النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
قالَ: ((ذلكَ شَيءٌ يَجدونَه في صُدورِهم، فلا يَصُدَّنَّهُم)) (وقالَ ابنُ الصَّباح:
((فلا يَصُدَّنَّكُم)))، قالَ: قلتُ: ومَّا رجالٌ يَخُطُّونَ. قالَ: ((كانَ نبيٌّ من
الأنبياءِ يَخُطُّ
يصيب ما كان عن يساره، ويخيبه ما كان عن يمينه، فَسُمِّي التشاؤم: تطيّراً بذلك.
و (قوله: ((ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّهم))) وفي رواية: ((فلا
يضرّهم)) ومعنى ذلك: أن الإنسانَ بحكم العادة يجدُ مِن نفسه نفرةً وكراهةً مما
يتطيّر به، فينبغي له: أَلَّ يلتفتَ إلى تلك النّفرة، ولا لتلك الكراهة، ويمضي
لوجهه الذي خَرَج إليه، فإن تلك الطّيرة لا تضرّ، وإذا لم تضرّ فلا تصدّ الإنسانَ عن
حاجته. وأشار به إلى أنَّ الأمورَ كلَّها بيد الله تعالى، فينبغي أن يُعَوَّلَ عليه،
وتُفَوَّضَ جميعُ الحوائج إليه، ويفهم منه: أن هذا الوجدانَ لتلك النّفرة لا يُلام
واجدُها عليها شرعاً؛ لأنه لا يقدرُ على الانفكاكِ عنها، وإنما يُلامُ الإنسانُ أو يُمْدَحُ
علی ما كان داخِلاً تحت استطاعته.
و (قوله: ((ومنّا رجال يخطّون))) قال ابنُ عباس في تفسير هذا الحديث: هو خطّ الحازي
الخطّ الذي يخطّه الحازي(١) فيعطيه حلواناً. فيقول: اقعدْ حتى أخطّ لك، وبين
يدي الحازي غلامٌ معه ميل، ثم يأتي إلى أرضٍ رخوةٍ فيخطّ الأستاذُ خُطُوطاً
بِعَجَلةٍ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو على مهل خطّين خطّين فإن بقي خطّان
فهي علامة النجاح، وإن بقي خط فهي علامةُ الخيبة، والعرب تسميه: الأسحم(٢)،
وهو مشؤوم عندهم.
و (قوله: ((كان نبيٌّ من الأنبياء يخطّ))) حكى مكّي(٣) في تفسيره: أنه روي أن
(١) ((الحازي)): الذي ينظر في الأعضاء وفي خیلان الوجه یتکهّن.
(٢) ((الأسحم)): في حاشية (ل): هو الأسود.
(٣) هو مكي بن أبي طالب الأندلسي القيرواني: عالم بالتفسير والقراءات والعربية. توفي
سنة (٤٣٧ هـ).

١٤٢
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
فمنْ وافقَ خَطَّهُ فذاكَ)).
قالَ: وكانت لي جاريةٌ تَرعى غنماً لي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فاطَّلَعْتُ
ذاتَ يَوْمٍ فإذَا الذئبُ قد ذهبَ بشاةٍ مِنْ غَنَمِها، وأَنا رجلٌ منِ بني آدم آسَفُ
كَما يأْسَّفُونَ. لكنِّي صَكَكْتُها صَكَّةً. فَأَتَيْتُ رسولَ الله ◌َّهِ فَعَظَّم ذلكَ عَليَّ.
قلتُ: يا رسولَ الله! أفلا أُعْتِقُها؟ قال: ((ائِْني بها)) فأتيتُه بها، فقالَ لها:
(أينَ اللهُ؟)) قالتْ: في السَّماءِ. قالَ: ((من أنا؟)) قالتْ: أنتَ رسولُ الله ◌ِّهِ.
هذا النبيَّ كان يخطُّ بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل ثم(١) يزجر.
و (قوله: ((فمن وافق خطّه فذاك))) قال الخطابي: هذا يحتمل الزجر؛ إذ كان
ذلك عَلَماً لنبوته، وقد انقطعت فتُهِينا عن التَّعاطي، لذلك قال القاضي عياض:
الأظهرُ من اللفظ خلافُ هذا، وتصويبُ خطّ مَن يوافق خطّه. لكن من أين نعلم
الموافقة؟ والشرع مَنَعَ من التخرُّص وادّعاء الغيب جُملة، وإنما معناه: أن مَن(٢)
وافَق خطّه فذلك الذي تجدون إصابته، لا أنه يريدُ إباحةَ ذلك لفاعله، على
ما تأوّله بعضُهم. و (الجوانية) بفتح الجيم، وتشديد(٣) الواو، وتخفيف الياء،
وقيّد عن الخشني بتشديد الياء، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري، قال: كأنها نُسبت
إلى جوان، والجوانية: أرض من عمل الفرع من جهة المدينة.
و (قوله: ((آسف كما يأسفون))) أي: أغضبُ كما يغضبون، ومنه قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] وصككتها: لطمتها في وجهها.
و (قوله ﴿ للجارية: ((أين الله))؟) هذا السؤالُ من النبيِّ وَّرِ تَنَزَّلَ مع الجارية
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ل): فمن.
(٣) في (ع) و (م): وتشديد.

