النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ (٢) كتاب الطهارة - (٣٣) باب: ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنْزِل رواه أحمد (٤٧/٣)، والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٣)، وأبو داود (٢١٧). [٢٦٩] وعن أُبيِّ بنِ كَعْبٍ، قالَ: سألتُ رسولَ اللهِلَهَ عنِ الرَّجُلِ يُصِيْبُ مِن المرأةِ ثم يُكْسِلُ؟ فقالَ: ((يَغْسِلُ ما أصَابَه مِنَ المَرْأَةِ، ثم يَتَوَضَّأُ ويُصَلِّي)). - قالَ أبو العلاء بن الشِّخِّير: كانَ رسولُ الله ◌ِ يَنْسَخُ حديثُهُ بَعْضُهُ بَعْضاً، كما يَنْسَخُ القُرْآنُ بَعضُهُ بَعْضاً. قالَ أَبُو إسحاق: هذَا مَنْسُوخٌ. رواه أحمد (١١٣/٥)، والبخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦). [٢٧٠] وعن أبي هُريرةَ، أنَّ نبيَّ اللهِنَا﴿ِ قالَ: ((إذا جلسَ بينَ شُعَبِها الأربع ثم جَهَدَها، فقد وجبَ عليه الغُسْلُ، وإنْ لم يُنْزِلْ)). رواه أحمد (٣٤٧/٢)، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، وأبو داود (٢١٦)، والنسائي (١١٠/١ -١١١). و (قوله: (إذا جلس بين شُعبها الأربع))) قال الهروي: بين رجليها وشفريها(١). وقال الخطابي: بين إسكتيها(٢) وفخذيها؛ قال أبو الفضل عياض: والأولى أن الشعب: نواحي الفرج الأربع؛ والشعب: النواحي، وهذا مثل قوله: ((إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة))(٣) لأنها لا تتوارى حتى تغيبَ بين الشعب. و (قوله: ((ثم جهدها))) قال الخطابي: حفزها؛ وقال: الجهد من أسماء النكاح؛ قال الشيخ: وعلى هذا يكونُ معنى جهدها: نكحها؛ قال بعضُهم: بلغَ مشقّتها. يقال: جهدته، وأجهدته: بلغت مشقته؛ وقال أبو الفضل عياض: الأولى (١) أي: طرفي فرجها. (٢) الإسكتان هما جانبا الفرج وطرفاه. (٣) رواه أحمد (١٧٨/٢)، وابن ماجه (٦١١) من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه. ٦٠٢ (٢) كتاب الطهارة - (٣٣) باب: ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنْزِل [٢٧١] وعن أبي مُوسى، قالَ: اختلفَ في ذلكَ رَهْطٌ مِن المهاجرينَ والأَنْصَارِ. فقالَ الأنصَارِيون: لا يجبُ الغُسْلُ إلا مِن الدَّفْقِ أو مِن الماءِ. وقالَ المهاجرون: بل إذَا خالطَ فقدْ وجبَ الغُسْلُ. قالَ: قالَ أبو مُوسى: فأنَا أَشْفِيْكُم في ذلكَ. فقمتُ فاستأذنتُ على عائشةَ، فَأُذِنَ لي. فقلتُ لهَا: يا أُمَّاهُ! (أو يَا أُمَّ المؤمنينَ!) إني أُريدُ أنْ أسألَكِ عن شيءٍ، وإني أَسْتَحْيِيكِ. فقالتْ: لا تَسْتَحْيي أنْ تَسْأَلَنِي عمَّا كنتَ سَائِلاً عنه أُمَّك التي وَلَدَتْكَ، فإنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قلتُ: فمَا يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قالتْ: على الخَبِيرِ سقطتَ. قالَ رسول الله وَله: ((إذا جلسَ بين شُعَبِها الأَرْبَع، ومسَّ الخِتَانَ الخِتَانَ، فَقَدْ وجبَ الغُسْلُ)). رواه أحمد (١١٢/٦)، ومسلم (٣٤٩)، والترمذي (١٠٨ و١٠٩). [٢٧٢] وعن عائشةَ، أنَّ رَجُلاً سألَ رسولَ الله ◌َّه عن الرَّجُلِ يُجَامِعُ أهلَه ثم يُكْسِلُ. هلْ عليهمَا الغسلُ؟ وعائشةُ جَالِسَةٌ. فقالَ رسولُ الله ◌ِلتر ((إنِّي لأفعلُ ذلكَ، أنَا وهذِهِ، ثم نغتسلُ)). رواه مسلم (٣٥٠). أن يكون جهد؛ أي: بلغ جهده فيها، وهي إشارةٌ إلى الفعل. و (قوله: ((من الدفق أو من الماء))) هو على الشك من أحد الرّواة، والدّفق: الصّبّ، وهو الاندفاقُ والتدفّق. وماء دافق، أي: مدفوق، كسرٍّ كاتم؛ أي: مكتوم. ويقال: ((دُفِقِ الماء)) مبنياً على ما لم يسمّ فاعله؛ ولا يُقال: مبنياً للفاعل. قال الشيخ: وهذه الأحاديثُ - أعني: حديث أبي هريرة وحديثي عائشة - لا يبقى معها متمسك للأعمش وداود. والله أعلم. ٦٠٣ (٢) كتاب الطهارة - (٣٤) باب: الأمر بالوضوء مما مست النار، ونَشخه (٣٤) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه [٢٧٣] عن زيد بن ثابتٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلِ يقولُ: (الوُضوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). رواه مسلم (٣٥١)، والنسائي (١٠٧/١). (٣٤) ومن باب: الأمر بالوضوء مما مسَّت النار (قوله: ((توضؤوا مما مسّت النار))) هذا