النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (٣) كتاب الصلاة - (٤٩) باب: الصلاة في النعلين [٤٤٤] وعن عبدِ اللهِ بن الشِّخِّيرِ، قالَ: صَلَّيْتُ معَ رسولِ اللهِ وَِّ، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ، فَدَلَكَها بنعِلِهِ الْيُسْرَىُ. رواه مسلم (٥٥٤)، وأبو داود (٤٨٢)، والنسائي (٢/ ٥٢). (٤٩) باب الصلاة في النعلين، والثوب المعلم، وبحضرة الطعام [٤٤٥] عن سعيدٍ بن يزيدَ، قالَ: قلتُ لأنس بن مَالكِ: أكانَ رسولُ اللهِ وَلِلّهِ يُصَلِّي في الثَّعْلَيْنِ؟ قالَ: نعم. رواه أحمد (١٠٠/٣)، والبخاري (٥٨٥٠)، ومسلم (٥٥٥)، والترمذي (١٠٠/٤)، والنسائي (٧٤/٢). قلت: وقد دلَّ على صحّة هذا التأويل قوله ﴿ ﴿ في حديث أبي ذر: ((ووجدتُ في مساوىء أعمالها الثُّخَاعةَ تكون في المسجد لا تدفن)) فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك وببقائها غير مدفونة. والأذى: هو (١) كلّ ما يتأذّى به من عظم، أو حجر، أو نجاسة، أو قذر، أو غير ذلك. ((ويماط)): پُزال، وینحّى. (٤٩) ومن باب: الصَّلاة في التّعلين والثّوب المعلم (قول أنس: ((كان النبيُّ وَل﴿ يصلِّي في النَّعلين))) هذا يدلُّ على جواز الصلاة طهارة التعلين فيهما، وهو أمرٌ لم يُختلفْ فيه إذا كانتِ النعلُ طاهرةً من ذكيٍّ، فإن تحقّق فيها المتنجسين (١) ساقط من (ع). ١٦٢ (٣) كتاب الصلاة - (٤٩) باب: الصلاة في النعلين [٤٤٦] وعن عائشةَ، قالتْ: قامَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَام، فنظرَ إلى عَلَمِها، فلمَّا قضَى صَلاتَه قالَ: ((اذْهَبُوا بهذِه الخَمِيْصَةِ إلى أبي جَهْم بن حُذيفةَ، وائْتُونِي بَأَنْبِجَانِيَّة، فإنَّها أَلَّهَتْنِي آنِفاً في صَلاتِي)). رواه أحمد (١٩٩/٦)، والبخاري (٣٧٣)، ومسلم (٥٥٦) (٦٢)، وأبو داود (٩١٤)، والنسائي (٢/ ٧٢). نجاسةٌ مُجْمَعٌ على تنجيسها: كالدم، والعذرة من بول بني آدم؛ لم يطهرها إلا الغسلُ بالماء عندنا، وعند كافة العلماء، وإن كانتِ النجاسةُ مُخْتَلَفاً فيها: كبول الدواب، وأروائها الرطبة، فهل يطهرها المسحُ بالتراب من النعل والخفّ أوْ لا؟ قولان عندنا. وأطلق الإجزاء بمسح ذلك بالتراب من غير تفصيل الأوزاعيُّ وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: يزيلُه إذا يبسَ الحُّ والفركُ، ولا يزيلُ رطبه إلا الغسلُ ما عدا البول. فلا يجزىء عنده فيه إلا الغسل. وقال الشافعيُّ: لا يطهّر شيئاً من ذلك كله إلا الماء. والصحيحُ: قول مَن قال: بأن المسحَ يطهّره من الخفّ والنعل، بدليل قول النبي وَلقر في حديث أبي سعيد الخدري: ((إذا جاء أحدُكم المسجدَ فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصلِّ فيهما)) (١) أخرجه أبو داود، وهو صحيح. فأمَّا لو كانت النعلُ أو الخفُّ جلدَ ميتة فإن كان غيرَ مدبوغ، فهو نجسٌ باتفاق، ومُختلفٌ فيه إذا دُبغ؛ هل يطهر طهارة مطلقة، أو إنما ◌ُنتفعُ به في اليابسات؟ روايتان عن مالك. و ((الخَميصة)) بفتح الخاء: كساء مربّع من صُوف، قال الإمام أبو عبد الله: مصبوغٌ عَلَمه حريرٌ، والأنبجاني: كساءٌ غليظٌ لا عَلَم له، ورُوي بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء وكسرها، وبالوجهين ذَكَره ثعلب، وروي بتشديد الياء (١) رواه أبو داود (٦٥٠). م ١٦٣ (٣) كتاب الصلاة - (٤٩) باب: الصلاة في النعلين [٤٤٧] وعن أنس بن مالكِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قالَ: ((إذا قُرِّبَ العَشَاءُ وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَؤُوا به قبلَ أنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ، ولا تَعْجَلُوا عن عَشَائِكُمْ)). رواه أحمد (١٦١/٣)، والبخاري (٦٧٢)، ومسلم (٥٥٧)، والترمذي (٣٥٣)، والنسائي (١١١/٢). وتخفيفها في غير مسلم. وقال ابنُ قتيبة: إنما هو منبجاني - ولا يقال أنبجاني، منسوب إلى منبج، وفُتحت الياء في النَّسب؛ لأنه خرجَ مخرجَ مخبراني. وفي هذا الحديث: جوازُ لباس الثِّيابِ ذواتِ الأعلام. وفيه: التحفّظ من كلّ التحفظ من كل ما يشغل عن الصلاة النَّظرُ إليه. ويُستفاد منه: كراهة التزاويق والنقوش [فى ما يُشغل عن الصلاة المساجد. وفيه: أن الذهولَ اليسير في الصلاة لا يضرّها، ألا ترى إلى قوله: («فإنها ألهتني عن صلاتي)) أي: شغلتني وصرفتني. وفيه: سدّ الذرائع](١)، والانتزاع عما يشغل الإنسان عن واجبات دينه. وفيه: قبول الهدايا من الأصحاب، واستدعاؤه وَله أنبجاني أبي جهم بن حذيفة تطييب لقلبه ومُباسطة معه، وهذا مع من يُعْلَم طيبُ نفسه، وصفاءُ ودّه جائز. و((آنفاً)): الساعة. ولم يبعث الخميصة لأبي جهم ليصلي فيها؛ بل لينتفعَ بها في غير الصَّلاة. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((إذا قرب العشاءُ وحضرت الصلاةُ فابدؤوا به))) هذا الحديثُ تقديم العَشَاءِ محمولٌ على مَن كان محتاجاً للطعام من صائم أو نحوه، وقد دلَّ على صحة هذا على العِشاء التأويل: ما زاده الدارقطني في هذا الحديث، من طرق صحيحة، وذلك قوله: ((إذا حضر العشاءُ وأحدُكم صائمٌ فابدؤوا به قبل أن تصلّوا))(٢). ولو لم تصح هذه (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٦/٢ - ٤٧). رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح. ١٦٤ (٣) كتاب الصلاة - (٤٩) باب: الصلاة في النعلين [٤٤٨] ومن حديث ابن عُمَرَ: ((إذَا حَضَرَ عَشاءُ أَحَدِكُم وأُقِيْمتِ الصَّلاةُ فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ». رواه أحمد (٢٠/٢)، والبخاري (٦٧٣)، ومسلم (٥٥٩)، وأبو داود (٣٧٥٧ و٣٧٥٩)، والترمذي (٣٥٤). [٤٤٩] وعن ابن أبي عَتِيقٍ، قالَ: تَحَدَّثْتُ أنا والقاسمُ عندَ عَائشةً حَدِيثاً، وكانَ القاسمُ رَجُلاً لَخَّانَةً، وكانَ لأُمِّ ولدٍ. فقالتْ له عائشةُ: ما لَكَ الزيادةُ لكان ذلك معلوماً من قاعدةِ الأمر بحضورِ القلب في الصلاة، والإقبال عليها، والنهي عما يشغلُ المصلي في صلاته. ويشوّشها عليه، ولا تشويشَ أعظم من تشويش الجائع عند حضرة الطعام. وإلى الابتداء بالطعام على الصلاة ذهب الشافعيُّ وابنُ حبيب من أصحابنا، والثوري، وإسحاق، وأحمد، وأهلُ الظاهر، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وأبي الدّرداء. وحكى ابنُ المنذر عن مالك: أنه يبدأ بالصَّلاة إلا أن يكونَ الطعامُ خفيفاً. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن وقتَ المغرب موسّع، وهي إحدى الروايتين عن مالك، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. و (قوله في حديث ابن عمر: ((إذا حضر العَشاءُ وأقيمتِ الصلاة؛ فابدؤوا بالعَشاء)))(١) دليلٌ: على أن شهودَ الصلاة في الجماعة ليسَ بواجب، لأن ظاهرَ هذا: أنه إذا سمعَ الإقامةَ وهو في بيته، وقد حَضَرَ طعامُه، أنه يبدأُ بالطعام، وإن فاتته الصَّلاةُ في الجماعة. و (ابن أبي عتيق) هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، والقاسمُ هذا: هو ابنُ محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت أُّه أمّ ولد. و (قوله: ((وكان القاسمُ رجلاً لحّانة))) كذا للسّمرقندي، وهو للمبالغة، كما يقال: علّمة، ونسَّابة. ووقع للعذري: لُخنة، بسكون الحاء وضم اللام، ومعناه: أنه يلحنُ في كلامه، ويلحنه الناس. كَخُذْعة: للذي يخدع، وهُزْأة: للذي يُهزأ به، فأمّا: فُعَلَةُ، بفتح العين: فهو للذي يفعل ذلك بغيره. كما يقال: صُرَعَة: للذي (١) هذا لفظ حديث أنس وهو في صحيح مسلم (٥٧٧) (٦٤ / الرواية الأولى). ١٦٥ (٣) كتاب الصلاة - (٤٩) باب: الصلاة في النعلين لا تَحدَّثُ كما يَتَحَدَّثُ ابنُ أخي هذا؟ أَّمَا إنِّي قدْ علمتُ مِنْ أينَ أُثِيتَ، هذا أَذَّبَتْهُ أُمُّه، وأنتَ أَدََّتْكَ أُمُّكَ. قالَ: فغضبَ القَاسِمُ وأَضَبَّ عَلَيْها. فلمَّا رأَى مائدةَ عائشةَ قد أُتي بها قامَ، قالتْ: أينَ؟ قالَ: أُصَلِّي. قالتْ: اجلسْ. قالَ: إِنِّي أُصَلِّي. قَالَتْ: اجلسْ غُدَرُ، إِنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَلِ يَقُولُ: ((لا صَلاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، ولا وهُو يُدَافِعُهُ الأُخْبَانِ)). رواه مسلم (٥٦٠)، وأبو داود (٨٩). يصرع الناس، وهُزَأة: للذي يهزأ بهم، وخُدَعَة: للذي يخدعهم. و (قوله: ((وأضبّ عليها))) يعني: حَقَد. والضَّبُّ: الحقد. من كتاب القزاز. و (قولها له: ((اجلس غدر))) معناه: يا غادر. وعُدِل به عنه لزيادة معنى التكثير، ونَسَبَتْهُ للغدر لِما أظهر: من أنه إنما تركَ طعامَها من أجلِ الصلاة. وما صَدَرَ من عائشة للقاسم إنما كان منها لإنهاضِ همّته، وليحرصَ على التعلُّم، وعلی تثقیفٍ لسانه. و (قوله ◌َله: ((لا صلاةَ بحضرة الطعام، ولا هو يدافعُه الأخبثان))) ظاهِرُ من صَلَّى وهو هذا: نفيُ الصِّحة والإجزاء. وإليه ذهبَ أهلُ الظاهر في الطعام، فتأوَّلَ بعضُ يُدافع الأخبثين أصحابنا حدیثَ مدافعة الأخبثین: على أنه شَغَلَهُ حتى لا يدري کیف صلّى؟! فهو الذي يعيدُ قبلُ وبَعْدُ. وأما إن شغله شُغْلاً لا يمنعه مِن إقامة حُدُودِها، وصلّى ضامّاً ما بين وركيه، فهذا يعيدُ في الوقت. وهو ظاهِرُ قولِ مالك في هذا. وذهبَ الشَّافعي، والحنفي في مثل هذا: إلى أنه لا إعادةَ عليه. قال القاضي أبو الفضل: وكلُّهم مُجْمِعون: على أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حُدُودَها؛ أنها لا تجزئه، ولا يحلّ له الدخولُ كذلك في الصلاة، وأنه يقطعُ الصلاةَ إن أصابه ذلك فيها. والأخبثان: الغائط والبول. قاله الهروي وغيره. ١٦٦ ـن (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل (٥٠) باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل، وإخراج من وجد منه ريحها من المسجد [٤٥٠] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَ﴿ قَالَ في غزوة خَيْبَر: ((مَنْ أكلَ من هذه الشَّجرةِ - يعني: الثُّمَ - فلا يَأْتِيَنَّ المساجدَ)). رواه أحمد (١٣/٢ و٢٠)، والبخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١)، وأبو داود (٣٨٢٥)، وابن ماجه (١٠١٦). [٤٥١] ومِن حديث أنس: ((فَلَا يَقْرَبَنا ولا يُصَلِّ معنا)). رواه أحمد (١٨٦/٣)، والبخاري (٥٤٥١)، ومسلم (٥٦٢) (٦٨). (٥٠) ومن باب: النّهي عن إتيان المساجد لمن أكلَ الثّوم (قوله: ((فلا يأتينّ المساجد))) حجّة على (من قال: إن ذلك النهي مخصوصٌ](١) بمسجد النبي وَطهر. من أکل ماله و (قوله: ((فلا يقربنا ولا يصلِّي معنا») يدلُّ: على أن مجتمعَ الناس حيث رائحة كريهة، كان لصلاةٍ أو غيرها، كمجالس(٢) العلم، والولائم، وما أشبهها؛ لا يقربُها مَن لا یقرب مجتمع الناس أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهةٌ تؤذي الناس، ولذلك جَمَعَ بين الثوم والبصل والكراث في حديث جابر. وتسمية الثوم: شجرة، على خلاف الأصل، فإنها من البقول، وقد سمّاها النبيُّ بَ﴿ في الرواية الأخرى: بقلة. والشّجر في كلام العرب: ما كان على ساق يحملُ أغصانه، وما ليس كذلك (١) ساقط من (م). (٢) في (ع): كمجلس. ١٦٧ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل [٤٥٢] ومن حديث أبي هريرة: ((فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، ولا يُؤْذِنَا بريحِ الثُّومِ». رواه أحمد (٢٦٤/٢ و٢٦٦)، ومسلم (٥٦٣)، وابن ماجه (١٠١٥). [٤٥٣] وعن جابر بن عبدِ الله، عن النبيِّ وَّ قالَ: «مَنْ أَكلَ مِن هذه البَقْلَةِ الثُّوم)) - وقال مَرَّةً: مَنْ أكلَ البَصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ - فلا يقربنَّ مسجَدَنا، فإنَّ الملائكةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى منه بنو آدمَ)). وفي روايةٍ، قالَ: ((مَنْ أَكلَ ثُوماً أو بَصَلاَ فَلْيَعْتَزِلْنا، أو لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنا، وليقعدْ في بيتِه)). وإنه أُتِيَ بِبَدْرٍ فيه خَضِرَاتٍ من بُقُولٍ فوجدَ لها ريحاً فسألَ فأُخبرَ بما فيهَا من البُقُول. فقالَ: ((قَرَّبُوها)) إلى بعضِ أصحابِهِ، فلمَّا رآهُ كرِهَ أكْلها. قالَ: ((كُلْ، فإنِّي أُنَاجِي مَنْ لا تُنَاجِي)). فهو نجم، وهو قول الهروي وغيره من اللّغويين، وهو المرويّ عن ابن عباس، وابن جُبير في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وهذا كلّه ما دامتْ هذه البقولُ غير مطبوخة، فأما لو طُبخت فكما قال عمر رضي الله عنه: فمن أكلهما فَلْيُمتهما طَبْخاً. و (قوله: ((وأنه أُتّي ببدر فيه خَضِرات من بُقُول))) وقعت هذه اللفظة ببدر، بالباء بواحدةٍ من أسفل، وهو الطّبق، سُمِّي بذلك لاستدارته، وقد وقعَ لبعض الرواة بقدر بالقاف. واستدل به: على كراهةٍ ما له ريحٌ من البقول وإن طبخ. وهذا ليس بصحيح. قالوا: وهو تصحيفٌ وصوابه: بيدر. وقد وَرَدَ في كتاب أبي داود: التسوية بين أتي ببدر. ولو سلم أنه: بقدر. فيكون معناه: أنها لم تمت بالطبخ تلك الرائحةُ رسول الله وله وبين غيره في منها، فبقي المعنى المكروه، فكأنها نيئة . أکل ما له رائحة و (قوله: ((فإني أناجي من لا تناجي))) يشعر بأن هذا الحكم خاصّ به، إذ هو خبيئة ١٦٨ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل رواه أحمد (٤٠٠/٣)، والبخاري (٨٥٨)، ومسلم (٥٦٤) (٧٣ و ٧٤)، وأبو داود (٣٨٢٢)، والترمذي (١٨٠٧)، والنسائي (٤٣/٢). [٤٥٤] وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: لم نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خيبرُ فَوَقَعْنا - أصحابَ رسول الله ◌ِوَّه في تلكَ البَقْلَةِ - الثُّومِ - والناسُ جِياعٌ فأكلنا منها أكلاً شديداً، ثم رُحْنا إلى المسجدِ، فوجدَ رَسولُ اللهِنَ ◌ّهِ الرِّيحَ، فقالَ: ((مَنْ أكلَ مِن هذه الشَّجرةِ الخبيئةِ شيئاً فلا يَقْرَبَنَا في المسجدِ)) فقالَ الناسُ: ((حُرِّمتْ، حُرِّمتْ. فبلغَ ذلك النبيَّ وَّهِ فقالَ: ((يا أيُّها النَّاسُ إِنَّه ليس بِي تحريمُ ما أحلَّ اللهُ لي، ولكنَّها شجرةٌ أَكْرَهُ ريحَها)). رواه أحمد (٦٠/٣ - ٦١)، ومسلم (٥٦٥)، وأبو