النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
(٢) كتاب الطهارة - (٢٦) باب: قدر الماء الذي يُغتسل به
[٢٥٠] وعن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، قالَ: دخلتُ على عائشةَ،
أنَا وأَخُوها من الرَّضَاعةِ. فسألَها عن غُسْلِ النبيِّ وََّ من الجَنَابَةِ؟ فَدَعَتْ
بِإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ، فاغتسلتْ، وبَيْنَنا وبينَها سِتْرٌ. فَأَفْرَغَتْ على رَأْسِها ثَلاثاً.
الواو فيبدلها همزة، فيقول: أصوع كما يقول أدؤرُ، وهو مكيالُ أهل المدينة
المعروف فيهم، وهو يسعُ أربعة أمداد، بمُدِّ النَّبِيَِّهِ. والمَكّوك، بفتح الميم
وتشديد الكاف، وهو مكيال، وهو ثلاث كِيلجاتٍ، والكِيلجة: مَناً وسبعة أثمان
مَناً، والمَنَا:" رطلان، والرطل: اثنتا عشرة أوقية، والأوقية: إستار وثلثا إستار،
والإستار: أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم:
ستّة دوانق، والدّانق: قيراطان، والقيراط: طسوجان، والطسوج: حبتان، والحبة:
سدس ثمن درهم، وهو جزءٌ من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم. والجمع
مكاكيك، كلّه من الصّحاح، وفي غيرها، وتجمع أيضاً مكاكي؛ وهو مكيالٌ لأهل
العراق، يسعُ صاعاً ونصف صاع بالمدني. قال الشيخ: والصحيح: أن المكوكَ
في حديث أنس المراد به المدّ؛ بدليل الرواية الأخرى فيه أيضاً: كان النبي وَله
يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.
تنبيه: اعلم أنَّ اختلافَ هذه المقادير، وهذه الأواني، يدل على أنه
عليه الصلاة والسلام لم يكن يراعي مقداراً مؤقتاً، ولا إناءً مخصوصاً، لا في
الوضوء ولا في الغسل، وأنّ كلّ ذلك بحسب الإمكان والحاجة؛ ألا ترى أنه تارةً
اغتسلَ بالفرَق أو منه، وأخرى بالصّاعِ، وأخرى بثلاثة أمداد.
والحاصل: أن المطلوبَ إسباغُ الوضوء والغسل من غير إسرافٍ في الماء، إسباغ الوضوء
وأنَّ ذلك بحسب أحوال المغتسلين، وقد ذهبَ ابنُ شعبان: إلى أنه لا يجزىء فى والغسل
ذلك أقلّ من مدٍّ في الوضوء، وصاع في الغسل. وحديثُ الثلاثة الأمداد يردّ عليه،
والصَّحیحُ الأول.
و (قوله: فاغتسلتْ وبيننا وبينها ستر) ظَاهِرُ هذا الحديث أنّهما أدركا عملها
1
أ

٥٨٢
(٢) كتاب الطهارة - (٢٦) باب: قدر الماء الذي يُغتسل به
قالَ: وكانَ أزواجُ النبيِّ وَ﴿ يأخذنَ من رُؤوسِهِنَّ حتَّى تكونَ كَالْوَفْرَةِ.
رواه أحمد (٧٢/٦)، والبخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠).
[٢٥١] وعنها، أنَّها كانتْ تغتسلُ هي والنبيُّ بَّهِ فِي إناءٍ وَاحِدٍ. یَسَعُ
ثلاثةَ أمْدادٍ، أو قَرِيباً مِن ذلِكَ.
وعنها، قالتْ: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ◌ِّهِ من إناءٍ - بيني وبينَه -
في رأسها وأعلى جسدها مما يحلّ لذي المحرم أن يطلع عليه، من ذوات محارمه.
وأبو سلمة ابنُ أخيها نسباً، والآخر أخوها رضاعة، وتحقّقا بالسّماع كيفية غسل ما
لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذلك لاكتفت بتعليمها بالقول؛ ولم تحتج إلى
ذلك الفعل، وقد شُوهد غسل النّبي ◌َ﴿ من وراء الثوب، وطؤطىء عن رأسه حتى
ظهر لمن أرادَ رؤيته، وإخبارُه عن كيفية شعورٍ أزواج النبي ◌َ﴿ يدلُّ: على رؤيته
شعرها، وهذا لم يُخْتَلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يُحكى عن ابن عباس من
كراهة ذلك.
معنى الوَفْرة
واللُّمَّة
و (قوله: ((حتى تكونَ كالوفرة))) الوفرة: أَسْبَغُ من الجُمَّة، [واللّمَّة: ما ألمَّ
بالمنكبين، قاله الأصمعي. وقال غيره: الوفرة أقلّها، وهي التي لا تجاوز الأذنين،
والجمَّة أكثر منها](١). واللِّمَّة: ما طال من الشعر؛ وقال أبو حاتم: الوفرة:
ما غطّى الأذنين، والمعروف أن نساءَ العرب إنما كُنَّ يتَّخذن القرونَ والذوائب،
ولعلَّ أزواجَ النبيِوَّهِفَعَلْنَ هذا بعد موتِه ◌ِوَهِ، تَرْكاً للزينة، وتَخْفِيفاً للمؤنة.
و (قول عائشة: إنها كانت تغتسلُ هي والنبي ◌ِ ﴾ من إناءٍ واحدٍ يسعُ ثلاثة
أمداد). تعني: مفترقين، أو سمَّت الصاع: مداً، كما قالت في الفرَق الذي كان
يسعُ ثلاثة آصُع، وكأنها قصدتْ بذلك التقريب، ولذلك قال فيه: أو قريباً من
(١) ساقط من (ع).