الوضوءُ هنا هو الوضوءُ الشّرعي تركُ الوضوء مما العرفي عند جمهور العلماء؛ وكان الحكمُ كذلك ثم نُسِخ؛ كما قال جابر بن مسّت النار عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله وَلفي ترك الوضوء مما مسّت النار(١). وعلى هذا تدلُّ الأحاديثُ الآتيةُ بَعْدُ، وعليه استقرَّ عملُ الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء مِن بعدهم؛ وذهب أهلُ الظاهر، والحسن البصري، والزهري، إلى العمل بقوله: ((توضؤوا مما مسّت النار)) وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمدُ، وإسحاق، وأبو ثور: إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الجزور لا غير. وذهبت طائفةٌ إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغوي؛ وهو غَسْلُ اليد والفم من الدَّسَم والزَّفر؛ كما فَعَل النبيِ ﴿ حيث شربَ اللبن ثم مضمض وقال: ((إن له دسماً))(٢). وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب؛ وممن ذهب إلى هذا ابنُ قتيبة، ذكره في غريبه؛ والصَّحيح الأول، فليعتمد عليه. (١) رواه أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٠٨/١). (٢) رواه أحمد (٢٢٣/١ و٢٢٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٦٠٤ (٢) كتاب الطهارة - (٣٤) باب: الأمر بالوضوء مما مست النار، ونَشْخه [٢٧٤] وعن عائشةَ - زوج النبيِّ لِ ﴿هــ، قالتْ: قالَ رسولُ الله ◌ٍَّ: (تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)). رواه أحمد (٨٩/٦)، ومسلم (٣٥٣). [٢٧٥) وعن ابن عَبَّاس، أنَّ رسولَ الله وَلِّ أكلَ كَتِفَ شَاةٍ ثم صَلَّى ولم يَتَوَضَّأ. رواه أحمد (٢٢٦/١)، والبخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤)، وأبو داود (١٨٧)، والنسائي (١٠٨/١). [٢٧٦] وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ جمعَ عليه ثيابَه، ثم خرجَ إلى الصَّلاةِ. فأُتِيَ بهدَيّةٍ، خُبْزِ ولَخْمٍ. فأكلَ ثلاثَ لْقَمٍ. ثم صَلَّى بِالنَّاسِ، ومَا مَسَّ مَاءً. رواه أحمد (٢٧٢/١)، ومسلم (٣٥٩). [٢٧٧] وعَنْ عَمْرو بن أُميَّةَ الضَّمْرِيِّ، قالَ: رأيتُ رسولَ الله وَهل يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فأكلَ مِنْها فدُعِيَ إلى الصَّلاةِ. فقامَ وطَرَحَ السِّكِّيْنَ، فصَلَّى ولم يَتَوضَّأُ. رواه أحمد (١٣٩/٤ و١٧٩)، والبخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥)، والترمذي (١٨٣٦). و (قوله: ((يحتزُّ من كتف شاة») أي: يقطع بالسكِّين؛ وقوله في الأصل(١): (أثوار أقط)). قال الهروي: أثوار: جمع ثور؛ وهي القطعةُ من الأقط؛ قال الشيخ رحمه الله: والأقطُ طعامٌ يُصْنَعُ من اللَّبن. وفيه دليلٌ على جواز أكلِ اللحم بالسكين (١) إشارة إلى ما جاء في الحديث رقم (٣٥٢) من صحيح مسلم. ۔ ٦٠٥ (٢) كتاب الطهارة - (٣٥) باب: الوضوء من لحوم الإبل [٢٧٨] وعَن ابن عَبَّاس، وميمونةَ؛ نحو ذلكَ مرفوعاً. رواه البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦). [٢٧٩] وعن أبي رَافع، قالَ: أَشْهَدُ لكنتُ أَشْوِي لرسولِ الله وَّل بَطْنَ الشَّاةِ. ثمَّ صَلَّى ولم يَتَوَضَّأُ. رواه مسلم (٣٥٧) .. (٣٥) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن [٢٨٠] عن جابر بن سَمُرةَ، أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِ وَلَهِ: الْتَوَضَّأُ مِن لُحومِ الغَنم؟ قالَ: ((إنْ شئتَ، فَتَوضَّأُ. وإنْ شِئْتَ، فلا تَوضَّأُ)) قالَ: أَتَوضَّأ مِنَ لحُوَم الإبلِ؟ قالَ: ((نعمْ، فَتَوضَّأُ مِن لُخُومِ الإِبِلِ)) قالَ: أُصَلِّي عند الحاجة إلى ذلك من شدّة اللحم، أو كبر العضو والبَضْعة، قال عِياض: وتُكره المداومةُ على استعمال ذلك؛ لأنه من سُنَّة الأعاجم. (٣٥) ومن باب: الوضوء من لحوم الإبل هذا الوضوءُ المأمورٌ به من لحوم الإبل، المباح من لحوم الغنم، هو اللغوي؛ ولذلك فرّق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزّفورة والزّهم. وعلى تقدير كونه وضوءاً شرعياً فهو منسوخ، بما تقدّم. وقد ذكرنا مَن تمسّك بهذا الحديث. وإباحة الصَّلاة في مرابض الغنم دليلٌ لمالك على طهارة فضلة ما يُؤكل لحمه؛ لأنَّ النهي عن الصلاة مرابضَها مواضعُ ربوضها وإقامتها؛ ولا يخلو عن أبوالها وأروائها، وأما نهيه عن في معاطن الإبل ٦٠٦ (٢) كتاب الطهارة - (٣٥) باب: الوضوء من لحوم الإبل في مَرَابضِ الغَنَمِ؟ قالَ: ((نعمْ)) قالَ: أُصَلِّي في مَبَارِكِ الإبلِ؟ قالَ: ((لا)). رواه مسلم (٣٦٠). [٢٨١] وعن ابن عَبَّاس، أنَّ النبيَّ وَّ شَرِبَ لَبَناً، فدعا بماءٍ فَتَمَضْمَضَ. وقالَ: ((إِنَّ لَه دَسَماً). الصَّلاة في معاطن الإبل فليس لنجاسةِ فضلاتها بل لأمرٍ آخر؛ إمَّا لنتن مَعَاطنها؛ أو لأنها لا تخلو غالباً عن نجاسةِ من يستترُ بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرّض لنفارها في صلاته؛ أو لما جاء أنها من الشّياطين، وهذه كلُّها مما ينبغي للمصلِّي أن يتجنبها؛ ومع هذه الاحتمالات لا يصلحُ هذا الحديثُ للاستدلال به على نجاسة فَضَلاتها، وقد أباح النبي ◌َ ﴿ للعرنيين شربَ ألبان الإبل وأبوالها، ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضّرورة؛ لأنها لا نسلمها؛ إذ الأدويةُ في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرة، ولو كان ذلك للضرورة لاستكشفَ عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقَّق عدمها، ولو كانت نجسةً لكان داء التداوي بها ممنوعاً أيضاً بالأصالة، كالخمر، ألا تراه لما سُئِلِ لّهِ عن التَّداوي بالخمر فقال: ((إنها ليست بدواء، ولكنها داء)» (١) ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يُباح فيه كإزالة الغَصَص بجرعةٍ منها عند عدم مائع آخر. وحاصلُه: أنَّ إخراجَ الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر لا يلتفت إليه لأنه خلافُ الأصل. و (قوله: ((إنّ له دسماً)) بفتح السين وسكونها؛ والفتح أولى به؛ لأنه الاسم؛ مثل الحسَب والنَّقَض؛ وهو عبارة عن زفر الدّهن. يقال منه: دسم الشيء بالكسر یدسم بالفتح، وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه. ويقال أيضاً: دسم المطر الأرض: بلَّها ولم يبالغ. قال عِياض: وأما المضمضةُ من اللبن فَسُنَّة للقائم إلى الصلاة، ومُستحب لغيره وكذلك من سائر (١) رواه أحمد (٣١٧/٤)، ومسلم (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٧) من حدیث وائل بن حجر. الخمرة وليست بدواء المضمضة من اللَّبَن سنة للقائم إلى الصلاة ٦٠٧ (٢) كتاب الطهارة - (٣٦) باب: في الذي يخيل إليه أنَّه خرج منه حَدَث رواه أحمد (٢٢٣/١ و٢٢٧ و٢٢٩ و٣٢٩ و٣٣٧)، والبخاري (٢١١)، ومسلم (٣٥٨)، وأبو داود (١٩٦)، والترمذي (٨٩)، والنسائي (١٠٩/١)، وابن ماجه (٤٩٨). * (٣٦) باب في الذي يخيل إليه أنه خرجَ منه حَدَثٌ [٢٨٢] عن عبَّادِ بن تميم، عن عمِّه؛ شُكِيَ إلى النبيِّي ◌َّهِ: الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشَّيْءَ في الصَّلاةِ، قالَ: ((لا يَنْصَرِفُ حتَّى يَسمَعَ صَوْتاً، أو یجدّ رِئْحاً)). الطعام، وهو من ناحية السِّواك، ولا سيما فيما له دسم أو سهوكة، أو تعلّق بفيه طعم يشغل المصلي. وقد اختلف العلماءُ في غسل اليد قبل الطّعام وبعده؛ ومذهب مالك: تَرْك غسل اليد قبل ذلك إلا أن يكونَ في اليد قَذَر؛ فإن كان للطعام رائحةٌ كالسَّمك غُسِلت اليد بعد الطعام وبعده ولا تُغْسَل قبل. لما ذكر؛ قال الشيخ - رحمه الله -: وقد روى أبو داود: أنَّ النبي ◌َ ﴿ شرب لبناً ولم يتمضمض، ولم يتوضأ، وصلَّى(١). وهذا يدلُّ: على أنه ليس من السنن المؤكدة الرَّاتبة. (٣٦) ومن باب: الذي يخيّل إليه أنه خرج منه حَدَث (قوله: إنه يجدُ الشَّيء في الصَّلاة، قال: ((فلا ينصرف))) بظاهر هذا قال الشك في الحسنُ البَصْري، قال: إن كان في الصّلاة لم يفسد، وإن كان في غيرها أفسد؛ الطهارة (١) رواه أبو داود (١٩٧) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ٦٠٨ (٢) كتاب الطهارة - (٣٦) باب: في الذي يخيل إليه أنَّه خرج منه حَدَث رواه أحمد (٩٦/٣)، والبخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود (١٧٦)، والنسائي (٩٩/١). [٢٨٣] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِذَا وجدَ أحدُكم في بطنِهِ شَيئاً فأشْكَلَ عليهِ، أَخرَجَ مِنْهُ شيءٌ أمْ لا، فلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حتَّى يسمعَ صَوْتاً