داود (٣٨٣٣). المخصوصُ بمناجاة الملك، ولكن قد علّل هذا الحكم في أول الحديث بما يقتضي التسويةَ بينه وبين غيره في هذا الحكم، حيث قال: فإنّ الملائكةَ تتأذَّى مما یتأذَّی منه بنو آدم، وقوله: ((ولا تؤذینا بریح الثوم)). و (قوله: ((من هذه الشجرة الخبيثة))) أي: المستكرهة المنتنة. ولما سمع الصَّحابةُ هذا الذَّ ظنّوا أنها قد حرمت، فصرَّحوا به، وكأنهم فهموا هذا من إطلاق الخبيثة عليها مع ما قد سَمِعُوا من قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فيبين لهم النبيُّ وَِّ: أنَّ إطلاقَ الخبيث لا يلزمُ منه التحريم، إذ قد يُرادُ به ما لا يوافق عادة، واستعمالاً، وعند هذا لا يصحُ للشافعي الاحتجاجُ بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ على تحريم ما يُستخبث عادة كالحشرات وغيرها، إذ الخبائثُ منقسمةٌ إلى مستخبث عادةً، وإلى مستخبث شرعاً، ومُراده تعالى في الآية: المستخبئات الشّرعية؛ إذ قد أباحَ البصل والثوم مع أنها مُستخبثة، وحرّم الخمر والخنزير، وإن كان قد يُستطاب، والله أعلم. إطلاق الخبيث لا يلزم منه التحریم ١٦٩ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل [٤٥٥] وعن مَعْدَانِ بن أبي طَلْحَةَ، أنَّ عمرَ بن الخطّابِ خطبَ يومَ الجمعة فذكرَ نبيَّ الله ◌َّهِ، وذكرَ أبا بكرٍ، قالَ: إنِّي رأيتُ كأنَّ دِيْكاً نقرني ثلاثَ نَقَرَاتٍ، وإِنِّي لا أُرَاهُ إلَّا حُضُورُ أَجَلي، وإنَّ أقواماً يأمُرُونني أنْ استخلفَ، و (قوله: ((إنه ليس لي تحريم ما أحلَّ اللهُ لي))) يردُّ قولَ أهل الظاهر: بتحريم أكل الثوم؛ لأجل منعه من حُضُور الجماعة؛ التي يعتقدون فَرْضَها على الأعيان، وكافةُ العلماء على خلافهم. و (قول عمر: ((إنِّي رأيت كأنَّ ديكاً نقرني ثلاثَ نقرات))) هذا الديكُ الذي مقتل عمر بن أُريه عمر مثال للعِلْج الذي قتله، وهو أبو لؤلؤةَ غلامُ المغيرة بن شعبة، وكان الخطاب على مجوسياً، وكان نجّاراً، حداداً، نقّاشاً، وكان من شأنه ما ذكره البخاري(١) وغيره: يد أبي لؤلؤة وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصّبح، بعد أن دَخَلَ عُمَرُ فيها، فطعنه ثلاث المجوسي طعنات، فصاح عمر: قتلني - أو أكلني - الكلب، ظاناً أنه كلب عضّه، فتناول عمرُ عبد الرحمن بن عوف، فكمَّل الصلاةَ بالناس. ثم إن العلجَ وَثَبَ وفي يده سكينٌ ذات طرفين، لا يمرُّ على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلا طَعَنه، حتى طعنَ ثلاثةَ عَشَرَ رجلاً، مات منهم تسعة، وقيل: سبعة، فطرحَ عليه رجلٌ خميصةً كانت عليه، فلما رأى العلجُ أنه مأخوذٌ نَحَرَ نفسه. وحزَّ عبدُ الرحمن بن عوف رأسه، وهو الذي كان طَرَحَ عليه الخميصة. و (قوله: ((إنّ أقواماً يأمرونني أن أستخلف))) معنى الأمر هنا: العرض، والتّحضيض، أو الفتيا: بأنه يجبُ عليه أن يستخلف، وأنه مأمورٌ بذلك من جهة الله تعالى. وظاهرُ هذا الأمر: أنّه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أَجَلِه، وهذا قبل وقوع طَعْنه، ويُحتمل: أن يكونَ هذا بعد أن (١) رواه البخاري (٣٧٠٠). ١٧٠ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل وإنَّ اللهَ لم يكنْ لِيُضَيِّعَ دينَه ولا خِلافَتَه، ولا الذي بَعَث به نبيّهُ، فإنْ عَجِلَ بي أمرٌ فالخِلافةُ شُورى بينَ هؤلاءِ الستةِ، الذين تُؤُفِّيَ رسولُ اللهِلَّهِ وهو عنهم راضٍ، وإنِّي قد علمتُ أنَّ أقواماً يَطْعَنُونَ في هذا الأمرِ، أنا ضَرَبْتُهُم بيدي هذِه على الإسلام، فإنْ فَعَلُوا ذلكَ فأُولئكَ أعداءُ ◌ُعِن، ويكون بعضُ الرواة ضمَّ أَحَدَ الخبرين إلى الآخر، وعلى هذا يدلُّ مساقُ هذا الخبر . معنى الخلافة و (قوله: ((وإن اللهَ لم يكنْ ليضيع دينه، ولا خِلافته، ولا الذي بَعَث به نبيه وٌَّ))) إنما قال ذلك عمرُ رضي الله عنه؛ لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله وسمعه من رسول الله وَ﴿؛ أنَّ الله يستخلفُ المؤمنينَ في الأرض، ويمكِّن لهم دينهم، ويُظْهره على الدِّين كلِّه، فقال ذلك ثقةً بوعد الله، وتوكلا عليه. والخلافةُ هنا: القيامُ بأمر أمةِ محمّدٍ على نحو ما قامَ به محمدٌ مَّهِ وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما. جعل عمر و (قوله: ((وإني قد علمت أنَّ أقواماً يطعنُون في هذا الأمر))) إشارةٌ إلى جَعْله الخلافة بعده الأمر شُورى بين السّتة الذين هم: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعلي، وسَعْد بن أبي وقّاص، رضي الله عنهم. شوری بین ستة و (قوله: ((فإن فعلوا ذلك))) أي: إن أفشوا الطعن، وعملوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة، ولم يرضوا بالذين اخترتُهم، فأولئك عند الله الكفرة، الضلال، وظاهِرُ هذا: أنه حَكَم بكفرهم، وكأنه عَلِم أنهم منافقون، وعلى هذا يدلُّ قوله: ((أنا ضربتم بيدي على الإسلام)) يعني: أنَّهم إنما دَخَلُوا في الإسلام على تلك الحال، لم تنشرخ صدورُهم للإسلام، إنما تستّروا بالإسلام، وذلك حالُ المنافقين، ويُحتمل أنهم لما فعلوا فِعْل الكفّار من الخلاف، وموافقة أهل الأهواء، ومشاقّة المسلمين، أَطْلَقَ عليهم ما يُطْلَقُ على الكفار. وعلى هذا فيكون هذا الكفرُ من باب كفران النِّعَم والحقوق. ١٧١ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل الله الكفرةُ الضُّلَّلُ، ثمّ إنِّي لا أَدَعُ بَعْدِي شَيئاً أهمَّ عِنْدِي من الكَلالةِ، ما راجعتُ رسولَ اللهِ وَ ﴿ في شيءٍ ما راجعتُه في الكَلالةِ، وما أَغْلظَ لي في شيءٍ ما أغلظَ لي فيه، حتَّى طَعَنَ بإصبعِه في صَدْرِي، وقال: ((يا عمرُ! ألا و (قوله: ((ثم إني لا أدُ بعدي شيئاً أهمّ عندي من الكلالة))) تهُّمُ عمر بالكلالة، لأنها أشكلتْ عليه، وذلك أنها نزلتْ فيها آيتان: إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] وفيها إشكالٌ من جهات، ولذلك اختلف في الكلالة: ما هي؟ ففيها أربعةُ أقوال: أحدها: أنها ما دون الوالد الكلالة: ما والولد، قاله أبو بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، هي؟ وابن عباس في خَلْق كثير. والثاني: أنها مَن لا ولد له، ورُوي عن عمر أيضاً، وهو قول طاووس. والثالث: أنها ما عدا الوالد. قاله الحكمُ بنُ عيينة. والرابع: أنها بنو العمّ الأباعد، قاله ابنُ الأعرابي. واخْتلِف أيضاً فيما يقعُ عليه الكلالة، على ثلاثة أقوال: ما يقع عليه الكلالة أحدها: على الحيّ الوارث، قاله ابنُ عمر. والثاني: على الميت. قاله السدي. الثالث: على المال، قاله عطاء. واختلف أيضاً فيما أُخِذَت الکلالُ منه، على قولين: ما أُخذت الكلالة منه أحدهما: أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس، فكأنها تكلّلت، أي: أحاطتْ بالميت من كلا طرفيه، ولذلك قال(١): وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المُلْكِ لا عَنْ كَلالَةٍ عَنِ ابْنَيْ مَنافٍ عَبْدٍ شَمْسٍ وهاشِمٍ (١) الشاعر: الفرزدق. ١٧٢ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل وقال آخر: وَإِنَّ أَبا المَرْءِ أحْمَى له ومَوْلَى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ والثاني: أنّها مأخوذةٌ من الكلال. وهو: الإعياءُ. فكأنه يصلُ الميراثُ بالوارث بها عن بُعْد وإعياء، فكأن الرحمَ كلّت عن وارثٍ قريب، قال الأعشى: فَآَلَيْتُ لا أَزْنِي لَها عَنْ كَلالَةٍ ولا مِنْ وَجَىَ حتَّى تُلاقِي محَمّدا ثم مقتضى هذه الآية الأولى: أنَّ كلَّ واحدٍ من الأخوين له السدس، سواء كان أحدُهما ذكراً أو أنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية: أنَّ للأخت النصف، وللاثنتين الثلثين، ولم يُبيِّنْ في واحدةٍ من الآيتين الأخوة؛ هل هي لأم، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الأخوة من الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقاء، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضُهم وإن كان معهم بعضُ الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصولُ إلى تحقيق تلك المطالبٍ عَسير، وسنبيِّنُ الصحيحَ من ذلك كلِّه، في الفرائض إن شاء اللهُ تعالى. فلما استشكلت على عمر هذه الوجوه تشوَّفَ إلى معرفتها؛ بطريق يزيح له الإشكال، فألحَّ على النبيِّ وَّهِ بالسؤال عن ذلك، حتى ضربَ النبيُّ وَّر على صدره، وأغلظ عليه في ذلك رَدْعاً له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نهى عن كثرة السؤال، وتنبيهاً له على الاكتفاء بالبحث، عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يبيِّنُ بعضُه بعضاً. وقال الخطابي: يشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، ووَكَل الأمرَ إلى بيان الآيةِ اعتماداً على عِلْمِه وفَهْمه؛ ليتوصَّل إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائلُ ممن لا فَهْمَ له لبَيَّن له البيانَ الشافي. قال: وإِنَّ اللهَ أنزلَ في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول سُورة النساء، وفيها إجمالٌ وإبهامٌ لا يكادُ يبينُ المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر النساء في الصيف، وفيها زيادةٌ بیان. ١٧٣ (٣) كتاب الصلاة - (٥٠) باب: النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل تَكْفِيْكَ آيَةُ الصَّيْفِ التي في آخرِ سُورة النِّسَاءِ؟)» وإنِّي إنْ أعشْ أَقْضِي فيها بقضيّةٍ يَقْضِي بها من يقرأُ القرآنَ ومَنْ لا يقرأُ القرآنَ. ثم قال: اللَّهُمَّ إني أُشْهِدُكَ على أُمراءِ الأَمصارِ، فإِنِّي إنَّما بعثتُهم عليهم لِيَعْدِلُوا عليهم، وليُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهم وسُنَّةَ نَبِيِّهِمِ نَّه ويَقْسِمُوا فيهم فيثَهم، ويَرْفَعُوا إِليَّ مَا أُشْكِلَ عليهم مِن أمرِهم. ثم إنَّكم أيُّها النَّاسُ! تأكلونَ شَجرتين، لا أَرَاهُما إلا خَبيئتينِ: هُذا البَصَلَ والثُّومَ، لقد رأيتُ رسولَ اللهِ﴿ إِذَا وجَد رِيحَهما مِن الرَّجُلِ في المسجدِ أَمَرَ به، فأُخرجَ إلى البَقِيْعِ، فمَنْ أَكلَهما فَلْيُمِنْهُما طَبْخاً. رواه أحمد (٢٨/١ و٤٨)، ومسلم (٥٦٧)، وابن ماجه (٢٧٢٦). و (قوله: ((وإني إن أعش أقضٍ فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ)) هذا يدلُّ على أنه كان اتّضح له وَجْهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْره فيها، حتى فَهِم ذلك، وأنه أراد أن يوضُحَ ذلك على غايةِ الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيةٌ رضي الله عنه، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك، لكن قد اهتدى علماءُ السَّلف لِفَهْم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيّن الصبحُ لذي عينين، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((فليمتهما طبخاً)) أي: لِيُذْهِبْ رائحتهما، ويكسرهما بالطّبخ، إماتة رائحة وكسرُ قوةِ كلِّ شيء إماتتُهُ وقَتْلُه، ومنه قولهم: قتلت الخمر؛ إذا مزجتها بالماء الثوم والبصل وكسرتها. وقد تقدم القولُ في الخبيث، وفي الشجر. بالطبخ ١٧٤ (٣) كتاب الصلاة - (٥١) باب: النهي عن أن تُنشد الضالة في المسجد (٥١) باب النهي عن أن تُنشد الضَّالَّة في المسجد [٤٥٦] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً في المسجدِ فليقلْ: لا ردَّها اللهُ عليكَ فإنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا». رواه أحمد (٣٤٩/٢)، ومسلم (٥٦٨)، وأبو داود (٤٧٣)، والترمذي (١٣٢١)، وابن ماجه (٧٦٧). [٤٥٧] وعن سليمان بن بُرِيدَة عن أبيهِ، أنَّ رجلاً نَشَدَ في المسجدِ، (٥١) ومن باب: النّهي عن أن تُنْشَد الضالة في المسجد نشدت الضَّالَّة بمعنى: طلبتها، وأنشدتها: عرّفتها. قاله يعقوب وغيره، ومنه قول الشاعر : إصاخَة النَّاشِدِ للمُنْشِدِ والإصاخة: الاستماع. رفع الصوت في المسجد و (قوله: ((فليقل: لا ردّها الله عليك))) دعاءٌ على النَّاشِد في المسجد بعدم الوجدان، فهو معاقبةٌ له في ماله على نقيض مقصوده، فليلحق به ما في معناه، فمن رفع صوتَه فيه بما يقتضي مصلحةً ترجعُ إلى الرَّافع صوته؛ دُعي عليه، على نقيض مقصوده، ذلك بسبب جريمةِ رفع الصَّوت في المسجد، وإليه ذهب مالكٌ في جماعة، حتى كرهوا رَفْعَ الصَّوتَ في المسجد في العلم وغيره. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا: رَفْعَ الصوت فيه في الخصومة والعلم. قالوا: لأنهم لا بُدَّ لهم من ذلك، وهذا مخالفٌ لظاهر الحديث. وقولهم: لا بُدَّ لهم من ذلك: ممنوع. بل لهم بُدٍّ من ذلك بوجهين: ١٧٥ (٣) كتاب الصلاة - (٥١) باب: النهي عن أن تُنشد الضالة في المسجد فقالَ: من دعا إلى الجملِ الأحمرِ. فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((لا وَجَدْتَ، إنما بُنِيتَ المساجدُ لِمَا بُنیَتْ له)). وفي رواية: جاءَ أعرابيٌّ بعدَمَا صَلَّى النبيُّنَّ صَلاةَ الفَجْرِ، فأدخلَ رأسَه مِن بَابِ المَسْجِدِ ... وذكرَ مثلَه. رواه أحمد (٣٦١/٥)، ومسلم (٥٦٩). أحدهما: ملازمة الوقار والحرمة، وبإخطار ذلك بالبال والتحرُّز من نقيضه، ومَن خاف ما يقعُ فيه تَحَرَّزَ منه. والثاني: أنه إذا لم يتمكَّنْ من ذلك فليتخذْ لذلك موضعاً يخصّه، كما فعل عمر، وقال: مَن أراد أن يلغطَ أو يُنْشِدَ شعراً فليخرجْ من المسجد. و (قوله: ((إنما بُنيت المساجدُ لما بُنيت له))) يدلُّ: على أن الأصلَ أَلَّ يُعمل ما بُنيت في المسجد غير الصَّلوات، والأذكار، وقراءة القرآن. ولذلك قال وَّةٍ: ((إذا رأيتم المساجد لأجله مَن يبيعُ في المسجد أو يبتاع فقولوا: لا أربح الله تجارتك»(١) وقد کره بعض أصحابنا تعليمَ الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضاً، من وجهٍ آخر، وهو أنَّ الصبيانَ لا يتحرَّزُون عن القذر والوَسَخ، فيؤدّي ذلك إلى عَدَم تنظيفِ المساجد، وقد أمر رسولُ اللهِ وَليه بتنظيفها وتطييبها، وقال: ((جَنِّبوا مساجدَكم صبيانكم، ومجانينكم، وسلّ ما تُجّب منه سيوفكم، وإقامة حُدُودكم))(٢) . المساجد و (قوله: ((فأدخلَ رأسَه من بابِ المسجد))) دليلٌ: على أنَّ حُكْم هذا الداخل (١) رواه الترمذي (٥٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) رواه ابن ماجه (٧٥٠) من حديث واثلة رضي الله عنه، وفي الزوائد: إسناده ضعيف. ١٧٦ (٣) كتاب الصلاة - (٥٢) باب: الأمر بسجود السهو (٥٢) باب الأمر بسجود السهو، وما جاء فيمن سها عن الجلسة الوسطى [٤٥٨] عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَلَهِ قالَ: ((إنَّ أحدكم إذا قَامَ في المسجد، ولو لم يكن كذلك لما مُنع، ألا ترى أنه لو رَفَع صوتَه خارجَ المسجد لم يُعَاقَبْ بذلك، وبدليل قوله: ((إنَّ المساجدَ لم تُبْنَ لهذا)). ويُقتبس من هذا: أن الحالفَ: ألا يدخلَ داراً، فأدخل رأسه فيها، أنه يحنثُ بذلك. قال بعضُ علمائنا: وكذلك لو أدخل رِجْلَه؛ لأنَّ الاعتمادَ في الدخول على الرَّجْل؛ ولهذا فَرَّق بعضُ أصحابنا بين أن يكونَ اعتمادُه عليها أم لا . (٥٢) ومن باب: السَّهو في الصَّلاة أحاديث السهو في الصلاة قال الإمامُ أبو عبد الله: أحاديثُ السهو كثيرة مشهورة(١)، والثابتُ منها عن رسول الله ﴾﴾ خمسةُ أحاديث: حديث أبي هريرة الذي ذُكِر فيه أنه سَجَد سجدتین، ولم يذكرْ موضعهما. وحديث أبي سعيد الخدري(٢)، وهما جميعاً فيمن شكَّ كم صلّى. وحديث ابن مسعود(٣) وذكر فيه: أنه قامَ إلى خامسةٍ، والسُّجود بعد السلام. وحديث ابن بحينة وفيه: القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام. وحديث ذي اليدين (٤)، وفيه: السلام من اثنتين والسجود بعد السلام. (١) من (ل). (٢) رواه أحمد (٨٧/٣)، ومسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤ و١٠٢٦ و١٠٢٧ و ١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦)، والنسائي (٢٧/٣)، وابن ماجه (١٢٠٤). (٣) رواه البخاري (١٢٢٦)، ومسلم (٥٧٢)، وأبو داود (١٠١٩ و١٠٢٠ و١٠٢١ و ١٠٢٢)، والترمذي (٣٩٢ و ٣٩٣)، والنسائي (٣١/٣ -٣٣)، وابن ماجه (١٢٠٥). (٤) رواه البخاري (١٢٢٨)، ومسلم (٥٧٣)، وأبو داود (١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠١٠ = ١٧٧ (٣) كتاب الصلاة - (٥٢) باب: الأمر بسجود السهو يُصَلِّي جاءَه الشيطانُ، فَلَبَسَ عليه، حتى لا يَدْرِي كم صَلَّى، فإذا وجدَ ذلكَ قلتُ: وقد أغفل الإمام حديثَ عمران بن حصين(١): وهو أنّه سلّم في ثلاث، ثم صلّى ركعةً ثم سلّم، ثم سَجَد سجدتين، لكن لم يذكره؛ لأنَّه رأى أنه في معنى حديث ذي اليدين. ويلزمه على هذا ألا يعدَّ حديث أبي هريرة؛ لأنه عنده في معنى حديث أبي سعيد، والصحيح في عدد الأحاديثِ الصّحيحة في السهو: أنها سنَّةٌ حسب ما نبهنا عليه. قال الإمام: وقد اختلفَ الناسُ في طريق الأَخْذ بهذه الأحاديث: فأما داود هل سجود فلم يقسْ عليها، وقال: إنما يُستعملُ ذلك فيما وَرَدَ فيه من الصَّلوات، على حسب السهو بعد التَّرتيب في مواضع السُّجود المذكورة. وقال ابنُ حنبل كقول داود في هذه الصَّلوات خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: ما فيها من سَهْو فإن السُّجودَ كلّه قبل السلام، واختلف من قاسَ عليها من الفقهاء، فبعضُهم قال: إنما تفيدُ هذه الأحاديثُ التخييرَ، وللمكلَّف أن يفعلَ أيَّ ذلك شاء من السجود قبل أو بعد في نقصٍ أو زيادة، وهو قولُ مالك في المجموعة. وقال أبو حنيفة: الأصلُ ما فيه السجودُ بعد السلام، وردّ بقية الأحاديث إليه. وقال الشَّافعيُّ: الأصلُ ما فيه السجودُ قبل السلام، وردّ بقيّة الأحاديث إليه، ورأى مالك: أن ما فيه النقص السجود فيه قبل السلام، وأنّ ما فيه الزيادة يكون فيه السجودُ بعد، وهل هذا الترتيبُ هو الواجبُ أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب. وسيأتي بيانُ متمسّك كلِّ فریقٍ إن شاء الله تعالى. السلام أو قبله؟ و (قوله: ((جاءه الشيطانُ فَلَبَس عليه))) يُروى: مُخفَّف الباء ومشدّدها، وهي مفتوحةٌ في الماضي، مكسورةٌ في المستقبل، على كل حال معناه: خلط، يقال: = و١٠١١ و١٠١٢)، والترمذي (٣٩٤)، والنسائي (٣٠/٣ -٣٦)، وابن ماجه (١٢١٤). (١) رواه مسلم (٥٧٤)، وأبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)، وابن ماجه (١٢١٥). ١٧٨ (٣) كتاب الصلاة - (٥٢) باب: الأمر بسجود السهو أحدكم فلیسجد سجدتین وهو جالسٌ)). وفي رواية: ((جاءَ الشَّيطانُ، فَهَنَّاهُ ومَنَّاهُ)) . رواه أحمد (٣٣٠/٢)، والبخاري (١٢٣٢)، ومسلم (٣٨٩) في المساجد (٨٢)، وأبو داود (١٠٣٠)، والترمذي (٣٩٧)، والنسائي (٣١/٣)، وابن ماجه (١٢١٦). لبست عليه الأمر، ألبسه؛ أي: خلطته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] فأما بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل: فهو من لباس الثوب، ومنه: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١]. و (قوله: ((فليسجد سجدتين وهو جالس))) هذا الحديثُ مقصودُه الأمرُ بالسجود عند السهو، وهل ذلك بعد السلام أو قبل؟ لم يتعرَّض له فيه، وقد روي(١) عن مالك والليث: أنهما حَمَلا هذا الحديثَ على المستنكح(٢)، وليس في الحديث ما يدلُّ عليه، وما قالاه ادّعاء تخصيص، ولا بُدَّمن دليله، على أنهقد اختلفَ قولُ مالك في المستنكح، هل عليه سجودٌ أم لا؟ بل نقول: إنَّ في الحديث ما يدلُّ على نقيض ما قالاه، وهو قوله: ((فإذا وَجَدَ ذلك أحدُكم)). وهذا خطابٌ لعموم المخاطبين، وعمومهم السلامة من الاستنكاح، فإنّه نادرُ الوقوع، وقد ذهب حُكْم من لم الحسنُ في طائفة من السّلف، إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فقالوا: ليس على يَذْرِ كم صلّى مَن لم يدر كم صلى؟ ولا يدري هل زاد أو نقص؟ غير سجدتين وهو جالسٌ. وذُكِر عن الشعبي، والأوزاعي، وجماعة كثيرة من السلف: أن من لم يدرِ كَمْ صلّى أعاد أبداً حتى يتيقّن، والذي ذهب إليه الأكثر: أن يُحْمَل حديثُ أبي هريرة على مفصّل حديث أبي سعيد الآتي بعد هذا، ويُرَدّ إليه، لا سيما وقد زاد أبو داود في حديث (١) في (ل): نقل. (٢) ((المستنكح)): الذي يغالبه النعاس. ١٧٩ (٣) كتاب الصلاة - (٥٢) باب: الأمر بسجود السهو [٤٥٩] وعن عبد الله بن بُحَيْنَة، قالَ: صَلَّى لنا رسولُ اللهَِه ركعتين مِن بعضِ الصَّلَواتِ، ثم قامَ فلم يجلسْ، فقامَ النَّاسُ معَه، فلمَّا قَضَى صلاتَه ونَظَرْنَا تَسْلِيمِه كَبَّرَ، فَسَجَدَ سجدتين وهو جالسٌ قبلَ التسليم ثم سَلَّمَ. زاد في رواية: وسَجَدَهُما النَّاسُ مَعَهُ، مكانَ ما نسيَ مِن الجُلوس. رواه البخاري (١٢٣٠)، ومسلم (٥٧٠) (٨٥)، وأبو داود (١٠٣٤ و ١٠٣٥)، والترمذي (٣٩١)، والنسائي (١٩/٣ - ٢٠)، وابن ماجه (١٢٠٦) و (١٢٠٧). أبي هريرة من طريق صحيحة: وهو جالسٌ قبل أن يُسَلِّم، فيكون مساوياً لِحديث أبي سعيد، فهو هو. والله أعلم. ثم هذا الأمر بالسُّجود لمن سَهَا؛ على جهة الوجوب أو فيه تفصيل؟ فيه الأمر بسجود خلافٌ: فَمِن أصحابنا مَن قال: هو محمولٌ على الندب؛ أمّا في الزِّيادة فواضح؛ السهو هل هو لأنه ترغيمٌ للشيطان، وأمَّا في النُّقصان فهو جَبْرٌ للنَّقص، وأرفعُ درجات الجبر أن الوجوب؟ على جهة يتنزل منزلة الأصل، والأصلُ مندوبٌ إليه، فيكون الجبرُ مندوباً إليه؛ لأنَّ سُجُودَ السهو إنما يكونُ في إسقاط السُّنن على ما يأتي، وعلى هذا لا يُعِيدُ مَن ترك السجود، وقال بعضُ أصحابنا: السجودُ للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ثم اختلفوا: هل ذلك في كُلِّ نقص أو يختصُّ بالوجوب؟ إذا كان المسقطُ فعلاً ولم یکن قولاً، روایتان. ١٨٠ (٣) كتاب الصلاة - (٥٣) باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلى؟ (٥٣) باب فیمن لم يَذْرِ کم صلى؟ [٤٦٠] عن أبي سعيد الخدريٍّ، قالَ: قالَ رسول الله وَلِ: ((إِذَا شَكَّ أحدُكم في صَلاتِه، فلم يَدْرِ كم صَلَّى؟ ثَلاثاً أم أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرح الشَّكَّ، وَلْيَيْنِ على مَا استيقنَ، ثمَّ يسجدُ سَجدتينٍ قبلَ أنْ يُسَلِّم (٥٣) ومن باب: فيمن لم يَدْرِ كم صلّى(١) (قوله في حديث أبي سعيد: ((إذا شكَّ أحدُكم في صَلاته فليطرح الشكَّ وليبنِ إلغاء المشكوك على ما استيقن))) تمسّك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه، والعمل فيه، والعمل على المتيقَن، وألحقوا المظنونَ بالمشكوك في الإلغاء، وردُّوا قولَه وَلّ في حديث على المتبقّن ابن مسعود: ((فليتحرَّ الصَّواب من ذلك)) إلى حديث أبي سعيد هذا، ورأوا أنَّ هذا التحري هو القصدُ إلى طرح الشّك، والعمل على المتيقّن، وقال أهلُ الرأي من أهل الكوفة وغيرهم: إن الثَّحريَ هنا هو البناءُ على غَلَبةِ الظَّن. وأما أبو حنيفة فقال: ذلك لمن اعتراه ذلك مرة بعد مرة، فأما لأول ما ينوبه فليينٍ على اليقين، وكأن أبا حنيفة جَمَعَ بين الحديثين باعتبار حالين للشاكّ. و (قوله: ((ثم ليسجدْ سجدتين قبل أن يُسَلِّم») احتَّ بظاهره الشافعيُّ لأصل مذهبه على أن سجودَ السَّهو كلّه قبل السلام. وقال الداودي: اختلف قولُ مالك في الذي لا يدري ثلاثاً صلَّى أم أربعاً؟ فقال: يسجدُ قبل السلام، وقال: بعد السلام، والصَّحيحُ مِن مذهبه في هذه الصُّورة: السجود بعد السلام، وقد اعتل أصحابنا لهذا الحدیث بأوجهٍ : أحدها: أنه يعارضه حديث ذي اليدين، حيث زاد النبي و 18 ثم سجد بعد (١) ورد هذا العنوان لاحقاً، وقدَّمناه هنا لمناسبته.