٥٨٣
(٢) كتاب الطهارة - (٢٦) باب: قدر الماء الذي يُغتسل به
واحدٍ. فيُادِرُني، حتى أقولَ: دَعْ لي، دَعْ لي. قالتْ: وهُمَا جُنُبانٍ.
رواه البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣٢١)، وأبو داود (٧٧)، والنسائي
(١/ ١٢٧).
[٢٥٢] وعن ميمونةَ، أنها كانتْ تغتسلُ هي والنبيُّ لنَّ في إناءٍ
واحدٍ. ومثله عن أم سلمة.
رواه البخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢)، والنسائي
(١٢٩/١).
ذلك؛ وإنما احتجنا إلى هذا التّأويل لأنَّه لا يتأتَّى ان يغتسلَ اثنان من ثلاثة أمدادٍ
لقلّتها. والله أعلم.
وهذا يدلُّ على استحباب التَّقليل مع الإسباغ. وهو مذهبُ كافة أهل العلم جواز اغتسال
والسُّنَّة، خلافاً للإباضية والخوارج. واتفق العلماءُ على جواز اغتسال الرجل الرجل وزوجته
وحليلته ووضوئهما معاً من إناء واحد، إلا شيئاً رُوي في كراهية ذلك عن
من إناء واحد
أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يردّه، وإنما الاختلافُ في وضوئه
أو غسله من فضلها، فجمهور السّلف وأئمة الفتوى على جوازه، وروي عن
ابن المسيّب، والحسن: كراهة فَضْل وضوئها، وكره أحمدُ فضلَ وضوئها،
وغسلها. وشرط ابنُ عمر: إذا كانت حائضاً أو جُنُباً، وذهب الأوزاعيُّ إلى جواز
تطهُّرِ كلّ واحدٍ منهما بفضل صاحبه(١) ما لم يكن أحدُهم جنباً، أو المرأة حائضاً.
وسببُ هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النَّهي الواردة في ذلك، ومن
صحّحها اختلفوا أيضاً في الأرجح منها، أو ممّا يعارضُها، كحديث ميمونة أنه
عليه الصلاة والسلام: ((كان يغتسل بفضلها))، وكحديث ابن عباس الذي خرّجه
الترمذي وصحّحه، قال فيه: ((اغتسل بعضُ أزواج النبي و 18 في جفنة، فأراد
(١) في (ع): أخيه.

٥٨٤
(٢) كتاب الطهارة - (٢٦) باب: قدر الماء الذي يُغتسل به
[٢٥٣] وعن عمرو بن دينار، قالَ: أكبرُ عِلْمِي، والذي يخطرُ على
بَالي، أنَّ أبَا الشَّعْثَاءِ أَخبرني، أنَّ ابنَ عبَّاس أخبرَه، أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ كانَ
يغتسلُ بفضلٍ ميمونة.
رواه أحمد (٣٦٦/١)، والبخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٣)،
والترمذي (٦٢)، والنسائي (١٢٩/١)، وابن ماجه (٣٧٢).
[٢٥٤] وعن أنس، قالَ: كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يَتَوَضَّأُ بالمدِّ، ويغتسلُ
بِالصَّاعِ، إلى خَمْسةِ أَمْدَادٍ.
النبيُّ وَ﴿ أن يتوضَّأ منه فقالت: إني كنتُ جُنُباً، فقال: ((إن الماءَ لا يُجْنِبُ))(١).
ولا شك في أنَّ هذه الأحاديثَ أصحُّ وأشهر عند المحدثين، فيكون العملُ بها
أولى، وأيضاً: فقد اتَّفقُوا على جواز غسلهما معاً، مع أنَّ كلَّ واحد منهما يغتسل
بما يُفْضِلُه صاحبه عن غَرْفه.
و (قول عمرو بن دينار: أكبر علمي، والذي يخطر ببالي أن أبا الشعثاء
أخبرني) ذهب بعضُهم إلى أنَّ هذا مما يسقط التمشُّكَ بالحديث؛ لأنه شكّ في
الإسناد، والصحيحُ فيما يظهر لي: أنه ليس بمُسْقِط له من وجهين:
أحدهما: أنّ هذا غالب ظنّ، لا شك، وأخبارُ الآحاد إنّما (٢) تفيدُ غلبةً
أخبار الآحاد
إنما تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضّعف، وذلك موجب للترجيح، بهذا
الظن
الحديث وإن لم يسقط؛ بأن عارضه ما جزم الراوي فيه بالرواية كان المجزوم به
أولی.
والوجه الثاني: أنّ حديثَ ابن عباس قد رواه الترمذي من طريق آخر،
وصحّحه كما قدّمناه؛ ومعناه: معنى حديث عمرو، وليس فيه شيءٌ من ذلك
التردّد، فصحّ ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠).
(٢) ساقط من (ع).

٥٨٥
(٢) كتاب الطهارة - (٢٧) باب: كم يُصبُّ على الرأس
وفي روايةٍ: ((يغتسلُ بخَمْس مَكَاكِيكَ ويتوضأُ بِمَكُّوكٍ)).
رواه أحمد (٢٨٣/٣ و٢٩٠)، ومسلم (٣٢٥)، والترمذي (٦١٠).
*
(٢٧) باب
كم يُصَبُّ على الرأس والتخفيف في ترك نقض الضفر
[٢٥٥] عن جُبير بن مُطعم، قالَ: تَمَارَوْا في الغُسْلِ عندَ
رسولِ اللهِ وَ له. فقالَ بعضُ القوم: أَمَّا أَنَا، فإنِّي أغسلُ رأسي كذا وكذا.
فقالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَّا أنَا، فإِنِّي أُفيضُ على رَأْسِي ثلاثَ أكُفِّ)).
رواه أحمد (٨٤/٤)، والبخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧)، وأبو داود
(٢٣٩)، والنسائي (٢٠٧/١).
[٢٥٦] وعن جابر، وقالَ له الحسنُ بن محمّد: إنَّ شَعْرِي كثيرٌ.
قالَ جابرٌ: فقلتُ له: يابنَ أَخي! كانَ شعرُ رسولِ الله أكثرَ مِن شَعْرِكَ
وأطيبَ.
رواه أحمد (٣٧٠/٣)، والبخاري (٢٥٥)، ومسلم (٣٢٨)
و (٣٢٩)، والنسائي (٢٠٧/١).
[٢٥٧] وعن أمِّ سَلمةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أَشَدُّ
ضَغْرَ رَأْسِي. أفأنقضُه للحَيْضَةِ والجَنابَةِ؟
(٢٧) ومن باب: كم يُصَبّ على الرأس
(قول أم سلمة: ((أفأنقضه للحيضة والجنابة))) صحيحُ الرواية: ((أفأنقضه)) الضُّفُر للرجال
بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعْدُ فيه من جهة المعنى، وقوله والنساء
حكم نقض
أ
1
أ
1

٥٨٦
(٢) كتاب الطهارة - (٢٧) باب: كم يُصبُّ على الرأس
قالَ: ((لا، إنَّما يَكْفِيكِ أن تَحْثِي على رَأْسِكَ ثلاثَ حَثَاتٍ، ثمَّ تُفِيْضِيْنَ
عليكِ الماءَ فَتَطْهُرِيْنَ».
عليه الصلاة والسلام لا يدلُّ على صحّة ما ذهبَ إليه مالك وغيره، من الرّخصة في
نَقْض الضُّفُر (١) مطلقاً للرجال والنساء، وقد منعه بعضُهم، منهم عبد الله بن عمر،
وقد أجازه بعضُهم للنساء خاصة، مُتَمَسِّكاً في ذلك بحديث ثوبان مرفوعاً: ((أمّا
الرجل فلينشر رأسه فليغسله، وأمّا المرأة فلا عليها ألا تنقضه لتغرف على رأسها
ثلاث غرفات بكفيها))(٢) أخرجه أبو داود. وهذا نصّ في التفرقة، غير أنَّ هذا
الحديثَ من حديث إسماعيل بن عياش، واختلف في حديثه، غير أنَّ الذي صار
إليه يحيى بن معين وغيره أن حديثَه عن أهل الحجاز متروك على كل حال،
وحديثه عن الشامیین صحیح، وهذا الحديثُ من حديثه عن الشامیین، فهو صحيحٌ
علی قول یحیی بن معین، وهذا فيه نظر؛ فإن کان ما قاله یحیی فالفرقُ واضح،
وإن لم يكن فَعَدَمُ الفرق هو القياس، لأن النساءَ شقائق الرجال، كما صار إليه
الجمهور.
.وجوب إيصال
تنبيه: لا يُفهم من التخفيف في تَرْك حلّ الضُّفُر التخفيف في إيصال الماء
الماء إلى داخل إلى داخل الضفر، لما يأتي في حديث أسماء بنت شَكَل(٣)، ولما صحّ من حديث
الضفيرة
عليٍّ مرفوعاً: ((من تركَ موضعَ شعرة من جنابة لم يغسلْها فُعِل به كذا وكذا من
النار)) قال عليٍّ: فمن ثَمَّ عاديتُ رأسي. وكان يَخْلِقه (٤).
و (قوله: ((إنما يكفيك))) حُجَّةٌ لمن يرى أن الواجبَ في الغسل(٥) العموم
(١) ((الضُّفُرُ)): جمع ضفيرة، وهي كلّ خصلة من الشعر مفتولة أو مجدولة على حدة.
(٢) رواه أبو داود (٢٥٥).
(٣) يأتي حديثها برقم (٢٥٩).
(٤) رواه أحمد (٩٤/١ و١٣٣)، وأبو داود (٢٤٩).
(٥) ساقط من (ع).
-
۔۔

٥٨٧
(٢) كتاب الطهارة - (٢٧) باب: كم يُصبُّ على الرأس
رواه أحمد (٣١٥/٦)، ومسلم (٣٣٠)، وأبو داود (٢٥١ - ٢٥٢)،
والترمذي (١٠٥)، والنسائي (١/ ١٣١).
[٢٥٨] وعن عُبيد بن عُمَيْرِ، قالَ: بلغَ عائشةَ أنَّ عبدَ الله بنَ عمرو
يَأْمرُ النساءَ، إذَا اغتسلنَ، أن يَنْقُضْنَ رؤوسهنَّ. فقالتْ: يا عَجباً لابنٍ عمرو
هذا! يأمرُ النساءُ، إذا اغتسلنَ، أنْ ينقضنَ رؤوسهنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أنْ
يحلقنَ رؤوسهن! لقد كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَّهِ مِنْ إناءٍ واحدٍ، ولا
أزيدُ على أَنْ أفرغَ على رَأْسِي ثلاثَ إِفْراغَاتٍ.
رواه مسلم (٣٣١).
فقط، وقد قدَّمنا القولَ في عدد الغرفات، وفي اشتراط التدليك، والحثيات: جمع
حثية، وهي الغَرْفة، وهي - هنا - باليدين، ويقال: حَثًا، يحثو، ويحثي حثية،
وحثوة، وحَثْياً، ومنه: ((احثوا التراب في وجوه المدَّاحين)) (١)، وهي الإفراغات
أيضاً في الحديث الآخر.
(١) رواه ابن حبان (٥٧٦٩) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.

٥٨٨
(٢) كتاب الطهارة - (٢٨) باب: صفة غسل المرأة من الحيض
(٢٨) باب
صفة غسل المرأة من الحيض
[٢٥٩] عن عائشةَ، أنَّ أسماءَ بنت شَكَلِ سأَلتِ النبيَّ ◌َّهِ عنِ غُسْلِ
المَحِيضِ؟ فقالَ: ((تأخذُ إِحدَاكُنَّ مَاءَها وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ.
ثم تصبُّ على رَأْسِها فَتَدْلُكُهُ دَلْكاً شَدِيْداً، حتَّى تَبْلُغَ شُؤونَ رَأْسِها. ثم
تصبُّ عليها الماءَ. ثمّ تأخذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا)) فقالتْ أسماءُ:
وكيفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فقالَ: ((سبحانَ الله! تَطَهَّرِيْنَ بِهَا)) فقالتْ عائشةُ (وكأنَّها
تُخْفِي ذلكَ): تَتَبَّعِيْنَ أثرَ الدَّم. وسأَلَتْه عن غُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فقالَ: ((تَأْخُذُ ماءً
فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أوَ تُبْلِغُ الطَّهُورَ. ثم تصبُ على رَأْسِها فَتَدْلُكُهُ،
(٢٨) ومن باب: صفة غسل المرأة من الحيض
(قوله: ((تأخذ إحداكنَّ ماءها وسدرتها))) السِّدر هنا: هو الغاسول المعروف،
وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهرُ الذي أمر باستعمال
السِّدر فيه؛ هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسلُ الثّاني هو للحيض.
تدليك جميع
البدن في الغسل
و (قوله: ((فتدلكه دلكاً شديداً)) حُجَّةٌ لمن رأى التدليك. فإن قيل: إنّما أمر
بهذا في الرأس ليعمّ جميع الشّعر؛ قلنا: وكذلك يُقال في جميع البدن. فإن قيل:
لو كان حكم جميع البدن حكم الرأس في هذا لبيّنه فيه كما بيّنه في الرأس، قلنا:
لا يحتاجُ إلى ذلك، وقد بيّنه في عضو واحد. وقد فُهم عنه: أن الأعضاءَ كلها في
حُكْم العضو الواحد، في عموم الغسل، وإجادته وإسباغه، فاكتفى بذلك، والله
تعالى أعلم. و «الشّؤُونُ)): هو أصل فرق الرأس وملتقاها، ومنها تجيء الدموع.
وذكرها مبالغة في شدة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس.
و (قوله: ((ثم تأخذ فِرْصَةً ممسّكة أو من مسْك))) الفِرْصة: صحيح الرواية

٥٨٩
(٢) كتاب الطهارة - (٢٨) باب: صفة غسل المرأة من الحيض
حتى تَبْلُغَ شُؤونَ رأسهَا، ثم تُفِيْضُ عليها الماءَ)). فقالتْ عائشةُ: نِعْمَ النساءُ
نساءُ الأنصارِ! لم يكنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أن يَتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ.
وفي أخرى: ((فِرْصَةً مِنْ مِسْكِ)).
فيها (١) بكسر الفاء وفتح الصّاد المهملة، وهي القطعةُ من الشَّيء، وهي مأخوذةٌ من
الفَرص، وهو: القطع، والمِفْرص والمِفراص: الذي تقطع به الفضة، وقد يكون
الفَرْص: الشقّ. يقال: فرصت النَّعْلَ؛ أي: شققت أذُنيها(٢). وأما ((ممسّكة:
فروايتنا فيها بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، ومعناه: مطيّبَةٌ
بالمسك، مبالغة في نفي ما يُكْره من ريح الدّم، وعلى هذا تصحّ رواية الخشني عن
الطبري: ((فرصة من مِسْك)) بكسر الميم. وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحین،
وقد أنكر ابنُ قتيبة هذا كلّه، وقال: إنما هو [((فُرضة)) بضم الفاء] (٣) وبالضاد
المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطَّيْبَ في مثل
هذا، وإنما هو مَسْك، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سُمِعَ
رباعياً، والمصدر إمساك، قيل: سُمع أيضاً ثلاثياً؛ فيكون مصدره مسكاً، قال
الشيخ: لقد أحسن مَن قال في ابن قتيبة: هَجُومٌ ولَجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد
أنكر ما صح من الرواية في فرصة، وجهل ما صحّح نَقْله أئمةُ اللغة، واختار ما
لا يلتئمُ الكلامُ معه، فإنه لا يصحُ أن يقال: خُذْ قطعةً من إمساك. وسوَّى بين
الصحابة كلّهم في الفقر وسوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مِسْك عند
التطهر والتنظف، مع أنَّ المعلومَ من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في
استعمال الطَّيْب من المسك وغيره، وإكثارهم مِن ذلك، واعتيادهم له، فلا يُلتفت
لإنكاره، ولا يُعَرَّج على قوله.
(١) ساقط من (ع).
(٢) قال في اللسان: فَرَّصْتُ النَّعْلَ؛ أي: خرقت أذنيها للشِّراك.
(٣) في (م): قرضة، بضم القاف.

٥٩٠
(٢) كتاب الطهارة - (٢٩) باب: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
رواه أحمد (١٤٧/٦)، والبخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٢)، وأبو
داود (٣١٤ - ٣١٦)، والنسائي (١٣٥/١ - ١٣٧).
(٢٩) باب
في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة
.[٢٦٠] عن عائشةَ، قالت: جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ إِلى
النبيِّ وَّ﴿ فقالتْ: يا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ. أَفَأَدَعُ
الصَّلاةَ؟ فقالَ: ((لا، إنَّما ذلكَ عِرْقٌ، وليس بالخَيْضَةِ.
وأما ((فرصة من مَسك)) فالمشهور فيه أنه بفتح الميم، ويراد به الجلد، أي:
قطعة منه. قال الخطابي: تقديره: قطعة من جِلْد عليها صوف، وقال أبو الحسن بن
سراجٍ: في ممسكة: مجلدة، أي: قطعة صوف لها جلد، وهو المَسْكُ ليكون
أضبطَ لها وأمكن لمسح أثر الدّم به؛ قال: وهذا مثل قوله: ((فرصة مسك)). وقال
القتبي: معنى ممسّكة: محتملة يُحتشى بها، أي: خُذي قطعةً من صوف أو قطن
فاحتمليها وامسكيها لتدفع الدّم، وأظُّه أنه قال لها: مُمْسَكَة. بضم الأولى وتسكين
الثانية وتخفيف السين مفتوحة، وقيل فيها: مُمْسِكة بكسر السين، اسم فاعل من
أمسك، كما قال في الحديث الآخر: ((أنعتُ لكِ الكرسف فإنه يُذْهِب الدم)»(١) أي:
القطن؛ والأقرب والأليق القول الأول؛ والله أعلم.
حکم الدم
السائل من
الجسم
(٢٩) ومن باب: الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
(قوله: ((إنما ذلك عرق))) دليلٌ لنا على العراقيين في أن الدمَ السَّائل من
(١) رواه أحمد (٤٣٩/٦)، وأبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨) من حديث حمنة بنت
جحش رضي الله عنها.

٥٩١
(٢) كتاب الطهارة - (٢٩) باب: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
فإذا أقبلتِ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ. فإذَا أدبرتْ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ وصَلِّي)).
رواه أحمد (٨٢/٦)، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣ و٣٣٤)،
وأبو داود (٢٨٢ - ٢٩٨)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي (١٨٣/١
و ١٨٥).
الجسد لا ينقضُ الوضوءَ، فإنه قال بعد هذا: ((فاغسلي عنك الدَّمَ وصلِّي)» وهذا
أصحُّ من رواية مَن روى: ((فتوضئي وصلِي)) باتفاق أهل الصَّحيح، وهو قولُ عامّة
الفقهاء؛ ويعني بقوله: ((ذلك عرق))؛ أي: عرق انقطعٍ فسال، أي: هو دم علّة.
ويدلُّ أيضاً: على أن المستحاضةَ حُكْمها حُكْمِ الطَّاهر مُطلقاً فيما تفعلُ من المستحاضة
العبادات وغيرها، فيطؤها زوجُها، خِلافاً لمن منع ذلك؛ وهو عائشةُ وبعضُ حكمها حكم
الطاهر
السلف.
و (قوله: ((فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة))) يدلُّ: على أن هذه المرأة
مميزة(١)؛ فإنَّه عليه الصلاة والسلام أحالها على ما تعرفُ من تغيّر الدم، وقد نصّ
على هذا في هذا الحديث أبو داود، فقال: ((إذا كان دمُ الحيض فإنه دم أسود
يُعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي)) (٢).
وبهذا تمسّك مالك في أن المستحاضةَ إنما تعملُ على التّمييز، فإن عدمته صلَّت
أبداً، ولم تعتبرْ بعادة خلافاً للشّافعي، ولا تتحيَّض في علم الله من كلّ شهر، خلافاً
لأحمد وغيره، وهو ردٌّ على أبي حنيفة حيث لم يعتبر التَّمييز.
و (قوله في حديث فاطمة: ((فإذا أدبرتِ الحيضةُ فاغسلي عنك الدَّم وصلِّي))) حكم من أدبرت
لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالك في هذا اللفظ، وقد فسَّره سفيانُ فقال؛ معناه إذا رأتِ واغتسلت ثم
حيضتها
الدمَ بعدما تغتسلُ تغسلُ الدمَ فقط، وقد رواه جماعةٌ وقالوا فيه: ((فاغْسلي عنك رأت دماً
(١) في (م): كبيرة.
(٢) رواه أبو داود (٢٨٦) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها.

٥٩٢
(٢) كتاب الطهارة - (٢٩) باب: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
[٢٦١] وعنها، أنَّ أُمَّ حبيبةَ بنتَ جَحْشِ (خَتَنَةَ رسولِ اللهِ وَه،
الدَّمَ ثم اغتسلي)) وهذا ردٌّ على مَن يقول: إنَّ المستحاضةَ تغتسلُ لكلِّ صلاة، وهو
قول ابن علية، وجماعة من السلف، وعلى مَن رأى عليها الجمعَ بين صلاتي النهار
بِغُسْل واحد، وصلاتي الليل بِغُسْل، وتغتسلُ للصّبح، ورُوي هذا عن عليٍّ
رضي الله عنه، وعلى مَن رأى عليها الغسلَ مِن ظهر إلى ظهر (١)؛ وهو مذهبُ
سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وغيرهم. وقد رُوي عن سعيدٍ خلافُه.
التعريف بام
حبيبة بنت
جحش
و (قوله: ((إنَّ أمّ حبيبةَ بنت جحش))) قال الدَّارقطني عن أبي إسحاق
الحربي: الصحيحُ قولُ مَن قال: أم حبيب، بلا هاء، واسمها: حبيبة. قال
الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح. وقال غيره: وقد روي عن عمرة عن عائشة
أن أم حبيبة .. الحديث وهي خَتَنَةُ(٢) رسول الله وَ الز، وقد قال فيه كثير من رواة
الموطأ: زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر
ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى وغيره، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، وهو وَهْمٌ
من مالك، فإن زينب بنت جحش هي أمّ المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن بن
عوف، إنما تزوّجها أولاً زيدُ بن حارثة، ثم تزوجها رسولُ اللهِ وَله، والتي كانت
تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة، كما جاء في كتاب مسلم على
ما ذكرناه؛ وقال أبو عمر: إن بناتٍ جحش الثلاث زينب، وأم حبيبة، وحمنة زوج
طلحة بن عبيد الله، كن يستحضن كلّهن، وقيل: إنه لم يستحضْ منهن إلا
أم حبيبة، وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه: ((الموعب في شرح الموطأ)) مثل
هذا، وأن اسمَ كلِّ واحدة منهن زينب، ولقبت إحداهن بحمنة، وكُنيت الأخرى
بأم حبيبة، وإذا صحَّ هذا فقد برّأ اللهُ مالكاً عن الوَهْم.
(١) قال الخطابي: إنما هو من طهر إلى طهر، وهو وقت انقطاع دم الحيض. وَرَسْمُ بعض
الأصول یوافق ما ذهب إليه الخطابي - رحمه الله -.
(٢) أي: أخت زوجته.

٥٩٣
(٢) كتاب الطهارة - (٢٩) باب: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
وتحتَ عبد الرحمن بن عَوْفٍ) اسْتُحِيْضَتْ سبعَ سنينَ. فاستفتتْ
رسولَ اللهِ﴿ في ذلكَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ هذِه ليستْ بالحَيْضِةِ،
ولكنَّ هذَا عِرْقٌ، فَاغْتَسِلِي وَصلِّي)).
قالتْ عائشةُ: فكانتْ تغتسلُ في مِرْكَنِ في حُجْرَةٍ أُختِها زينبَ بنت
جَحْشٍ. حتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الماءَ.
وفي رواية؛ فقالَ رسولُ اللهَِّةِ: ((امْكُنِي قَدْرَ ما كَانَتْ تَحْبِسُكَ
خَيْضَتُكِ، ثم اغْتَسِلي)) فكانت تغتسلُ عندَ كلِّ صلاةٍ.
و (قوله: ((ولكن هذا عرق فاغتسلي))) قد يتمسَّك به من يُوجِبُ الغُسْلَ على التفريق بين
المستحاضة من حيث أمرها بالغسل؛ وعلّله بكونه دَم عِرْق، وهذا لا حُجَّة فيه، لما الحيض
بيّن في الرواية الأخرى: أنَّ هذا الغسلَ إنما هو للحيضة؛ فإنه قال فيها: ((امكثي
قدر ما كانت تحبِسُك حَيضَتُكِ ثم اغتسلي)) وهذا اللفظُ قد يتمسَّك به مَن يقولُ إنها
تعتبرُ عادتها؛ وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه يحتمل أن يكونَ النبيُّ ◌َ ر أحالها على تقدير
الحيضة التي عرفت أولها بتغیر الدم، ثم تمادى بها بحيث لم تعرف إدباره، فردّها
إلى اعتبار حالتها في عَدَدِ أيامها المتقدّمة؛ قبل أن تصيبَها الاستحاضةُ، وفارق
حالُ أمِّ حبيبة حالَ فاطمة بنت أبي حبيش، بأنَّ فاطمةً كانت تعرفُ حيضتها بتغيّر
الدم، في إقباله وإدباره؛ وأمَّ حبيبة كانت تعرفُ إقبالَه لا غير. والله تعالى أعلم.
والاستحاضة
و (قوله: ((فكانت تغتسلُ في مِرْكَن))) المِرْكَنُ: الإِجَّانَةُ، وهي القصرية التي
تُغسل فيها الثياب كانت تقعدُ فيها فتَصُبُّ عليها الماءَ من غيرها، فيستنقعُ فيها فتعلو
حمرة الدم السائل منها الماءَ، ثم تخرجُ منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك
الماء المتغيّر بالدم.
و (قوله: ((فكانت تغتسلُ لكلِّ صلاة))) قال الليثُ: لم يقل ابنُ شهاب: إن
النبيَّ ◌َ﴿ أمرَ أمَّ حبيبة أن تغتسلَ عند كُلِّ صلاة، ولكنَّه شيءٌ فعلته. وقد رواه

٥٩٤
(٢) كتاب الطهارة - (٢٩) باب: في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
رواه أحمد (٨٣/٦)، والبخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، وأبو داود
(٢٨٨ - ٢٩١)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي (١٨١/١ -١٨٢).
ابنُ إسحاق عن الزهري، وفيه: ((فأمرها رسولُ اللهِ وَليِ أن تغتسلَ لكلِّ صلاة)»، ولم
يتابع أصحابُ الزهري ابنَ إسحاق على هذا، وأما قولُ مسلم في الأصل في حديث
حماد بن زيد: ((حرف تركنا ذكره))، هذا الحرف هو قوله: اغسلي عنك الدَّم
وتوضئي. ذكره النَّسائي(١)، وقال: لا نعلم أحداً [قال: وتوضئي](٢)، في الحديث
غير حمّاد. يعني - والله تعالى أعلم - في حديث هشام.
حكم وضوء
المستحاضة
وقد روى أبو داود وغيره، ذكر الوضوء من رواية عدي بن ثابت، وحبيب بن
أبي ثابت، وأيوب بن أبي مسكين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة(٣). ولم ير مالك
عليها الوضوء، وليس في حديثه، ولكن استحبه لها في قوله الآخر إما لرواية غيره
للحديث، أو لتدخلَ الصلاةَ بطهارةٍ جديدة، كما قال في سلس البول. وأوجبَ
عليها الوضوءَ أبو حنيفة، والشَّافعي، وأصحابُهما، والليثُ، والأوزاعي. ولمالك
أيضاً: نحوه، وكلُّهم مُجْمِعُون على أنها لا غُسْل عليها غير مرة واحدة عند إدبار
حيضتها، لكن اختلف في الغسل إذا انقطعَ عنها دمُ استحاضتها. واختلف فيه قولُ
مالك رحمه الله .
١
(١) رواه النسائي (١٨١/١ - ١٨٢).
(٢) ساقط من (م).
(٣) انظر سنن أبي داود (٢١٠/١).

٥٩٥
(٢) كتاب الطهارة - (٣٠) باب: لا تقضي الحائض الصلاة
(٣٠) باب
لا تقضي الحائض الصلاة
[٢٦٢] عن مُعاذةَ، قالتْ: سألتُ عائشةَ فقلتُ: ما بالُ الخَائِضِ
نَقْضِي الصَّوْمَ ولا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فقالتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لستُ
بِحَرُورِيَّةٍ. ولكنِّي أسألُ. قالتْ: كنَّا يُصِيْبُنا ذلكَ فَتُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ولا
نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ.
رواه أحمد (٢٥٠/٦)، والبخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥)، وأبو
داود (٢٦٢ و ٢٦٣)، والترمذي (١٣٠)، والنسائي (١٩١/١ -١٩٢).
(٣٠) ومن باب: لا تقضي الحائض الصلاة
(قول عائشة: ((أحرورية أنت))) إنكارٌ عليها أن تكونَ سمعتْ شيئاً من آراء
الخوارج في ذلك، وذلك أنَّ طائفةً منهم يرون على الحائض قضاء الصلاة؛ إذ لم لا صلاة تلزم
تسقط عنها في كتاب الله، على أصلهم في ردِّ السُّنَّة، على خلافٍ بينهم في تضاء عليها
الحائض ولا
المسألة، وقد أجمعَ المسلمون على خِلافهم، وأنه لا صلاة تلزمها، ولا قضاء
عليها. وفي كتاب أبي داود: أن سمرةً كان يأمرُ النساء بقضاء صلاة الحيض،
فأنكرت ذلك أم سلمة (١)، وكان قوم من قدماء السلف يأمرون الحائضَ أن تتوضأ
عند أوقات الصّلوات، وتذكرَ الله، وتستقبل القبلةَ جالسة. قال مکحول: كان ذلك
من هدي نساء المسلمين(٢)؛ واستحبّه غيره؛ قال غيره: هو أمرٌ متروكٌ عند جماعة
من العلماء؛ مكروه ممن فعله.
(١) لم نجده في سنن أبي داود، وإنما ذكره الأبي في (إكمال إكمال المعلم ١٠٤/٢) وعزاه
لأبي داود نقلاً عن القاضي عياض.
(٢) في (م): المؤمنين.

٥٩٦
(٢) كتاب الطهارة - (٣١) باب: سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة
(٣١) باب
سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة
[٢٦٣] عن أُمّ هانىءٍ بنتِ أبي طالبٍ، قالتْ: ذهبتُ إلى
رسولِ الله وَ﴿ عامَ الفتح، فوجدتُه يغتسلْ، وفاطمةُ ابنتُه تسترُه بثوبٍ.
وفي روايةٍ: ثم أخذَ ثوبَه فالتحفَ به. ثم صَلَّى ثمانيَ رَكَعاتٍ سُبْحَة
الضُّحَى.
رواه مسلم (٣٣٦).
[٢٦٤] وعن ميمونةَ، قالتْ: وضعتُ للنبيِّ وَلِّ ماءً وسترتُه
فاغتسلَ.
رواه أحمد (٣٣٦/٦)، ومسلم (٣٣٧)، والنسائي (٢٠٠/١).
[٢٦٥] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((لا ينظرُ
الرَّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا المرأةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأةِ.
(٣١) ومن باب: سترة المغتسل
تحريم النظر إلى
العورة
(قوله: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة)))
لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض؛ ووجوب سترها
عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختلف في كَشْفها في الانفراد؛ وحيث لا يراه
أحد، ولا خلافَ أن السّوأتين من الرجل والمرأة عورة، واختلف فيما عدا ذلك من
الركبة إلى السرة من الرجل هل هو عورة أم لا؟ ولا خلاف أنّ إبداءه لغير ضرورةٍ
قصداً ليس من مكارم الأخلاق، ولا خلافَ أنَّ ذلك من المرأة عورة على النساء
والرجال، وأن الحرةَ عورةٌ ما عدا وجهها وكفيها على غير ذوي المحارم من

٥٩٧
(٢) كتاب الطهارة - (٣١) باب: سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة
ولا يُفْضِي الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ولا تُفْضِي المرأةُ إلى
المرأةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ».
رواه أحمد (٦٣/٣)، ومسلم (٣٣٨)، وأبو داود (٤٠١٨)،
والترمذي (٢٧٩٤).
الرجال؛ وسائر جسدها على المحارم؛ ما عدا شَعْرها ورأسها وذراعيها وما فوق
نَحْرها؛ واختلف في حُكْمها مع النساء؛ فقيل: جسدُها كلّه عورة، فلا يرى النساءُ
منها إلا ما يراه ذو المحرم. وقيل: حُكْم النساء مع النساء حُكْم الرجال مع الرجال
إلا مع نساء أهل الذّمة؛ فقيل: حُكْمُهُنَّ فِي النَّظر إلى أجساد المسلمات حُكْم
الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] على خلافٍ بين المفسرين في
معناه، وحُكْم المرأة فيما تراه من الرجل حُكْم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه
من النساء. وقد قيل: حُكْم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من
المرأة، والأول أصح. وأمَّا الأمة: فالعورةُ منها ما تحت ثدييها، ولها أن تبدي
رأسَها ومعصمها؛ وقيل: حُكْمها حكم الرجال. وقيل: يُكره لها كَشْفُ معصمها
ورأسها وصدرها؛ وكان عمرُ يضربُ الإماءَ على تغطية رؤوسهن، ويقول:
لا تتشبهن بالحرائر .
وحكم الحرائر في الصَّلاة: ستر جميع أجسادهن إلا الوجه والكفين. وهذا عورة المرأة في
قولُ مالك، والشّافعي، والأوزاعي، وأبي ثور، وكافّة السّلف وأهل العلم. وقال الصلاة
أحمدُ بن حنبل: لا يرى منها شيءٍ ولا ظفرها. ونحوه قول أبي بكر بن
عبد الرحمن. وأجمعوا: أنها إنْ صلَّتْ مكشوفةَ الرأس كلّه أنَّ عليها إعادةَ الصلاة.
واختلفوا في بعضه، فقال الشَّافعي وأبو ثور: تُعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشفَ
أقلُّ من ثلثه لم تعد، وكذلك أقلّ من رُبْع بطنها، أو فخذها. وقال أبو يوسف:
لا تُعيد في أقلّ من النّصف. وقال مالك: تعيد في القليل والكثير من ذلك في

٥٩٨
(٢) كتاب الطهارة - (٣١) باب: سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة
[٢٦٦] وعن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: أقبلتُ بحَجَرٍ، أَحْمِلُهُ،
تَقِيْلِ. وعَلَيَّ إزارٌ خَفيفٌ. قال: فَانْحَلَّ إزَارِي ومعي الحَجَرُ. لم أستطعْ أن
أضعَه حتَّى بلغتُ به إلى مَوْضِعِهِ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ارجعْ إلى ثَوْبِكَ
فخذْه، ولا تَمْشُوا عُراً)).
رواه مسلم (٣٤١)، وأبو داود (٤٠١٦).
الوقت. واختلف عندنا في الأَمَةِ تصلّي مكشوفةَ البطن هل يجزئها أو لا بدَّ من
سترها جسدها؟ وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كلُّ شيءٍ من الأمة عورةٌ حتى
ظفرها، قال الشيخ - رحمه الله -: العورةُ في أصل الوضع: هي ما يُستحى من
الاطلاع عليه، ویلزم منه عار.
و (قوله: ((لا يفضي الرجلُ إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى
المرأة))) أي: لا يخلوان كذلك ليباشرَ أحدُهما عورةَ الآخر ويلمسها، ولمسها
محرّم، كالنّظر إليها، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائلِ بينهما فذلك من النساء
محرم على القول: بأن جَسَدَ المرأةِ على المرأة كلّه عورة، وحُكْمها على القول
الآخر؛ وحُكْم الرجال الكراهية؛ وهذا لعموم الثَّهي عنه، وصلاحية إطلاق لفظ
العورة(١) على ما ذكر مما اختلف فيه.
تحريم إفضاء
الرجل إلى
الرجل والمرأة
إلى المرأة في
ثوب واحد
(١) في (ع): العموم.
- - ...

٥٩٩
(٢) كتاب الطهارة - و (٣٣) باب: ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنْزِل
(٣٢) باب
ما يُستتر به لقضاء الحاجة
[٢٦٧] عن عبدِ الله بن جعفرَ، قالَ: أَرْدَفِنِي رسولُ اللهِ وَلِّ ذاتَ يومٍ
خلفَه. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيْئاً، لا أُحَدِّثُ به أَحَداً مِنَ النَّاس. وكانَ أَحَبَّ ما استترَ
به رسولُ اللهِوَ﴿ لحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أو حَائِشُ نَخْلٍ. يعني: خَائِطَ نَخْلٍ.
رواه مسلم (٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٣٤٠).
(٣٣) باب
ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنْزِلُ
[٢٦٨] عن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّ رسولَ الله وَّ مَرَّ على رَجُلٍ مِنَ
الأَنْصَارِ، فأرسلَ إليهِ، فخرجَ ورأسُه يَقْطُرُ. فقالَ: (لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟)) قَالَ:
نعم، يا رسولَ الله! قالَ: ((إذا أُعْجِلْتَ أو أُقْحِطْتَ،
(٣٢) [ومن باب: ما يُستر به لقضاء الحاجة](١)
(قوله: ((هدفٌ أو حائشُ نخل))) الهدف: ما ارتفع من الأرض، وكلّ مرتفع
هدف. وحائش النخل: مجتمعه. وهو الحُشُ والحَشُّ أيضاً.
(٣٣) ومن باب: الرجل يطأ ثم لا ينزل
(قوله: ((إذا أُعجلت أو أُقحطت))) الرواية بضم همزة أقحطت وكسر الحاء
مبنياً لما لم يسم فاعله؛ ولعله إتباع لأعجلت؛ فإنه لا يقال في هذا إلا: أَفحط
(١) العنوان ساقط من الأصول، واستدركناه من صحيح مسلم.

٦٠٠
(٢) كتاب الطهارة - (٣٣) باب: ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنْزِل
فلا غُسْلَ عليكَ، وعليكَ الوُضُوءُ».
وفي رواية؛ فقالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ)).
الرجل إذا لم ينزل، بالفتح، كما يقال: أقحط القوم؛ إذا أصابهم القحط، وهذا
منه. وأصله: من قَحط المطر، بالفتح، يقحط قحوطاً: إذا احتبس. وقد حكى
الفراء: قحط المطر بالكسر، يقحط، ويقال: أُقحط الناس وأَقحطوا بالضم والفتح،
وقَحطوا، وقُحطوا كذلك؛ وهو - هنا - عبارة عن الإكسال، وهو عدم الإنزال.
وفي الأفعال: كَسِل بكسر السين: فتر، وأكسل في الجماع: ضعف عن الإنزال،
وقد روى غيره یکسل ثلاثياً ورباعیاً.
وجوب الغسل
و (قوله: ((فلا غسل عليك وعليك الوضوء))) كان هذا الحكمُ في أول
على من جامع الإسلام ثم نسخ بعد، قاله الترمذي وغيره. وقد أشار إلى ذلك أبو العلاء بن
الشخِّير وأبو إسحاق، قال ابن القصّار: أجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من
ولم يُنزل
تقدّم على الأخذ بحديث: ((إذا التقى الختانان))(١)؛ وإذا صحَّ الإجماعُ بعد الخلاف
كان مسقطاً للخلاف؛ قال القاضي عياض: لا نعلمُ مَن قال به بعد خلاف الصحابة
إلا ما حُكي عن الأعمش، ثم بعده داود الأصبهاني؛ وقد روي أن عمرَ حَمَلَ الناسَ
على ترك الأخذ بحديث: ((الماء من الماء)) لما اختلفوا فيه. قال الشيخ
- رحمه الله -: وقد رجع المخالفون فيه من الصَّحابة عن ذلك حين سمعوا حديثي
عائشة؛ فلا يُلتفت إلى شيءٍ من الخلاف المتقدِّم ولا المتأخِّر في هذه المسألة،
الذي تقرّر فيها من الأحاديث الآتية والعمل الصّحيح.
و (قوله: ((إنما الماءُ من الماء))) حَمَلَه ابنُ عباس على أن ذلك في الاحتلام
فتأوله؛ وذهب غيره من الصحابة وغيرهم إلى أن ذلك منسوخٌ كما تقدّم؛ وكما
يأتي بَعْدُ.
(١) رواه أحمد (٢٣٩/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.