴿فَأَعْبُدُواْ لِلَّهِ سجدات وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢] إنه [لا يراد منه](٤) سجود التلاوة، إذ لو كان لما تركه المُفضَّل النَّبِيُّ ◌َ﴿. ولذلك قال مالكٌ: إنها ليست من العزائم. وحديث أبي هريرة في سُجود النَّبِي وَ اه في: الانشقاق و: اقرأ. حُجَّة لابن وهب ومَن قال بقوله، وقد قدَّمنا: أنَّ ذلك كان مِن فِعْله مُتقدِّماً، وأن العملَ استقرَّ على تَرْكِ ذلك، ويصحُ الجمعُ بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفصّل بما قد رُوي عن مالك: أنه خُيِّر فيها. والله أعلم. (١) هو عمرو بن شاس. (٢) وصدره: تقول هلكنا إن هلكت وإنما. (٣) رواه أبو داود (٣٥٦٥)، والترمذي (١٢٦٥) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه . (٤) في (م): يراد به غيره، وفي (ل) و(ط): لا يراد به سجود التلاوة. ٢٠٠ (٣) كتاب الصلاة - (٥٦) باب: كيفية الجلوس للتشهد (٥٦) باب کیفیة الجلوس للتشهد [٤٦٨] عن عبدِ الله بن الزُّبير، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَّهِ إِذَا قَعَد في الصَّلاة جعلَ قدمَه المُسْرَى تحتَ فَخِذِهِ وسَاقِهِ، وفَرَشَ قدمه اليُمنى، ووضعَ يدَه اليُسرى على رُكبتِهِ الْيُسْرى، ووضعَ يدَه اليُمنى على فَخِذِهِ اليُمنى، (٥٦) ومن باب: كيفية الجلوس للتشهد (قوله: ((وفرش قدمه اليمنى))) هكذا الرواية، ولا يصحُّ غيرها نقلاً، وقد أشكلت هذه اللفظةُ على جماعة، حتى قال أبو محمد الخشني: صوابه: وفرش قدمه اليسرى. ورأى أنه غَلَطُ؛ لأنَّ المعروفَ في اليمنى أنها منصوبة، كما جاء في حديث ابن عمر من رواية أبي داود: أنه ◌َ ﴿ كان ينصب اليمنى ويثني اليسرى(١). وكذا جاء في البخاري (٢) من حديث أبي حميد قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والصواب حَمْل الرواية على الصحة وعلى ظاهرها، وأنه ◌َلته في هذه الكرة لم ينصبْ قدمه اليمنى، ولا فَتَحَ أصابعه، وإنما باشرَ الأرضَ بجانب رجله اليسرى، وبسطها عليها، إما لعذر؛ كما كان يفعل ابنُ عمر حيث قال: إن رجليَّ لا تحملاني. وإمّا ليبيِّن أنَّ نَصْبَهما وفَتْح أصابعهما ليس بواجب، وهذا هو الأظهرُ، والله أعلم. و (قوله: ((ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى))) يعني: بَسَطَها عليها كما جاء في حديث ابن عمر. وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: ((ويلقم كفَّه اليسرى الافتراش (١) رواه أبو داود (٩٥٨). (٢) رواه البخاري (٨٢٨).