النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
(٣) كتاب الصلاة - (٥) باب: رفع اليدين في الصلاة
ثمٍ وَضعَ يدَه الْيُمْنى على اليُسْرَى. فلمَّا أرادَ أنْ يَرْكَعَ أخرجَ يَدَيْهِ مِنَ
الثَّوْبِ، ثمَّ رفعَهما، ثم كَبَّرَ فَرَكَعَ، فلمَّا قالَ: ((سمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، رفَعَ
يَدَيْهِ، فلمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ.
رواه أحمد (٣١٦/٤)، ومسلم (٤٠١)، وأبو داود (٧٢٣ - ٧٣٧)،
والنسائي (١٩٤/٢).
لا يُفسِدها؛ خلافاً لما حكي العَبْدي(١) من متأخّري أئمة العراقيين: أن العملَ فيها
عمداً مفسدٌ للصلاة؛ قال: ويستوي في ذلك قليلُه وكثيرُه. والالتحافُ: الاشتمالُ
والتلقُّفُ، كلّه بمعنى واحد.
و (قوله: ((ثم وضع يده اليمنى على اليسرى))) اختلف فيه على ثلاثة أقوال وَضْع اليد اليمنى
فروى مطرّف وابن الماجشون عن مالك أنه قال: يَقِضُ باليمنى على المعصم الصلاة
على اليسرى في
والكوع من يده اليسرى تحت صدره؛ تمسّكاً بهذا الحديث، وروى ابن القاسم:
أنه يسدلهما وكره له ما تقدّم، ورأى أنه من الاعتماد على اليد في الصّلاة المنهي
عنه في كتاب أبي داود(٢)، وروى أشهب: التّخيير فيهما والإباحة.
و (قوله: ((أخرج يديه من الثوب))) يدلُّ على أنه يخرجهما ويرفعهما؛ كما
صار إليه مالك.
و (قوله: وسجد بين كفيه) إنما فعلَ ذلك ليتمكّن من التَّجنيح الذي كان
يفعلُه في سجوده، كما رُوي عنه أنه كان يجنحُ حتى يُرى بياضُ إبطيه(٣) .
(١) هو أبو يعلى، أحمد بن محمد البصري العبدي المالكي، ويُعرف بابن الصواف. توفي
سنة (٤٩٠ هـ). سير أعلام النبلاء (١٥٦/١٩ - ١٥٧).
(٢) رواه أبو داود (٩٩٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) رواه أحمد (٣٤٥/٥)، ومسلم (٤٩٥) من حديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة رضي الله
عنه .
٢٢
(٣) كتاب الصلاة - (٦) باب: التكبير في الصلاة
(٦) باب
التكبير في الصلاة
[٣٠٩] عن أبي هُريرةَ، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِوَهُ إذَا قامَ إلى الصَّلاة
يُكبِّرُ حينَ يقومُ، ثمَّ يُكَبِّرُ حين يَرْكَمُ، ثم يقولُ: ((سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه)) حِيْنَ
يرفعُ صُلْبَه مِنَ الرُّكُوعِ، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: ((رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ))، ثمّ يُكَبِّرُ
(٦) ومن باب: التكبير في الصّلاة
التكبير للإحرام
(قوله: ((يكبِّر))) حُجَّةٌ في وجوب التّكبير للإحرام وتعيينه، وقد قال
عليه الصلاة والسلام للذي علّمه الصلاة: ((إذا قمتَ إلى الصَّلاة فكبِّ))(١). واختلف
في حكم التحريم؛ فعامّةُ أهل العلم على وجوبه؛ إلا ما رُوي عن الزهري،
وابن المسيب، والحسن، والحكم، والأوزاعي، وقتادة: أنه سُنّة، وأنه يُجْزِىءُ
الدخول في الصّلاة بالنية، وعامةُ أهل العلم على أنه لا يُجزىءُ إلا بلفظ التكبير؛
إلا أبا حنيفة وأصحابه؛ فإنهم يُجِيزون الدخولَ بكل لَفْظٍ فيه تعظيمٌ لله، وأجاز
الشافعي: الله الأكبر؛ وأجاز أبو يوسف: الله الكبير، ومالك لا يجيزُ إلا اللفظ
المعين: (الله أكبر)) المعهود في عُرْف اللغة والشَّرع لا سواه. والأولى: ما صار إليه
مالك - رحمه الله -؛ لما صحّ عن النبيِ وَ ل﴿ل من حديث عليٍّ بن أبي طالب أنَّ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((تحريمُ الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم))(٢)، والألف واللام
في التكبير والتسليم حوالة على معهود تكبيره { * وتسليمه، ولم يُرْوَ عنه قط أنه قال
في التكبير ولا في التسليم غير لفظين معينين وهما: الله أكبر، والسلام عليكم.
(١) رواه أحمد (٤٣٧/٢)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)،
والترمذي (٣٠٣)، والنسائي (١٢٥/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
٢٣
(٣) كتاب الصلاة - (٦) باب: التكبير في الصلاة
حينَ يَهْوِي سَاجِداً، ثمَّ يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رأسَه، ثم يُكبِّرُ حينَ يَسْجُدُ، ثمَّ
يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رأسَهُ، ثم يَفْعَلَ مِثْلَ ذلكَ في الصَّلاة كلِّها.
وعنه، أنَّه كانَ يُصَلِّي لهم فيُكَبِّر كلَّما خَفَضَ ورَفَعَ، فلمَّا انْصَرَفَ
قالَ: واللهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُم صَلاةً برسولِ الله ◌ِّهِ.