أو يَجِدَ رِيْحاً)). رواه أحمد (٤١٤/٤)، ومسلم (٣٦٢)، وأبو داود (١٧٧)، والترمذي (٧٤ و ٧٥). وقد رُوي مثله عن مالك وذهب أكثرُ أهلِ العلم: إلى أن الشكّ غير مؤثِّر في الطَّهارة، وأنه باقٍ على طهارته ما لم يتيقنْ حَدَثاً. وذهب إليه الشَّافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل؛ وهي روايةُ ابن وهب والأسلمي عن مالك؛ إلا أنَّ في رواية ابن وهب أنه استحبّ منه الوضوء؛ وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أنه يفسده، وسببُ الخلاف تقابلُ يقيني الطّهارة والصّلاة؛ وخَصَّ بعضُ أصحابنا هذا الحديثَ بالمستنكح (١)؛ لأنه قال فيه: ((شُكِي إليه)»، وهذا لا يكونُ إلا ممن يكونُ ذلك عليه كثيراً؛ قال ابنُ حبيب: هذا الشكّ المذكورُ في الحديثين في الرِّيح دون غيره من الأحداث. (١) (المستنكح)): الذي غلب النعاس على عينيه. ٠ ٦٠٩ (٢) كتاب الطهارة - (٣٧) باب: ما جاء في الجلود الميتة إذا دبغت (٣٧) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت [٢٨٤] عن ابن عبّاس، قالَ: تُصُدِّقَ على مَوْلاةٍ لميمونَة بِشَاةٍ، فَماتَتْ. فمرَّ بِها رسولُ اللهَوَّهِ فقالَ: ((هَلَّ أخذتُم إِهَابَها، فدَبغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُم بِهِ؟)) فقالُوا: يا رسولَ الله! إنَّها مَيْنَةٌ. فقالَ: ((إنَّما حَرُمَ أَكْلُها)). وفي رواية: ((أَلاَ أَخَذْتُمْ إِهَابَها فَاسْتَمْتَعْتُم بِهِ)). رواه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣ - ٣٦٥)، وأبو داود (٤١٢٠ و ٤١٢١)، والترمذي (١٧٢٧)، والنسائي (١٧١/٧ - ١٧٢). (٣٧) ومن باب: جلود الميتة إذا دُبِغت ((الإهاب)): الجلد، والجمع الأُهُبُ والأَهَبُ. قاله الهروي وغيره. واختلف الناسُ في جِلْد الميتة: فقال أحمد بن حنبل: لا يُنتفع به. وأجاز ابنُ شهاب الانتفاعَ به. والجمهورُ على مَنْع الانتفاع به قبل الدِّباغ؛ ويختلفونَ في الجلد الذي يؤثِّر فيه الدباغ، فعند أبي يوسف وداود: يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير. ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة، والشافعي هكذا، إلاّ أننا وأبا حنيفة نستثني الخنزير، ويزيد الشافعيُّ فيستثني الكلب؛ واستثنى الأوزاعيُّ وأبو ثورِ جِلْدَ ما لا يُؤكل لحمه. واتفق كلُّ من رأى الدباغ مؤثراً؛ أنه يؤثّر في إثباتِ الطَّهارة الكاملة سوى مالك، في إحدى الرّوايتين عنه؛ فإنه مَنَع أن يؤثّر الطهارة الكاملة، وإنما يؤثر في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات؛ وأبقى الماء في نفسه خاصة (١)؛ وسببُ الخلاف في هذا الباب هل هو يخصّص عموم القرآن بالسنة أم لا؛ اخْتَلَفَ فيه الأصُولیون. (١) في (ل) و (ط): في خاصة نفسه. ٦١٠ (٢) كتاب الطهارة - (٣٨) باب: ما جاء في التيمم [٢٨٥] وعنه، قالَ: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقولُ: ((إذا دُبِغَ الإِهابُ فقدْ طَهُرَ)). رواه مسلم (٣٦٦)، وأبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣). [٢٨٦] وعن ابن وَعْلَة السَّبَائِيِّ، قالَ: سألتُ عبدَ الله بنَ عَبَّاس، قلتُ: إِنَّا نكونُ بالمغربِ، ومعنَا البَرْبَرُ والمَجُوسُ، نُؤْتَى بالكَبْشِ قد ذَبَحُوهُ، ونحنُ لا نأكلُ ذَبَائِحَهُم. ويَأْتُونَا بالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فيه الوَدَكَ. فقالَ ابنُ عبَّاس: قد سَأَلْنا رسولَ اللهِوَهِ عَنْ ذلكَ؟ فقالَ: ((دِبَاغُهُ طَهُورُه)). رواه أحمد (٢٧٩/١ - ٢٨٠)، ومسلم (٣٦٦). (٣٨) باب ما جاء في التيمم [٢٨٧] عن عائشةَ، قالتْ: خرجنا معَ رسولِ الله وَّه في بعضٍ و (قوله: ((إنما حَرُمَ أكلها))) خرج على الغالب مما تُراد اللحومُ له، وإلا فقد حرم حَمْلها في الصلاة، وبيعها واستعمالها، وغير ذلك مما يحرمُ من النجاسات. والله أعلم. (٣٨) ومن باب: ما جاء في التيمم التيمم في ((اللغة)»: القصد إلى الشيء؛ ومنه قول الشاعر(١): معنی التيمم تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِج(٢). (١) هو امرؤ القيس. (٢) وعجزه: يَقِيُ عَلَيْها الظُّلُّ عَرْمَضُها طامي. ٦١١ (٢) كتاب الطهارة - (٣٨) باب: ما جاء في التيمم أسفاره، حتَّى إذا كنَّا بالبَيْدَاءِ (أو بذاتِ الجَيْشِ) انقطعَ عِقْدٌ لي، فأقامَ رسولُ الله ◌ِوَ ﴿ على التماسِه، وأقامَ النَّاس مَعَهُ، وَلَيْسُوا على مَاءٍ، وليسَ مَعَهُم مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ إلى أبي بَكْرِ، فقَالُوا: ألا تَرى إلى ما صَنَّعَتْ عَائِشَةُ؟ أقامتْ برسولِ الله ◌ِوَهِ وبالنَّاس معه، ولَيْسُوا على مَاءٍ، وليسَ مَعَهم مَاءٌ. فجاءَ أبو بكر ورسولُ اللهِ﴿ وَاضِعٌ رأسَهُ على فَخِذِي قَدْ نَامَ. فقالَ: حَبَسْتِ رسولَ اللهِوَّهِ وَالنَّاسَ، ولَيْسُوا على مَاءٍ، وليس مَعَهُم مَاءٌ. قالتْ: فعاتَبني أبو بكرٍ، وقالَ: ما شاءَ اللهُ أن يقولُ، وجعلَ يَطْعَنُ بيدِه في خَاصِرَتي. فلا يَمنعُني من التَّحَرُّكِ إلا مكانُ رسولِ اللهِلّ على فَخِذي. فنامَ رَسِولُ اللهِ وَ﴿ِ حتَّى أصبحَ على غيرِ مَاءٍ. فأنزلَ الله آيَةَ التَّيمم فَتَيَمَّمُوا. فقالَ أُسَيْدُ بن الحُضَيْرِ (وهو أحدُ النُّقَباء): مَا هي بأوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أبي بَكْرٍ! فقالتْ عائشةُ: فَبَعَثْنَا البَعِيْرَ الذي كنتُ عليه فوجدْنا العِقْدَ تحتَه. أي: قصدت؛ وهو في الشرع: القصدُ إلى الأرض لفعل عبادةٍ مخصوصةٍ على ما يأتي. ((والبيداء، وذات الجيش)) موضعان قريبان من المدينة. و (قولها: انقطعَ عقدٌ لي) أضافتِ العقدَ لنفسها لأنه في حوزتها، وإلا فقد حرمة الأموال جاء في الرواية الآتية: أنها استعارَتْهُ من أسماء؛ وكون النبي ﴿ أقام بالناس على الحلال التماسه على حالة عدم الماء يدلُّ على حرمة الأموال الحلال، وأنها لا تُضاع، وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه مَن تأمّلها أدركها على قُرب. و (قوله: فأنزل الله آيةَ التيمّم) نسبَ الآية التي نزلتْ فيه وهو التيمم؛ وأما الوضوءُ فقد كان معروفاً مَعْمُولاً به عندهم. و (قولها: فبعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فوجدنا العقد تحته) جاء في البخاري في هذا الحديث: أنَّ رسولَ الله آ# وجده، وفي روايةٍ: أنه بعث رجلین؛ وفي أخرى: أنه بعثَ أناساً؛ وهذا كلُّه لا تناقضَ فيه، وهو صحيحُ المعنى؛ وذلك ٦١٢ (٢) كتاب الطهارة - (٣٨) باب: ما جاء في التيمم رواه أحمد (١٧٩/٦)، والبخاري (٣٣٤ و ٤٦٠٧)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١٦٣/١ - ١٦٤). [٢٨٨] وعنها، أنَّها استعارتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادةً فهلكتْ. فأرسلَ رسولُ اللهِ﴿ ناساً من أصحابِهِ فِي طَلَّبِهَا، فَأَدْرَكَتُهُم الصَّلاةُ فَصَلَّوا بغيرِ وُضُوءِ. فلمَّا أتوا النبيَّ ◌َ﴿هُ شَكَوْا ذلكَ إليهِ. فنزلتْ آيَةُ التَّيَّهُّم. فقالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرِ: جَزَاكِ اللهُ خَيْراً. فواللهِ! ما نزلَ بِكِ أمرٌ قَطُّ إلا جَعلَ اللهُ لكِ مِنْهُ مَخْرَجاً، وجعلَ للمسلمينَ فيه بَرَكَةً. رواه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١٦٣/١ - ١٦٤)، وابن ماجه (٥٦٨). أنه بعث أُسيد بن الحضير في أناسٍ فطلبوا؛ فلم يجدوا شيئاً في وجهتهم؛ فلمّا رجعوا أثاروا البعيرَ فوجدوه تحتهَ؛ وكون الأناس المبعوثين صلَّوا بغير وضوء صلاة فاقد ولا تيمّم دليل: على من صار إلى أنه إذا عدمهَما يصلّي، وهي مسألةٌ اختلف الطهورين العلماء فيها على أربعة أقوال: الأول: لا صلاة عليه ولا قضاء. قاله مالك، وابن نافع، والثوري، والأوزاعي، وأهل الرأي. الثاني: يُصَلِّي ويقضي، قاله ابنُ القاسم والشافعي. الثالث: يصلي ولا يعيد، قاله أشهب. الرابع: يقضي ولا يصلي. وسببُ الخلاف في هذه المسألة هل الطهارةُ شرطٌ في الوجوب أو في الأداء؟ ولا حُجَّة للمتمسّك بهذا الحديث على شيء من هذه المسألة؛ لأنَّ كونَ المبعوثين صلّوا كذلك رأي رأوه؛ ولم يبلغنا أنَّ النبيَّ وَلِ أقرَّهم على شيءٍ من ذلك؛ وأيضاً فإنه قال: فصلَّوا بغير وضوء؛ فنفى الوضوء خاصة، ولم يتعرّض للتيمم. فلعلّهم فَعَلُوا كما فَعَل عمَّار تمرّغوا في التراب. والله أعلم. ٦١٣ (٢) كتاب الطهارة - (٣٩) باب: تيُّم الجنب والتيمُّم لردِّ الإسلام (٣٩) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام [٢٨٩] عن شقيقٍ، قالَ: كنتُ جَالِساً مع عبدِ الله وأبي مُوسى، فقالَ أبو مُوسى: يا أبا عبدِ الرَّحمن! أرأيتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فلم يجدِ الماءَ شَهْراً. كيفَ يصنعُ بالصَّلاةِ؟ فقالَ عبد الله: لا يَتَيَمَّمُ وإنْ لم يجدِ المَاءَ (٣٩) ومن باب: تيُّم الجُنُب (قوله: ((لو أن رجلاً أجنب))) قال الفراء: يقال: أجنبَ الرجل، وجنب، من الجنابة؛ قال غيره: يقال: جُنُب؛ للواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث. قال ابنُ فارس: وقد قيل في الجمع: أجناب. والجنابة: البعد، ومنه قوله(١): فَلاَ تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ (٢) أي: بُعْدٍ. قال الأزهري: وسُمِّي: جُنُباً؛ لأنه نُهي أن يقربَ مواضع الصلاة لم شُمِّي الجنبُ ما لم يتطهر فيجتنبها. وقال الشافعي: إنما سُمِّي: جُنُباً من المخالطة. ومن كلام جُبّا؟ العرب: أجنب الرجل؛ إذا خالط امرأته. وهذا ضدُّ المعنى الأول، كأنه من القرب منها. وكان مذهبُ عبد الله بن مسعود: أن الجنبَ لا يتيمم؛ لأنه ليس داخلاً في تيمم الجنب عموم ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءُ﴾ [النساء: ٤٣] ألا تراه قد سلَّم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة. وكأنه كان يعتقدُ تخصيصَ العموم بالذّريعة. ولا بُعْدَ في القول به على ضَعْفه، وأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآيةَ لا تتناولُ الجنبَ رأساً؛ فمنعه التيمم لذلك، وتوقّف في حدیث عمار لكونه لم يذكره حین ذكّره به. وقد (١) القائل: علقمة بن عبدة. (٢) هذا صدر البيت وعجزه: فإنِّي امرؤٌ وَسْطَ القباب غريبُ. 1 1 ٦١٤ (٢) كتاب الطهارة - (٣٩) باب: تيُّم الجنب والتيمُّم لردِّ الإسلام شَهْراً. فقالَ أبو مُوسى: فكيفَ بهذه الآيةِ في سورةِ المَائدةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. فقالَ عبدُ الله: لو رُخِّصَ لهم في هذهِ الآيةِ، لأوشكَ، إذَا بَرَدَ عليهمُ المَاءُ، أنْ يَتْيَمَّمُوا بالصَّعِيْدِ. فقالَ صحَّ عن عُمَرَ وابن مسعود: أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمّم؛ وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ الآية بعمومها متناولةٌ له؛ ولحديث عمار، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسولُ الله # للرجل الذي قال له: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال له: ((عليكَ بالصَّعيد فإنه يكفيك)»(١) وهذا نصٍّ رافعٌ للخلاف. واختلف في الصعيد ما هو؟ فروي عن الخليل: أنه وَجْه الأرض. ويدلُّ عليه قولُ ذي الرُّمَّة : ما هو الصعيد؟ كَأَنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيْدَ بِهِ دَبّابَةٌ في عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ(٢) فعلى هذا فيجوز التيتُّمُ بكلِ ما كان من جِنْس الأرض باقياً على أصل أرضيته، وهو مذهبُ مالك، وأبي حنيفة؛ وقد صار عليٍّ رضي الله عنه: إلى أنه الترابُ خاصّة، وهو قولُ الشافعي، وأبي يوسف. وقولةٌ شاذّة عن مالك. وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)(٣)، ولا حُجَّة فيه؛ لأن الترابَ جزءٍ مما يتناوله وَجْهُ الأرض، فهو مساوٍ لجميع أجزائها؛ وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر، وصار هذا مثلَ قوله: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَفْلٌ وَرَُّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] والله أعلم. إیعاب الوجه في التيمم و (قوله: ((لأوشك))) أي: لأسرع. وقد تقدَّم. و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما كان يكفيك أن تقولَ بيديك هكذا)) خاطبه بإنما ليحصر له القَدْر (١) رواه أحمد (٤٣٤/٤)، والبخاري (٣٤٨)، والنسائي (١/ ١٧١). (٢) ديوان ذي الرمة (٣٨٩/١). (دَيَّابةٌ)): خمرٌ تدبُّ في العظام. ((خرطوم)): أول ما ينزل ويُؤْخَذ من الدَّنَّ. (٣) رواه مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة رضي الله عنه. ٦١٥ (٢) كتاب الطهارة - (٣٩) باب: تيمُّم الجنب والتيمُّم لردِّ الإسلام أبو مُوسى لعبدِ الله: ألم تسمع قولَ عَمَّار: بعثني رسولُ اللهِ﴿ فِي حَاجَةٍ فأجنبتُ، فلم أجدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيْدِ كَما تَمَرَّغُ الدَّابةُ. ثم أتيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ فذكرتُ ذلك له. فقالَ: ((إنَّما كانَ يَكْفِيْكَ أنْ تقولَ بِيَدَيْكَ هکذا» ثمَّ ضربَ بيديْهِ الأرضَ ضربةً وَاحِدةً، ثم مَسَحَ الشِّمَالَ على اليَمِيْنِ، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ؟ فقالَ عبدُ الله: أَوَ لمْ تَرَ عُمَر لم يَقْنَعْ بقولِ عَمَّار؟ . وفي رواية: وضربَ بيديْهِ إلى الأرضِ، فنفضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وكَفَّْهِ. الواجب؛ وهو أن يضربَ الأرضَ بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربةً أخرى فيمسح كفيه. ولم يُختلفْ أنَّ الوجهَ كلَّه لا بُدَّ من إيعابه. واختلفوا: هل الواجبُ أن يبلغَ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين(١)؛ إنما يُستحبّ الإيصالُ إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه. وهذا مذهبُ ابن القاسم، ومَسْحُه الشمال على اليمين مراعاةٌ لحال اليمين حتى تكونَ هي المبدوءُ بها. وكونه في هذه الرِّواية أخّر الوجه في الذِّكر؛ وكونه في الثانية قدّمه، يدلُّ: على عدم ترتیب الواو. ولم ينكر عمر على عمَّار إنكارَ قاطع بردّ الخبر، ولا لأن عماراً غير (٢) ثقة؛ بل منزلةُ عمار وعِظَمُ شأنه ومكانته كلُّ ذلك معلوم؛ وإنما كان ذلك من عمر لأنه لما نَسَبَّهُ إليه ولم يذكره توقّف عمر؛ ولذلك قال له: نولّيك من ذلك ما توليت، أي: ما تحمّلت عهدته ممّا ذكرته، حدّث به إن شئت. وقول عمار: إنْ شئتَ لم أُحَدِّثْ؛ ليس لضعفِ الحديث؛ ولا لأن عماراً شكَّ فيما رأى وروى؛ وإنما ذلك للزوم الطّاعة، وقد صرّح به. و (قوله: ((فنفضَ يديه فنفخَ فيهما))) حُجَّةٌ لمن أجاز نَفْضَ اليدين من التراب نفض الیدین من (١) (الكوع)): طرف الزند الذي يلي الإبهام. (٢) في (ل): ليس. ٦١٦ (٢) كتاب الطهارة - (٣٩) باب: تيمُم الجنب والتيعُّم لردِّ الإسلام رواه البخاري (٧١٠٩ و٧١٠٦)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣٢١)، والنسائي (١٧٠/١). [٢٩٠] وعن عبد الرحمن بن أَبْزَى، أنَّ رَجُلاً أتى عمرَ فقالَ: إِني أجنبتُ فلم أجدْ مّاءً. فقالَ: لَا تُصَلِّ. فقالَ عَمّارُ: أَّمَا تذكرُ يا أميرَ المؤمنينَ إذْ أنَا وأنتَ في سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنا، ولمْ نجدْ مَاءَ، فأمَّا أنتَ فلم تُصَلُ، وأمَّا أنَا فَتَمَعَّكْتُ في التُّرابِ وصَلَّيْتُ. فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أنْ تَضْرِبَ بَيَدَيْكَ الأرضَ، ثمَّ تَنْفُخَ، ثمَّ تُمْسَحَ بهما وَجْهَكَ وكَفَّيْكَ)) فقالَ عمرُ: اتَّقِ اللهَ، يا عَمَّارُ! قالَ: إن شِئْتَ لمْ أُحَدِّثْ بِهِ. فقالَ عمر: نُوَلِّيْكَ ما تَوَلَّيْتَ. وزادَ في روايةٍ - قالَ عَمَّارُ: يا أميرَ المؤمنينَ! إنْ شِئْتَ، لِمَا جعلَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ به أَحَداً. رواه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣١٨ - ٣٢٨)، والنسائي (١٦٥/١ - ١٧٠). [٢٩١] وعن أبي الجُهَيْم بنِ الحَارِثِ بن الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيُّ، قالَ: أقبلَ رسولُ الله ◌َّ﴿ مِن نَحْوِ بِئْرِ جَمَلِ. فَلَفِيَّهُ رجلٌ فسلَّمَ عليهِ. فلم يَرُدَّ التراب، وهو قولُ مالك، والشافعي؛ دون استقصاءٍ لما فيهما. لكن لخشية ما يضرّ به من ذلك، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه. و (قوله في حديث أبي الجُهَيْم(١): أقبل رسولُ اللهِصَلّر من نحو بئر جمل) هو موضعٌ معروفٌ بقرب المدينة. (١) في الأصول والتلخيص وصحيح مسلم: أبي الجهم، وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه. انظر رجال صحیح مسلم رقم (١٩٨٢). ٦١٧ (٢) كتاب الطهارة - (٣٩) باب: تيمُّم الجنب والتيمُّم لردِّ الإسلام رسولُ اللهِ وَل﴿ عليه، حتَّى أقبلَ على الجِدَارِ فمسحَ وجهَه ويَدَيْهِ، ثم ردَّ عليه السَّلامَ. رواه أحمد (١٦٩/٤)، والبخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩)، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي (١/ ١٦٥) كلهم من حديث أبي الجهيم رضي الله عنه . [٢٩٢] وعن ابن عمر، أن رجلاً مَرَّ، ورسولُ الله ◌ِوَهِ يَبُولُ، فسَلَّمَ. فلم يَرُدَّ عَلَيْهِ. رواه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (٣٣٠ و٣٣١)، والترمذي (٩٠)، والنسائي (٣٦/١). وقد استدلَّ البخاريُّ بهذا الحديثِ على جَواز التّيمّم في الحَضَر لمن خافَ فواتَ الوقت. وهذا الحديثُ يؤخذ منه: أن حضورَ سبب الشيء كحضور وقته؛ وذلك أنَّه هل يرفع التيمم لما سلَّم هذا الرجلُ على رسول الله ﴿، تعيّن عليهِ ﴿ الردُّ؛ [وخاف الفوت، الحدثين؟ فتيمّم. ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا، أن مَن خرج إلى جنازة متوضئاً فانتقض وضوءُه، أنه يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المُهَاجِر بن قنفذ أنه سلم على النبي ◌َ#](١) وهو يبولُ، فلم يردّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كنتُ كرهتُ أن أذكرَ الله إلا على طهارة))(٢). وهذا يُتَمِّمُ معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا. ذكر القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله: أنّ (١) ساقط من (ع). (٢) رواه أبو داود (١٧). ٦١٨ (٢) كتاب الطهارة - (٤٠) باب: المؤمن لا ينجس (٤٠) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له [٢٩٣] عن أبي هُريرةَ، أَنَّه لِقِيَهُ النبيُّ ◌ِ ﴿ فِي طَريقٍ مِن طرُقِ المَدينةِ وهو جُنُبٌ. فَانْسَلَّ فذهبَ فاغتسلَ، فَتَفَّقَّدَهُ النبيُّ وَ﴿ِ. فلمَّا جاءَه قالَ: ((أينَ كنتَ؟ يا أبا هريرة!)) قالَ: يا رسولَ اللهِ! لَقِيْتَنِي وَأنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أنْ أُجَالِسَكَ حتَّى أَغْتَسِلَ. فقالَ رسولُ اللهِوَله: ((سُبْحانَ اللهِ! إِنَّ المُؤْمِنَ .لا يَنْجُسُ)). رواه أحمد (٢٣٥/٢ و٣٨٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (٢٢٢)، والنسائي (١٤٥/١)، وابن ماجه (٥٣٤). مسلماً ذكره مقطوعاً؛ قال: وفي كتابه أحاديثُ يسيرةٌ مقطوعةٌ متفرّقةٌ في أربعة عشر موضعاً هذا منها. وفيه حُبَّةٌ لمن قال: إن التيمَّم يرفعُ الحدث، وهو ظاهِرُ قول مالك في الموطأ، ومشهور مذهبه: أنه مبيحٌ لا رافع. وقال الزهري، وابن المسيب، والحسن: يرفع الحدث الأصغر. وقال أبو سلمة: يرفع الحدثين جميعاً. (٤٠) ومن باب: المؤمن لا ینجس يقال: نجِس الشيء بالكسر، ينجَس بالفتح؛ ونُجُس بالضم؛ ينجس. ويقتبس منه: أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيّاً كان أو ميتاً، وأما طهارةُ الآدمي مطلقاً فلا تُتنزع منه بوجه؛ وقد اختلف في المسألتين، وسيأتي البحث فيهما في الجنائز. ٦١٩ (٢) كتاب الطهارة - (٤٠) باب: المؤمن لا ينجس [٢٩٤] وعن عائشةَ، قالتْ: كانَ النبيُّ ◌ِ﴿ يَذْكُرُ الله - عزَّ وجلَّ - عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رواه البخاري تعليقاً (١١٤/٢)، ومسلم (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، والترمذي (٣٣٨١)، وابن ماجه (٣٠٣). [٢٩٥] وعن ابن عَبَّاس، قالَ: كَّا عندَ النبيِّ ◌َ ﴿ فجاءَ مِنَ الغَائِطِ .. وأُتِيَ بِطَعَامٍ. فَقِيْلَ لَهُ: أَلَّ تَوَضَّأُ؟ قالَ: ((لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوضَّأَ؟)). وفي روايةٍ: ((مَا أَرَدْتُ صَلاةً فَأَتَوضَّأُ». رواه مسلم (٣٧٤). و (قوله: ((أأصلي فأتوضأ؟))) إنكارٌ على من عَرَض عليه غَسْلَ اليدين قبل الطعام. وبه استدلَّ مالكٌ على كراهة ذلك وقال: إنه من فِعْل الأعاجم؛ وقال مثله الثوري، وقال: لم يكن من فعل السلف. وحَمَله غيرُهما على إنكار كونه واجباً(١)؛ محتجاً بحديثٍ رواه أبو داود وغيره عنه عليه الصلاة والسلام: ((الوضوء قبل الطعام وبعده بركة))(٢). ويُنتزعُ من هذا الحديثِ أنَّ الوضوءَ بأصل مشروعيته إنما هو واجبٌ للصَّلاة وما في معناها، مثل: الطواف، لكن إذا حملنا الوضوءَ على العرفي. والله أعلم. (١) وهذا هو القول السديد والأولى بالاعتبار، ولا يخفى على أحدٍ ما في غسل اليدين قبل الطعام من الفوائد الصحية والنظافة، التي هي مما يدعو إليه دينُنا الحنيف. (٢) رواه أبو داود (٣٧٦١)، والترمذي (١٨٤٧) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه.