النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٣) كتاب الصلاة - (١١) باب: الصلاة على النبي ﴾
وبَارِكْ عَلى مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما بَارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، في
العالمينَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ،
ـنَعُ رَحْلَه فامنَغْ حِلالك
لا هُمّ إن العَبْدَ يَغْ
ـبٍ وعابِدِيهِ اليومَ آلَك(١)
وانْصُر على آلِ الصَّليـ
وقال قدامة :
وَآلِي كَما تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكا(٢)
أَنَا الفارسُ الحامِي حقيقةً والدي
وغير ذلك من كلام العرب، وهو کثیر.
و (قوله: ((وبارك))) من البركة، وهي هنا: الزّيادة من الخير والكرامة. معنى: وبارك
وأصلها: من البروك. وهو الثبوتُ عل الشيء، ومنه: بركت الإبل. ويجوز أن
تكون البركةُ هنا بمعنى: التطهير، والتزكية؛ كما قال تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَكَتُهُ.
عَلَيْكُوْ أَهْلَ أَلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. ثم اختلف أربابُ المعاني في فائدة قوله: ((كما
صليت على إبراهيم وآل إبراهيم)) على تأويلات كثيرةٍ؛ أظهرها: أنَّ النبيَّ وَلِّ سأل
ذلك لنفسه، وأهل بيته؛ لتتمّ النعمةُ عليهم والبركة، كما أتمّها على إبراهيم وآله.
وقيل: بل سأل ذلك لأمته لِيُثابوا على ذلك، وقيل: ليبقى له ذلك دائماً إلى يوم
الدّين، ويجعل له به لسانَ صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم. وقيل: كان
ذلك قبل أن يعرفَ عليه الصلاة والسلام بأنه أفضلُ ولد آدم. وقيل: بل سأل أن
يصلِّيَ عليه صلاةً يتّخذه بها خليلاً؛ كما اتّخذ إبراهيمَ خليلاً(٣). وقد أجابه اللهُ
واتّخذه خليلاً. كما جاء في الصحيح: ((لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر
(١) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٥١).
(٢) انظر: جلاء الأفهام لابن القيم ص (١٦١).
(٣) من (ل).

٤٢
(٣) كتاب الصلاة - (١١) باب: الصلاة على النبي الإلو
والسَّلام كَما قدْ عَلِمْتُم».
خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن))(١). وقد جاء: أنه حبيب الرحمن. ذكره
الترمذي(٢)، فهو الخليلُ، وهو الحبيب. وقد اختلف العلماءُ أيّهما أشرف؟ أو هما
سواء؟ واختلف: هل يُدعى للنبي وَّه بغير الصّلاة والسلام؛ فيقال مثلاً: ((اللهم
ارحم محمداً، أو اغفر لمحمد)» أو لا يقال ذلك؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى
منع ذلك. وأجاز ذلك أبو محمد بن أبي زيد. والصَّحيحُ جوازه. فقد جاء ذلك في
أحاديث كثيرة. واختلف: هل يُصلّى على غير الأنبياء فيقال: ((اللهم صَلّ على
فلان))؟ فكره ذلك مالكٌ، لأنه لم يكن من عمل مَن مضى، بل ذُكر عن مالك رواية
شاذة: أنه لا يصلّى على أحدٍ من الأنبياء سوى محمد مَّ﴾، وهي متأوّلة عليه؛ بأنا
لم نُتَعَبَّد بالصّلاة على غيره من الأنبياء. وذهبت طائفةٌ إلى جواز ذلك على
المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله
عليه الصلاة والسلام: ((اللهم صلّ على آل أبي أوفى))(٣). وانفصل الفريقُ الآخر:
بأن هذا صَدَر من الله ورسوله، ولهما أن يقولا ما أرادا بخلاف غيرهما، الذي هو
محكومٌ عليه. والذي أراه ما صار إليه مالك؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ
بَيْنَعَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. وينضاف إلى ذلك: أنَّ أهلَ البدع قد
اتّخذوا ذلك شِعاراً في الدّعاء لأئمتهم، وأمرائهم؛ ولا يجوز التشُّهُ بأهل البدع.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((والسلام كما قد علمتم))) رويناه مبنياً للفاعل والمفعول،
فالفاعل: هم العالمون، وللمفعول هم المفلحون من جهته وَ له بالتشهد وغيره،
ويعني بذلك: قوله في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)).
(١) رواه أحمد (٣٧٧/١، ٤٣٣)، ومسلم (٢٣٨٣)، والترمذي (٣٦٥٦)، وابن ماجه (٩٣)
من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٢) رواه الترمذي (٣٦١٦) بلفظ: ((أَلَا وأنا حبيب الله)) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) رواه أحمد (٣٥٣/٤ و٣٥٤)، والبخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود
(١٥٩٠)، والنسائي (٣١/٥)، وابن ماجه (١٧٩٦) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.

٤٣
(٣) كتاب الصلاة - (١١) باب: الصلاة على النبي #
رواه أحمد (٤١٨/٤) و(٢٧٤/٥)، ومسلم (٤٠٥) (٦٥)، وأبو داود
(٩٨٠ - ٩٨١)، والترمذي (٣٢١٨)، والنسائي (٤٥/٣ -٤٦).
[٣٢١] وعن ابن أبي لَيْلَى، قَالَ: لَقِيَتِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ، قالَ: أَلَا
أُهْدِي لكَ هَدِيَّةً؟ خرجَ علينا رسولُ اللهِّهِ، فَقُلْنا: قد عَرَفْنا كيفَ نُسلِّم
عليكَ، فكيفَ نُصَلِّي عليك؟ قالَ: ((قولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ
مُحمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَاركْ على
مُحمَّدٍ وعَلى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
رواه أحمد (٢٤١/٤ و٢٤٤)، والبخاري (٣٣٧٠)، ومسلم
(٤٠٦) (٦٦)، وأبو داود (٩٧٦)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي (٤٧/٣)،
وابن ماجه (٩٠٤).
[٣٢٢] وعن أبي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ، أنَّهم قَالُوا: يا رسولَ اللهِ! كيفَ
نُصَلِّي عليكَ؟ قالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وعَلى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ،
كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ. وبَارْ على مُحَمَّدٍ وعلى أزواجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَما
بَارَكْتَ على آلِ إِبْراهيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .
رواه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)،
والنسائي (٤٩/٣)، وابن ماجه (٩٠٥).
[٣٢٣] وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَِّ قالَ: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ
وَاحِدَةٌ صَلَّى اللهُ عليهِ عَشْراً).
رواه أحمد (٣٧٢/٢ و٤٨٥)، ومسلم (٤٠٨)، وأبو داود
(١٥٣٠)، والترمذي (٤٨٥)، والنسائي (٥٠/٣).

٤٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٢) باب: التحميد والتأمين
(١٢) باب
التَّحْميد والتَّمِين
[٣٢٤] عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((إذَا قال الإمامُ:
سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه، فقُولوا: اللهُمَّ رَبَّنا لكَ الحمدُ. فإنَّه مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ
المَلائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
رواه البخاري (٧٩٦)، ومسلم (٤٠٩)، وأبو داود (٨٤٨)،
والترمذي (٢٦٧)، والنسائي (١٩٦/٢).
(١٢) ومن باب: التحميد والتأمين
حُكْم التأمين
(قوله: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)))
طاهِرُ هذا الحديث يقتضي: أن الإمامَ لا يقولُ: ربّنا ولك الحمد، وهو مشهورُ
مذهبٍ مالك، وذهب الجمهور، ومالك في رواية ثانية: إلى أن الإمام يقولها.
وكذلك الخلافُ في التأمين. وقد تمسّك الجمهور في التأمين بقوله: ((إذا أمّن
الإمام فأمِّنوا)) وما في معنى هذا، وقد اتّفقوا على أنَّ الفذَّ يُؤْمِّن مطلقاً، والإمام
والمأموم فيما يسران فيه يؤمّنان سراً، وحيث قلنا: إن الإمامَ يؤمّن؛ فهل يؤمّن سراً
أو جهراً؛ فذهب الشافعيُّ وفقهاءُ الحديث: إلى الجهر بها، وذهب مالك
والکوفیون إلى الإسرار بها.
و (قوله: ((مَن وافق قولُه قولَ الملائكة))) يعني في وقت تأمينهم ومشاركتهم
في التأمين، ويعضده قوله: ((وقالت الملائكة في السماء: آمين)). وقيل: مَن وافق
الملائكةَ في الصّفة مِن الإخلاص والخُشُوعِ. وهذا بعيدٌ، وقيل: مَن وافقَ الملائكة
في استجابة الدعاء غُفِر له. وقيل: في الدّعاء، أي: في لفظ الدعاء. والوجهُ الأول

٤٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٢) باب: التحميد والتأمين
[٣٢٥] وعنه، عَنْ رسولِ اللهِ وَّ قالَ: ((إذَا أَمَّنَ الإمامُ فَأَمِّنُوا، فإنَّه
مَنْ وافقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِيْنَ المَلائِكَةِ غُفِرَ له مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
قال ابنُ شِهَابٍ: كانَ رسولُ اللهِ وَِّ يقولُ: ((آمِين)).
وفي روايةٍ: ((إذا قالَ أَحَدُكم آمينَ والمَلائِكَةُ في السَّماءِ آمِين،
فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُما الأُخْرَى غُفِرَ له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
وفي أخرى: ((إذَا قالَ القارىءُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِينَ﴾ فقالَ مَنْ خلفَه: آمِين، فوافقَ قولُه قولَ أَهْلِ السَّماءِ، غَفِرَ له
ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
رواه أحمد (٤٥٩/٢)، والبخاري (٦٤٠٢ و ٧٨٠)، ومسلم
(٤١٠) (٧٢ و٧٥ و٧٦)، وأبو داود (٩٣٤ - ٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)،
والنسائي (١٤٣/٢ - ١٤٤)، وابن ماجه (٨٥١).
أظهرُ. ثم هؤلاء الملائكة؛ هل هم الحفظةُ أو غيرهم؟ اختُلِفَ فيه: والثاني أولى؛
لقوله: «قالت الملائكةُ في السماء: آمين».
و (قوله: ((إذا قال الإمامُ: ولا الضالّين؛ فقولوا: آمين))) دليلٌ على تعيين
قراءة الفاتحة للإمام، وعلى أنَّ المأمومَ ليس عليه أن يقرأها فيما جَهَر به إمامُه.

٤٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٣) باب: إنما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به
(١٣) باب
إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به
[٣٢٦] عن أنس بن مالكِ، قالَ: سقطَ النبيُّونَ ﴿ْ عَنْ فَرَس،
فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيمنُ، فدخلْنا عليه نَعُودُه، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصلَّى بِنا
قَاعِداً، فصَلَّيْنَا وراءَه قُعُوداً، فلمَّا قضَى الصَّلاةَ قالَ: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ
لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا سَجَدَ فاسْجُدوا، وإذَا رفعَ فَارْفَعُوا، وإذَا
قالَ: سَمِعَ الله لمنْ حَمِدَه، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولكَ الحمدُ، وإِذَا صَلَّى قَاعِداً
فصَلُوا قُعُوداً أَجْمَعُونَ)).
رواه أحمد (١٦٢/٣)، والبخاري (٣٨٩)، ومسلم (٤١١) (٧٧)،
وأبو داود (٦٠٣ و٦٠٤)، والنسائي (١٤١/٢ - ١٤٢).
(١٣) ومن باب: إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به
(قوله: ((فَجُحِش شقّه الأيمن))) الجحش: الخدش. وقيل: فوقه. والشق:
الجانب.
و (قوله: ((فصلى جالساً، وصلينا وراءه جلوساً): وفي الحديث الآخر:
(إنهم صلوا قياماً، فأشار إليهم: أن اجلسوا)) وَجْهُ الجمع أنه كان منهم من صلَّى
جالساً فأخبر عنه أنس، وكان فيهم مَن صلى قائماً فأخبرت عنه عائشة. واختلف:
هل كان في صلاة الفرض أو النفل؟ والظَّاهر: أنه كان في صَلاة الفرض، لقوله:
((فحضرتِ الصلاةُ)، وهي للعهد ظاهِراً، ولما تقرّر من عادتهم؛ أنهم ما كانوا
يجتمعون للنّوافل، وقد أشار ابنُ القاسم: إلى أن ذلك كان في النافلة.
ثم اختلف العلماءُ في الاقتداء بالإمام الجالس على ثلاثة أقوال:
الاقتداء بالإمام
الجالس

٤٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٣) باب: إنما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به
[٣٢٧] وعن عائشةَ نحوَه، إلَّا أنَّ فيهِ: إنَّهم صَلَّوا بصَلاتِهِ قِيَاماً،
فأشارَ إليهم أنِ اجْلِسُوا فَجَلَسُوا، فلمَّا انصرفَ قالَ: ((إنما .... )) وذكرَه.
رواه أحمد (٥١/٦ / ١٤٨)، والبخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢)
(٨٢)، وأبو داود (٦٠٥)، وابن ماجه (١٢٣٧).
[٣٢٨] وعن جَابٍ، قالَ اشتكى رسولُ اللهِوَلَه، فصلَّيْنا وراءَه، وهو
قَاعِدٌ، وأبو بكرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تكبيرَه. قالَ: فالتفتَ إلينا فراَنَا قِيَاماً، فأشارَ
أولها: قول أحمد بن حنبل ومَن تابعه، وهو أنه يجوزُ صلاةُ الصحيح جالساً
خلف المريض جالساً، متمسّكاً بهذا الحديث.
وثانيها: قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وزفر، والأوزاعي،
وأبي ثور، وداود؛ وهو: أنه يجوزُ أن يقتديَ القائمُ بالقاعد في الفريضة وغيرها،
وقد رواها الوليدُ بن مسلم عن مالك، مُتمسّكين بحديث عائشة الآتي، وبأن
النبيَّ ◌َّه كان الإمام. وأن حديثَ أنس متقدّم، وهو منسوخٌ بصلاة النَّبي ◌َّ في
مرضه الذي تُوفّي فيه وبأن كلّ واحدٍ عليه أن يصلي كما يقدر عليه.
وثالثها: قول مالك في المشهور عنه، وعن أصحابه؛ أنه لا يجوزُ أن يؤمّ
أحدٌ جالساً - وإن كان مريضاً - بقوم أصحاء قيام ولا قعود. وإليه ذهب محمد بن
الحسن، مُتْمسِّكين بقول النّبي ◌َّهِ: ((لا يؤمّنْ أحدٌ بعدي قاعداً) (١) وهذا الحديث
ذكره الدار قطني - من حديث جابر بن يزيد الجعفي - وهو متروك، عن الشعبي: أن
رسولَ الله ◌َ ي﴿ قال ذلك. وهو مرسل، وقد رواه مجالد عن الشعبي، ومجالد
ضعيف. وفي حديث أنس دليل لمالك وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة الماموم المأموم بصلاة
بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها. وسيأتي.
(١) رواه الدار قطني (٣٩٨/١).
ارتباط صلاة
الإمام

٤٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٣) باب: إنما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به
إلينا فَقَعَدْنَا، فصَلَّيْنا بصلاتِهِ قُعُوداً، فلمَّا سَلَّمَ قالَ: ((إنْ كِذْتُمْ آنِفاً تَفْعَلُونَ
فِعْلَ فَارِسَ والرُّومِ، يَقُومُونَ على مُلوكِهم وهُم قُعُودٌ، فلا تَفْعَلُوا. ائْتَقُوا
بِأَئِمَّتِكُم، إنْ صَلَّىَ قَائِماً فصَلُّوا قِيَاماً، وإنْ صَلَّى قَاعِداً فصَلُوا قُعوداً».
رواه أحمد (٣٣٤/٣)، ومسلم (٤١٣)، وأبو داود (٦٠٢)،
والنسائي (٩/٣).
[٣٢٩] وعن أبي هُريرةَ، قالَ كانَ رسولُ اللهِلَّهِ يُعَلِّمُنا، يقولُ:
(لا تُبَادِرُوا الإِمامَ، إذا كَبَّرَ فكبِّرُوا، وإذَا قالَ: ﴿ولا الضَّالِّين﴾ فقُولُوا:
آمين، وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ - فقُولوا: اللَّهُمَّ
رَبَّنا لكَ الحمدُ».
وزادَ في روايةٍ: ((ولا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ)).
رواه مسلم (٤١٥).
و (قوله: ((إن كدتم آنفاً تفعلون فِعْل فارس والروم، يقومون على ملوكهم
منع قيام
الرجال على وهم قعود)») تنبيهٌ على أنّ تعليلَ منع القيام لما يؤدي إليه من التشبّه بأفعال
رؤوس
المتكبّرين، فمنع على هذا التعليل أن يقومَ الرجالُ أو المماليكُ على رؤوس
أصحاب
المراتب
الملوك، أو الأمراء، أو الرؤساء، أو العلماء لما يؤدِّي إليه.

٤٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٤) باب: استخلاف الإمام إذا مرض
(١٤) باب
استخلاف الإمام إذا مرض،
وجواز ائتمام القائم بالقاعد
[٣٣٠] عن عائشةَ، قالتْ: ثَقُلَ النبيُّ وَهِ فقالَ: ((أَصلَّى النَّاسُ؟»
قُلْنا: لا، وهُمْ ينتظرونَكَ يا رسولَ اللهِ! قالَ: ((ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَبِ))
ففعلنَا، فاغتسلَ، ثم ذهبَ لِيَنُوءَ، فَأُغْمِيَ عليهِ، ثم أفاقَ، قالَ: ((أَصلَّى
النَّاسُ؟)) قلنَا لَ وهم ينتظرونَكَ يا رسولَ اللهِ! قالَ: ((ضَعُوا لي ماءً في
المِخْضَبِ)) ففعلنَا، فاغتسلَ، ثم ذهبَ لِيَنُوءَ فأُغْمِيَ عليه، ثم أفاقَ قالَ:
((أَصَلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنا: لا وهُم ينتظرونَكَ يا رسولَ الله! فقالَ: ((ضَعُوا لي
ماءً في المِخْضَبِ)) ففعَلْنا، فاغتسلَ ثم ذهبَ لِيَنُوءِ فَأُغْمِيَ عليهِ، ثم أفاقَ،
قالَ: ((أَصلَّى النَّاسُ؟)) قُلْنا: لا وهُم ينتظرونَك يا رسولَ اللهِ! قالتْ: والنَّس
عُكُوفٌ في المَسْجِدِ ينتظرونَ رسولَ اللهِ وَهْ لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ. قالتْ:
فأرسلَ رسولُ اللهِ وَهِ إلى أبي بَكْرِ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاس. فأتَاهُ الرسولُ فقالَ:
إِنَّ رسولَ الله وَلهَ يأمرُك أنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاس فقالَ أبو بكر وكانَ رَجُلاً رقيقاً:
1
(١٤) ومن باب: استخلاف الإمام
((المخضب)) مثل الإجّانة والمركن(١). وهي القصرية. و((لينوء)): ليقوم
وينهض. ((وعكوف)): ملتزمون المسجد، مجتمعون.
واستدعاء الماء بعد الإغماء، يدلُّ على أنَّ الإغماء ينقضُ الطهارة، كما هو الإغماء ينقض
متفق عليه، وهذا على أن يكونَ الغسلُ هنا يُراد به الوضوء، والله أعلم.
الطهارة
و (قوله: ((وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً)) أي: رقيق القلب، كثير الخشية،
(١) ((الإجّانة)): وعاء تُغسل فيه الثياب، ومثله: المركن.

٥٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٤) باب: استخلاف الإمام إذا مرض
يا عمرُ! صَلِّ بالنَّاسِ. قالَ: فقالَ: أنتَ أَحَقُّ بذلكَ. قالتْ: فصلَّى بهم
أبو بَكْرِ تلكَ الأَيَّامَ، ثمّ إنَّ رسولَ الله ◌ِوَّهِ وجدَ من نفسِه خِفَّةً، فخرجَ بينَ
رَجُلَيْنِ، أحدُهما العبَّاسُ، لِصَلاةِ الظُّهْرِ، وأَبُو بكرٍ يُصَلٍَّ بِالنَّاسِ، فلمَّا رَآهُ
أبو بكر ذهبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْماً إليهِ النبيُّ ◌َ﴿ِ أنْ لا يَتَأَخّرَ، وَقَالَ لهما:
((أَجْلِسَاني إلى جنبِه)) فَأَجلسَاه إلى جَنْبٍ أبي بَكْرٍ، وكانَ أبو بكر يُصَلِّي وهُو
قَائِمٌ بِصلاةِ النبيِّ ◌َّهِ، والنَّاسُ يُصَلُونَ بِصلاةِ أبِي بَكْرٍ والنبيُّ نَِّ قاعد.
قال ابن عبّاس: الرَّجُلُ الذي لم تُسَمِّهِ هو عليٍّ - رضي الله عنه -.
وفي روايةٍ قالتْ: أَوَّلُ ما اشْتَكى رسولُ اللهِنَّهِ فِي بيتٍ ميمونةَ
فاستأذنَ أزواجَه أنْ يُمَرَّضَ في بيتِها - يعني بيتَ عائشةَ - فَأَذِنَّ له. قالتْ:
فخرجَ ويَدٌ لَهُ على الفَضْلِ بنِ العِبَّاسِ، ويَدْ لَهُ على رَجُلٍ آخَر، وهُو يَخُطُّ
برجليه في الأرضِ.
وعنها، قالت: لما ثَقُلَ رسولُ اللهِ وَهِ جاءَ بلالٌ يُؤْذِنُه بِالصَّلاة فقالَ:
(مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس)) قالتْ: فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ
أَسِيفٌ، وإِنَّه متى يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسمِعِ النَّاس، فلو أَمَرت عُمَرَ؟ قالَ: ((مُروا
أبا بَكْرٍ فليُصَلِّ بالنَّاس)) فقلتُ لحفصةَ: قُولَي إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أسيفٌ، وإنَّه
متى يقمْ مقامُكَ لاَ يُسمع النَّاسَ، فلو أمرتَ عمرَ؟ فقالتْ له، فقالَ
سريع الدمعة، وهو الأسِيفُ أيضاً في الحديثِ الآخرِ، فإن الأسفَ: الحزن، وحالةُ
الحزين غالباً الرقة. والأسيفُ في غير هذا: العبد. والأسيف أيضاً: الغضبان.
للمستخلف أن وقول أبي بكر لعمر: صلّ بالناس. بعد أن أمره النبي وَّهِ بالصلاة، دليلٌ: على أنّ
يستخلف
للمستخلَف أن يستخلف.

٥١
(٣) كتاب الصلاة - (١٤) باب: استخلاف الإمام إذا مرض
رسول الله وَله: (إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس))
قالتْ: فأمَرُوا أبا بكر، فصلَّى بالنَّاس. قالتْ: فلما دخلَ في الصَّلاة وجدَ
رسولُ اللهِ ﴾ من نفسِه خِفَّةً، قالَتْ فقامَ يُهادَى بينَ رَجُلَيْنِ، ورِجْلاهُ
و (قوله: ((يُهادى بين رجلين))) التهادي: هو المشي الثقيل. مع التّمايل يميناً
وشمالاً. واختلف العلماءُ فيمن كان الإمام: هل النَّبِيِ ﴿ أو أبو بكر؟ وسَبَبُهُ
اختلافُ الأحاديث المروية في ذلك. ففي حديث عائشة ما ينص: على أنَّ
النبيَّ ◌َ ر كان الإمام، وأن أبا بكر كان يقتدي بصلاة رسول الله صلے، ويقتدي الناسُ
بصلاة أبي بكر. وروى الترمذي عن جابر: أنَّ آخرَ صلاةٍ صلَّها رسولُ الله ◌ِ ◌ّر في
ثوبٍ واحدٍ متوشّحاً به خلف أبي بكر(١)، وصححه. وكذلك اختلفتِ الرواياتُ:
هَلَ قَعَد النبيُّ ◌َ ﴿ عن يسار أبي بكر أو عن يمينه؟ وليس في الصَّحيح ذِكْرٌ
لأحدهما. وقد ذهب بعضُ المتأخرين إلى الجمع بين الحديثين؛ بأنّ ذلك كان في
صلاتين كان النبيُّ وَّر إماماً في إحداهما، مأموماً في الأخرى، وهو محتملٌ لو كان
هناك نقل يعضده. وحديث سهل بن سعد حُجَّةٌ في الاستخلاف وجوازه - وهو
أصلٌ في الباب. وهو دليلٌ على داود والشافعي في منعه الاستخلاف - وعلى أن
الصَّلاةَ تصحُّ بإمامين بغير عذر. وأجازها الطبري، والبخاري، وبعضُ الشافعية
استدلالاً بهذا الحديث.
واستئذانه ﴿ نساءه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة تطييبٌ لنفوسهن، واختلف في
الزوج المريض إذا لم يقدر على الدّوران على نسائه، هل اختصاصه بكونه عند
واحدةٍ منهن راجعٌ إلى اختياره، أو هو حقٌّ لهن فَيُقْرِع بينهن في ذلك؟ فيه خلاف.
[و (قوله: ((إنكُنّ لأنتن صواحب (٢) يوسف)). يعني في تردادهن، وتظاهرهن
(١) رواه الترمذي (٣٦٣) من حديث أنس. وحديث جابر رواه مسلم (٥١٨).
(٢) كذا في صحيح مسلم وفي التلخيص. وفي (ل): صواحبات.

٥٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٤) باب: استخلاف الإمام إذا مرض
تَخْطَّانِ في الأرضِ. قالتْ: فلمَّا دخلَ المسجدَ سمعَ أبو بكر حِسَّهُ ذهبَ
يَتَأَخَّرُ فَأَوْماً إليهِ رسولُ اللهَِيهِ أَقِمْ مكانَكَ، فجاءَ رسولُ الله ◌َِّ حَتَّى جلسَ
عن يَسَارِ أبي بَكْرٍ، قالتْ: فكانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جالِساً،
وأبو بَكْرٍ قائماً، يَقْتَدِي أبو بَكْرٍ بِصَلاةِ النبيِّ وَِّ، ويَقْتَدِي النَّاسُ بصَلاة
أبي بكرٍ .
وفي روايةٍ: قالتْ: فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ أبا بَكْرِ رجلٌ رقيقٌ إذا
قرأَ القُرْآنَ لا يَمْلِكُ دمعَه، فلو أمرتَ غيرَ أبي بكرٍ؟ قالتْ: واللهِ ما بي إلا
كَرَاهِيَة أنْ يتشاءَمَ النَّاسُ بأوَّلِ مَنْ يقومُ مقامَ رسولِ الله وَلِّ.
رواه أحمد (٢٥٠/٦)، والبخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨) (٩٠ و٩١
و ٩٥)، والترمذي (٣٦٧٨)، والنسائي (٩٨/٢ - ١٠٠)، وابن ماجه
(١٢٣٢).
بالإغواء والإلحاح، حتى يَصِلْنَ إلى أغراضهن، كتظاهر امرأة العزيز ونسائها على
يوسف ليصرفنه عن رأيه في الاستعصام. وصَوَاحِبات: جمعُ صواحب، وهو جَمْعٌ
شاذ](١).
(١) ما بين حاصرتين جاء في الأصول متأخراً عن موضعه، في باب: العمل القليل في
الصلاة لا يضرّها. وقدّمناه لموضعه المناسب.

٥٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٥) باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرّها
(١٥) باب
العمل القليل في الصلاة لا يضرها
[٣٣١] عن أنس بن مَالكِ، أنَّ أبَا بَكْرٍ كانَ يُصلِّي لهم فِي وَجَعِ
رسولِ اللهِ وَ﴿ الذي تُؤُنِيَ فيهِ، حتَّى إذا كانَ يومُ الإثنينِ، وهُم صُفُوفٌ فيَ
الصَّلاة، كشفَ رسولُ الله ◌ِّهِ سِتْرَ الحُجْرَةِ، فنظرَ إلَيْنا وهو قائمٌ كأنَّ وجهَه
وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثم تَبَسَّمَ رسولُ اللهِ ضَاحِكاً، قالَ: فَبُهِتْنا ونحنُ في
الصَّلاةِ، مِنْ فَرَحِ بخروجِ رسولِ اللهِّهِ. ونَكَصَ أَبُو بَكْرٍ على عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ
الصَّفِّ. وظنَّ أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ خَارِجُ الصَّلاة فأشارَ إليهم رسولُ الله وَيه
بيدِهِ أنْ أَتْقُّوا صَلاتَكُم. قالَ: ثم دخلَ رسولُ اللهِوَّةِ، فَأَرْخَى السُّتْرَ. قالَ:
فتُوفِي رسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ يَوْمِهِ ذلك.
وفي روايةٍ: فلمَّا وَضَحَ لنَا وجهُ نبيِّ الله ◌َّهِ مَا نَظَرْنا مَنْظَراً قَطُ كانَ
أَعْجَبَ إلَيْنا مِن وجهِ رسولِ اللهِ ◌ِّ حِينَ وَضَحَ لَنا.
(١٥) ومن باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرّها
(قوله: ((وكأنَّ وجهه ورقة مصحف))) هذه عبارةٌ عَمَّا راعهم من جماله، جمال
وحسن بشرته، ومائية وجهه. كما قال في الحديث الآخر: ((كأن وجهه مُذْهَبةٍ))(١). وجههَِّ
و (قوله: «فلما وضح لنا وجهه)) أي: ظهر.
(١) رواه مسلم (١٠١٧)، والنسائي (٧٦/٥) من حديث جرير رضي الله عنه.

٥٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٥) باب: العمل القليل في الصلاة لا يضرّها
رواه أحمد (٢١١/٣)، والبخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩) (٩٨
و ١٠٠)، والنسائي (٧/٤).
و (قوله: ((فَهَمَمْنا نفتتن في صلاتنا))(١) أي: نذهل فيها من الفرح بما ظهر من
استقلاله(٢) وبروزه لهم. كما قال أبو طلحة: فقد أصابتني في مالي فتنة (٣). حين
شَغَله النّظر عن الصّلاة؛ حتَّى سَهَا فيها.
و (قوله: ((فتبسّم رسولُ الله ◌ِوَله))) فرحاً بما رآه من اجتماعهم في مغيبه على
إمامهم وإقامة شريعتهم. ويحتمل أن يكون ضحك تأنيساً لهم، وحسن عشرة،
والله أعلم.
و (قوله: ((ونكص أبو بكر على عقبيه))) أي: تأخر، كما في الحديث الآخر:
رجع القهقرى.
(١) هذه الرواية هي من رواية البخاري (٦٨٠) بلفظ: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية
النبي پڼ.
(٢) في (ع): استقباله.
(٣) رواه مالك في الموطأ (٩٨/١).

٥٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٦) باب: إذا ناب الإمامَ شيءٌ فليُسبِّح الرجال
(١٦) باب
إِذا نَابَ الإمامَ شيءٌ فَلْيُسبِّح الرجالُ ولْيُصَفِّق النساءُ
[٣٣٢] عن سهل بن سعدِ السَّاعديّ، أنَّ رسولَ اللهِوَلِّ ذهبَ إلى
بني عَمْرِو بن عوفٍ ليُصْلِحَ بينَهم، فحَانتِ الصَّلاةُ، فجاءَ المُؤْذِّنُ إلى
أبي بكرٍ فقالَ: أَتُصَلِّي بالنَّاسِ فَأُقيمُ؟ قالَ: ((نعمْ)) قالَ: فصَلَّى أبو بَكْرٍ .
قالَ: فجاءَ رسولُ الله ﴿ وَاَلنَّاس في الصَّلاةِ، فَتَخَلَّصَ حتَّى وقفَ في
الصَّفِّ، فصَفَّقَ النَّاسُ، وكانَ أبو بَكْرٍ لا يلتفتُ في الصَّلاةِ، فلمَّا أكثرَ
النَّاسُ التَّصْفِيقَ التفتَ فرأَى رسولَ اللهِوَّهِ، فأشارَ إليه رسولُ الله ◌َوَ أَنِ
امكثْ مكانَكَ، فرفعَ أبو بكر يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ - عزَّ وجلَّ - على مَا أَمَرَهُ به
رسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ ذلكَ، ثم استأخرَ أبو بكرٍ حتَّى استَوى في الصَّفِّ، وتقدَّم
النبيُّ ◌َّ﴿ فصلَّى ثم انصرفَ، فقالَ: ((يا أبا بكرٍ! ما منعَكَ أنْ تثبتَ إذْ
أَمَرْتُكَ؟)) قالَ أبو بكر: مَا كانَ لابنِ أبي قُحافَة أنْ يتَقَدَّم بينَ يديْ
رسولِ اللهِ وَّجُ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا لِي رَأيْتُكم أكثرتُمُ التَّصفيقَ؟ مَنْ
نَابَه شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فإنَّه إذا سَبَّحَ التُّفِتَ إليهِ، وإنَّما التَّصْفِيحُ
للنِّساءِ)).
(١٦) ومن باب: من نابه شيءٌ في الصلاة
(قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما التصفيق للنساء))) ويروى: التصفيح،
وهما بمعنى واحد.
قاله أبو علي البغدادي، وهو أن يُضربَ بأصبعين من اليد اليمنى في باطن تصفيق النساء
الكفّ اليسرى، وهو صفحها، وصفح كلّ شيء: جانبه. وصفحتا السيف: جانباه. في الصلاة
وقيل: التصفيح: الضرب بظاهر إحداهما على الأخرى. والتصفيق: الضرب بباطن
إحداهما على باطن الأخرى. وقيل: التصفيح: بأصبعين للتنبيه. وبالقاف:

٥٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٦) باب: إذا ناب الإمامَ شيءٌ فليُسبّح الرجال
وفي روايةٍ: فجاءَ رسول الله ◌َّهِ، فخَرَقَ الصُّفُوفَ حتَّى قامَ عندَ
الصَّفِّ المُقَدَّمِ، وأنَّ أبا بكرٍ رَجَعَ القَهْقَرى.
رواه أحمد (٣٣١/٥)، والبخاري (١٢٠٤)، ومسلم (٤٢١) (١٠٢
و ١٠٤)، وابن ماجه (١٠٣٥).
[٣٣٣] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((التَّسْبِيْخُ
للرجالِ، والتَّصفيق للنِّساء، في الصَّلاة)).
رواه أحمد (٢٤١/٢ و٣١٧)، والبخاري (١٢٠٣)، ومسلم
(٤٢٢) (١٠٦)، وأبو داود (٩٣٩)، والترمذي (٣٦٩)، والنسائي (١١/٣
- ١٢)، وابن ماجه (١٠٣٤).
بالجميع، للهو واللعب. واختلف في حكمه في الصلاة: فقيل: لا يجوزُ أن يفعلَه
في الصَّلاة لا الرّجال ولا النّساء، وإنما هو التّسبيحُ للجميع. لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((مَن نابه شيءٌ في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه)). وهذا
مشهورُ مذهب مالك وأصحابه. وتأولوا: أن قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما
التصفيق للنساء)»: أن ذلك ذمّ للتّصفيق، ومعناه: أنه مِن شأن النساء لا الرجال.
وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال تمسّكاً بظاهر الحديث، ولحديث أبي هريرة.
وهو مذهبُ الشّافعي، والأوزاعي، وحُكي عن مالك أيضاً، وعلّلوا اختصاصَ
النساء بالتصفيقِ؛ لأنَّ أصواتَهن عورة (١)، ولذلك مُنِعْن من الأذان، ومن الجهر
بالإقامة والقراءة، وهو معنى مناسبٌ شَهِد الشرعُ له بالاعتبار، وهذا القولُ الثَّاني
هو الصحيحُ نظراً وخبراً، وفي هذه الأحاديث أبوابٌ كثيرةٌ من الفقه لا تخفى على
مُتَأَمِّل فَطِنٍ.
(١) ليس ذلك على الإطلاق، بل إذا كان قولاً معروفاً ولغرض مشروع، فليس بعورة.

٥٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٧) باب: الأمر بتحسين الصلاة
(١٧) باب
الأمر بتحسين الصلاة، والنهي عن مسابقة الإمام
[٣٣٤] عن أبي هُريرةَ، قالَ: صَلَّى رسولُ اللهِوَّهِ يَوْماً، ثم
انصرفَ، فقالَ: ((يا فُلانُ! أَلَا تُحْسِنُ صَلاتَكَ؟ أَلَا ينظرُ المُصلِّي إذا صَلَّى
كيفَ يُصَلِّي؟ فإنَّما يُصَلِّي لنفسِه؛ إنِّي والله لأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كما أُبْصِرُ مِنْ
بین یديّ».
رواه مسلم (٤٢٣)، والنسائي (١١٩/٢).
[٣٣٥] وعنه، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتي ها هُنا؟
فواللهِ! ما يَخْفَى عَليَّ رُكُوعُكم ولا سُجُودُكم، إنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي)).
رواه أحمد (٣٦٥/٢)، والبخاري (٤١٨)، ومسلم (٤٢٤).
(١٧) ومن باب: الأمر بتحسين الصَّلاة
(قوله: ((إني لأبصر من ورائي كما أبصر بين يديّ))) مذهبُ أهل السُّنة من يُبُصرِوَلِ من
الأشعرية وغيرهم: أنَّ هذا الإبصارَ يجوزُ أن يكونَ إدراكاً خاصّاً بالنبيِّوَِّ محقّقاً، ورائه كما يُصر
انخرقت له فيه العادة؛ [وخلق له وراءه. أو يكون الإدراكُ العيني انخرقت له بين يديه
العادة](١)، فكان يرى به من غير مقابلة. فإنّ أهل السنة لا يشترطون في الرُّؤية
عقلاً بِنْيَةً مخصوصة، ولا مقابلة، ولا قرباً، ولا شيئاً مما يشترطه المعتزلةُ وأهلُ
البِدَع، وأنّ تلك الأمورَ إنما هي شروطٌ عادية، يجوزُ حصولُ الإدراك مع عدمها.
ولذلك حَكَمُوا بجواز رؤية اللهِ تعالى في الدَّار الآخرة، مع إحالة تلك الأمور كلّها،
ولما ذهب أهلُ البدع إلى أن تلك الشروط عقلية استحال عندهم رؤيةُ الله تعالى.
فأنكروها، وخالفوا قواطعَ الشّريعة، التي وَرَدَتْ بإثبات الرؤية، وخالفوا ما أجمعَ
(١) ساقط من (م).

٥٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٧) باب: الأمر بتحسين الصلاة
[٣٣٦] وعن أنس بن مَالكِ، أنَّ نبيَّ الله وَّهِ قالَ: ((أتِمُوا الرُّكُوعَ
والسُّجودَ، فواللهِ! إنِّي لأَرَاكُم مِن بَعْدٍ ظَهْرِي، إذَا ما رَكَعْتُم وإذَا
مَا سَجَدْتُم».
رواه أحمد (١٧٠/٣ و٢٧٩)، والبخاري (٧٤٢)، ومسلم (٤٢٥)
(١١١)، والنسائي (١٩٣/٢ - ١٩٤).
[٣٣٧] وعنه، قالَ: صَلَّى بِنَا رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ ذاتَ يَوْم، فلمَّا قَضَى
الصَّلاةَ أقبلَ عَلَيْنا بوجهِه، فقالَ وَِّ: ((أيُّها النَّاسُ! إنِّي إِمَامُكُمْ فلا تَسْبِقُوني
بالرُّكوعِ ولا بالسُّجودِ ولا بالقِيَامِ ولا بالانْصِرَافِ، فإِنِّي أَرَاكُم أمَامي ومِنْ
عليه الصحابةُ والتَّابعون، ويُؤْيِّد هذا قولُ عائشة رضي الله عنها: في هذا زيادةٌ زاده
الله إياها في حجته. وقال بقيّ بن مخلد: كان عليه الصلاة والسلام يرى في الظلام
كما يرى في الضوء. وقال مُجاهد: كان عليه الصلاة والسلام يرى مِن خلفه كما
يرى مِن بين يديه، وذهب بعضُ أهل العلم إلى أن قوله: ((إنِّي لأبصرُ من ورائي))
راجعٌ إلى العلم، وأن معناه: إنِّي لأعلم. وهذا تأويلٌ لا حاجةَ إليه، بل حَمْلُ ذلك
على ظاهره أولى. ويكون ذلك زيادةً في كراماتِ النبي ◌ِّه، وفي فضائله. لأنَّ
ذلك جارٍ على أصول أهلِ الحقّ، كما قدّمناه. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((مِن بعد ظهري)) أو ((من بَعْدِي))) أي: من خلفي كما تقدَّم.
و (قوله: ((فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسّجود، ولا بالقيام، ولا
سَبْقِ المأموم بالانصراف))) اختُلِف إذا سابق المأمومُ إمامَه هل تفسدُ صلاتُه أم لا؟ فذهب
الجمهورُ: إلى أنَّها لا تفسد. وذهب ابنُ عمر وأهلُ الظاهر: إلى أنها تفسد.
ومذهبُ مالك فيه تفصيلٌ يطول ذكره في هذا الكتاب، وهو مذكورٌ في كُتُب الفقه،
وقد تقدَّم بعضُه. وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن سبقهم إياه بالانصراف فقد
ذهب الحسن والزهري: إلى أن حقَّ المأموم أَلَّا ينصرف حتى ينصرفَ الإمام؛ أخذاً
إمامه

٥٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٨) باب: النهي عن رفع الرأس قبل الإمام
خَلْفِي)) ثم قالَ: ((والذي نفسُ محمّدٍ بيدِه! لو رأيتُم ما رأيتُ لضَحِكْتُمْ قَلِيلاً
ولَبَّكيتُم كَثِيراً)» قَالُوا: وما رأيتَ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((رأيتُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ)).
رواه أحمد (١٠٢/٣ و١٢٦)، ومسلم (٤٢٦) (١١٢)، والنسائي
(٨٣/٣).
#
(١٨) باب
النهي عن رفع الرأس قبل الإمام، وعن رفع البصر
إلى السماء في الصلاة، والأمر بالسكون فيها
[٣٣٨] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَمَا يَخْشَى الذي
يرفعُ رأسَه قبلَ الإمام أنْ يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حِمَارٍ؟)).
وفي رواية: ((صُورَتَه صُورَةَ حِمَار)). وفي أخرى: ((وَجهَهُ وجهَ
حِمَارٍ)).
بظاهر هذا الحديث. والجمهورُ على خلافهما؛ لأنَّ الاقتداءَ بالإمام قد تمَّ بالسَّلام
من الصَّلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصّاً بالنبي نَله، وأنَّ ذلك من باب قوله تعالى:
﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِنُوُ﴾ [النور: ٦٢] فإنه قد كان يحتاجُ
إلى مكالمتهم في أمور الدِّين، ومراعاة المصالح والآراء. والله أعلم. ويحتملُ أن
يريدَ بالانصراف المذكور: التَّسليم، فإنه يقال: انصرفَ مِن الصلاة، أي: سلَّم
منها. والله أعلم.
(١٨) ومن باب: النهي عن رَفْع الرأس قبل الإمام
(قوله: ((أما يخشى الذي يرفع رأسَه قبل الإمام أن يُحوِّل الله صورتَه صورةً
حمار، - أو وجهه أو رأسه ـ)) هذه الرواياتُ متقاربةٌ إذا أُريد بالصُّورة: الوجه.

٦٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٨) باب: النهي عن رفع الرأس قبل الإمام
رواه أحمد (٤٥٦/٢)، والبخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) (١١٤
و ١١٥)، وأبو داود (٦٢٣)، والترمذي (٥٨٢)، والنسائي (٩٦/٢).
[٣٣٩] وعنه، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لَينتهينَّ أقوامٌ عَنْ رَفعِهم
أَبْصَارَهم عندَ الدُّعَاءِ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ أو لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم)).
رواه أحمد (٣٦٧/٢)، ومسلم (٤٢٩)، والنسائي (٣٩/٣).
فإن أريد بها الصّفة انصرفتْ إلى الصّفة الباطنة: من البلادة. ومقصودُ هذا الحديث
الوعيدُ بمسخ الصُّورة الظّاهرة أو الباطنة على مُسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدلُّ على
الرفع من الركوع أن الرفعَ من الرُّكوع والسُّجود مقصودٌ لنفسه، وأنه ركنٌ مستقلٌّ كالركوع والسجود.
والسجود ركن
من أركان الصلاة
و (قوله في الحديث الآخر: ((فإنما ناصيته بيد شيطان))) يعني: أنه قد تمكَّن
منه بجهله، فهو يصرفُه كيف يشاء كما تفعلُ بمن ملكتَ ناصیتَهُ.
و (قوله: ((لينتهين أقوامٌ عن رَفْعهم أبصارهم)) ... الحديث) وهذا أيضاً
رفع الرأس إلى وعيدٌ بإعماء مَن رَفع رأسَه إلى السماء في الصَّلاة. ولا فَرْقَ بين أن يكونَ عند
السماء في الصلاة الدعاء أو عند غيره؛ لأنَّ الوعيدَ إنما تعلَّق به من حيثُ إنه إذا رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السماء
أعرضَ عن القبلة، وخَرَج عن سَمْتِها وعن هيئة الصَّلاة، وقد نقل بعضُ العلماء
الإجماعَ على النهي عن ذلك في الصلاة. وحكى الطبريُّ كراهةَ رَفْع البصر في
الدعاء إلى السماء في غير الصلاة، وحُكي عن شُريح أنه قال لمن رآه يفعله: اكففْ
يديك، واخفضْ بصرك، فإنك لن تراه(١)، ولن تناله. وأجازها الأكثرُ؛ لأن السماءَ قبلةُ
الدعاء؛ كما أن الكعبةَ قبلةُ الصَّلاة. وقد رفعَ رسولُ الله ◌ِصَلير وجهه ويديه إلى
السماء عند الدعاء، فلا يُنكر ذلك.
(١) في (ل): أي لأبصر ولا أرى.