النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٣) كتاب الصلاة - (٣٤) باب: في سترة المصلي وأحكامها وفي روايةٍ: (مَنْ مَرَّ بينَ يَدَيْهِ)). رواه أحمد (١٦١/١ و١٦٢)، ومسلم (٤٩٩) (٢٤٢)، وأبو داود (٦٨٥)، والترمذي (٣٣٥)، وابن ماجه (٩٤٠). [٣٩٦] وعن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله وَ له سُئِلَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ عنْ سُترةِ المُصَلِّي فقالَ: ((كَمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ». رواه مسلم (٥٠٠) (٢٤٤)، والنسائي (٦٢/٢). [٣٩٧] وعن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ كانَ إذا خرجَ يومَ العِيدِ أَمَرَ بالحَرْبَةِ فَتُوضعُ بِينَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إليهَا، والنَّاس وراءَه. وكانَ يفعلُ ذلكَ فِي السَّفَرِ. فمَنْ ثَمَّ انَّخَذَها الأُمَرَاءُ. رواه أحمد (١٣/٢)، والبخاري (٤٩٨)، ومسلم (٥٠١) (٢٤٥)، وأبو داود (٦٨٧)، والنسائي (٦٢/٢)، وابن ماجه (٩٤١). وأنكر ابنُ مكي أن يقال: مقدم أو مؤخر بالكسر إلا في العين خاصة، وغيره بالفتح. ورواه بعضُ الرواة: (موَخّرة) بفتح الواو وشدّ الخاء. وقدر السترة عند قَدْر سترة مالك: الذراع في غلظ الرمح التفاتاً لهذا الحديث، وإلى صلاته وله إلى العَنَزَة، المصلي وهي من فضائل الصلاة ومُستحباتها عند مالك، وحكمتها: كفّ البصر والخاطر عمّا وراءها بذلك، ثم فيها كف عن دنو ما يشغله من خاطر، ومُنْصَرِف مشوِّش. وانفرد أحمد بن حنبل بإجزاء الخطّ سترة؛ لحديث رواه لم يصحّ عند غيره. وكونه ﴿ يعرضُ راحلته ويصلّي إليها دليلٌ على جَواز التستّر بما يثبتُ من الحيوان، وأنها ليست بنجسةِ البول ولا الرّوث، ولا يُعارِضُه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأنَّ المعاطنَ مواضعُ إقامتها عند الماء واستيطانها، وإذ ذاك تُكره الصلاة فيها، إما لشدّة زفورتها ونتنها، وإما لأنّهم كانوا يتخلون بينها متسترين بها. ١٠٢ (٣) كتاب الصلاة - (٣٤) باب: في سترة المصلي وأحكامها [٣٩٨] وعنه، قالَ: كانَ رسول الله وَّهِ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ وهو يُصَلِّي إِلَيْها . وفي روايةٍ: أنَّه عليه الصلاة والسلام صَلَّى إلى بعيرٍ . رواه أحمد (٣٠٦/٤)، والبخاري (٥٨٥٩)، ومسلم (٥٠٢)، وأبو داود (٦٨٨)، والنسائي (١ / ٨٧). [٣٩٩] وعن عَوْنِ بن أبي جُحيفةَ، عن أبيهِ، قالَ: أتيتُ النبيَّ وَلـ بمكّةَ وهو بالأَبْطَحِ في قُبَّةٍ له حَمْرَاءَ من أَدَمِ. قالَ: فخرجَ بلالُ بوَضُوئِه، فِمِنْ نَائِلٍ ونَاضِحٍ.َ قالَ: فخرجَ النبيُّ بِهِ عَلَيْه حُلَّةٌ حَمَرَاءُ، كأني أنظرُ إلى بَيَاضٍ سَاقَيْهِ. قَالَ: فَتَوضَّأَ. وأَذَّنَ بلالٌ. قالَ: فجعلتُ أتتبعُ فَاه ها هُنا وها هُنا، يقولُ: يميناً وشِمالاً. يقولُ: حَيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفَلاحِ. قالَ: ثم رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ، فتقدَّمَ فَصَلَّى الظهرَ ركعتينٍ، يمرُّ بِينَ و (قوله في حديث أبي جُحيفة: ((بالأبطح))) هو موضعٌ خارج مكة قريباً منها. والأدم: الجلد. والوَضوء بالفتح: الماء الذي يُتُوضّأ به، وبالضم: الفعل. وقد قيل: هما لغتان فيهما، والنائل: الآخذ، والناضح: المتمسح بالماء كما قال في الرِّواية الأخرى مُفَسَّراً به. و (قوله: ((فجعلت أتتبع فاه يميناً وشمالاً يقولُ: حيّ على الصلاة حيّ على استدارة المؤذِّن الفلاح))) حُجَّةٌ على جواز استدارةِ المؤذّن للإسماع؛ كما هو مذهبُ مالك، غير أن للإسماع الشافعيَّ، رحمه الله، يمنع من الاستدارةِ بجميع جسده، واختار ملازمةَ المؤذِّن القبلةَ، فإن استدارَ فبوجهه، كما جاء في ظاهِر هذا الحديث، والعَنَزة: الحربة. والحلة: كلُّ ثوبين لم يكونا لِفْقَيْن، كقميص ورداء، أو إزار ورداء. ١٠٣ (٣) كتاب الصلاة - (٣٤) باب: في سترة المصلي وأحكامها يَدَيْهِ الحِمارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ. ثم صَلَّى العَصْرَ ركعتينٍ، ثمَّ لم يزلْ يُصَلِّي ركعتينٍ، حتَّى رجعَ إلى المدينةِ . وفي روايةٍ: فرأيتُ النَّاسَ يَبْتَدِّرُون ذلكَ الوَضُوءَ، فمنْ أصابَ منه شيئاً تَمَسَّحَ به، ومن لم يُصِبْ منه أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحبهِ. ثمَّ رأيتُ بِلالاً أخرجَ عَنَزَةٌ فَرَكَزَها، وخرجَ رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حُلَّةِ حَمَرَاءَ مُشَمِّراً فَصَّلَّى إلى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكعتينٍ، ورأيتُ النَّاسَ والذَّوابَّ يَمُرُّونَ بينَ يدي العَنزَةِ. رواه أحمد (٣٠٨/٤)، والبخاري (٦٣٤)، ومسلم (٥٠٣) (٢٤٩ و ٢٥٠)، والترمذي (١٩٧)، والنسائي (٧٣/٢). [٤٠٠] وعن ابنِ عَبَّاس، قالَ: أقبلتُ راكباً على أتانٍ، وأَنا يومئذٍ قدْ نَاهَزْتُ الاحتلامَ، ورسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّ بالنَّاسِ بِمِنَّى. فمررتُ بينَ يَدَي و (قوله: ((بين يديه)) يفسره ما جاء في الرواية الأخرى ((بين يدي العنزة)) يريد: أمامها. وفي رواية: ((يمر من ورائها المرأة والحمار لا يمنع))) يعني: أمامها. ووراء من الأضداد كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] أي: أمامهم. واختلف هل سترةُ الإمام نفسها سترة لمن خلفه؟ أو هي سترة له خاصّة، والإمام سترتهم؟ وسيأتي الكلامُ على ما يقطعُ الصَّلاة. والأتان في حديثٍ ابن عباس: أُنثى الحمر، ويقال: حمار على الذّكر والأنثى، كما يقال: فَرَس على الذكر والأنثى. و (قوله: ((ناهزتُ الاحتلام))) يعني: قاربت. وهذا يُصحِّح قولَ الواقدي: إن النبي ﴿ توفي وابنُ عباس ابنُ ثلاث عشرة سنة. وقول الزبير بن بكار: إنه ولد بالشّعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وقد روى سعيد بن جبير أنَّ ابن عباس قال: توفي رسولُ اللهِوَ﴿ وأنا ابنُ [خمس عشرة سنة. قال ابنُ حنبل: وهذا هو ١٠٤ (٣) كتاب الصلاة - (٣٥) باب: مَنْع المصلي مَن مرَّ بين يديه الصَّفِّ، فنزلتُ فأرسلتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، ودخلتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلكَ عَلَيَّ أحدٌ. وفي رواية: بِمِنّى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، يُصَلِّي بالناس، قالَ: فسارَ الحِمَارُ بينَ يديْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثم نزلَ عنه، فصَفَّ معَ النَّاسِ. رواه أحمد (٣٤٢/١)، والبخاري (٤٩٣)، ومسلم (٥٠٤) (٢٥٤ و ٢٥٥)، وأبو داود (٧٠٣ - ٧١٧)، والترمذي (٣٣٧)، والنسائي (٢/ ٦٤ - ٦٥)، وابن ماجه (٩٤٧). (٣٥) باب مَنْع المصلي مَنْ مَرَّ بين يديه، والتَّغْلِيظ في المرور بين يدي المصلي [٤٠١] عن أبي صالح السَّمَّان، قالَ: بينَما أنَا مع أبي سعيدٍ يُصَلِّي يومَ الجُمعةِ إلى شيءٍ يسترُهَ مِنَ النَّاس، إذْ جاءَ رجلٌ شَابٍّ مِن بني أبي مُعَيْطٍ، أرادَ أن يجتازَ بينَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فَي نَحْرِهِ، فنظرَ فلم يَرَ مَساغاً إلا بينَ الصوابُ. وهذا يردُّ رواية مَن روى عنه: توفي النبي وَّ ر وأنا ابن](١) عشر سنين. و (قوله: ((ترتع))) أي: ترعى، يقال: رتعت الإبلُ، إذا رعت. تحريم المرور بين يدي المصلي (٣٥) [ومن باب: منع المصلي من مرَّ بين يديه](٢) (قوله في حديث أبي سعيد: ((فإن أبى فليدفع في نحره))) أي: بالإشارة (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص. ١٠٥ (٣) کتاب الصلاة۔ (٣٥) باب: مَنْ المصلي من مرَّ بین یدیه يديْ أبي سعيدٍ، فعادَ فدفَع في نحرِه أشدَّ مِن الدَّفْعَة الأُولى، فَمَثَلَ قَائِماً، فنالَ مِن أبي سَعيدٍ، ثمَّ زاحمَ النَّاسَ، فخرجَ، فدخلَ على مروانَ فشكا إليه مَا لقي. قالَ: ودخلَ أبو سعيدٍ على مَروانَ فقالَ له مروانُ: مَا لَكَ ولابنِ أخيكَ؟ جَاءَ يَشكوكَ. فقالَ أبو سعيد: سمعتُ رسولَ اللهِ له يقولُ: ((إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيءٍ يسترُه مِنَ النَّاس، فأرادَ أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يديْهِ، فليدفعْ في نَحْرِهِ، فإنْ أَبِى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّمَا هُو شَيْطَانٌ)). رواه أحمد (٦٣/٣)، والبخاري (٥٠٩)، ومسلم (٥٠٥) (٢٥٩)، وأبو داود (٦٩٧ و٧٠٠)، والنسائي (٦٦/٢)، وابن ماجه (٩٥٤). [٤٠٢] وعن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((إذَا كانَ أحدُكم يُصَلِّي فلا يَدَعْ أحَداً يمزُّ بِينَ يَدَيْهِ، فإنْ أَبَّى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ مَعَهُ القَرِيْنَ)). رواه أحمد (٨٦/٢)، ومسلم (٥٠٦)، وابن ماجه (٩٥٥). ولطيف المنع، ((فإن أبى فليقاتله)) معناه يزيدُ في دفعه الثاني، ويشتدّ في مدافعته ويُغْلِظ له؛ كما فَعَلَ أبو سعيد. وأجمعوا: على أنه لا يلزمه (١) مقاتلته بالسّلاح؛ لأن ذلك مخالفٌ لما عُلِمٍ من قاعدة الإقبال على الصَّلاة والاشتغال بها والسُّكون فيها؛ ولما عُلِم من تحريم دَم المسلم، وعِظَم حرمته، ولا يُلتفت لقول أخرقٍ متأخّر لم يفهمْ سراً من أسرار الشريعة، ولا قاعدة من قواعدها. و (قوله: ((فإنما هو شيطان))) أي: فِعْله فِعْل الشيطان إذا أبى إلا التشويش على المصلي. ويحتمل أن يكون معناه: أن الحامل على ذلك الفعل هو الشيطان. ويدلُّ عليه قولُه في حديث ابن عمر: ((فإن معه القَرِین)». (١) في (ل): لا يجوز. ١٠٦ (٣) كتاب الصلاة - (٣٥) باب: مَنْع المصلي مَن مرَّ بين يديه [٤٠٣] وعن أبي جُهَيْم الأَنْصَارِيُّ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َليِ: ((لو يَعْلَمُ المَارُّ بينَ يديْ المُصَلِّ مَاذَا عليهِ، لكانَ أنْ يقفَ أربعينَ خَيْراً له مِنْ أَنْ يَمُرَّ بینَ يَدْهِ». قال أبو النَّضْر: لا أَدري، قالَ: أربعينَ يوماً أَوْ شَهْراً أو سَنَّةً. رواه أحمد (١٦٩/٤)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (٥٠٧)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٦٦/٢)، وابن ماجه (٩٤٥). و (قوله في حديث أبي جهيم: ((لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلِّي ماذا عليه))) يعني: من الإثم والتّبعة ((لكان أن يقفَ أربعين))، وفي مسند البزار: ((أربعين خريفاً))(١). ورواه ابنُ أبي شيبة: ((لكان أن يقف مئة عام خير له))(٢) وكل هذا تغليظٌ يدلُّ على تحريم المرور بين يدي المصلي، فإن کان بين يدي المصلي سترة اختصّ المار بالإثم، وإن لم يكن المصلي في موضعٍ لا يأمن من المرور عليه اشتركا في الإثم. وهذا قولُ أصحابنا. (١) رواه البزار كما في مجمع الزوائد (٦١/٢). (٢) رواه ابن ماجه (٩٤٦) من رواية ابن أبي شيبة، وفي إسناده مقال. ١٠٧ (٣) كتاب الصلاة - (٣٦) باب: دنوّ المصلي من سترته (٣٦) باب دُنُوّ المصلي من سترته وما جاء فيما يقطع الصلاة [٤٠٤] عن سَهْلِ بن سَعْدِ السَّاعديِّ، قالَ: كانَ بينَ مُصَلَّى رسولِ اللهِ وَ﴿ه وبينَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. رواه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٥٠٨)، وأبو داود (٦٩٦). [٤٠٥] وعن سَلَمَةَ وهو ابنُ الأكْوع، أنَّه كانَ يَتَحَرَّى موضعَ مكانٍ المُصْحَفِ يسبِّح فيه، وذَكَرَ أنَّ رسولَ اللهَ وَّهِ كان يَتَحَرَّى ذلكَ المكانَ، وكانَ بينَ المِنبرِ والقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ. (٣٦) [ومن باب: دنو المصلي من سترته] (١) (قوله: ((كان بين مصلى رسول الله وَلجه وبين الجدار مَمَر الشاة))) هذا يدلُّ استحباب على استحباب القرب من السّترة كما قد جاء عنه نصاً: ((إذا صلى أحدُكم إلى سترة القرب من السترة فلیدن منها، لا يقطعُ الشیطانُ علیه صلاته))(٢). ذكره أبو داود، ولا يعارض حديث ممر الشاة بحديث صلاة النبي وَ له؛ إذ جعل النبيُّ وَله بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع؛ إذ قد حَمَل بعضُ شيوخنا حديثَ ممرّ الشاة على ما إذا كان قائماً، وحديث ثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد، ولم يحدّ مالك في ذلك حداً؛ إلا أن ذلك بقدر ما یرکیُ فیه ویسجد، ویتمكّن مِن دَفْع من مرَّ بیْنَ یدیه. وقد قدّرہ بعضُ الناس بقدر الشبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وآخرون بقدر ستة أذرع، وكلّ ذلك تحكمات. الصلاة إلى و (قوله في حديث ابن الأكوع: ((كان يتحرّى الصلاةَ عند الأسطوانة)))(٣) الأساطين وبينها (١) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص. (٢) رواه أبو داود (٦٩٥) من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه. (٣) هذه الرواية في صحيح مسلم (٣٦٥/١). ١٠٨ (٣) كتاب الصلاة - (٣٦) باب: دنوّ المصلي من سترته رواه أحمد (٥٤/٤)، ومسلم (٥٠٩) (٢٦٣). [٤٠٦] وعن أبي ذرٍّ، قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((إذَا قامَ أحدُكم يُصَلِّي فإنَّ يسترُه إذَا كانَ بينَ يديْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإذا لم يكنْ بينَ يديْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فإنَّه يَقْطَعُ صَلاتَهُ الحِمارُ والمَرْأةُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ))، قلتُ: يا أبَا ذَرًّ! ما بالُّ الكَلْبِ الأَسْوَدِ مِنَ الكَلْبِ الأَحْمَرِ مِنَ الكَلْبِ الأَصْفَرِ؟ قالَ: يا بنَ أَخي! سألتُ رسولَ اللهِ وَلّ كما سَأَلْتَني، فقالَ: ((الكلبُ الأسودُ شَيْطانٌ». رواه أحمد (١٥١/٥)، ومسلم (٥١٠)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٦٣/٢)، وابن ماجه (٩٥٢). يتحرى: يقصد ويتعمّد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأَوْلَتِكَ تَحَزَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أي: قصدوا، والأسطوانة: السارية، ولا خلافَ في جواز الصلاة إليها؛ إلا أنه يجعلها في حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد إليها صمداً، وكذلك قال النبي ◌َّه، وكذلك كان يفعلُ على ما رواه أبو داود، ولعلَّ هذا كان أوَّلَ الإسلام لقرب العهد بإلف عبادة الحجارة والأصنام، حتى تظهر المخالفةُ في استقبال السترة، لما كانوا عليه من استقبالهم تلك المعبودات، فأما الصَّلاةُ بين الأساطين فاختلف العلماءُ ومالك في إجازته وكراهيته إلا عند الضرورة، وعلّة المنع: أن الصفوفَ منقطعةٌ بالأساطين، ولأنه رُوي أنه مصلّى الجن المؤمنين. و (قوله: ((يقطع الصلاةَ الحمارُ والمرأة والكلب الأسود))) تمسّك بظاهر هذا طائفةٌ مِن أهل العلم، وقال ابنُ حنبل: يقطع الصلاةَ الكلبُ الأسود، وفي قلبي من لا يقطع الصلاة مرورُ شيءٍ بين الحمار والمرأة شيء. وذهب الجمهورُ إلى أنه لا يقطعُ الصلاةَ مرورُ شيءٍ بين يدي يدي المصلي [المصلي؛ لا هذه المذكورات ولا غيرها، متمسّكين بقوله عليه الصلاة والسلام: ١٠٩ (٣) كتاب الصلاة - (٣٦) باب: دنوّ المصلي من سترته [٤٠٧] وعن أبي هُريرةَ، قالَ رسولُ اللهِّهِ: ((يَقْطَعُ الصَّلاةَ المرأةُ والحِمَارُ والكَلْبُ، ويَقِي ذلكَ مِثْلُ مُؤْخِرَة الرَّحْلِ)). رواه أحمد (٤٢٥/٢)، ومسلم (٥١١)، وابن ماجه (٩٥١). ((لا يقطع الصلاة شيء)) (١) وهذا معين لتخصصه بأن النبيو # قد صلى وبينه وبين القبلة عائشة](٢)، وبمرور حمار ابن عباس بين يدي بعض الصف، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وبأنه عليه الصلاة والسلام لّما صلّى بمنى ورُكِزت له العَنَزة، كان الحمارُ والكلب يمرّان بين يديه لا يُمنعان، وظاهر هذا بينه وبين العنزة، وفي هذه المعارضة نظرٌ طويل، إذا حُقُّق ظهر به: أنه لا يصلح شيء من هذه الأحاديث لمعارضة الحديث الأول. و (قوله: ((الكلب الأسود شيطان))) حمله بعض العلماء على ظاهره وقال: إن الشيطان يتصوّر بصورة الكلاب السود، ولأجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((اقتلوا منها كلَّ أسودَ بهيم))(٣) وقيل: لما كان الكلبُ الأسود أشدَّ ضرراً من غيره وأشدَّ ترويعاً؛ كان المصلي إذا رآه اشتغلَ عن صلاته؛ فانقطعتْ عليه لذلك، وكذا تأوّل الجمهور قوله: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار)) فإن ذلك مبالغة في الخوف على قَطْعها وإفسادها بالشّغل بهذه المذكورات؛ وذلك أن المرأةَ تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروع فيتشوش المتفكّر في ذلك حتى تنقطعَ عليه الصلاةُ وتفسد، فلما كانت هذه الأمور تفيدُ آيلةً إلى القطع جعلها قاطعة، كما قال للمادح: ((قطعتَ عُنُقَ أخيك)) (٤) أي: فعلت به فعلاً يُخاف هلاكُه فيه كمن قطع عنقه. وقدذهب (١) رواه أبو داود (٧١٩) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. (٢) ساقط من (ع). (٣) رواه أحمد (٨٥/٤) من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. (٤) رواه أحمد (٥١/٥) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. ١١٠ (٣) كتاب الصلاة - (٣٧) باب: اعتراض المرأة بين يدي المصلي (٣٧) باب اعتراض المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة [٤٠٨] عن عروةَ، قالَ: قالتْ عائشةُ: مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ؟ قالَ: فقُلْنا: المَرْأة والحِمَار. فقالتْ: إنَّ المرأةَ لَدَابَّةُ سَوْءٍ! لَقَدْ رأيتُني بينَ يديْ رسولِ الله ◌َِّ مُعترضةً، كاعتراضِ الجِنازَةِ، وهو يُصَلِّي. وفي روايةٍ: فقالتْ عائشةُ: قد شَبَّهْتُمونَا بالحميرِ والكِلابِ، واللهِ لقدْ رأيتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يُصَلِّ وإِنِّي على السَّريرِ، بينَه وبينَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لي الحاجَةُ فأكرهُ أن أجلسَ، فأُوذي رسولَ اللهِّهِ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْد رِجْلَیْهِ. وفي رواية أخرى: لقد رأيتُني مُضْطَجِعَةً على السَّريرِ، فيجيءُ رسولُ اللهِ وَِّ، فَيَتَوَسَّطُ السَّريرَ، فَيُصَلِّي، فأكرهُ أن أَسْنَحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِن قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ، حتَّى أَنْسَلَّ مِن لِحَافِي. ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطعُ الصلاةَ إنما هي الحائضُ؛ لما تستصحبه من النجاسة(١). (٣٧) [ومن باب: اعتراض المرأة بين يدي المصلي] (٢) (قول عائشة: ((فأكره أن أسنحه))) أي: أظهر له. كما جاء في الرِّواية (١) نصَّ الإمام النووي أن هذه الأمور لا تُبطل الصلاة، وأن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر للشغل بها والالتفات إليها. انظر: المجموع (٢٥٠/٣). (٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول، وأثبتناه من التلخيص. ١١١ (٣) كتاب الصلاة - (٣٨) باب: الصلاة بالثوب الواحد على الحصير وفي أخرى، قالت: كنتُ أنامُ بِينَ يَدِيْ رسولِ اللهِ وَلِّ، ورِجْلاَيَ في قِبْلَتِه، فإذا سجدَ غَمَزِنِي فقبضتُ رِجْلَيَّ، وإذَا قامَ بَسَطتُهُما. قالتْ: والبيوتُ يومئذٍ ليسَ فيها مَصابِنْحُ. رواه أحمد (١٤٨/٦ و٢٢٥)، والبخاري (٣٨٢ و٥١٣)، ومسلم (٥١٢) (٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١ و٢٧٢)، وأبو داود (٧١١ - ٧١٤)، والنسائي (١٠١/١ - ١٠٢)، وابن ماجه (٩٥٦). (٣٨) باب الصلاة بالثوب الواحد على الحصير [٤٠٩] عن أبي هريرةَ، أنَّ سائِلاً سألَ رسولَ الله وَله عنِ الصَّلاةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ؟ فقالَ: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبانٍ؟». رواه أحمد (٢٣٩/٢ و٢٦٦)، والبخاري (٣٥٨)، ومسلم (٥١٥) (٢٧٥)، وأبو داود (٦٢٥)، والنسائي (٦٩/٢ - ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٧). الأُخرى: ((فأكره أن أجلسَ فأوذيه)» يقال: سَنَح لي الشَّيء: إذا اعترضَ لي، ومنه: السَّانحُ من الطير في عيافةِ العرب. و (قولها: ((فإذا سَجَدَ غَمَزني))) تعني: عضّني بيده. وذلك لعدم المصابيح، كما قالت، ولو كان هناك مصباحٌ لرأتْ سُجُودَه وقيامَه، ولما كان يحتاجُ إلى غَمْزها. (٣٨) ومن باب: الصلاة في الثوب الواحد (قوله: ((أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبان؟))) لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: التقريرُ والإخبارُ الصلاة في عن معهودِ حالهم، ويتضمَّنُ جوازَ الصَّلاة في الثوب الواحد. ولا خلافَ فيه إلا الثوب الواحد ١١٢ (٣) كتاب الصلاة - (٣٨) باب: الصلاة بالثوب الواحد على الحصير [٤١٠] وعنه، أنَّ رسولَ الله لَ ﴾ قالَ: ((لا يُصَلِّ أَحدُكُم في الثَّوْبِ الوَاحِدٍ ليسَ على عَاتِقِهِ منه شَيءٌ». رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦)، وأبو داود (٦٢٦)، والنسائي (٢/ ٧١). [٤١١] وعن عمرَ بن أبي سَلَمَةَ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلاً بهِ، في بيتٍ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعاً طَرَفَيْهِ عَلى عاتِقَيْهِ. وفي رواية: مُلْتَحِفاً، مُخَالِفاً بينَ طَرَفَيْهِ. رواه أحمد (٤/ ٢٧)، والبخاري (٣٥٦)، ومسلم (٥١٧)(٢٧٨ و ٢٨٠)، وأبو داود (٦٢٨)، والترمذي (٣٣٩)، والنسائي (٢/ ٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٩). شيء رُوي عن ابن مسعود، كما أنه لا خلافَ أنَّ الصلاةَ في الثوبين أو الثياب أفضل. و (قوله: ((لا يصلِّ أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء))) هذا لئلا يسقطَ فتنكشف عورته، إذا لم یتوشَّخ به فيضع طرفيه على عاتقیه، كما كان يفعلُ النبيُّ نَّهِ، وإن تكلّف ضَبْطه بيديه شغلهما بذلك، واشتغلَ به عن صلاته، وأيضاً فإذا لم يجعلْ على عاتقيه شيئاً من الثوب بقي بعضُ جسده عرياً، وذلك يباعد الزينةَ المأمورَ بها في الصَّلاة، وكذلك كُرِهَتِ الصلاةُ في السَّراويل وحدها أو المئزر؛ مع وجود غيرهما. وقد رُوي عن بعض السّلف أنه قال: لا تجزىء صلاةٌ مَن صلَّى في ثوبٍ واحد متّزراً به ليس على عاتقه منه شيء، أَخْذاً بظاهر هذا الحدیث. الصلاة في السراويل وحدها أو المئزر سَدْل الثوب في وكذلك اختلفوا في السّدل في الصّلاة، وهو إرسالُ ثوبه علیه من کتفیه إذا الصلاة ١١٣ (٣) كتاب الصلاة - (٣٨) باب: الصلاة بالثوب الواحد على الحصير [٤١٢] وعن أبي سعيد الخُذْرِيِّ، أنَّه دخلَ على النبيِّلَّهِ قَالَ: فرأيتُهُ يُصَلِّي على حَصِيرٍ يَسْجُدُ عليهِ. قالَ: ورأيتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحاً بهِ. وفي روايةٍ: وَاضِعاً طَرَفَيْهِ عَلى عَاتِقَيْهِ. رواه مسلم (٥١٩)، والترمذي (٣٣٢)، وابن ماجه (١٠٤٨). كان عليه مئزرٌ ولم يكن عليه قميص، وانكشفَ بطنه؛ فأجازه عبدُ الله بن الحسن، ومالك وأصحابه، وكرهه النّخعي وآخرون، إلا أن يكونَ عليه قميصٌ يسترُ جَسَدَهُ. وقد نحا إلى هذا أبو الفرج من أَصْحابنا، فقال: إنّ سَتْر جميع الجسد في الصّلاة لازم. وكذلك اختلف في صَلاة الرَّجل محلولِ الإزار وليس عليه إزارٌ؛ فمنعه صلاة الرجل أحمد، والشافعيُّ لعلَّة النظر لعورته، وأجاز ذلك مالك، وأبو حنيفة، والثوري، محلول الإزار أولیس عليه إزار وكافة أصحاب الرّأي، ولو تكلّف ذلك ورؤيته لعورته من أسفل الإزار. و ((التوشّح)) قال ابنُ السّكيت: هو أن يأخذَ طرفَ الثوب الذي ألقاه على معنى التوشح منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفَه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره. ١١٤ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض (٣٩) باب أول مسجد وضع في الأرض، وما جاء أن الأرض كلها مسجد [٤١٣] عن أبي ذَرٍّ، قالَ: سألتُ رسولَ اللهِوَّهِ عن أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرضِ؟ قالَ: ((المسجدُ الحَرَامُ)) قلتُ: ثمَّ أيٍّ؟ قالَ: ((المَسْجِدُ الأَقْصَى)) قلت: كم بينَهما؟ قالَ: ((أربعونَ عَاماً. ثم الأرضُ لكَ مَسْجِدٌ فَحَيْثُما أدركَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ)». (٣٩) ومن باب: أول مسجد وُضِع في الأرض (قوله: وقد سأله أبو ذرّ عن أول مسجدٍ وُضِع في الأرض: ((المسجد الحرام)») وهو مسجدُ مكّة. والمسجد الأقصى: هو مسجدُ بيتِ المقدس، وسُمِّي بالأقصى: لبعده عن الحجاز، أو لبعده عن الأقذار والخبائث، فإنه مقدّس، والمقدّس: المطهّر، ومنه: القَدْسُ: السّطل الذي يُستقى به الماء. و (قوله: ((أربعون عاماً)) وقد سُئِل عن مُدّة ما بينهما) فيه إشكالٌ، وذلك أنَّ مسجدَ مكة بناه إبراهيمُ بنص القرآن. إذ قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] الآية، والمسجد الأقصى بناه سُليمان عليه السلام كما خرّجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي وَال ◌َ: أنَّ النبي سليمان سليمانَ بنَ داود لما بنى بيتَ المقدس سأل اللهَ تعالى خِلالاً ثلاثة: سأل اللهَ تعالى سأل الله خِلالاً حُكْماً يصادفُ حُكْمَهُ؛ فأوتيه، وسأل اللهَ تعالى مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده؛ ثلاثة فأوتيه، وسأل اللهَ تعالى حين فرغ من بناء المسجد أَلَّ يأتيه أحد لا يَنْهَزُهُ إلا الصَّلاةُ فيه أن يُخْرِجَهُ من خطيئته كيوم ولدته أمُّهُ (١)، وبين إبراهيم وسليمان آمادٌ طويلة. (١) رواه النسائي (٣٤/٢). ومعنى ((ينهزه)): يحرّكه. ١١٥ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض رواه أحمد (١٠٥/٥ و١٥٦)، والبخاري (٣١٦٦)، ومسلم (٥٢٠)(٢)، والنسائي (٣٢/٢)، وابن ماجه (٧٥٣). [٤١٤] وعن جابرٍ بن عبدِ اللهِ الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((أُعطِيتُ خَمْساً، لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي. كانَ كُّ نبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قومِهِ خَاصَّةً، قال أهلُ التاريخ: أكثر من ألف سنة. ويرتفعُ الإشكالُ بأن يقالَ: الآية والحديث لا يدلان على أنَّ بناء إبراهيم وسليمان لما بنيا ابتداء وضعهما لهما، بل ذلك تجديدٌ لما كان أسّسه غيرهما وبدأه، وقد رُوي: أنَّ أولَ مَن بنى البيتَ آدم عليه السلام. فعلى هذا فيجوزُ أن يكونَ غيره مِن ولده وَضَعَ بيتَ المقدس بعده بأربعين عاماً، والله تعالى أعلم. [وفي الأم(١) قول إبراهيم التيمي: كنت أقرأُ على أبي القرآنَ في السُّدَّة، فإذا قرأتُ السجدةَ سَجَدَ فقلتُ: يا أبتِ! أتسجد في الطريق؟ ... الحديث) كذا صح ((السُّدَّة))، ورواه النسائي ((في السكة)) و((في بعض السكك)) وهذا هو المطابق لقوله: أتسجد على الطريق؟ لكن السدة هنا إنما عنى بها: سُدَّة الجامع، وهي الظلال التي حوله، ومنه سُمِّي إسماعيل السّدي لأن كان يبيع الخُمُر(٢) في سُدَّة الجامع، وكان التيميُّ يجلس فيها ويقرأ القرآنَ، فإذا جاءتِ السجدةُ سجد](٣). و (قوله في حديث جابر: (أعطيتُ خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي))، وفي حديث أبي هريرة: ستاً، وفي حديث حُذيفة: ثلاثاً) لا يظنُّ القاصدُ أنَّ هذا تعارض، وإنما يظن هذا مَن توهّم أن ذِكْرَ الأعداد يدلُّ على الحصر، وأنها لها (١) أي: في أصل صحيح مسلم (١/ ٣٧٠). (٢) الخُمُر: جمع خمار. (٣) ما بين حاصرتين ورد في الأصول في نهاية: باب: الصلاة في الثوب الواحد، وقد تمَّ وَضْعُه هنا لمناسبته. ١١٦ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض وبُعثتُ إلى كلّ أَحْمَرَ وأَسْوَدَ. وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائمُ، ولم تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وجُعلتْ لِيَ الأرضُ طَيَِّةً طَهُوراً ومَسْجِداً، فَأَيُّما رَجُلِ أدركتْه الصَّلاةُ صَلَّى حَيْثُ كانَ. ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ بينَ يديْ مَسِيرةٍ شَهْرٍ. وأُعْطِيْتُ الشَّفَاعَةَ». رواه أحمد (٣٠٤/٣)، والبخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، والنسائي (٢١٠/١ -٢١١). دليلُ خطاب، وكلّ ذلك باطل؛ فإن القائل: عندي خمسةُ دنانير - مثلاً - لا يدلُّ هذا اللفظُ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوزُ له أن يقولَ تارة أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن مَن عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة، فلا تناقضَ ولا تعارض. ويجوزُ أن يكونَ النبيُّ ﴿ ﴿ أُعْلِم في وقتٍ بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالست، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((وبُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود))) يعني: كافّة الخلق، كما قال معنى الحمران تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَاَفَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] والحمران: عنى بهم البيض والسودان وهم العجم، والسودان: العرب لغلبة الأدمةِ عليهم، وغيرهم لسوادهم. و (قوله: ((وجعلت لي الأرض طيبة طهوراً))) يعني: في التيمم، كما قد بيّنه في الحديث الآخر، وهو حُجَّةٌ لمالك في التيمم بجميع أنواع الأرض؛ فإنَّ اسمَ الأرض يشملُها، وكما أباح الصلاةَ على جميع أجزاءِ الأرضَ كذلك يجوزُ التيممُ على جميع أجزائها؛ لأنَّ الأرضَ في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمم يجوز التيمم واحدة، فكما تجوزُ الصلاةُ على جميع أجزائها كذلك يجوزُ التيممُ على جميع علی أجزاء الأرض جميع أجزائها، ولا يظنّ أن قولَه في حديث حُذيفة: ((وجُعلت تربتُها لنا طهوراً)) أنّ ذلك مُخَصِّصٌ له، فإن ذلك ذهولٌ من قائله، فإن التخصيصَ إخراجُ ما تناوله العمومُ على الحكم، ولم يُخْرِج هذا الخبر شيئاً، وإنما عيّن هذا الحديثُ واحداً مما تناوله الاسمُ الأول مع موافقته في الحُكْم، وصار بمثابةِ قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَخْلٌ ١١٧ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض [٤١٥] وعن حذيفةً، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((فُضِّلْنَا على النَّاسِ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فعيّن بعض ما تناوله اللفظُ الأولُ مع الموافقة في المعنى على جهة التّشريف، وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة. وإنما عيّنه لكونه أمكن وأغلب، فإن قيل: بل عَيّنه ليبيّن أنه لا يجوزُ التَّيَهُم بغيره، قلنا: لا نسلم ذلك، بل هو أولُ المسألة، ولئن سلمنا أنه يحتملُ ذلك فيحتملُ أيضاً ما ذكرناه، وليس أحدُ الاحتمالين أولى من الآخر، فليلحق اللفظ بالمجملات؛ فلا يكون لكم فيه حُجّة، ويبقى مالك متمسّكاً باسم الصَّعيد واسم الأرض، وأيضاً فإنا نقول بموجبه، فإنّ ترابَ كلّ شيءٍ بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السّباخ. و (قوله: ((طهوراً))) هذه البنية من أبنية المبالغة كقتول وضَرُوب، وكذلك قال في الماء، فقد سوّى بين الأرض والماء في ذلك. ويلزمُ منه: أنَّ التيممَ يرفعُ الحَدَثَ، وهو أحدُ القولين عن مالك، وليس بالمشهور. و (طيبة): طاهرة. وكذلك قوله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: طاهراً، وعلى هذا فلا يُفهم من قوله، طهوراً عين التطهير لغيرها، إذ قد وَصَفَها اللهُ بالطهارة في نفسها، ثم جعلها مطهرة لغيرها، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام. وقد قيل له: أنتوضَّأُ بماء البحر؟ فقال: ((هو الطّهور ماؤه))(١) أي: الذي يطهّركم مِنَ الحَدَثِ. و (قوله: ((ومسجداً)) أي: للصَّلاة. وهذا مما خصّ اللهُ به نبيَّه عليه الصلاة والسلام، وكانت الأنبياءُ قبله إنما أبيحُ لهم الصَّلاة في مواضعَ مخصوصة كالبِيَع والكنائس. (١) رواه أحمد (٢٣٧/٢)، وأبو داود (٨١)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١٧٦/١)، وابن ماجه (٣٨٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ١١٨ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض بثلاثٍ: جُعِلَتْ صفوفُنَا كصُفُوفِ الملائكة، وجُعِلَتْ لِنَا الأرضُ كُلُّها مَسْجِداً، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنَا طَهُوراً، إذَا لم نَجِدِ المَاءِ)) وذكرَ خَصْلَةً أخرى. رواه مسلم (٥٢٢). و (قوله: ((وأحلّت لي الغنائم))) هذا من خَصَائصه عليه الصلاة والسلام، الغنائم وإنما كانتِ الغنائمُ قبله تُجمع ثم تأتي نارٌ من السماء فتأكلها. ((والرعب)): الفزع. والشفاعةُ الخاصّةُ بالنبي ◌َّهِ: هي الشَّفاعةُ لأهلِ الموقف كما تقدَّم. مصیر قبلە ڑ﴾ و (قوله: ((وجُعِلت لنا الأرض كلّها مسجداً)) هذا العمومُ وإن كان مؤكّداً فهو مخصّص بنهيه ◌َّهِ عن الصَّلاة في معاطِن الإبل، كما جاء في الصَّحيح، وبما الأماكن المنهي جاء في كتاب التّرمذي من حديث ابنِ عمر: ((أن رسولَ اللهِ ◌ّ نهى أن يُصَلَّى في عن الصلاة فيها سبعة مواطن: في المَزْبلة، والمجزرةَ، وقارعة الطّريق، والمقبرة، وفي الحمّام، وفي مَعَاطِن الإبل، وفوقَ ظهرٍ بيت الله تعالى))(١). وقد كره مالكُ الصلاةَ في هذه المواضع، وأباحها فيها غيرُه، ولم يصحّ هذا الحديث عنده. واعتضد قائلُ الإباحة: بأن فضائلَ النبي ◌َِّ لا ينقصُ منها شيء ذلك: أن من فضائله وخَصَائصه أن جَعَل الأرض كلَّها مسجداً، فلو خصّص منها شيء لكان نَقْصاً في فضيلته وما خُصِّص به. قاله أبو عمر بن عبد البر. والصّحيحُ ما صار إليه مالك، من كراهة الصلاة في تلك المواضع، لا تمسّكاً بالحديث، فإنه ضعيفٌ؛ لكن تمسّكاً بالمعنى، وقد ذُكرت عللُ الكراهة في كتب أصحابه، فلتنظرْ هناك. ويُخْتَجُّ على أبي عمر بالنهي عن الصّلاة في معاطِن الإبل وفي القبور؛ فإنَّ الحديثَ في ذلك صحيح، وتُمنع الصلاةُ في المواضع النّجسة، فإن قال: ذلك (١) رواه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجه (٧٤٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ((المجزرة)): الموضع الذي يُنحر فيه الإبل، ويُذبح فيه البقر والشاء. ((معاطن الإبل)): أي: مباركها حول الماء. ١١٩ (٣) كتاب الصلاة - (٣٩) باب: أول مسجد وُضِع في الأرض [٤١٦] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((فُضِّلْت على الأنبياءِ بِسِتُّ: أُعطيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ ليَ الغَنَائِمُ، وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ طَهُوراً ومَسْجِداً، وأُرْسِلْتُ إلَى الخَلْقِ كافَّةٌ، وخُتِمَ بيَ الشَّيُّونَ)). رواه مسلم (٥٢٣) (٥). [٤١٧] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((بُعِثْتُ بجوامع الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وبَيْنا أَنَا نَائِمٌ أُتيتُ بمفاتيحِ خَزَائِ الأَرْضِ فَوُضَعَتْ فَي يَدَيَّ)». للنجاسة العارضة؛ قلنا: وكذلك كراهةُ الصَّلاة في تلك المواضع لعللٍ عارضةٍ، والله أعلم. و (قوله: ((وذكر خصلة أخرى))) ظاهِرُه: أنه ذكر ثلاثَ خصالٍ، وإنما هما اثنتان، كما ذكر؛ لأن قضيةَ الأرض كلّها خصلة واحدة، والثالثة التي لم يذكرها بيّنها النسائي من رواية مالك(١) بسنده فقال: ((وأوتيت هذه الآيات: خواتم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطاهنّ أحدٌ بعدي))(٢). و (قوله: ((أعطيت جوامع الكَلِم))) قال الهروي: يعني: القرآن، جَمَعَ اللهُ في الألفاظ اليسيرة منه معانيَ كثيرةً، وكذلك كان ◌َله يتكلّم بألفاظ يسيرةٍ تحتوي على معنى: جوامع معانٍ كثيرة. الكلم و (قوله: ((وبينما أنا نائمٌ أُتيت بمفاتيح خزائنِ الأرضِ فَوُضِعَتْ في يدي))) أَُّ ◌ّ ملكت هذه الرؤيا أوحى اللهُ تعالى فيها لنبيه عليه الصَلاة والسلام أنَّ أمته ستملكُ الأرضَ، الأرض وظهر دینها (١) في السنن الكبرى للنسائي: أبو مالك الأشجعي. (٢) رواه النسائي في السنن الكبرى (٨٠٢٢) من حديث حذيفة رضي الله عنه. ١٢٠ (٣) كتاب الصلاة - (٤٠) باب: ابتناء مسجد النبي ﴾ قال أبو هريرة: فذهبَ رسولُ اللهِ وَّهِ وأنتم تَنْتَئِّلُونَها. رواه أحمد (٢٦٤/٢ و٤٥٥)، والبخاري (٦٩٩٨)، ومسلم (٥٢٣) (٦)، والترمذي (١٥٥٣)، والنسائي (٣/٦ -٤). (٤٠) باب ابتناء مسجد النبي وَل ـ [٤١٨] عن أنس بن مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ قَدِمِ المدينةَ فنزلَ في عُلْوِ المدينةِ، في حَيٍّ، يُقال لهم: بنو عَمْرو بنِ عَوْفٍ. فأقامَ فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً، ثم إنَّه أرسلَ إلى ملأ بني النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِينَ بسُيوفِهم، ويتسع سلطانُها، ويظهر ديْنُها، ثم إنه وَقَع ذلك كذلك، فملكت أمَّتُه من الأرض ما لم تملكه أمةٌ من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته وَآر، ووجه مناسبة هذه الرؤيا: أن مَن ملك مفتاحَ المغلَق فقد تمكَّن مِن فَتْحه، ومن الاستيلاء على ما فيه. و (قوله: ((وأنتم تنتثلونها))) أي: تستخرجونَ ما فيها من الكُنُوز والمنافع؛ من قولهم: نثل كنانته: إذا استخرج ما فيها من السهام، والله أعلم. (٤٠) ومن باب: ابتناء مسجد النبي ◌َّ لـ ((الملأ)»: أشراف القوم وساداتهم. سمّوا بذلك: لأنهم أملياء بالرأي والغنى. بنو النجار وبنو النجار: قبيلةٌ من الأنصار وهم أخوالُ النَّبِي ◌َّهِ، وذلك: أنَّ هاشماً تزوَّج أخوال النبي ﴾ امرأةً من بني النجار تسمَّى: سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النّجار، فولدت له عبد المطلب بن هاشم: فمن هنا كانوا أخوالَ النَّبِي وَلِ .