١٤٣
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
على قَدْر فهمها، إذ أراد أن يُظْهِرَ منها ما يدلُّ على أنها ليستْ ممن يعبدُ الأصنام
ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك، وكأنها قالت: إن الله لیسَ من جنس
ما يكون في الأرض. و (أين): ظرفٌ يسأل به عن المكان، كما أن: متى، ظرفٌ
يُسأل به عن الزمان، وهو مبنيٌّ لما تضمّنه من حرف الاستفهام، وحُرِّك لالتقاء
الساكنين، وخُصَّ بالفتح تخفيفاً، وهو خبرُ المبتدأ الواقع بعده، وهو لا يصحُّ(١)
إطلاقُه على الله تعالى بالحقيقة؛ إذ الله تعالى مُتَزَّةٌ عن المكان. كما هو مُتَزَّةٌ عن الله مُنَزَّةٌ عن
الزمان، بل هو خالقُ الزمان والمكان، ولم يزلْ موجوداً، ولا زمانَ ولا مكانَ، المكان والزمان
وهو الآنَ على ما عليه كان. ولو كان قابلاً للمكان لكان مُخْتَصّاً به، ويحتاجُ إلى
مخصص، ولكان فيه إما متحركاً وإما ساكناً، وهما أمران حادثان، وما يتَّصفُ
بالحوادث حادِث، على ما يُبْسَطُ القولُ فيه في علم الكلام، ولَمَا صَدَقَ قولُه
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] إذ كانت تماثله الكائناتُ في
أحكامها، والممكنات في إمكانها، وإذا ثَبَتَ ذلك ثَبَتَ أن النبيَّ وَّهِ إنما أطلقه
على الله بالتوسُّع والمجاز؛ لضرورة إفهام المخاطبة القاصِرة الفهم؛ الناشئة مع قوم
معبوداتُهم في بيوتهم، فأراد النبيُّ وَّهِ أن يتعرَّفَ منها هل هي ممن يعتقدُ أن معبوده
في بيتِ الأصنام، أم لا؟ فقال لها: ((أين الله))؟ فقالت: في السماء، فقنع منها
بذلك، وحَكَم بإيمانها، إذ لم تتمكّن مِن فَهْم غير ذلك، وإذ نزهت الله تعالى عن
أن يكونَ مِن قبيل معبوداتهم وأصنامهم، ورفعته عن أن يكونَ في مِثْل أمكنتهم،
وحَمَلَها على ذلك أنها رأتِ المسلمين يرفعونَ أبصارهم(٢) وأيديهم إلى السَّماء عند
الدعاء، فَتُرِكَتْ على ذلك في تلك الحال لقصور فَهْمِها؛ إلى أن يتمكّن فَهْمُها
وينشرح صدرها، إذ لو قيل لها في تلك الحالة: اللهُ تعالى يستحيلُ عليه المكانُ
(١) في (ل): لا يصلح.
(٢) في (ع): أصواتهم.

١٤٤
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
والزمانُ لخيفَ عليها أن تعتقدَ النفي المحضَ والتَّعطيل؛ إذ ليس كلُّ عقلِ يقبلُ
هذا، ويعقله على وَجْهه، بل إنما يَعْقلُهُ العالمون الذين شَرَحَ اللهُ صُدُورَهُمْ
لهدايته، ونَوَّر قُلُوبَهم بنور معرفته، وأمدَّهم بتوفيقه ومعونته، [وأكثرُ الخلق تغلب
عليهم الأوهام](١)، وتكلُّ منهم الأفهام.
وقيل في تأويل هذا الحديث: أن النبيَّ ◌َّه إنما سألها بأين عن الرُّتبة
المعنوية، التي هي راجعةٌ إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها بايَنَ كلَّ مَن نسبت إليه
الإلهية، وهذا كما يُقال: أين الثريا من الثرى؟! والبصر من العمى؟! أي: بَعُدَ
ما بينهما. واختصت الثريا والبصرُ بالشرف والرفعة. على هذا يكون قولُها: في
السماء، أي: في غاية العلو والرّفعة، وهذا كما يُقال: [فلان](٢) في السماء ومَنَاط
الثريا، وهذا كما قال:
وإِنَّ بَنِي عَوْفٍ كَما قَدْ عَلِمْتُم مَناطُ النُّرِيًّا قَدْ تَعالَتْ نُجُومُها
أقول هذا والله ورسوله أعلم. والتسليمُ أَسْلَمُ.
تنبيه: ثم اعلمْ أنه لا خلافَ بين المسلمين قاطبةً، محدّثهم، وفقیھھم،
ومتكلِّمهم، ومقلُّدهم، ونُظَّارهم، أن الظواهرَ الواردةَ بذكر الله تعالى [في
السماء](٣) كقوله: ﴿ءَأَمِثُم مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ [الملك: ١٦] ليست على ظاهرها، وأنها
متأوّلٌ عند جميعهم. أما مَن قال منهم بالجهة فتلك الجهةُ عنده هي جهةُ الفوق،
التي عبَّر عنها بالعرش، وهي فوق السَّموات؛ كما جاء في الأحاديث فلا بُدَّ أن
يتأولَ كونه في السماء، وقد تأوّلوا تأويلات، وأشبه ما فيه: أن في: بمعنى: على،
(١) ساقط من (م).
(٢) ساقط من (م).
(٣) ساقط من (ع).

١٤٥
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
قال: ((أَعْتِقْها، فإنَّها مؤمنٌ)).
رواه أحمد (٤٤٧/٥ - ٤٤٨)، ومسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠
و ٩٣١)، والنسائي (١٤/٣ -١٨).
كما قال: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل. ويكون
العلو بمعنى الغلبة، وأما من يعتقدُ نفيَ الجهة في حقّ الله تعالى فهو أحقُّ بإزالة
ذلك الظّاهر، وإجلال الله تعالى عنه، وأولى الفرق بالتّأويل. وقد حَصَل من هذا
الأصل المحقّق: أن قولَ الجارية: ((في السماء))، ليس على ظاهره باتّفاق
المسلمين، فيتعيّن أن يُعْتَقَدَ فيه أنه مُعَرَّضٌ لتأويل المتأولين، وأن من حَمَله على
ظاهره فهو ضالّ من الضَّالِّين(١). ,
و (قوله: ((أَعْتِقْها فإنها مُؤمنة))) فيه دليلٌ: على أن عِثْقَ المؤمن أفضل، ولا العتق في
خلافَ في جواز عتق الكافر في التطوّع، وأنه لا يجزىء في كفّارة القتل؛ لنصّ الله الكفارات
تعالى على المؤمنة، واخْتُلِف في كفّارة اليمين، والظّهار، وتعمّد الوطء في
رمضان، فمالك والشافعي وعامتهم: لا يجيزون في ذلك كلّه إلا مؤمنة؛ حَمْلاً
لمطلق هذه الكفارات على مقيّد كفّارة القتل. وذهب الكوفيّون: إلى أنَّ ذلك لیس
شَرْطاً في هذه الكفّارات، ومنعوا حَمْلَ المطلق على المقيّد. وتحقيقُ ذلك في الأصول.
وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه، لا تخفى على متأمل فَطِن، ومن أهمها:
أنه لا يُشترط في الدخول في الإيمان التلفّظ بألفاظ مخصوصة، كالشّهادتين، بل الإيمان ألفاظ
يكفي كلّ لفظ يدلّ على صحّة الدخول في الدِّين، وأنه يُكتفى بالاعتقاد الصحيح، مخصوصة
لا يُشترط في
(١) مذهب السلف: إثباتُ علو الله تعالى يليق بجلاله، وهذا العلو ثابت بالسمع، وبالعقل
والفطرة: مع التمسّك بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾
[الشورى: ١١]. فالفرق بين علو الله تعالى وعلو المخلوق كالفرق بين ذات الله وذات
المخلوق، فلما تباينت الذاتان من كل وجه تباينت الصفتان من كل وجه أيضاً.

١٤٦
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
[٤٣٠] وعن عبدِ الله بن مسعودٍ، قالَ: كنَّا نُسَلُّم على النبيِّ وَّ وهو
في الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنا. فلمَّا رجعنَا مِن عندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عليهِ فلم يَرُدَّ
عَلَيْنا. فقلنا: يا رسولَ الله! كنّا نُسَلِّمُ عليكَ في الصَّلاةِ فتردُّ عَلَيْنا، قال:
((إنَّ في الصَّلاةِ شُغُلاً)).
رواه أحمد (٣٧٦/١)، والبخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو
داود (٩٢٣ و٩٢٤)، والنسائي (١٩/٣).
ولا يُشترط أن يكونَ عن برهانٍ نظري، إذ لم يسألها النبيُّ ◌َ﴿ عن طريق عِلْم ذلك،
ولا كانت أيضاً ممن يصلحُ لِفَهْم تلك البراهين والاستدلالات، كما بيَّنَّا في
التّأويل الأول.
ردّ السلام في
الصلاة
و (قول عبد الله بن مسعود: ((كنا نسلّم على رسول الله صل له وهو في الصلاة
فيردُّ علينا))) هذا كان منه وَّ؛ إذ كان الكلامُ مُباحاً في الصلاة في أول الأمر، كما
قال زيدُ بن أرقم. ثم لما نُسِخ ذلك امتنعَ ردُّ السلام نُطْقاً من المصلِّي، وغير ذلك
من أنواع الكلام مع الغير. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن أجاز للمصلي أن يرد
السلام نُطقاً، وهم: أبو هريرة، وجابر، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وقتادة،
وإسحاق. ثم إذا قلنا: لا يردُّ نطقاً فهل يردُّ إشارة، أم لا؟ وبالأول: قال مالك
وأصحابه، وهو مذهبُ ابنِ عمر وجماعة من العلماء، وبالثاني: قال أبو حنيفة؛
فمنع الردّ إشارةٌ ونُطْقاً، وبه قال الثَّوري، وعطاء، والنَّخعي. ثم اختلف من لم
يردّه، هل يرد إذا سلّم أم لا؟ وبالأول: قال الثوري، وعطاء، والنّخعي، وبالثاني:
قال أبو حنيفة. وقال بعضُ أهل العلم: يردُّ المصلي في نفسه. هذا حُكْمه في
الردّ، وأما ابتداءُ السلام على المصلِّي، فاخْتَلَفَ فيه العلماءُ: فعن مالك فيه
الجواز، وقد رُويتْ عنه الكراهة.
و (قوله: ((إنَّ في الصلاة شُغلً))) اكتفى بذكر الموصوف عن الصّفة، فكأنه

١٤٧
(٣) كتاب الصلاة - (٤٥) باب: نسخ الكلام في الصلاة
[٤٣١] وعن زيدٍ بن أرقمَ، قالَ: كنَّا نَتَكلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ
الرَّجُلُ صَاحِبَه وهو إلى جَنْبِهِ في الصَّلاةِ، حتَّى نزلتْ: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨]. فَأُمِرْنا بالشّكوتِ، ونُهِيْنا عنِ الكَلامِ.
رواه أحمد (٤٦٣/١)، والبخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو
داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٠٥)، والنسائي (١٨/٣).
قال: شغلاً كافياً، أو مانعاً من الكلام وغيره. ويُفهم منه: التفرُّغ للصلاة من التفرّغ للصلاة
من جميع الأشغال
جميع الأشغال، ومن جميع المشوّشات، والإقبال على الصّلاة بظاهره وباطنه.
و (قوله: ((حتى نزلتْ: ﴿وَقُومُواْلِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]) القنوت ينصرفُ معنى القنوت
في الشرع واللغة على أنحاء مُختلفة، يأتي: بمعنى: الطاعة. وبمعنى: السكوت.
وبمعنى: طول القيام. وبمعنى: الخشوع. وبمعنى: الدعاء. وبمعنى: الإقرار
بالمعبود. وبمعنى: الإخلاص. وقيل: أصلُهُ الدَّوامُ على الشيء، ومنه الحديثُ:
((قنت رسولُ اللهِ وَلَ﴿ شهراً يدعو على قبائلَ من العرب)»(١) أي: أدام الدعاء، والقيام
له، واللائق بالآية من هذه المعاني: السكوت، والخشوع.
و (قوله: ((ونُهينا عن الكلام))) هذا هو الناسخُ لإباحة الكلام في الصَّلاة،
وقد قدّمنا في حديث معاوية القولَ على أنواع الكلامِ الواقعِ في الصَّلاة.
(١) رواه أحمد (١١٥/٣ و٢٦١)، والبخاري (١٠٠٢)، ومسلم (٦٧٧)، وأبو داود
(١٤٤٤)، والنسائي (٢/ ٢٠٠) من حديث أنس رضي الله عنه.

١٤٨
(٣) كتاب الصلاة - (٤٦) باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة
(٤٦) باب
جواز الإشارة بالسلام في الصلاة، ولعن الشيطان
[٤٣٢] عن جابر، قال: أرسلَنِي رسولُ اللهِوَّ وهو منطلقٌ إلى بني
المُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وهو يُصَلِّي على بعيرِهِ، فكلَّمتُه، فقالَ لي بيدِه هكذا
(وأومأ زُهَيْرٌ بيدِه) ثم كلَّمْتُه، فقالَ لي هكَذا (فأومأُ زُهَيْرٌ أيضاً بيدِه نحوَ
الأرضِ) وأنا أسمعُه يقرأُ، يُومِىءُ برأسهِ. فلمَّا فرغَ، قالَ: ((ما فعلتَ في
الذي أرسلتُكَ له؟ فإنَّه لم يَمنعْنِي أنْ أُكَلِّمَكَ إلَّا أَنِّي كنتُ أُصَلِّي)).
وفي روايةٍ: وهو يُصَلِّي على راحلتِهِ، ووجهُه على غيرِ القِبْلَة.
وفي أخرى: فسَلَّمتُ عليهِ فأشارَ إليَّ، فلمَّا فرِغَ دَعَاني، فقالَ:
(إنَّك سَلَّمتَ آنِفاً وأَنَا أُصَلِّي)). وهو مُوَجِّهٌ حينئذٍ قِبَلَ المَشْرِقِ.
رواه أحمد (٣١٢/٣)، ومسلم (٥٤٠)، والنسائي (٦/٣)،
وابن ماجه (١٠١٨).
[٤٣٣] وعن أبي الدرداءِ، قالَ: قامَ رسولُ اللهِص ◌َلِّ، فسمعْناه يقولُ:
(٤٦) ومن باب: جواز الإشارة بالسَّلام في الصَّلاة
حديثُ جابر هذا حُجَّةٌ لمالك، ولمن قال بقوله: على جواز ردِّ المصلِي
السلام بالإشارة، وعلى جواز ابتداء السّلام على المصلّ، وعلى أن العملَ القليلَ
في الصلاة لا يفسدها، وعلى مَنْع الكلام في الصّلاة، وفيه دليلٌ: على جواز التنفل
على الرّاحلة، لكن في السّفر، وعلى أنه يصلّي النفلَ عليها، حيث توجّهتْ به.
وسيأتي كلُّ ذلك إن شاء الله تعالى.

١٤٩
(٣) كتاب الصلاة - (٤٦) باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة
(أعوذُ بالله مِنْكَ)) ثم قالَ: ((ألْعَنْكَ بلعنةِ اللهِ)) ثلاثاً، وبسطَ يدَه كأنَّه يتناولُ
شَيْئاً، فلمَّا فرغَ مِنَ الصَّلاةِ، قلنا يا رسولَ الله! قدْ سَمِعْنَاكَ تقولُ فِي الصَّلاةِ
شَيئاً لم نسمعْكَ تقولُه قَبْلَ ذلكَ، ورأيناكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: ((إنَّ عَدُوَّ اللهِ
إبليسَ جاءَ بشهابٍ مِنْ نَارِ ليجعلَه في وَجْهِي، فقلتُ: أعوذُ باللهِ منكَ
- ثلاثَ مَرَّاتٍ -، ثم قلتُ: ألعنُكَ بلعنةِ اللّه التَّامَّةِ، فلمْ يَسْتَأْخِرْ ثلاثَ
مَرَّاتٍ، ثمَّ أردتُ أخذَه، واللهِ لَوْلا دعوةُ أَخِينَا سُليمانَ لأصبحَ مُوثَقاً، يلعبُ
به وِلْدَانُ المَدِينةِ».
رواه مسلم (٥٤٢)، والنسائي (١٣/٢).
و (قوله ◌َ ليهِ: ((أعوذ بالله منك))) أي: أستترُ، وألتجىءُ في كفايته إيَّايَ منك.
ومنه سُمِّي العود الذي يلجأ إليه الغثاء في السّيل: عوذاً؛ لأن الغثاءَ يلجأ إليه.
و (قوله: ((ألعنك بلعنة الله التامة))) أصلُ اللعن: الطَّردُ والبعد، ومعناه:
أسألُ اللهَ أن يلعنه بلعنته. والتامة يحتملُ وجهين :
أحدهما: أنها الكاملة التي لا ينقصُ منها شيء.
والثاني: المستحقّة الواجبة، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدّلًا﴾
[الأنعام: ١١٥] أي: حقّت ووجبت، ولم يقصد مخاطبةً الشيطان، لأنه كان يكون
متكلماً في الصلاة، وإنما كان مُتعوِّذاً بالله، كما قال: أعوذ بالله منك.
و (قوله: ((ولولا دعوةُ أخينا سليمان لأصبح مُوثقاً يلعبُ به ولدان
المدينة))(١)) يدلُّ: على أن ملكَ الجن والتصرّف فيهم بالقهر مما خُصَّ به سليمان. سليمان عليه
وسَبَبُ خصوصيته: دعوتُه التي استجيبتْ له، حيث قال: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ السّلام
ممَّا خُصَّ به
(١) كذا في الأصول، وفي صحيح مسلم (٣٨٥/١): ولدان أهل المدينة.

١٥٠
(٣) كتاب الصلاة - (٤٦) باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة
[٤٣٤] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ عِفْرِيتاً مِن
الجِنِّ جعلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ البَارِحَةَ ليقطعَ عليَّ الصَّلاةَ، وإنَّ اللهَ أَمْكَنَنِي منه
قادرون على
التشكل في
صور مختلفة
مِنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [ص: ٣٥] ولما تحقَّقَ النبيُّ ◌َّهِ الخصوصِيةَ امتنعَ من
تعاطي ما همَّ به من أخذ الجنيّ ورَبْطه. فإن قيل: كيف يتأتّى رَبْطُه وأَخْذه واللعبُ
به مع کَوْن الجن أجساماً لطيفةً روحانية؟ قلنا: كما تأتى ذلك لسليمان عليه السلام
حيث جعل اللهُ له منهم ﴿ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ * وَءَاخَرِينَ مُقَرَّتِنَ فِى الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧
الجن والملائكة و ٣٨] ولا شك أن اللهَ تعالى أوجدهم على صُور تخصّهم، ثم مكّنهم من التشكّل
في صُور مختلفة. فيتمثّلون في أيّ صورةٍ شاؤوا، أو شاء اللهُ. وكذلك فَعَل اللهُ
بالملائكة. كما قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقال ◌ّ:
((وأحياناً يتمثَّلُ لي الملكُ رَجُلاً فيكلِّمُني))(١) فيجوز أن يمكّن اللهُ نبيَّه محمداً وَه
من هذا الجنيِّ مع بقاء الجني على صُورته التي خُلِقٍ عليها، فيوثقه كما كان سليمانُ
عليه السلام يوثقهم؛ ويرفع الموانعَ عن أبصار الناس؛ فيرونه مُوثَقاً حتى يلعبَ به
الغلمانُ. ويجوز: أن يشكّله الله تعالى في صورةٍ جسميةٍ محسوسةٍ فيربطه ويُلعبُ
به، ثم يمنعه من الزوالِ عن تلك الصُّورة التي تشكّل فيها، حتى يفعلَ اللهُ ما همَّ به
رؤيةُ بني آدم النبيُّنَّه، وفي هذا دليلٌ: على رؤية بني آدمَ الجنَّ. وقوله تعالى: ﴿إِنَُّ يَرَّكُمْ هُوَ
وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] إخبار عن غالب أحوال بني آدم معهم،
الجنَّ
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((إنَّ عفريتاً جعل يفتكُ عليَّ البارحة))) العفريت: المارد من الجنِّ
الشديد، ومنه: رجلٌ عفريت؛ أي: شديدُ الدّهاء والمكر والحيلة. هكذا صحَّ في
كتاب مسلم: يفتك. ومعناه: يُغْفِلُه عن الصّلاة ويشغله. وأصلُ الفتك: القتلُ على
غفلة وغرّة. ومنه: قوله وَ له: ((الإيمانُ قيّد الفتك))(٢). وهكذا مجيءُ الشيطان
(١) رواه البخاري (٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) رواه أحمد (١٦٦/١ و١٦٧) من حديث الزبير، و (٩٢/٤) من حديث معاوية. ورواه
أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة.

١٥١
(٣) كتاب الصلاة - (٤٦) باب: جواز الإشارة بالسلام في الصلاة
فَذَعَثُهُ، فلقد هممتُ أنْ أربطَه إلى جَنْبِ سَاريةٍ من سَوَارِي المسجدِ، حتَّى
تُصْبِحُوا تنظرونَ إليه أجمعونَ (أو كُلُّكُم)، ثمَّ ذكرتُ قولَ أخي سُليمانَ:
﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ﴾ [ص: ٣٥] ((فَرَدَّهُ اللهُ
خَاسِئاً)). وفي رواية: ((فَدَعَتُّه)).
رواه أحمد (٢٩٨/٢)، والبخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١).
للمصلّي على غفلة وغرّة. وذكره البخاري. وقال: ((تُفُلّت عليَّ البارحةَ)) (١) وهو
أيضاً صَحيح. أي: جاءني على غفلةٍ وفلتةٍ وغرّة(٢) وفَجْأة، ومنه: قيل: افتَلت
نَفَسُه: أي: مات على فجأة. والفلتة: الأمر يُؤتى على غير رويّة.
و (قوله: ((فَذَعَتّه))) بالذال المعجمة، أي: خنقتُه. قال الهرويُّ: وفي رواية
ابن أبي شيبة: بالدال المهملة، وهما بمعنى واحد، وأنكره الخطابي، وقال: لأنَّ
أصلَه يكون دعته، ولا يصحّ إدغام العين في التاء، قال ابنُ دريد: ذَعَتَهُ يذعِته،
ذَعْتاً: غمزه غمزاً شديداً، والدعت مهملاً: الدفع الشديد، ويقال بالذّال المعجمة.
و (قوله: ((لقد هممتُ أن أربطَه إلى ساريةٍ من سَواري المسجد))) يحتملُ أن
يقال: إنَّ هذا الذي همَّ به كان يكون شغلاً يسيراً، ويحتملُ أن يكون يربطه بعد
تمام الصلاة.
و (قوله: ((فرده الله خاسئاً)) أي: ذليلاً مدحوراً، من: خسأت الكلب: إذا
زجرته وطردته .
(١) ينظر: الفتح (١/ ٥٥٤).
(٢) ساقط من (ع).

١٥٢
(٣) كتاب الصلاة - (٤٧) باب: جواز حمل الصغير في الصلاة
(٤٧) باب
جواز حمل الصغير في الصلاة، وجواز التقدم والتأخر،
ومن صلى على موضع أرفع من موضع المأموم
[٤٣٥] عن أبي قَتَادةَ الأَنْصَارِيِّ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِوَ﴿ يَؤُمُ
النَّاسَ وأُمامة بنتُ أبي العَاص - وهي ابنةُ زينبَ بنتِ رسولِ الله ◌َّـــ على
عَاتِقِهِ فإذَا رَكَعَ وَضَعَها، وإذَا رَفَعَ من السُّجودِ أَعادَها.
وفي روايةٍ: بينًا نحنُ في المسجدِ جُلُوسٌ خرجَ علينًا
رسولُ اللهِ وَالٌ ... بنحوِ ما تَقدَّمَ.
رواه أحمد (٢٩٥/٥ و ٣٠٣)، والبخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣) (٤٢
و ٤٣)، وأبو داود (٩١٧)، والنسائي (١٠/٣).
(٤٧) ومن باب: حمل الصّغير في الصَّلاة
اختلفَ العلماءُ في تأويل حَمْلِ النَّبيِّرِ لأمامة في الصَّلاة، والذي أَحْوَجَهُمْ
لتأويله: أنه شغلٌ كثير. فروى ابنُ القاسم عن مالك؛ أنه كان في النافلة، وهذا
تأويلٌ بعيد؛ فإنَّ ظاهرَ الحديثِ الذي ذكره أبو داود يدلُّ: على أنه في الفريضةَ،
لقوله: بينما نحن ننتظر رسول الله وَ﴿ه في الظهر أو العصر، خرج علينا حاملاً أمامةً
على كتفه(١)، وذكر الحديث. ومعلومٌ: أنه كان ◌َ ل﴿ إنما كان يتنفّل في بيته، ثم يخرجُ
الصلاة الفريضة، فإذا رآه بلالٌ خارجاً أقام الصلاة. وأيضاً: ففي هذا الحديث قال
أبو قتادة: رأيتُ رسولَ الله ◌ِ له يؤمُ الناسَ. وغالبُ عادته: أنه إنّما كان يؤمُ الناسَ
في المسجد في الفريضة. وروى عنه أشهب، وابنُ نافع: أنَّ هذا للضرورة وإذا لم
يجدْ مَن يكفيه. وأما لحبّ الولد فلا. وظاهرُ هذا إجازته في الفريضة، والنافلة.
(١) رواه البيهقي في السنن (٢٦٣/٢) بنحوه، وعزاه للحميدي.

١٥٣
(٣) كتاب الصلاة - (٤٧) باب: جواز حَمْل الصغير في الصلاة
[٤٣٦] وعن أبي حَازم، أنَّ نَفَراً جَاؤُوا إلى سَهْلِ بن سَعْدٍ، قد
تَمَارَوْا في المِنْبرِ: مِنْ أَيِّ عُودٍ هُو؟ فقالَ: أَمَا واللهِ إِنِّي لأعرفُ مِنْ أيِّ عُودٍ
هُو، ومَنْ عَمِلَهُ، ورأيتُ رسولَ الله ◌ِّهِ أَوَّلَ يوم جلسَ عليهِ. قالَ: فقلتُ
له: يا أبَا عَبَّاس! فَحَدِّثْنا. قالَ: أرسلَ رسولُ اللهِنَّه إلى امرأةٍ. (قالَ
أبو حَازمٍ: إنهَ لَيُسَمِّيهَا يومئذٍ) (انْظُرِي غُلَمَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لي أعوَاداً
أُكَلِّمُ النَّاسَ عليهَا)) فَعَمِلَ هذه الثَّلاثَ دَرَجاتٍ، ثم أمرَ بها رسولُ اللهِ وَّه
وروى عنه التّيْسي: أنَّ الحديثَ منسوخ، قال أبو عمر بن عبد البر: لعلَّ هذا نُسِخَ
بتحريم العمل والاشتغال في الصَّلاة بغيرها. وقال الخطابي: يشبه أن هذا كان
منه وَ﴿ على غير قَصْد وتعمّد، لكن الصَّبِيَّةَ تَعلَّقتْ به لطول إلْفها له، وهذا باطل،
لقوله في الحديث: ((خرج علينا حاملاً أمامةَ على عاتقه، فإذا ركعَ وَضَعَها، وإذا
رَفَعَ رأسَه من السُّجود أعادها))(١) والأشبهُ: أنه كان لضرورةٍ لم يقدر على أن ينفكّ
عنها، أو هو منسوخٌ. والله تعالى أعلم.
وفيه من الفقه: جوازُ إدخال الصغار المساجد؛ إذا عُلِم من عادة الصبي أنه جواز إدخال
لا يبول، وأنَّ ثيابَه محمولةٌ على الطهارة، وأن لمسَ النساء ليس بِحَدَث، وأن الصغار
حُكْم مَن لا تُشتهى من النساء بخلاف حُكْم من يُشتهى منهن. وفيه: تواضعُ
, المساجد
رسولِ اللهِ وَّر وشفقته، وجواز حمل ما لا يشغلُ في الصلاة شغلاً كثيراً.
و (قوله: ((انْظُرِي غلامَكِ النجارَ يَعْمَلْ لي أعواداً أُكَلِّمُ الناسَ عليها))) فيه
دليلٌ: على أن اتخاذَ المنبر مسنونٌ في الجمعة للخطبة، وفائدته: الإبلاغُ اتخاذ المنبر
والإسماع. وقد استدل أحمد بن حنبل بصلاة النبي و ير على المنبر، على جواز للخطبة
(١) رواه ابن خزيمة (٩٠٩)، والبيهقي (٢٨٧/٢ - ٢٨٨)، وابن حبان (٢٢٨٦) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: الترغيب والترهيب (٧٨٨) طبعة دار ابن كثير ودار
الكلم الطيب ومؤسسة علوم القرآن، سنة (١٩٩٣ م).

١٥٤
(٣) كتاب الصلاة - (٤٧) باب: جواز حَمْل الصغير في الصلاة
فوُضعتْ هَذَا الموضعَ، فهي مِن طَرْفَاء الغَابةِ، ولقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِلَّه
قامَ عليهِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وهُو على المِنْبَرِ، فرجعَ، فنزلَ القَهْقَرى
حتَّى سَجَدَ في أَصْلِ المِنْبَرِ، ثم عادَ حتَّى فرغَ مِنْ آخِرِ صَلاتِهِ، ثم أقبلَ على
النَّاسِ، فقالَ: ((يا أيُّها النَّاسُ! إنِّي صَنَعْتُ هُذَا لِتَأْتَّمُوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا
صَلاَتِي)).
رواه أحمد (٣٣٩/٥)، والبخاري (٤٤٨)، ومسلم (٥٤٤) (٤٤)،
وأبو داود (١٠٨٠)، والنسائي (٢/ ٥٧)، وابن ماجه (١٤١٦).
صلاةِ الإمام على موضع أرفع من موضع المأموم، ومالك يمنعُ ذلك في الارتفاع
الكثير دون اليسير، وعلَّل المنعَ: بخوف الكِبْرِ على الإمام. واعتذرَ بعضُ أصحابه
عن الحديث: بأن النبيَّ ◌َّهِ معصومٌ عن الكِبْرِ، ومنهم مَن علَّله: بأن ارتفاعَ المنبر
كان يسيراً.
و (قوله: ((فَرَجَعَ القهقرىُ حتَّى سَجَدَ في أَصْل المنبر))) يعني: رجع خلفه.
من: تقهقر الرجلُ في مشيته؛ إذا رَجَعَ من حيثُ جاء. وهذا إنما فَعَلَهُ ليُريَ الناسَ
كيفيةَ صلاته، ففعلَ على المنبر ما يتمكَّنُ مِنْ فِعْله عليه، وهو القيامُ والركوع،
وفَعَل في الأرض ما لا يتمكَّنُ مِن فِعْله عليه، وهو السجودُ والجلوسُ، وهذا القدرُ
عملٌ يسير، لا يخلّ بمقصود الصلاة، ولا بهيئتها.
و (قوله: ((لِتَأْتَقُّوا بي))) لتقتدوا بي. ((وَلِتَعَلَّمُوا صلاتي))) رويناه بفتح العين
وتشديد اللام، أي: لتتعلّموا، وهذا الأمرُ على الوجوب.

١٥٥
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
(٤٨) باب
النهي عن الاختصار في الصلاة، وما يجوز من مس
الحصى فيها، وما جاء في البصاق في المسجد
[٤٣٧] عن أبي هُريرةَ، قالَ: نهى رسولُ الله ◌َّهِ أنْ يُصَلَِّ الرَّجُلُ
مُخْتَصِراً.
رواه أحمد (٣٩٩/٢)، والبخاري (١٢١٩ و١٢٢٠)، ومسلم
(٥٤٥)، وأبو داود (٩٤٧)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي (١٢٧/٢).
(٤٨) ومن باب: النهي عن الاختصار في الصّلاة
(قوله: ((نهى رسولُ اللهِ وَ﴿ أن يصلِيَ الرجلُ مختصراً))) اختلفَ في تأويله
على أقوال:
أحدها: أن يأخذَ بيده عصاً يتوكأ عليها. قاله الهروي.
وثانيها: أن يقرأَ مِن آخر السورة آيةً أو اثنتين في فَرْضِه، ولا يكملها. قاله
أبو هريرة.
وثالثها: هو أن يضع يده على خَصْره في الصلاة، لأنه من فِعْل أهلِ الكِبْر.
وقيل: لأنّه من فعل اليهود؛ كما قال ◌َّ: ((الاختصارُ راحةُ أهل النار)) (١)
يعني: اليهود والمتكبرين؛ لا أنَّ لهم في النار راحة.
ورابعها: هو حذف الصلاة، بحيث لا يتم ركوعها، ولا سجودها، ولا حَذْف الصلاة
حدودها .
(١) رواه النسائي (٦/٣).

١٥٦
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
[٤٣٨] وعن مُعَيْقِيبٍ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ في الرجلِ يُسَوِّي
التُّرَابَ حيثُ يَسجدُ، قالَ: ((إنْ كنتَ فَاعِلاَ فَوَاحِدَةً».
رواه أحمد (٤٢٦/٣)، والبخاري (١٢٠٧)، ومسلم (٥٤٦)،
وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي (٧/٣)، وابن ماجه
(١٠٢٦).
و (قول معيقيب: إنهم سألوا رسولَ اللهِ وَّه عن المسح في الصلاة) يعني:
مسح التراب في مسح التراب حيث يسجد لئلا يتأذّى به في سُجُوده. وقد جاء مفسّراً في الرواية
موضع السجود الأخرى. وأبيح له مرةً واحدة: استخفافاً لأمرها، وليدفعَ ما يتأذّى به منها. ومنع
فيما زاد عليها: لئلا يكثر الشّغل، ويقع التشويشُ في الصلاة. هذا مذهبُ
الجمهور. وحكى الخطابيُّ عن مالك: جوازَ مَسْح الحصى مرّة وثانية في الصلاة.
والمعروفُ عنه ما عليه الجمهور، وقيل: بل عنى: مسح الغبار عن وجهه. ويشهدُ
له حديثُ النسائي عن أبي ذرّ. قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا قام أحدكُم إلى الصلاة فلا
يمسح الحصى، فإن الرحمةَ تُواجهه))(١) زاد في مسند سفيان بن عيينة: فلا يمسح
إلا مَرَة. وقد كره السلفُ مَسْحَ الجبهة في الصَّلاة وقبل الانصراف مما يعلقُ بها من
الأرض لكثرة الأجرِ في تتريب الوجه، والتّواضع لله، والإقبال على صَلاته
بجميعه .
و (قوله: ((إن كنتَ فاعلاً فواحدةً)) رويناه بنصب واحدة، ورفعه. فَنَصْبُهُ
بإضمار فعلٍ تقديره: فامسخ واحدة، أو يكون نعتاً لمصدرٍ محذوف. ورفعه على
الابتداء، وإضمار الخبر، تقديره: فواحدةٌ تكفيه، أو كافيته، ويجوز أن يكونَ
المبتدأُ هو المحذوف، وتكون واحدة: الخبر. تقديره: فالمشروعُ، أو الجائزُ
واحدة، وما أشبهه.
(١) رواه أحمد (١٥٠/٥) وأبو داود (٩٤٥) والترمذي (٣٧٩) والنسائي (٦/٣) وابن ماجه
(١٠٢٧).

١٥٧
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
[٤٣٩] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَيهِ رأى نُخامةً في قِبْلَةِ
المسجدِ، فأقبلَ على النَّاسِ، فقالَ: ((مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يقومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ،
فَيَتَنَجَّعُ أمامَهُ؟ أيُحِبُّ أحَدُكُم أنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ في وَجْهِهِ؟ فإذَا تَنَخَّعَ
أَحَدُكُم فَلْيَتَتَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تحتَ قَدَمِهِ، فإنْ لم يجدْ فليقلْ هَكَذا)» ووصفَ
القَاسِمُ: فتفلَ في ثوبِهِ، ثم مَسَحَ بَعْضَهُ على بَعْضٍ.
رواه أحمد (٢٥٠/٢)، والبخاري (٤١٦)، ومسلم (٥٥٠)،
وأبو داود (٤٧٧)، والنسائي (١٦٣/١)، وابن ماجه (١٠٢٢).
[٤٤٠] وعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، أنَّ النبيَّ وَه رأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ
و (قوله: ((رأى نُخامةً في قِبلة المسجد))) التُّخامة، والنّخاعة: ما يخرجُ من
الصدر. يقال: تنخّم، وتنخّع. بمعنى واحد، والبصاقُ بالصاد والزاي: ما يخرجُ
من الفم. والمخاط: ما يخرجُ من الأنف. ويقال: بَصَقَ الرجُلَ يبصق، وبزق
كذلك، وتَفَلَ بفتح العين يتفِل بكسرها، وبالتاء باثنتين لا غير. ونفث ينفث، قال
ابنُ مكي في تثقيف اللسان: النَّفَل: بفتح الفاء، نفخٌ لا بصاقَ معه، والنفث: لا بُدّ
أن يكونَ معه شيءٌ من الريق. قاله أبو عبيد. وقال الثعالبي: المجُّ: الرمي بالريق،
والتفل: أقلّ منه. والنفث: أقلّ منه.
و (قوله: ((ما بالُ أحدكم يقوم مستقبلَ ربه») هذا محمولٌ: على تعظيم حُرمة هذه
الجهة وتشريفها. كما قال: ((الحجرُ الأسود يمينُ الله في الأرض)»(١) أي: بمنزلة
يمين الله، ولما كان المصلي يتوجّه بوجهه وقَصْده وكلّيته إلى هذه الجهة نزّلها في
حقّه منزلةَ وجودِ الله تعالى. فيكونُ هذا من باب الاستعارة، وقد یجوزُ أن یکون من
باب حذفِ المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه،
(١) رواه الطبراني وأبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس مرفوعاً. وكذا الخطيب في
تاريخه (٣٢٨/٦). انظر: كشف الخفاء (١١٠٩).

١٥٨
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
المَسْجِدِ، فَحَكَّها بِحَصَاةٍ، ثم نهَى أنْ يَبزق الرَّجلُ عن يمينِهِ أو أَمَامَهُ،
ولكنْ يَزِقُ عَنْ يَسَارِه أو تحتَ قدمِهِ الیُسْرَى.
رواه أحمد (٥٨/٣ و ٩٣)، والبخاري (٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨)،
وأبو داود (٤٨٠)، والنسائي (٥١/٢ - ٥٢).
أو رحمة ربه. كما قال في الحديث الآخر: ((فلا يبصقْ قِبل القبلة، فإن الرحمةَ تُواجهه)).
و (قوله: ((فحكّها بحصاة») زاد أبو داود فيه: ثم أقبلَ على الناس مُغضباً.
تحريم البصاق وهذا يدلُّ: على تحريم البُصَاق في جِدارِ القِبلة، وعلى أنه لا يتكفّر بدفنه، ولا
في جدار القبلة
بحكّه، كما قال في حلّة المسجدِ: ((البصاقُ في المسجدِ خطيئةٌ. وكفَّارتُها دَفْنُها)»
فلو يكفر البزاقُ في القبلة بالحكّ لما غضب، إذ قد كان تكفي الكفارة في ذلك،
وهي الحكّ، كما اكتفى بها في حديث الأعرابي الذي وَطِىء في نهار رمضان، ولم
يذمّه ولا غضب عليه. وقد ظهرتْ خصوصيةُ جهةِ القِبْلة حيث نزّلها منزلة الرب
تعالى، كما تقرر. وظهر أيضاً التخفيف في ساحة المسجد، كما قد ضرب
رسولُ اللهِوَ ﴿ فيه خيمةً لسعد بن معاذ بعدما رُمي في أكحله، فكان الدمُ يسيلُ من
خيمته إلى جهة الغفاريين، هذا مع ما قيل: إن هذا كان لضرورةٍ داعيةٍ إلى ذلك.
وقد ذكر مسلم في حديث جابر الطويل (١): أن النبيَّ ◌َ ﴿ جعل مكانَ النخامة عنبراً،
وروى النسائي الحديثَ الأولَ من طريق أنس(٢)، فقال: غَضِبَ حتى احمرَّ وَجْهُه،
فقامتِ امرأةٌ من الأنصار فحكّتها، وجعلت مكانَها خلوقاً، فقال رسولُ الله وآلانفان:
((ما أحسنَ هذا)). ويصحُّ الجمعُ بين هذه الأحاديث، بأن يقال: كان ذلك في
أوقاتٍ مختلفة: ففي وقتٍ حكّها وَّهِ وطيّبها بيده، ومرّة أخرى فعلت هذه المرأةُ
ما ذُكِر. ويمكن أن يُقال: نُسِبَ الحكُّ والطيّب للنَّبِيِوَّ من حيث الأمر به،
والمرأة من حيث المباشرة.
(١) رواه مسلم في الزهد (٣٠٠٨).
(٢) رواه النسائي (٥٢/٢ - ٥٣).

١٥٩
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
[٤٤١] وعن أنس بن مَالكِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَهِ: ((إذَا كانَ
أحدُكُم في الصَّلاةِ فإنَّه يُنَاجِي رَبَّهُ، فلا يَبْزُقَنَّ بِينَ يَدَيْهِ ولا عَنْ يمينِهِ، ولكنْ
عَنْ شِمالِهِ تحتَ قَدَمِهِ)).
رواه البخاري (٤٠٥ و ٤١٧)، ومسلم (٥٥١)، والنسائي (١/ ١٦٣
و ٥٢/٢ -٥٣)، وابن ماجه (١٠٢٤).
وفي هذا الحديث: استحبابُ أو جوازُ تطييبٍ المساجد بالطّيب، وتنظيفها؛ استحباب
كما نصَّ عليه أبو داود من حديث عائشة: ((أمر ببناء المساجد في الدور أن تُطَيِّبَ
وتُنظف))(١)، ومن حديث سَمُرة: ((ونُصلح صنعتها))(٢). ونهيه عن البصاق عن
يمينه دليلٌ: على احترام تلك الجهة، وقد ظهر منه تأثيرُ ذلك، حيث كان يحبُّ احترام جهة
التيمنَ في شأنه كلّه، وَحيث كان يبدأ بالميامن في الوضوء والأعمال الدينية. اليمين
وحيث كان يُعِدُّ يمينَه لحوائجه وشمالَه لما كان من أذى. وقد علّل ذلك في حديث
أبي داود حيث قال: ((والملكُ عن يمينه))(٣) بل وفي البخاري قال: ((عن يمينه
ملكاً))(٤) ويقال على هذا: إن صح هذا التعليل لزمَ عليه أن لا يبصقَ عن يساره؛
فإنّ عليه أيضاً ملكاً، بدليل قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِ﴾ [قَ: ١٧]. والجواب
بعد تسليم أنَّ على شماله ملكاً: أنَّ ملكَ اليمين أعلى وأفضل، فاحْتُرِم بما لم
يُحترمُ غيره من نوعه. والله تعالى أعلم. وهذا النهي مع التمكن من البصاق في
غير جهة اليمين، فلو اضطر إلى ذلك جاز.
تطبيب المساجد
بالطيب
احترام المساجد
والمحافظة على
و (قوله: ((أو تحت قدمه))) بإثبات أو. وفي الآخر: ((عن شماله تحت قدمه)) كل ما فيها
(١) رواه أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨).
(٢) رواه أبو داود (٤٥٦).
(٣) رواه أبو داود (٤٨٠).
(٤) رواه البخاري (٤١٦).

١٦٠
(٣) كتاب الصلاة - (٤٨) باب: النهي عن الاختصار في الصلاة
[٤٤٢] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلّى: ((البُزَاقُ في المسجدِ
خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُها دَفْنُها)».
رواه أحمد (٢٣٢/٣)، والبخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥٢) (٥٥)،
وأبو داود (٤٧٤ - ٤٧٦)، والترمذي (٥٧٢)، والنسائي (٢/ ٥١ - ٥٢).
[٤٤٣] وعن أبي ذَرُّ، عن النبيِّ وَّهِ قالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ
أُمَّتِي، حَسَنُها وسَيُِّها، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عن
الطّرِيقِ، وَوَجَدْتُ في مَسَاوىءٍ أَعْمَالِها الثُّخَاعَةَ تكونُ في المسجدِ
لا تُذَفَرُ)».
رواه أحمد (١٨٠/٥)، ومسلم (٥٥٣).
بغير أو، هكذا الرواية. وظاهر: ((أو)): الإباحة والتّخيير، ففي أيّهما بصقَ لم يكن
به بأس، وإليه يرجع معنى قوله: ((عن شماله تحت قدمه)) فقد سمعنا من بعض
مشايخنا، أن ذلك إنما يجوزُ إذا لم يكنْ في المسجد إلا التراب أو الرّمل، كما
كانت مساجدُهم في الصّدر الأول، فأما إذا كان في المسجدِ بُسْط، وما له بالٌ من
الحُصُرِ مما يفسده البصاق ويقذره، فلا يجوز احتراماً للمالية، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((البزاقُ في المسجد خطيئةٌ وكفّارتها دَفْنُها))) قال ابنُ مكّي: إنما
تكون خطيئةً لمن تفلَ فيه ولم يدفنه؛ لأنه يقذرُ المسجد، ويتأذَّى به مَن تعلّق به،
أو رآه كما جاء في الحديث الآخر: ((لئلا يصيبَ جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه)). فأمّا
من اضطر إلى ذلك فَدَفَن، وفَعَل ما أُمِر به، فلم يأتِ خطيئةً. وأصلُ التكفير:
التغطية، فكان دَفْنُها غطاءَ ما يتصوّر عليه من الذمّ والإثم لو لم يفعل. وهذا كما
سُمِّيت تحلةُ اليمين: كفارة، وليست اليمين بمأثم فتكفره، ولكن لمَّا جَعَلَها الشرعُ
فسحةً لعباده في حلّ ما عقدوه من أيمانهم ورَفْعها لحكمها سمّاها: كفّارة. ولهذا
جاز إخراجُها قبل الحنث، وسُقوط حكم اليمين بها على الأصح من القولين.