و (قوله: ((يكبر كلما خفض ورفع)) و (أنَّ رسول الله وَلِ كان يفعلُ ذلك))) التكبير كلما
هذا هو الأمرُ الثَّابت مِن فِعْله؛ والذي استقرَّ عليه عَمَلُ المسلمين، وقد كان بعضُ خفض ورفع
السَّلفِ يرى: أنه لا تكبيرَ في الصلاة غير تكبيرة الإحرام. وقال بعضُهم: ليس بسُنَّةٍ
إلا للجماعة؛ ليشعر الإمام بحركاته مَنْ وراءه، ومذهب أحمد بن حنبل: وجوبُ
جميع التكبير في الصَّلاة، وعامةُ العلماءِ على أنه سُنَّةٌ؛ بدليل قولِه للذي علّمه
الصّلاةَ: ((إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبِّر))(١)
ولم يذكر له إلا فرائض الصلاة.
و (في قوله: ((كلما خفض ورفع)) ما يدلُّ على مقارنة التكبير للفعل، وعليه
يدل قوله: ((سمع الله لمن حمده)) حين يرفعُ صلبه من الركوع، وقوله: («ثم يكبر
حين يهوي ساجداً))، وهو قولُ أهل العلم، واستثنى مالك من ذلك التكبيرَ بعد
القيام من اثنتين فلا يكبّر حتى يستويَ قائماً، وهو مذهبُ عمر بن عبد العزيز، قال
مالك: وإن كبّر هنا في نهُوضه فهو في سَعَة.
و (قوله: «یھوِي)) هو بفتح الياء، وکسر الواو. وماضيه (هَوَى) بفتح الواو،
ومعناه: يسقط إلى الأرض ساجداً، وأما ((أهوى)) الرباعي، فمضارعه: ((يُهْوِي))
بضم الياء وكسر الواو، فمعناه: أقبلَ على الشَّيء ليأخذَه بيده، يقال: أهويت
للشيء؛ إذا أردتَ أَخْذَهُ بيدك، وأما ((هَوِيَ)) بفتح الهاء، وكسر الواو؛ فمعناه:
أحب، ومضارعه ((یھوی)) بفتح الياء والواو، وذكره الجوهريُّ في الصِّحاح.
(١) رواه أبو داود (٨٥٧ - ٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (١٩٣/٢).
٢٤
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
رواه أحمد (٤٥٤/٢ و٤٧٠)، والبخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢)
(٢٧ و٢٨)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢٣٢/٢).
(٧) باب
ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها
[٣١٠] عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، أنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((لا صَلاةَ
لِمَنْ لم يَقْرَأُ بُمِّ القُرآن)».
(٧) ومن باب: القراءة في الصلاة
(قوله: ((لا صلاة))) ظاهره نفي الإجزاء في كلِّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمّ القرآن،
وهو مذهبُ مالك والشّافعي والجمهور. ورأى أبو حنيفة أنها لا تتعيّن وأنَّ غيرَها
من آي القرآن وسوره يُجزىء: فيتعيّن عليه حَمْل: ((لا صلاة)) على نفي الكمال أو
على الإجمال بينهما، كما صار القاضي إليه. ومذهبُ الجمهور هو الصَّحيح؛ لأن
نفي الإجزاء هو السّابق للفهم، كما تقولُ العربُ: لا رجلَ في الدار، فإنه يقتضي
هذا نفي أصل الجنس الكامل والنّاقص، ولا يُصار لنفي الوَصْف إلا بدليلٍ من
خارج.
واختلف العلماءُ في القراءة في الصَّلاة: فذهب جمهورُهم: إلى وُجُوب
قراءة أمّ القرآن للإمام والفذّ في كلّ ركعة، وهو مشهورُ قول مالك؛ وعنه أيضاً:
أنها واجبةٌ في جُلّ الصلاة. وهو قولُ إسحاق. وعنه: أنها تجبُ في ركعةٍ واحدة.
وقاله المغيرةُ والحسن، وعنه: أن القراءةَ لا تجبُ في شيءٍ من الصَّلاة، وهو أشدُّ
الروايات، وحُكي عنه: أنها تجبُ في نصف الصّلاة. وإليه ذهبَ الأوزاعي،
القراءة في
الصلاة
٢٥
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
زاد في روايةٍ: ((فَصاعِداً)).
رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) (٣٦)، وأبو داود (٨٢٣)،
والترمذي (٢٤٧)، والنسائي (١٣٧/٢ - ١٣٨).
[٣١١] وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّوَّ قالَ: ((مَنْ صَلَّى صَلاةً لم
يقرأُ فيها بأُمِّ القُرْآنِ فِهِيَ خِدَاجٌ)) ثلاثاً، غَيْرُ تَمامٍ. فقيل لأبي هريرةَ: إنَّا
تكونُ وراءَ الإمامِ. فقالَ: اقرأْ بها في نفسِكَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴾
وذهب الأوزاعي أيضاً، وأبو أيوب وغيرهما إلى أنها تجبُ على الإمام، والفذّ،
والمأموم على كلّ حال، وهو أَحَدُ قولي الشافعي، رحمه الله تعالى.
و (قوله: ((فصاعداً)) معناه: فزائداً، ويلزمُ من ظاهِر هذا اللَّفظ أن تكونَ القراءة بأمّالقرآن
الزيادةُ على أمِّ القرآن : - التي هي السُّورة - واجبةً، ولا قائل أعلمه يقولُ بوجوب
قراءة السورة زيادة على أمّ القرآن؛ وإنما الخلافُ في وجوب أمّ القرآن خاصّة. وقد
أجمعوا على أن لا صلاةَ إلا بقراءةٍ في الركعتين الأوليَيْن؛ إلا ما قاله الشّافعي فيمن
نسي القراءة في الصّلاة كلِّها: أنها تجزئه لعذر النسيان، وهذا شاذٌ، وقد رجع عنه.
وإلا ما شذَّ من قول مالك.
و (قوله: ((مَن صلّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداجٌ))) قال الهروي:
الخِداج: النقصان. يقال: خدجت الناقة؛ إذا ألقت ولدها قبل أوان النّتاج، وإن
كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقصاً وإن كان لتمام الولادة. فقوله:
((خِداج)) أي: ذات خِداج، فحذف ذات، وأقام الخِداج مقامه، وهذا مذهبُ
الخليل في الخِداج، وأبي حاتم، والأصمعي. وأما الأخفش فعكس، وجعل
الإخداج قبل الوقت وإن كان تامّ الخلق.
الفاتحة:
وسُمِّيت الفاتحةُ: أمّ الكتاب؛ لأنها أصله؛ أي: هي محيطةٌ بجميع علومه، أُّ الكتاب
٢٦
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
يقولُ: ((قالَ الله - عزَّ وجلَّ -: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،
ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قالَ اللهُ
تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قالَ الله تعالى:
فهي منها وراجعة إليها؛ ومنها سُمِّيت الأمّ: أُمّاً؛ لأنها أصلُ النسل، والأرض: أمّاً
في قوله:
فَالأَرْضُ مَعْقِلُنا وكانَتْ أُمَّنا فِيهَا مَقابِرُنا وفيها نُولَدُ
ومنه: ﴿فَأُمُّمُ هَاوِبَةٌ﴾ [القارعة: ٩]، و: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ [آل
عمران: ٧] ولا معنى لكراهية من كرّه تسميتها بأمّ القرآن، مع وجود ذلك في
الحدیث.
و (قوله: ((قسمت الصلاة))) يعني: أمّ القرآن، سمَّاها: صلاةً؛ لأنّ الصّلاة
لا تتم؛ أو لا تصحّ إلا بها؛ ومعنى القسمة هنا: من جهة المعاني؛ لأنَّ نصفَها
الأول: في حمد الله وتمجيده، والثناء عليه وتوحيده. والنصف الثاني: في اعتراف
العبد بعجزه، وحاجته إليه، وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك، وهذا
التقسيم حجّةٌ على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة، خلافاً للشافعي؛
وسيأتي قوله.
و (قوله تعالى: ((حَمِدني عبدي))) أي: أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي،
((ومجّدني)): شرّفني، أي: اعتقدَ شرفي ونطقَ به، والمجد: نهاية الشرف، وهو
الكثيرُ صفات الكمال. والمجد: الكثرة، ومنه قوله:
فِي كَلِّ شَجَرٍ نَار، واسْتَمْجَدَ المَرْغُ والعَفَارُ(١)
(١) ((المرخ): شجر سريع الاشتعال. و((العفار)): شجر يتّخذ منه الزناد. و((اسْتمجد)):
استكثر.
وهذا المثلُ يضرب في تفضيل بعض الشيء على بعض.
٢٧
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
أَثْنَى عليَّ عَبْدِي. وإذَا قالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قالَ: مَجَّدَني عَبْدِي.
(وقالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِليَّ عَبْدِي). فإذا قالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيدٌ﴾. قالَ: هذا بينِي وبينَ عَبْدِيٍ ولِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فإذَا قالَ:
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قالَ: هَذا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأْلَ)).
رواه أحمد (٢/ ٢٥٠ و٢٨٥)، ومسلم(٣٩٥)(٣٨)، وأبو داود (٨١٩
و ٨٢٠)، والترمذي (٢٩٥٤ و٢٩٥٥)، والنسائي (١٣٥/٢ -١٣٦).
أي: كَثُر نارهما.
و (قوله: ((وربما قال: فوّض إليَّ عبدي))) أي: يقول هذا، ويقول هذا، غير
أنّ: فوض أقلّ ما يقوله، وليس شكّاً. وهو مطابقٌ لقوله: ﴿مالك يوم
الدين﴾؛ لأنه تعالى هو المنفردُ في ذلك اليوم بالملك؛ إذ لا تبقى دعوى لِمُدَّعِ.
((والدين)): الجزاء، والحساب، والطاعة، والعبادة، والملك.
و (قوله: ((نعبد))) أي: نخضع ونتذلل. و((نستعين)): نسألك العون.
((اهدنا)): أرشدنا وثبتنا على الهداية. و((الصراط المستقيم)): الذي لا اعوجاجَ فيه؛
والمنعم عليهم: هم النبيون، والصدّيقون، والشّهداء، والصّالحون. و ((المغضوب
عليهم)): اليهود، والضُّلَّل: النصارى، كذا روي عن رسولِ اللهِ وَلِ﴾(١). وإنما
قال اللهُ تعالى هنا: ((هذا بيني وبين عبدي)) لأنها تضمّنت تذلُّلَ العبد لله؛ وطلبه
الاستعانة منه، وذلك يتضمّن تعظيمَ الله تعالى وقدرته على ما طُلب منه.
و (قوله فيما بقي من السورة: ((هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))) لأن العبدَ دعا
لنفسه. وقال مالكٌ في قوله: فهؤلاء لعبدي هي إشارةٌ إلى أنها ثلاث آيات
(١) رواه أحمد (٣٧٨/٤)، والترمذي (٢٩٥٣) من حديث عدي رضي الله عنه.
٢٨
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
[٣١٢] وعنه، قالَ: في كلِّ صَلاةٍ قَرَاءَةٌ، فَمَا أَسْمَعَنا النبيُّ وَلول
أَسْمَعْناكُم، ومَا أَخْفَى منا أَخْفَيْنا مِنْكم. مَنْ قَرأَ بِأُمِّ الكِتَابِ فقدْ أَجْزَأَتْ
عَنْهُ، ومَنْ زادَ فهُو أَفْضَلُ.
رواه أحمد (٣٤٨/٢)، ومسلم (٣٩٦) (٤٤)، والنسائي (١٦٣/٢).
لا آيتان؛ وذلك أنَّ المسلمين قد اتَّفَقُوا على أن الفاتحةَ سبعُ آیات؛ فإذا كانت ثلاث
آيات عند قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ﴾ [الفاتحة: ٤] بقيت أربع آيات: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيُ﴾ [الفاتحة: ٥] تبقى ثلاث آيات فتصِحُّ الإشارة إليها
بهؤلاء. وقد عدَّ البصريون، والشاميون، والمدنيون: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] آية. وعليه تصحّ القسمةُ، والإشارة. والله أعلم.
و (قوله: (اقرأُ بها في نفسك))) اختلفَ العلماءُ في قراءةِ المأموم خلفَ
الإمام: فذهب جماعةٌ من الصَّحابة والتابعين؛ إلى أن المأموم لا يترك قراءة
أمّ القرآن على حالٍ. وإليه ذهب الشافعي، تمشُّكاً بقول أبي هريرة، وبعموم قوله:
((لا صلاة)). وذهب مالك، وابن المسيّب في جماعةٍ من التابعين، وغيرهم، وفقهاء
أهل الحجاز، والشام إلى أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه، ويقرأ معه
ما أسرّ فيه الإمام، تمشُّكاً بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِكَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
[الأعراف: ٢٠٤] وبقول أبي هريرة: ((فانتهى الناسُ عن القراءة فيما جهر فيه
رسولُ اللهِوَل))، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا قرأ الإمامُ فأنصتوا))(١) وذهب
أكثرُ هؤلاء إلى أن القراءة فيما يُسرّ فيه الإمامُ غير واجبة إلا داود، وأحمد بن
حنبل، وأصحاب الحديث؛ فإنهم أوجبوا قراءة الفاتحة إذا أسَرَّ الإمام. وذهب
الكوفيون: إلى تَرْكِ قراءة المأموم خلف الإمام، علی کل حال.
(١) رواه أحمد (٤١٥/٤)، ومسلم (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢ و ٩٧٣)، والنسائي (٩٦/٢
و ٩٧) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
قراءة المأموم
خلف الإمام
٢٩
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
[٣١٣] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ
فصلَّى، ثم جاءَ فسَلَّمَ على رسول اللهِّهِ، فَرَدَّ رسولُ اللهِ وَّ السَّلامَ،
فقالَ: ((ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لم تُصَلِّ))، فرجعَ الرجلُ فصَلَّى كما كانَ صلى،
ثمَّ جاءَ إلى النبيِّ نَّهِ فَسَلَّم عليه، فقالَ رسولُ اللهِّهِ: ((وعليكَ السَّلامُ)) ثم
قالَ: ((ارجعْ فَصَلِّ فإنَّك لم تُصَلِّ))، حتَّى فعلَ ذلكَ ثلاثَ مَرَّاتٍ. فقالَ
الرجلُ: والذي بعثَكَ بالحَقِّ! ما أُحسنُ غيرَ هُذا، فعَلِّمْنِي. قالَ: ((إذا قُمْتَ
إلى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثم اقرأْ ما تَسَّر معكَ مِنَ القُرآنِ، ثم اركعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ
راكِعاً، ثم ارفعْ حتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثم اسجدْ حتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً، ثم ارفعْ
و (قوله في حديث أبي هريرة للذي علَّمه الصَّلاة: ((إذا قُمْتَ إلى الصلاة
فكبّر))) هذا الحديثُ ومساقه يدلُّ: على أنه عليه الصلاة والسلام قصد إلى ذِكْر
فرائض الصلاة لا غير؛ لأنَّ جميعَ ما ذكره فيه فرض، وما لم يذكره ليس من
فرائضها. هذا قولُ كافّة أصحابنا وغيرهم. وهذا ينتقضُ عليهم بالنيّةِ والسلام إذْ لم
یذکرهما.
و (قوله: ((ما تيسّر معك من القرآن))) مُتَمَسَّكُ أبي حنيفة، فإنه يأخذُ
بعمومه. ويقال له: إن ما تيسّر هو الفاتحة؛ لأن الله تعالى قد يسّرها على ألسنةٍ
الناس صغارهم وكبارهم، ذكورهم وإناثهم، أحرارهم وعبيدهم. ويتأيد هذا
التأويلُ بقوله: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))(١).
و (قوله: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً))) وقال في السجود كذلك. واختلفَ الطمأنينة في
أصحابُنا في وجوب الطمأنينة، والأصلُ المتقدِّم يرفعُ هذا الخلاف، بل ينبغي عليه الركوع
والسجود
أن تكونَ واجبة على كلِّ حال، وهذا يدلُّ: على اختلافهم في ذلك الأصل.
(١) سبق تخريجه برقم (٣١١).
٣٠
(٣) كتاب الصلاة - (٧) باب: ما جاء في القراءة في الصلاة
حتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثمَّ افعلْ ذلكَ في صَلاتِكَ كُلِّها)).
زادَ في روايةٍ: ((إذَا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَأَسْبغ الوُضُوءَ، ثم استقبلٍ
القِبْلَةَ فكبِّرْ)).
رواه أحمد (٤٣٧/٢)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو
داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٣)، والنسائي (١٢٥/٢).
[٣١٤] وعن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ، أَنَّ رسولَ اللهِنَّهِ صَلَّى الظُّهْرَ،
فجعلَ رجلٌ يقرأُ خَلْفَهُ بِسَبِّح اسمَ رَبِّكَّ الأَعْلَى، فلمَّا انصرفَ قالَ: ((أَيُّكُمْ
قَرَأَ؟)) أَوْ: ((أَيُّكم القَارىءُ؟)) قالَ رجلٌ: أنَا، فقالَ: ((قد ظَنَنْتُ أنَّ بَعْضَكُم
خَالَجنیھا».
القراءة في كل و (قوله: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))) يدلّ على وجوب القراءة في كل
ركعة
ركعة. وهو المشهورُ(١) على ما تقدّم.
الطمأنينة بين
السجدتین
و (قوله: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً))) يريد: بين السّجدتين.
وفي رواية: ((ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) وهذا يدلُّ على وجوب
الفصل بين السجدتين؛ وهل يجبُ لذاته فلا بُدَّ منه؛ أو للفَصْل فيحصل الفصلُ
بأقلّ ما يحصل منه ويكون تمامه سنة؟ اختُلِفَ فيه.
و (قوله: ((قد علمتُ أن بعضَكم خالجنيها))) أي: خالطنيها، ويُروى:
(نازعنيها)) أي: كأنه نزع ذلك من لسانه، وهو مثل حديثه الآخر: ((ما لي أُنازع
القرآن)) (٢) ولا حُجَّة فيه لمنكري القراءة؛ لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام إنما أنكر
المخالفةَ لا القراءة.
(١) في (ل): المفهوم.
(٢) رواه أبو داود (٨٢٣ و٨٢٤)، والترمذي (٣١١)، والنسائي (١٤١/٢) من حديث
عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
٣١
(٣) كتاب الصلاة - (٨) باب: ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في الصلاة
رواه أحمد (٤٣١/٤)، ومسلم (٣٩٨) (٤٨)، وأبو داود (٨٢٨
و ٨٢٩)، والنسائي (١٤٠/٢).
(٨) باب
ترك قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في الصلاة
[٣١٥] عن أنس بن مَالكِ، قالَ: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ وَّ وأبي بكرٍ
(٨) ومن باب: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصّلاة
اختلف الفقهاءُ في ذلك: فمن قال: هي من الفاتحة؛ كالشّافعي؛ وأصحاب
الرأي؛ قرأها فيها. ومن لم يَرَ ذلك؛ كالجمهور؛ فهل تقرأ في الصّلاة أو لا؟ وإذا
قُرئت؛ فهل يجهر بها مع الحمد أو يُسَرُّ؟ فمشهور مذهب مالك: أنه لا يقرؤها في
الفرائض، ويجوزُ له أن يقرأها في النوافل تمسّكاً بالحديث؛ وعنه رواية أخرى:
أنها تُقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع:
ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنّفل، ولا تُترك بحال. وأما هل يُجهر بها؟
فالشافعي يجهر بها مع الجهر، وأما الكوفيون فيُسرونها على كلّ حال. والصّحيح: البسملة ليست
أن البسملةَ ليست آيةً من القرآن، إلا في النمل خاصّة، فإنها آية هناك مع ما قبلها آية من القرآن
بلا خلاف، وأما في أوائل السّورة، وفي أول الفاتحة فليست كذلك؛ لعدم القَطْع
بذلك، ومن ادّعى القطعَ في ذلك عُورض بنقيضٍ دعواه، وقد اتفقت(١) الأمة على
أنه لا يُكفَّرِ نافي ذلك ولا مثبته، والمسألةُ مستوفاةٌ في الأصول والخلاف.
(١) في (ع): أجمعت.
١
٣٢
(٣) كتاب الصلاة - (٩) باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة
وعمرَ وعثمانَ، وكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ ربِّ العَالمِينَ﴾،
لا يَذكرونَ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ، في أوَّل قِراءَةٍ، ولا في آخِرِها.
رواه أحمد (٢٢٣/٣)، والبخاري (٧٤٣)، ومسلم (٣٩٩) (٥٢)،
وأبو داود (٧٨٢)، والترمذي (٢٤٦)، والنسائي (١٣٣/٢ و١٣٥).
(٩) باب
[حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة]
[٣١٦] عن أنس، قالَ: بَيْنا رسولُ اللهِ وَل ◌َ ـــ ذاتَ يوم - بِينَ أَظْهُرِنا،
إِذْ أَعْفَى إِغْفاءَةً، ثمَّ رَفعَ رأسَه مُتَبَسِّماً. فقُلْنا: ما أضحكَكَ يا رسولَ اللهِ؟
و (قوله: ((لا يذكرون))) يعني: رسول الله وَّه وأبا بكر وعمر، وهذا يدلُّ:
على اعتنائه وشدة فهمه بها. و ((لا يذكرون)): لا يقرؤونها بحال. وإلى هذا استند
مالكٌ في مشهور قوله، وإلى العمل المتّصل عندهم بالصّلاة وأحوالها(١).
(٩) [ومن باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة، سوى
براءة](٢)
من حديث أنس أيضاً:
(قوله: ((أغفى إغفاءة))) أي: أخذته سِنة، وهي النومُ الذي في العين، وهذه
الحالةُ التي كان يُوحَى إليهِّ# فيها غالباً .
(١) المراد: عمل أهل المدينة.
(٢) هذا العنوان لم يرد في الأصول ولا في التلخيص، وأثبتناه من صحيح مسلم.
٣٣
(٣) كتاب الصلاة - (٩) باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة
قالَ: ((أُنْزلتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ فقرأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّشَرِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ إِنَّ
الرّحمـ
شَائِشَكَ هُوَ اَلْأَبْتَ﴾ [الكوثر: ١ -٣]، ثم قالَ: أَتدرونَ ما الكوثرُ؟ فقُلْنا:
اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: ((فإنَّه نهرٌ وَعَدَنِيه رَبِّي - عزَّ وجلَّ -، علیهِ خيرٌ
كثيرٌ. هو حَوْضٌ تَرِدُ عليهِ أُمَّتِي يومَ القيامةِ، آنيتُه عددُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ
العبدُ منهم، فأقولُ: ربِّ إنَّه مِنْ أُمَّتِي. فيقولُ: ما تَدرِي مَا أَحْدَثَتْ
بَعْدَكَ)).
زادَ في روايةٍ: بينَ أَظْهُرِنَا في المَسْجِدِ. وفيها: ((ما أَحْدَثَ بَعدَكَ)).
رواه البخاري (٤٩٩٤) ومسلم (٤٠٠) (٥٣)، وأبو داود (٤٧٤٧
و ٤٧٤٨)، والترمذي (٣٣٥٧)، والنسائي (١٣٣/١ - ١٣٤).
و (قوله: ((آنفاً)) أي: الساعة.
و (قوله: ((الكوثر))) جاء تفسيرُه هنا: نهرٌ في الجنة، وفي غير هذا الحديث: معنى الكوثر
هو الخیر الکثیر (١) قال: وذلك النهر منه.
و (قوله: «يختلج العبد منھم)) أي: یستخرج، وينتزع.
(١) رواه البخاري (٤٩٦٦) من حديث ابن عباس موقوفاً عليه.
٣٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
(١٠) باب
التَّشَهُّد في الصلاة
[٣١٧] عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قالَ: كَّا نقولُ في الصَّلاةِ خلفَ
رسولِ اللهِ وَّهِ: السَّلامِ عَلى اللهِ، السَّلامُ على فُلانٍ. فقالَ لنَا رسولُ اللهِ وَه
- ذاتَ يومٍ -: ((إنَّ اللهَ هُو السَّلامُ. فإذا قَعَدَ أحدُكم في الصَّلاةِ فليقلْ:
التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَواتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ
(١٠) ومن باب: التشهد في الصلاة
اختار جمهور الفقهاء وأصحاب الحديث تشهد ابن مسعود(١)، واختار
الشافعيُّ تشهدَ ابن عباس الآتي، واختار مالكٌ تشهدَ عمر بن الخطاب؛ لكونه علّمه
الناس على منبر رسول الله وَلقر بحضرة الصحابة والناس، ولم يُنْكَر ذلك فصار
إجماعاً منهم، على أصل مالكٍ في هذا الباب.
السلام من
و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله هو السّلام))) والسّلام من أسمائه
أسمائه تعالى تعالى الحسنى، وهو السالم من النقائص وسِمات الحدث. وقيل: المسلّم عباده،
الحسنی
وقيل: المسلم عليهم في الجنة. كما قال: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣].
وقيل: معناه في قوله: ((السلام عليك أيها النبي)) وفي سلام الصّلاة: السلامة
والنجاة. فيكونُ مصدراً كاللذاذ واللذاذة. كما قال تعالى: ﴿فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَعْحَبٍ
أَلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] وقيل: ((السلام عليك)) أي: الانقيادُ لك والتّسلیمُ لله. قال:
فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقد سبق القولُ في
التحيات والطيبات، وأنها: الأقوالُ الصّالحة؛ كالأذكار والدّعوات وما شاكل
ذلك. كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
و (قوله: (اللّهِ))) في هذا الموضع تنبية على الإخلاص في العبادات. أي:
(١) في (م) و(ل): هذا التشهد.
٣٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصَّالحينَ، فإذَا قالَها أَصَابتْ كُلَّ عبدٍ
صَالحِ فِي السَّماءِ والأرضِ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه
ورسوّلُه، ثم يَتَخَيَّرُ مِنَ المَسْأَلَةِ مَا شَاءَ».
وفي روايةٍ: قالَ: عَلَّمْنِي رسولُ اللهِ وَّةِ التَّشَهُّدَ كَفِّ بِينَ كَفَّيْهِ كَما
يُعَلِّمُني السُّورةَ مِنَ القُرْآنِ. وذكرَ مثلَه.
ذلك كلّه من الصّلوات والأعمال لا تُفعل إلا لله تعالى، ويجوز أن يُراد به:
الاعتراف بأن مُلْك ذلك كلّه لله تعالى.
و (قوله: ((على عباد الله الصالحين))) فيه دليل: على أن جمع التكثير
للعموم، وعلى صحة القول بالعموم، من غير توقّف ولا تأخير، وقد نبّه النبيُّ ◌َّلـ
على ذلك حيث قال: ((أصابت كلَّ عبدٍ صالح)) فأدخل فيه الكلّ حتى الملائكة.
و (قوله: ((ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء))) حُجَّةٌ للجمهورِ على
أبي حنيفة، حيث يقول: لا تدعوا في الصلاة إلا بما جاء في القرآن، وحجّة على
الشافعي، حيث أوجب الصلاة على النبي ﴿ في كلّ صلاة بعد التشهد
الأخير، والصحيحُ عند الجمهور: أن الصَّلاةَ على النبيِوَِّ واجبةٌ في الجملة، الصلاة على
مندوبٌ إليها في الصلاة وغيرها، متأكّدة النّدبية في الصلاة، حتى إن بعضَ أصحابنا التي قد
يُطلقون عليها أنها سُنَّة، لقوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي علّمه الصّلاة:
((فإذا فعلتَ ذلك فقد تمّت صلاتُك)) ولم يذكر فيها الصلاة على النبي ◌َّ، على
ما تقدّم. واخْتَلَفَ العلماءُ في حكم التشهدين: فهما غير واجبين عند مالك حكم التشهدين
والجمهور، بل مندوبان، وذهب فقهاءُ أصحاب الحديث إلى وجوبهما، وذهب
الشافعيُّ إلى وجوبه في الآخرة. ورُوي عن مالك مثله، والصَّحيح الأول؛ على
الطريقة المتقدّمة منه.
وسُمِّي التشهدُ تشهداً؛ لأنه مأخوذ من لفظ الشهادتين بالوحدانية الله وبالرسالة
لرسوله پڼ.
أ
٣٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
رواه أحمد (٤١٣/١)، والبخاري (٦٣٢٨)، ومسلم (٤٠٢) (٥٥
و ٥٩)، وأبو داود (٩٦٨ و٩٦٩)، والترمذي (٢٨٩)، والنسائي (٢٣٧/٢).
[٣١٨] وعن ابنِ عَبَّاس، قالَ: كانَ رسولُ اللهِوَهِ يُعَلِّمِنَا الَّشَهُّدَ كما
يُعَلِّمنا السُّورَة مِنَ القُرآنِ: فَكانَ يقولُ: ((التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ
الطَّيَّاتُ اللهِ، السَّلامُ عليكَ أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبَركَاتُهُ، السَّلامُ علينا
وعَلى عِبَادِ اللهِ الصَّالحينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً
رسولُ اللهِ».
رواه أحمد (٢٩٢/١)، ومسلم (٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)،
والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (٢٤٢/٢ و ٢٤٣).
[٣١٩] وعَنْ حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ، قالَ: صَلَّيتُ مع أبي
مُوسى الأَشْعَرِيِّ صَلاةَ، فلمَّا كانَ عندَ القَعْدةِ قالَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ: أُقِرَّتِ
الصَّلاةُ بالبِرِّ والزَّكاةِ؟ فلمَّا قضى أبو مُوسى الصَّلاة وسَلَّم، انصرفََ، فقالَ:
أيُّكُم القائلُ كلمةَ كَذا وكذا؟ قالَ: فَأَرَمَّ القَوْمُ. ثم قالَ: أَيُّكُم القَائِلُ كلمةَ
اقتران الصلاة
بالبر والزكاة
و (قوله في حديث حطان: ((أقرت الصلاة بالبر والزكاة))) أي: قُرنت. والباء
بمعنى مع، أي: قرنت مع البر والزكاة، فصارت معهما مستويةً في أحكامهما
وتأكيدهما. ويُحتمل أن يرادَ بالبرّ هنا: المبرّة. وبالزكاة: الطهارة. ويكونُ
المعنى: أنَّ مَن داومَ على الصلاة برَّ وتطهّر من الآثام. والله أعلم.
و (قوله: ((فأرَمَّ القوم))) بفتح الراء، وتشديد الميم، وهو المعروفُ.
ويُروى: ((فأزم القوم)» بالزاي المنقوطة، ومعناهما واحد، وهو: الشُّكوتُ، أي:
لم ينطقوا بشيء ولا حرّكوا مَرَمَّاتهم، وهي شفاههم. والشّفة: هي المرمَّة والمِقمّة،
وبالزاي من الزم، أي: لم يفتحها بكلمة.
٣٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
كذَا وكَذَا؟ فَأَرَمَّ القَوْمُ. فقالَ: لَعَلَّكَ يا حِطَّانُ قلتَها؟ قالَ: ما قلتُها، ولقد
رَهِبْتُ أنْ تَبْكَعَنِي بِهَا. فقالَ رجلٌ مِنَ القومِ: أنَا قلتُها، ولم أُرِدْ بِها إلَّا
الخيرَ. فقال أبو مُوسى: أما تعلمونَ كيفَ تقولونَ في صَلاتِكم، إنَّ
رسولَ اللهِ ﴿ خطبنَا، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا، وعَلَّمنا صَلاتَنَا، فقال: ((إذا صَلَّيْتُمْ
فَأَقِيمُوا صُفُوفَكم، ثمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُم، فإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإذا قالَ: ﴿غَيْرِ
اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فقولوا: آمين، يُحِبْكُم الهُ، فإذَا كَبَّرَ
وركعَ فَكَبِّرُوا وارْكَعُوا، فإنَّ الإمامَ يركعُ قبلَكم ويرفعُ قبلَكم))، فقالَ
و (قوله: ((لقد رهبت أن تبكعني بها))) قال: معناه خفتُ أن تستقبلني بها.
يقال: بكعت الرجل بكعاً: إذا استقبلته بما يكره، وهو نحو التبكيت، ورهبت:
خفت. والرّهب: الخوف. وقوله: ((ما تعلمون كيف تقولون)) ظاهره النفي،
ويحتمل الاستفتاح. وحُذفت الهمزة تخفيفاً. كما تُحذف مع الاستفهام.
و (قوله: ((فأقيموا صفوفكم))) أمر بإقامة الصفوف. وهو من سُنن الصّلاة، إقامة الصفوف
بلا خلاف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: ((فإن تسويةَ الصفِّ من في الصلاة
تمام الصلاة))(١) .
و (قوله: ((فإذا كبّر فكبّروا))) يقتضي أن تكبيرَ المأموم لا يكون إلا بعد تكبير تكبير المأموم
الإمام؛ لأنه جاء بناء التعقيب. وهذا مذهبُ كافة العلماء. ولا خلافَ أن المأمومَ
لا يسبقه بالتكبير والسّلام، إلا عند الشافعي، ومن لا يرى ارتباطَ صلاة المأموم
بصلاة الإمام. والحديثُ حُجَّةٌ عليهم، واختلفوا إذا ساواه في التكبير أو السلام،
فلأصحابنا فيه قولان: الإجزاء وعدمه، واتّفقوا: على أنه لا يجوزُ أن يسابقَه بكل
أفعاله، وسائر أقواله، ولا يقارنه فيها، وأن السنةَ اتباعُه فيها.
(١) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٤٣٣ و٤٣٤)، وأبو داود (٦٦٧ - ٦٧١)، والنسائي
(٢/ ٩١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
٣٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
رسول الله وسلم: ((فتلكَ بتلكَ، وإذَا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حَمِدَهُ، فقولُوا:
اللَّهُمَّ رَبَّنا ولكَ الحمدُ، يسمعُ الله لكم، فإنَّ اللهَ تعالى قالَ على لِسَانِ
نبيِّهِ وَّهِ: سمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ. وإذَا كَبَّرَ وسجدَ فَكَبِّرُوا واسجدوا، فإنَّ
الإمامَ يسجدُ قبلَكم ويرفعُ قبلَكم)). فقالَ رسولُ اللهِ وَهُ: ((فتلكَ بتلكَ. وإِذَا
حقُّ الإمام
السَّبْق
و (قوله: ((فتلك بتلك))) هذا إشارةٌ إلى أنَّ حَقَّ الإمام السّبق، فإذا فرغَ تلاه
المأموم معقباً. والباء في ((تلك)) للإلصاق والتعقيب. وقد قيل: ليس عليه أن
ينتظره حتى يفرغ، بل يكفي شروعُ الإمام في أول الفعل، والصَّحيحُ الأول
للحديث. وقد رُوي عن مالك قولٌ ثالث: أنه فرّق فقال: يجوزُ مشاركةُ المأموم
الإمامَ إلا في القيام من الرّكعتين. فلا يقومُ حتى يستويَ الإمام قائماً ويكبّر. وعلى
القول الآخر: له أن يقومَ بقيامه. وقيل في ((تلك بتلك)): أن معناه: أن الحالةَ من
صلاتكم وأعمالكم إنما تصحّ بتلك الحالة من اقتدائكم به.
و (قوله: ((يسمع الله لكم))) أي: يستجيب.
و(قول النبي وَلاير: ((سمع الله لمن حمده))) خبرٌ عن الله تعالى باستجابة مَنْ
حَمده ودعاه، ويجوزُ أن يُرادَ به: الدعاء، فيكون معناه: اللهم استجبْ، كما
نقول: صلّى الله على محمد.
ربنا ولك
الحمد
و (قوله: ((ربنا ولك الحمد))) اختلفتْ رواياتُ الحديث في إثبات الواو
وحذفها. واختلف اختيارُ العلماء فيها. فمرّة اختار مالكٌ إثباتَ الواو؛ لأنّ قولَه:
ربنا، إجابة قوله: ((سمع الله لمن حمده)). أي: ربّنا استجبْ دُعاءنا، واسِمع
حَمْدنا، ولك الحمدُ على هذا. وأيضاً فإن الواوَ زیادةُ حرف، ولكل حرفٍ حظّ من
الثواب. واختار مَرَّة حَذْف الواو. إذ الحمدُ هو المقصود. قال الشيخ
- رحمه الله -: والظاهرُ أن الموجِبَ للاختلاف في الاختيار: الاختلافُ في ترجيح
الآثار.
٣٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٠) باب: التشهُّد في الصّلاة
كانَ عِنْدِ القَعْدَةِ فليكنْ مِن أوَّلِ قَوْلِ أحدِكُم: التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلواتُ
لله، السَّلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينَا وعلى عِبادِ
اللهِ الصَّالحينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه)).
وفي روايةٍ: ((وإذَا قَرَأَ فأنْصِتُوا)) .
رواه أحمد (٣٩٩/٤)، ومسلم (٤٠٤) (٦٢ و٦٣)، وأبو داود
(٩٧٢ و٩٧٣)، والنسائي (٩٦/٢ - ٩٧).
و (قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا))) حُجَّةٌ لمالك، ومَن قال بقوله: إن المأمومَ
لا يقرأُ مع الإمام إذا جهر. قال الدَّارقطني: هذه اللفظةُ لم يُتابَع سليمانُ التيمي فيها
عن قتادة، وخالفه الحقَّاظُ. قال: وإجماعُهم على مخالفته يدلّ على وهمه. قال
الشيخ - رحمه الله -: ((وقد أشار مسلمٌ في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة، وهي
ثابتةٌ في الأصل، في رواية الجُلُودي عن إبراهيم بن سفيان.
وقد تقدَّم في أول كتابنا قولُ إبراهيم بن سفيان لمسلم: لِمَ لَمْ تخرج في
كتابك: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) أليست بصحيحة؟ فقال: ليس كلُّ الصحيح خرجتُ
هنا، وإنما خرجتُ ما أجمعوا عليه. فهذا تصريحٌ بصحتها، إلا أنها ليست عنده
مما أجمعوا على صحّته.
و (قوله: ((وإذا قال: ولا الضالين؛ فقولوا: آمين؛ يجبكم الله))) آمين: اسمٌّ معنى: آمين
من أسماء الأفعال. ومعناها هنا: اللهم استجب. وهي مبنيةٌ على السكون، وفيها
لغتان: المد والقصر.
1
٤٠
(٣) كتاب الصلاة - (١١) باب: الصلاة على النبي ﴾
(١١) باب
الصلاة على النبي 0َ 1
[٣٢٠] عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قالَ: أتانا رسولُ اللهِ وَلِ ونحنُ
في مجلس سَعْدٍ بن عُبادَةَ، فقالَ له بَشِيرُ بن سَعْدٍ: أمرَنَا الله تعالى أنْ نُصَلِّ
عليكَ يا رسولَ الله! فكيفَ نُصَلِّي عليكَ؟ قالَ: فسكتَ رسولُ اللهِ وَلِّ حَتَّى
تَمَنَّيْنا أنَّه لم يَسْأَلْهُ، ثمّ قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ
وعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صَلَّيْتُ على آلِ إبراهيمَ،
(١١) ومن باب: الصلاة على النبيّ وَل
(قوله: ((أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟)))
هذا سؤالُ مَن أشكل عليه كيفيةُ ما فهم جملته، وذلك أنه عرف الصّلاة وتحقّقها
من لسانه، إلا أنه لم يعرف كيفيتها، فأُجيب بذلك. وفي قوله: ((أمرنا)) دليلٌ على
أن المندوبَ يدخلُ تحت الأمر، وقد تقدَّم اشتقاقُ الصلاة، وهي منّا دعاء، ومن
معنى الصلاة الله تعالى رحمة، ومن الملائكة ثناء. وقد قيل: إنَّ صلاةَ الله على نبيه هي ثناؤه
علیه عند ملائكته.
عليه (وَل﴾
مَن هم آل
محمد؟
و (قوله: ((اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد») اخْتُلِفِ في آله مَنْ هم؟
فقيل: أتباعه. وقيل: أمته. وقيل: آل بيته. وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته.
وقيل: آل الرجل: نفسه. ولهذا كان الحسنُ يقول: ((اللهم صلّ على آل محمد)).
واختلفَ النحويّون: هل يُضاف الآل إلى المضمر أم لا يضاف إلا إلى الظّاهر؟
فذهب النحاسُ، والزّبيدي، والكسائي: إلى أنه لا يقال إلا: اللهم صلّ على محمد
وآل محمد، ولا يقال: وآله. قالوا: والصواب: وأهله. وذهبت طائفةٌ أخرى: إلى
أن ذلك يُقال - منهم ابن السيد - وهو الصواب؛ لأن السَّماعَ الصحيحَ يعضده؛ فإنه
قد جاء في قول عبد المطلب: