النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
(٢) كتاب الطهارة - (١٦) باب: النهي أن يُيال في الماء الراكد
وقالَ: ((إذَا ولغَ الكلبُ في الإناءِ فَاغْسِلُوهُ سبعَ مَرَّاتٍ، وعَفِّرُوهُ الثامنةَ في
التُرابِ».
رواه أحمد (٨٦/٤)، ومسلم (٢٨٠)، وأبو داود (٧٤)، والنسائي
(١/ ١٧٧).
(١٦) باب
النهي أن يُبالَ في الماء الراكد،
وصب الماء على البول في المسجد
[٢١٧] عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم في
المَاءِ الدَّائمِ ثم يغتسلُ مِنْهُ».
رواه أحمد (٣٤٦/٢ و٣٦٢)، والبخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢)،
وأبو داود (٦٩ و٧٠)، والترمذي (٦٨)، والنسائي (٤٩/١).
(١٦) ومن باب: النهي عن البول في الماء الراكد
(قوله: ((لا ییولن أحدكم في الماء الدائم)) يعني به: الذي لا يجري. وقد
جاء في لفظ آخر: ((الراكد))؛ أي: الساكن.
و (قوله: ((ثم يغتسلُ منه))) الرواية الصحيحة: يغتسل برفع اللام، ولا يجوز
نصبها، إذ لا ينتصب بإضمار أن بعد ثم. وبعضُ الناس قيَّده: ((ثم يغتسلْ)) مجزومة
اللام على العطف على: لا يبولن، وهذاليس بشيء، إذلو أراد ذلك لقال: ثم
لا يغتسلنّ؛ لأنه إذ ذاك يكون عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة،
وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون الشديدة،

٥٤٢
(٢) كتاب الطهارة - (١٦) باب: النهي أن يُيال في الماء الراكد
[٢١٨] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((لا يَغْتَسِلُ أحدُكم في المَاء
فـإن المحلَّ الذي توارد عليه هو شيء واحد؛ وهو الماء؛ فعدوله عن ((ثم
لا يغتسلنَّ)) إلى ((ثم يغتسل)) دليل على أنه لم يُرِدِ العطف، وإنما جاء: ((ثم يغتسل))
على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاجُ إليه، فيمتنعُ عليه
استعماله، لِما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله وَلفيه: ((لا يضرب أحدكم امرأته
ضرب الأمة ثم يضاجعها))(١) برفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم؛ ولا يتخيّله
فيه؛ لأنَّ المفهومَ منه: أنه إنما نهاه عن ضَرْبها؛ لأنه يحتاجُ إلى مضاجعتها في ثاني
حال، فتمتنعُ عليه لما أساء من معاشرتها؛ فيتعذّر عليه المقصود لأجل الضرب.
وتقدیرُ اللفظ ثمّ هو یضاجعها، وثم هو یغتسل.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لمن رأى أنَّ قليلَ النجاسة يُنجس قليلَ الماء، وإن لم
تغيّره، وهو أحدُ أقوال مالك، ومشهورُ مذهبه في رواية المدنيين أنه طهور، لكنه
مكروه مع وجود غيره. ويصحّ أن يُحْمَلَ هذا الحديثُ على أنه إذا أُبيح البولُ فيه
أدّى إلى تغيّره، فحميت الذَّريعة بالنَّهي عن البول. ومذهب السلفِ والخلفِ أنه
لا فَرْقَ بين النَّهي عن البول فيه وبين صبٌّ بول فيه، ولا بين البول والغائط، وسائر
النَّجاسات كلها، وذهب من أذهبه الله عن فَهْم الشريعة، وأبقاه في درجة العوام،
وهو داود من المتقدّمين، وابن حَزْم من المتأخّرين المجترئين: على أن ذلك
مقصورٌ على البول فيه خاصة، فلو صبّ فيه بولاً أو عذرة جاز ولم يضر ذلك
الماء. وكذلك لو بال خارج الماء فجرى إلى الماء لم يضرّه عندهما، ولم يتناوله
النّهي. ومَن التزم هذه الفضائحَ وجَمَد هذا الجمود، فحقيقٌ أَلَّا يُعدَّ من العلماء،
بل ولا في الوجود، ولقد أحسن القاضي أبو بكر - رحمه الله - حيث قال: إنَّ أهل
(١) ذكره ابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٤٧) بهذا اللفظ، ولم يعزه لأحد. ورواه بنحوه
البخاري (٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٠) من حديث عبد الله بن زمعة
رضي الله عنه. وانظر: عشرة النساء رقم (٢٨٤).
البول في الماء
الراكد

٥٤٣
(٢) كتاب الطهارة - (١٦) باب: النهي أن يُبال في الماء الراكد
الدَّائِمِ وهُو جُنُبٌ)) فقالَ: كيفَ يفعلُ يا أبا هريرة؟ فقالَ: يَتَنَاوَلُه تَنَاؤُلاً .
رواه مسلم (٢٨٣)، والنسائي (١/ ١٩٧).
[٢١٩] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: بينَما نحنُ في المسجدِ معَ
رسولِ اللهِ وَ﴿ل إذ جاءَ أَعرابيٌّ، فقامَ يبولُ في المَسْجِدِ. فقالَ أصحابُ
رسول الله وَله: مَهْ مَهْ. قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَله: ((لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ»
الظاهر ليسوا من العلماء، ولا من الفقهاء، فلا يعتد بخلافهم، بل هم من جُملة
العوام. وعلى هذا جلُّ الفقهاء والأصوليين. ومن اعتدّ بخلافهم، إنما ذلك لأن
من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام؛ فلا ينعقد الإجماعُ مع وجود خلافهم. والحقّ:
أنه لا يعتبر إلا خلافُ من له أهلية النظر والاجتهاد، على ما يذكر في الأصول.
و (قول أبي هريرة لما قيل له: كيف يفعل؟ قال: ((يتناوله تناولاً))) يعني: أن
يتناول منه، فیغتسل خارجه، ولا ینغمس فيه. وهذا کما قال مالك، حیث سُئِل عن
نحو هذا؛ فقال: يحتال. وهذا كلُّه محمول على غير المستبحر(١). وأما إذا كان الماء الذي
كثيراً مستبحراً بحيث لا يتغير فلا بأس به إذ لم يتناوله الخبر، وللإجماع: على أن لا تضرّه النجاسة
الماء إذا كان بحيث لا تسري حركةُ المغتسل أو المتوضىء إلى جميع أطرافه فإنه
لا تضره النجاسة إذا لم تغيره، وهو أقصى ما فُرّق بين القليل والكثير في المياه.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: (مَهْ مَهْ)) هي: اسمٌ مِن أسماء الأفعال، بمعنى كُفّ، وهي ساكنة
الهاء، ويقال: بَهْ بَه بالباء بدل الميم، فإن وصلته نوّنت: مهٍ مهٍ، ويقال: مهمهت
به أي: زجرته.
النهي عن قَطْع
البول على
ولا تزرموه: بتقديم الزاي، أي: لا تقطعوا عليه بوله، [يقال: زرِم بوله، الآخرين
(١) ((المستبحر): الذي يُعَدّ كالبحر.
1
۔

٥٤٤
(٢) كتاب الطهارة - (١٦) باب: النهي أن يُيال في الماء الراكد
فَتَرِكُوه حتَّى بالَ. ثم إنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ِدَعاه فقالَ له: ((إنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ
لا تصلحُ لشيءٍ من هذا البَوْلِ ولا القَذَرِ .
بكسر الراء؛ أي: انقطع، وأزرمه غيره إزراماً. وفي الحديث: ((لا تزرموا)) أي:
لا تقطعوا عليه بوله](١). ويحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشرَ النجاسةُ وتكثر،
ولئلا يضرّه قطعه، ولیرفق به.
الفرق عند
الشافعية بين
ورود الماء على
النجاسة
والعكس
وقد فرّقت الشافعية بين ورود الماء على النّجاسة وورود النجاسة على الماء
تمسّكاً بهذا الحديث، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا كان الماءُ قَّتين لم يحمل
الخبث))(٢) فقالوا: إذا كان الماءُ دون القلّتين فحلّت به نجاسةٌ تنجّس؛ وإن لم
تغيّره، وإن ورد ذلك القدرُ فأقلّ على النجاسة فأذهب عينها بقي الماءُ على
طهارته، وأزال النَّجاسة. وهذه مناقضةٌ؛ إذ المخالطةُ قد حصلتْ في الصُّورتين،
وتفريقهم بورود الماء على النَّجاسة وورودها عليه فَرْقُ صُوريّ ليس فيه من الفِقْه
شيءٌ، وليس البابُ من باب التعبّدات، بل هو من باب عقلية المعاني، فإنه من
باب إزالة النَّجاسة وأحكامها، ثم هذا كلّه منهم يردّه قولُه عليه الصلاة والسلام:
((الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيء إلا ما غيّر لونه أو رائحته أو طعمه)) (٣).
و (قوله: ((إنَّ هذه المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ من هذا البول ولا القذر)) حجّة
المالك: في مَنْع إدخال الميت المسجد وتنزيهها عن الأقذار جملةً، فلا يُقَصّ فيها
شعر، ولا ظفر، ولا يتسوّك فيها؛ لأنه من باب إزالة القذر، ولا يُتَوضّأ فيها، ولا
يُؤكل فيها طعامٌ منتنُ الرائحة، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.
تنزيه المساجد
عن الأقذار
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (م).
(٢) رواه أحمد (١٢/٢)، وأبو داود (٦٣ - ٦٥)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١٧٥/١)
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(٣) رواه أحمد (١٦/٣ و٣١ و٨٦)، وأبو داود (٦٦)، والنسائي (١٧٤/١) من حديث
أبي سعيد رضي الله عنه.

٥٤٥
(٢) كتاب الطهارة - (١٧) باب: نضح بول الرضيع
إنَّما هِي لذكرِ الله، والصَّلاةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ)) أو كما قالَ رسول الله وَلَ. قالَ
فأمرَ رَجُلاً مِن القَوْمِ، فجَاءَ بِدَلْوِ مِنْ مَاءٍ، فشَنَّه عليه.
رواه أحمد (١٩١/٣)، والبخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤)،
والنسائي (٤٨/١).
(١٧) باب
نضح بول الرضيع
[٢٢٠] عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله وَهِ كَانَ يُؤْتَى بالصِّبِيَانِ، فيُبَرِّدُ
علیھم ويُحنِكُهُم.
و (قوله: ((إنما هي لذكر الله والصَّلاة وقراءة القرآن))) حجّةٌ لمالك: في أن
المساجدَ لا يُفْعَلُ فيها شيءٌ من أمور الدنيا، إلا أن تدعوَ ضرورةٌ أو حاجةٌ إلى
ذلك، فيتقدر بقدر الحاجة فقط، كَنَوم الغريب فيه وأكله.
و (قوله: ((فجاء بدلو من ماء فشَنَّه عليه))) يُروى بالسّين وبالشّين، أي:
صبّه، وفرَّق بعضُهم بينهما فقال: السين مهملة: صبٍّ في سهولة. ومعجمة: صبُّ
في تفريق، ومنه حديث عمر: ((كان يسنُّ الماء على وجهه ولا يشنّه))(١). وفيه
حُجَّةٌ للجمهور: على أن النجاسةَ لا يطهرها الجفوفُ بل الماء، خلافاً النجاسة
لأبي حنيفة.
لا يطهرها
الجفوف
(١٧) [ومن باب: نضح بول الرّضيع] (٢)
(قوله: ((كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم))). ((يبرك عليهم)): يدعو وتحنيكه
الدعاء للمولود
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٤١٣/٢).
(٢) العنوان ساقط من الأصول، وأثبتناه من التلخيص.
.
۔

٥٤٦
(٢) كتاب الطهارة - (١٧) باب: نضح بول الرضيع
فأَتِيَ بصبيٍّ فبالَ عليه. فدعا بماءٍ، فأتبعَه بولَه ولم يَغْسِلْهُ.
وفي روايةٍ: بصبيِّ يَرْضَعُ.
رواه أحمد (٤٦/٦)، والبخاري (٥٤٦٨)، ومسلم (٢٨٦)،
والنسائي (١/ ١٥٧).
لهم بالبركة. ((ويحنكهم)): يمضغ التمر، ثم يدلكه بحنك الصبي. وكلّ ذلك تبرك
بالنبي ◌َ﴾ .
ويؤخذ منه التبرك بأهل الفضل، واغتنام أدعيتهم للصبيان عند ولادتهم.
و (قوله: ((فأُتي بصبي فبال عليه))) تعسَّف بعضُهم وقال: إن الضميرَ عائدٌ
على الصبي نفسه، وهذا وإن كان هذا اللفظ صالحاً له، غير أنَّ في حديث
أمّ قيس: ((فبال في حجر رسول الله (وَ لات)). فبطل ذلك التأويل.
و (قوله فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله)) يعني: رشّه عليه، وقد رُوي:
«فصبه علیه ونضحه)). وكلها بمعنى واحد.
◌ُْم بول
الصبي
واستدلّ بهذا الحديث: على طهارة بول الصَّبي الذي لم يأكل الطّعام - الذكر
دون الأنثى - الشافعيّ، وأحمد، والحسن، وابن وهب. ورواها الوليد بن مسلم
عن مالك، وحُكي ذلك عن أبي حنيفة، وقتادة، وتمسكوا أيضاً: بما رواه النَّسائي
عن أبي السمح مرفوعاً: ((يُغسل من بول الجارية ويُرش من بول الغلام))(١) وهو
صحيح. ومشهورُ مذهب مالك وأبي حنيفة (٢): القول بنجاسة بول الذّكر والأنثى،
وهو قول الكوفيين، تمسّكاً بقوله عليه الصلاة والسلام: ((استنزهوا من البول فإن
(١) رواه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (١٥٨/١).
(٢) ساقط من (ع).

٥٤٧
(٢) كتاب الطهارة - (١٧) باب: نضح بول الرضيع
[٢٢١] وعن أُمِّ قَيْس بنتِ مِحْصَنٍ، أنَّها أَتَتْ رسولَ الله وَّر بابنِ
لَهَا، لم يبلغْ أنْ يأكلَ الطَّعامَ، فبالَ في حِجْرِ رسول الله ◌َِّ فدَعا
رسولُ اللهِوَ﴿ بماءٍ فَنَضَحُه على ثوبِهِ، ولم يَغْسِلْهُ غَسْلاً.
رواه البخاري (٥٧١٨)، ومسلم (٢٨٧)، وأبو داود (٣٧٤)،
والترمذي (٧١)، والنسائي (١/ ١٥٧).
عامة عذاب القبر منه))(١)، وبقوله في حديث القبرين: ((كان لا يستتر من البول))(٢)
وهو عموم، وقد روي عن مالكِ القول بطهارة بول الذكر والأنثى، وهو شاذٌ في
النقل والنظر، وذلك أن مستندَه قياسُ الأنثى على الذكر، وقد فرّق النصّ الصحيحُ
بينهما، فالقياسُ فاسدُ الوضع. قال الشيخ - رحمه الله -: والعجب ممن يستدل
برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدلّ على ذلك؛
وغاية دلالته على التَّخفيف في نوع طهارته، إذ قد رخّص في نضحه ورشّه، وعفا
عن غَسْله تخفيفاً، وخصّ بهذا التخفيف الذكر دون الأنثى: لملازمتهم حَمْل
الذكران؛ لفرط فرحهم بهم، ومحبّتهم لهم. والله أعلم.
(١) رواه الدارقطني في سننه (١٢٨/١) وقال: الصواب مرسل.
(٢) يأتي تخريجه برقم (٢٢٥).

٥٤٨
(٢) كتاب الطهارة - (١٨) باب: غسل المني من الثوب
(١٨) باب
غسل المنيّ من الثوب وغسل دم الحيض
[٢٢٢] عن عَلْقمةَ والأسودِ، أنَّ رجلاً نزلَ بعائشةَ، فأصبحَ يغسلُ
ثوبَه. فقالتْ عائشةُ: إنَّما كانَ يُجْزِئُكَ أنْ رأيتَه أنْ تغسلَ مكانه، فإنْ لم تَرَ
نَضَحْتَ حولَه، ولقدْ رَأيْتُنِي أَفْرُكُه مِن ثَوْبِ رسولِ الله ◌َّهِ فَرْكاً، فيُصَلِّي
فیهِ .
وفي روايةٍ، قالتْ: هَلْ رأيتَ فِيهما؟ - يَعني: في ثَوْبَيْكَ شَيئاً -،
قلت: لا.
قَالَتْ: فلو رأيتَ شَيْئاً غسلتَه. لقد رأيتُني وإني لأَحُكُهُ مِن ◌َوْبٍ
رسولِ اللهِ وَّهِ يَابِساً بظُفُرِي.
رواه أحمد (٩٧/٦ و١٣٥)، والبخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨)
و (٢٩٠)، وأبو داود (٣٧١ - ٣٧٣)، والترمذي (١١٧ و١١٨)، والنسائي
(٥٦/١).
(١٨) ومن باب: غسل المني
(قولها: ((إنما كان يجزئك أن رأيته أن تغسل مكانه))) يجزئك: يكفيك، وأن
رأيته: بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها: أنها مفعولةٌ بإسقاط حرف الجر، تقديره: لأن
رأيته، أو: من أجل، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك: أن تغسلَ مكانه،
حكم المنيّ مفتوحة أيضاً على تأويل المصدر، وهو الفاعلُ بيجزئك. وهذا من عائشة يدلّ:
على أن المنيَّ نجس، وأنه لا يُجزىء فيه إلا غَسْله، فإنها قالت: ((إنما)) وهي من
حروف الحصر، ويؤيِّد هذا ويُوضِّحه قولها: ((فإن لم تَرَ نضحت حوله)». فإن
النضحَ إنما مشروعيته حيث تحققت النجاسة، وشُكَّ في الإصابة، كما قال عمر بن

٥٤٩
(٢) كتاب الطهارة - (١٨) باب: غسل المني من الثوب
[٢٢٣] وعن سُليمانَ بنِ يَسَارِ، قالَ: أَخْبَرَتْنِي عائشةُ، أنَّ
رسولَ الله ﴿ كانَ يغسلُ المَنِيَّ ثمَّ يخرجُ إلى الصَّلاةِ في ذلكَ الثَّوْبِ. وأَنَّا
أنظرُ إلى أثرِ الغَسْلِ فيهِ.
رواه البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩)، وأبو داود (٣٧٣)،
والترمذي (١١٧)، والنسائي (١٥٦/١)، وابن ماجه (٥٣٦).
الخطاب رضي الله عنه، حيث أصبح يغسل جنابةً من ثوبه فقال: أغسلُ ما رأيت،
وأنضحُ ما لم أرَ(١).
وهذا مذهبُ السَّلف، وجمهور العلماء، وذهب الشافعيُّ وكثيرٌ من
المحدِّثين: إلى أنه طاهر، متمسِّكين بقول عائشة: ((لقد رأيتني أفرُكُه من ثوب
رسول الله ﴿ فَرْكاً فيصلِّي فيه)) وبقولها: ((ولقد رأيتني وإني لأحكّه من ثوب
رسول الله ﴿ يابساً بظُفُري))، وهذا لا حُجَّة فيه لوجهين:
أحدهما: أنها إنما ذكرتْ ذلك مُخْتَجَّةً به على فُتياها؛ بأنه لا يجزىء فيه إلا
الغسل فيما رؤي منه، والنضح فيما لم يُر، ولا تتقرّر حُجَّتُها إلا بأن تكون فركته
وحگَّته بالماء، وإلا ناقض دلیلُها فُتياها.
وثانيهما: أنها قد نصّت في الطريق الأخرى: ((أن رسول الله (چ كان يغسل
المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظرُ إلى أثر الغَسْل فيه»
لا يقال: كان غَسْلُه إياه مبالغةً في النظافة، لأنا نقول: الظاهر من غَسْله للصلاة
وانتظار جفافه وخروجه إليها وفي ثوبه بقع الماء؛ أن ذلك إنما كان لأجل نجاسته،
وأيضاً: فإنَّ مناسبة الغسل للنجاسة أصلية؛ إذ هي المأمورُ بغسلها، فَحَمْل الغسلِ
على قَصْد النجاسة أولى، ألا ترى أنَّ الشافعية استدلوا على نجاسة الكلب بالأمر
بغسل الإناء منه، ولم يُعرِّجوا على احتمال كونه للنّظافة، وكذلك نقول نحن في
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٥٠).
أ
1
أ

٥٥٠
(٢) كتاب الطهارة - (١٨) باب: غسل المني من الثوب
[٢٢٤] وعن أسماءَ، قالتْ: جَاءَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ لَّهِ فقالتْ:
إِحْدَانا يُصِيْبُ ثوبَها مِن دَم الحَيْضَةِ. كيفَ تصنعُ بِهِ؟ قالَ: ((تَحْتُهُ، ثم
تَقْرُصُهُ بالمَاءِ، ثم تَنضَحُهُ، ثُم تُصَلِّي فيه)).
رواه أحمد (٣٤٦/٦ و٣٥٣)، والبخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١)،
وأبو داود (٣٦٠ - ٣٦٢)، والترمذي (١٣٨)، والنسائي (١٥٥/١).
غسل المني. ثم نقول: هَبْ أن هذا الغسل يحتملُ أن يكونَ للنَّجاسة، ويحتمل أن
يكون للنظافة، وحينئذ يكون مُجْملاً لا يستدلّ به لا على طهارته، ولا على
نجاسته، لكنا عندنا ما يدلُّ على نجاسته، وهو أنه يمرّ في ممر البول، ثم يخرجُ
فيتنجَّس بالمرور في المحل النّجس، وهذا لا جوابَ عنه على أصل الشَّافعية عند
الإنصاف؛ قالوا: بول النبي ◌َّي وسائر فضلاته طاهر طيّب، قلنا: لم يصحّ عند
النبي( واحد علمائنا في هذا شيء؛ والأصل: أن النبيَّ وَّ واحدٌ من البشر، وهو مساوٍ لسائر
من البشر
المكلّفين في الأحكام، إلا ما ثبت فيه دليل خصوصيته، سلّمنا ذلك؛ لكن فغيره
يكون منيه نجساً بالمرور على ما ذكرنا؛ فإن قالوا: المنيُّ أَصْلٌ لخلق الإنسان
فيكون طاهراً كالتراب؛ قلبناه عليهم؛ فقلنا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون
نجساً كالعلقة؛ فإن قالوا كيف يكون نجساً وقد خُلق منه الأنبياء والأولياء؟ قلنا:
وكيف يكون طاهراً وقد خُلق منه الكفرة والضُّلَّل والأشقياء، فبالذي ينفصلون به
ننفصل.
و (قوله عليه الصلاة والسلام: تحثُّه ثم تقرصه))) رويناه مشدداً ومخفّفاً،
والحثّ: الحكّ. والقرص، والتقريص: هو تقطيعه(١) بأطراف الأصابع ليتحلّل
بذلك، ويخرج من الثوب. وقوله: ((ثم تنضحه)): ذهب بعضُ الناس إلى أن النَّضْحَ
(١) في (م): تقطيعك.

١
٥٥١
(٢) كتاب الطهارة - (١٩) باب: في الاستبراء من البول والتستر
(١٩) باب
في الاستبراء من البول والتستر،
وما يقول إذا دخل الخلاء
[٢٢٥] عن ابن عباس، قالَ: مَرَّ رسولُ اللهِ وَهِ على قَبْرَيْنِ. فقالَ:
((أَمَا إِنَّهما ليُعَذَّبانِ، ومَا يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ. أمَّا أحدُهما فكانَ يَمشي بَالنَّميمةِ.
هنا معناه الغسل، وتأوّله على ذلك. ولا حاجةَ إلى هذا التّأويل، بل إنما معناه الفرق
الرشُ، وأما غَسْل الدّم فقد علَّمها إياه حيث قال لها: ((تحتُّه ثم تقرصه بالماء)) وأما النضح والغسل
النضحُ فهو فيما شكّت فيه من الثوب، كما قالت عائشةُ في المني، ولذلك جمعنا
بين حديث عائشة في غَسْل المني وبين حديث أسماء في غَسْل دم الحيضة، حتى
يتبيَّنَ أن الكيفيةَ المأمورَ بها في غَسْلهما واحدة، وأنهما مُتساويتان في النَّجاسة.
بین
ويدگُ هذا الحدیثُ علی أن قليل دم الحيض و كثيره سواء في وجوب غسل
جميعه، من حيث لم يُفْرَّق بينهما في محل البيان، ولو كان حُكْمُهما مختلفاً لفصّله قليل دم الحيض
﴿؛ لأنّ تأخير البيانِ عن وقت الحاجة لا يجوزُ إجماعاً، وهو مشهورُ مذهب وكثيره سواءٌ
مالكِ، وقد قال مالكٌ - رحمه الله -: قد سمّاه الله أذى، وهو يخرجُ من مخرج
البول.
--
(١٩) ومن باب: الاستبراء من البول
(قوله: ((وما يعذبان في كبير))) أي: عندكم، وهو عند الله كبير؛ كما جاء في
البخاري: ((وإنه لكبيرٌ))، أي: عند الله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ النميمة
عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقد تقدم الكلام على النّمام في الإيمان. والنميمة:
هي القالةُ التي ترفعُ عن قائلها ليتضرّر بها قائلها .

٥٥٢
(٢) كتاب الطهارة - (١٩) باب: في الاستبراء من البول والتستر
وأمَّا الَآخرُ فكانَ لا يَسْتَنِرُ مِن بَوْلِهِ)) قالَ: فدعَا بَعَسِيْبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ باثنينِ.
ثم غرسَ على هذا وَاحِداً، وعلى هذا وَاحِداً. ثمّ قَالَ: ((لَعَلَّه أنْ يُخَفَّفَ
عَنْهُمَا، مَا لم يَيْبَسا».
القليل من البول
والكثير منه
و (قوله: ((وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله))) أي: لا يجعلُ بينه وبين بوله
سترة حتى يتحفّظَ منه، كما قال في الرّواية الأخرى: ((لا يستنزه عن البول)) أي:
لا يتباعد منه. وهذا يدلُّ على أنَّ القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه
سواء، وهو مذهبُ مالك وعامة الفقهاء، ولم يخفّفوا في شيء من ذلك إلا في
اليسير من دم غير الحيض خاصّة. واختلف أصحابُنا في مقدار اليسير، فقيل: هو
قدر الدِّرهم البغلي(١). وقيل: قدر الخنصر، وجعل أبو حنيفة قدرَ الدِّرهم من كُلِّ
نجاسة معفوّ عنه، قياساً على المخرجين، وقال الثوري: كانوا يرخِّصون في القليل
من البول، ورخّص الكوفيّون في مثل رؤوس الإبر من البول.
القول في نجاسة
الأبوال
وفيه دليل: على أن إزالةَ النجاسة واجبةٌ مُتَعيِّة، وكذلك في قوله:
(استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه))(٢). وقد تخيّل الشافعيُّ في لفظ
البول العموم، فتمسَّك به في نجاسة جميع الأبوال، وإن كان بولٌ ما يؤكل لحمه.
وقد لا يسلم له أن الاسمَ المفرد للعموم، ولو سُلُّم ذلك؛ فذلك إذا لم يقترنْ به
قرينةُ عهد، وقد اقترنت ها هنا، ولئن سلّم له ذلك فدليلُ تخصيصه حديثُ إباحة
شرب أبوال الإبل للعرنيين، وإباحة الصّلاة في مرابض الغنم، وطوافه عليه الصلاة
والسلام على بعير، وسيأتي.
و (قوله: ((فدعا بعسيب رطب))) العسيب من النّخل: كالقضيب مما سواها.
والرطب: الأخضر.
و (قوله: ((لعلّه يخفّف عنهما ما لم بيبسا))) اختلفَ العلماءُ في تأويل هذا
(١) (الدرهم البغلي)): هو درهم فارسي، نُقُش عليه رأس بغل، وهو أوفر الدراهم وزناً
انظر ((المقاييسُ والأوزان الإسلامية)» لهانس، من منشورات الجامعة الأردنية.
(٢) سبق تخريجه ص (٥٥٢).

٥٥٣
(٢) كتاب الطهارة - (١٩) باب: في الاستبراء من البول والتستر
وفي رواية: ((وكانَ الآخَرُ لا يَسْتَنْزِهُ عَنِ البَوْلِ (أو مِنَ الْبَوْلِ))).
رواه البخاري (١٣٧٨)، ومسلم (٢٩٢)، وأبو داود (٢٠ و ٢١)،
والترمذي (٧٠)، والنسائي (٢٨/١ - ٣٠).
[٢٢٦] وعن أنس، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَّ إذَا دخلَ الخَلاءَ - في
الفعل، فمنهم من قال: أُوحي إليه أنه يُخَفَّفُ عنهما ما داما رطبين، وهذا فيه بُعْدٌ؛ مشروعية وضع
لقوله: ((لعله))، ولو أوحي إليه لما احتاجَ إلى الترجّي. وقيل: لأنهما ما داما غصن رطب
رطبين يُسبِّحان؛ فإنَّ رطوبتهما حياتهما، وأُخِذ من هذا التأويل جوازُ القراءة
على القبر
والذكر على القبور. وقيل: لأنَّ النبيَّ ◌ِ لَّ شفع لهما، ودعا بأن يُخَفَّف عنهما،
ما داما رطبین، وقد دلّ على هذا حديثُ جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث
القبرين قال فيه: ((فأحببتُ بشفاعتي أن يُرَنَّهَ عنهما ذلك، ما دام القضيبان
رطبين))(١) فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيدَ على هذا في البيان.
و (قوله: ((فإذا دخل الخلاء))) أصل الخلاء: الخلوة، وهي الخلو، كنّ به
عن الحدث؛ لأنه يفعل في خلوة. والكنيف: السّائر. وقوله: إذا دخل، أي: أراد
أن يدخل، وقد جاء هذا أيضاً في البخاري هكذا: ((إذا أراد أن يدخل)) ويُخَرَّجُ من
هذا: كراهة ذِكْر الله تعالى، وقراءة القرآن في هذه المواضع المعتادة للحَدَث، فلو كراهة ذكر الله
لم يتعوَّذْ عند الدخول ناسياً، فهل يتعوَّذ بعد الدخول أم لا؟ فعن مالك في ذلك في مواضع
قولان؛ وكرهه جماعةٌ من السّلف كابن عباس، وعطاء، والشعبي. وأجاز ذِكْرَ
الحدث
الله تعالى في الكنيف، وعلى كل حال، جماعةٌ كعبد الله بن عمر، وابن سيرين،
والنّخعي، مُتمسُّكين بقول عائشة: كان رسول الله و ﴿ يذكر اللهَ على كلِّ أحيانه (٢).
(١) هو في صحيح مسلم رقم (٣٠١٢).
(٢) رواه أحمد (٧٠/٦ و١٥٣ و٢٧٨)، ومسلم (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، والترمذي
(٣٣٨١).
1

٥٥٤
-
(٢) كتاب الطهارة - (١٩) باب: في الاستبراء من البول والتستر
روايةٍ: الكَنِيْفَ - قالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ من الخُبْثِ والخَبَائِثِ».
رواه أحمد (٩٩/٣)، والبخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود
(٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٢٠/١)، وابن ماجه (٢٩٦).
وكذلك اختلفوا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى.
و (قوله: ((أعوذ))) أي: ألوذ، وألتجىء. وقد تقدَّم.
و (قوله: ((من الخبث والخبائث))) رويناه ساكن الباء ومضمومها. قال ابنُ
معنى الخبث الأعرابي: الخبيث في كلام العرب: المكروه. وهو ضد الطيب. قال أبو الهيثم:
والخبائث الخبث بالضم: جمع خبيث، وهو الذّكر من الشياطين، والخبائث: جمع الخبيثة،
وهي الأنثى منهم، ويعني: أنه تعوَّذ من ذكورهم وإناثهم، ونحوه قال الخطابي.
وقال الداودي: الخبيث: الشيطان، والخبائث: المعاصي. وأما بسكون الباء فقيل
فيه: إنه المكروهُ مطلقاً، وقيل: إنه الكُفْر، والخبائث: الشياطين. قاله
ابنُ الأنباري. وقيل: الخبائث: البول والغائط، كما قال: ((لا تدافعوا الأخبثين:
الغائط والبول في الصلاة))(١).
وقد روى أبو داود في المراسيل عن الحسن: أنه عليه الصلاة والسلام كان
إذا أراد الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذُ بك من الخبثِ المُخْبِث، الرِّجْس، النَّحِس،
الشيطان، الرجيم))(٢). فأتى بالخبيث للجنس وأكّده بالمخبث، والعرب تقول:
خبيث، مخبث، ومَخْبَتَان؛ إذا بالغت في ذلك.
(١) ذكره الطحاوي في مشكل الآثار (٤٠٥/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه أبو داود في المراسيل (٢).

-
٥٥٥
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
(٢٠) باب
ما يحل من الحائض
[٢٢٧] عن عائشةَ، قالتْ: كانتْ إحدَانا، إذَا كانتْ حَائِضَاً، أمرَها
رسولُ الله ﴿ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِها، ثم يُبَاشِرُها.
(٢٠) ومن باب: ما يحلّ من الحائض
(قوله: ((أمرها أن تأتزر في فور حيضتها))) الائتزار: شدُّ الإزار على الوسط
إلى الركبة، وقال ابنُ القصار: من السرّة إلى الرّكبة، وهذا منه لرَّ مبالغةٌ في
التحرّز من النجاسة، وإلا فالحمايةُ تحصل بخرقةٍ تحتشي بها. وفور الحيضة:
معظم صبّها، من فوران القِدْر والبحر، وهو غليانُهما. قال ابنُ عرفة: والمحيضُ معنى الحيض
والحيض: اجتماعُ الدم إلى ذلك المكان، وبه سُمِّي الحوض لاجتماع الماء فيه؛ والاستحاضة
يقال: حاضتِ المرأة، وتحيَّضت حَيْضاً ومحاضاً ومحيضاً؛ إذا سال الدَّمُ منها في
أوقاتٍ معلومة، فإذا سالَ في غيرها قيل: استحيضت، فهي مستحاضة، قال:
ويقال: حاضت المرأة، وتحيّضت، ودرست، وعركت، وطمئت. قال غيرُه:
ونَفِست، بفتح النون وكسر الفاء، وحُكي في النون الضم، وقيل: في قوله تعالى:
﴿وَأَمْرَتُهُ قَآَيِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي: حاضت، وقيل: سُمِّ المحيض حيضاً
من قولهم: حاضت السَّمُرة: [إذا خرج منها ماءٌ أحمر. قال الشيخ: ويحتمل أن
يكون قولهم: حاضت السَّمُرة](١) تشبيهاً بحيض المرأة. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ثم يباشرها))) أي: تلتقي بشرتاهما، والبشرة: ظاهر الجلد،
والأدمة: باطنه. ويعني بذلك: الاستمتاع بما فوق الإزار، والمضاجعة، كما بالحائض بما
الاستمتاع
قال له﴿ للذي سأله عما يحلّ له من امرأته الحائض، فقال: ((لتشدَّ عليها إزارها، فوق الإزار
(١) ساقط من (ع).
1

--
۔
٥٥٦
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
قالتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كما كانَ رسولُ اللهِوَّهِ يَمْلِكُ إِرْبَهُ.
رواه البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢٩٣)، وأبو داود (٢٦٨ و ٢٧٣)،
والترمذي (١٣٢)، والنسائي (١٨٩/١).
[٢٢٨] وعن ميمونةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَ﴿ يُبَاشِرُ نِساءَهُ فَوْقَ
الإِزارِ، وهُنَّ حُيَّضٌ.
رواه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٥)، وأبو داود (٢٦٧)، والنسائي
(١٨٩/١ - ١٩٠).
[٢٢٩] وعَنّ أُمِّ سَلَمَةَ، قالتْ: بينَما أَنَا مُضْطَجِعَةٌ معَ رسولِ اللهَِّل
ثم شأنك فأعلاها))(١) وهذا مبالغةٌ في الحماية، وأما المحرَّم لنفسه فهو الفرج،
وإلى هذا ذهب جمهورُ العلماء من السَّلف وغيرهم.
معنى الإزب
و (قولها: ((وأيكم يملك إربه))) قيدناه بكسر الهمزة وإسكان الراء، ويفتح
الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيح. وإن كان الخطابيُّ قد أنكر الأولَ
على المحدّثين، ووجه الأول: أن الإرب هو العضو، والآراب: الأعضاء، فكنّتْ
به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضو من الأعضاء، وهذا تكلّف، بل في الصِّحاح: أنَّ
الإرب العضو، والدَّهاء، والحاجة أيضاً، وفيه لغات: إرْبٌ، وإزبةٌ، وأَرَبٌ،
ومَأْرَبَةٌ، ويقال: هو ذو أرب، أي: ذو عقل، فقولها: ((يملك إربه)) بالروايتين،
يعني: حاجته للنِّساء، وقول أم سلمة (٢). ((في الخميلة)) أي: القطيفة، قاله
ابنُ دريد، وقال الخليل: الخميلة، ثوب له خَمْل، أي: هدبٌ.
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٥٧).
(٢) في الأصول: عائشة، والتصحيح من التلخيص وصحيح مسلم.

٥٥٧
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
في الخميلةِ، إذ حِضْتُ، فانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابٍ حَيْضَتِي، فقالَ لي
رسولُ اللهَِلَ: ((أَنَّفِسْتِ؟)) قلتُ: نعمْ. فدَعَاني، فاضطجعتُ مَعَهُ في
الخَميلةِ. قالتْ: وكانتْ هي ورسولُ اللهِ وَّهِ - يَغْتِسِلانِ في الإنَاءِ الوَاحِدِ
من الجَنَابةِ.
رواه أحمد (٢٩٤/٦ و٣٠٠ و٣١٨)، والبخاري (٢٩٨)، ومسلم
(٢٩٦)، والنسائي (١٤٩/١ - ١٥٠).
و (قولها: ((فأخذت ثياب حيضتي))) بفتح الحاء كذا قرأناه، تعني بها الدم،
وقد قيّده بعضُ الناس بكسر الحاء، يعني به الهيئة والحالة، كما تقول العرب: هو
حَسَنُ القِعدة والجِلسة. وكذا قاله الخطابيّ في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ
حيضتك ليست في يدك)): أن صوابه بكسر الحاء، وعاب على المحدِّثين الفتح،
وعيبه معابٌ؛ لأنَّ الهيئةَ هنا غير مرادة؛ وإنما هو الدمُ في الموضعين.
و (قوله: ((أنفست)))؟ قيدناه بضمّ النون وفتحها. قال الهرويّ وغيره: نُفست معنى النَّاس
المرأة ونَفست إذا ولدت، وإذا حاضت. قيل: نَفست بفتح النون لا غير، فعلى
هذا: يكون ضم النون هنا خطأ؛ فإنّ المرادَ به هنا الحيض قطعاً، لكن حكى
أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غيرُ واحد،
فعلى هذا تصحّ الروايتان. وأصل ذلك كلّه من خروج الدم، وهو المسمى: نَفْساً،
كما قال(١):
تَسِيْلُ عَلَىْ حَدِّ الظُّباتِ نُفُؤْسُنا وَلَيْسَتْ(٢) على غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيْلُ
(١) الشاعر هو: السموأل.
(٢) في (ع) و (م): ليس.

٥٥٨
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
[٢٣٠] وعن عائشة، قالت: كانَ رسول الله وَّرِ يُخْرِجُ إليَّ رأسَه مِن
المَسْجِدِ، وهو مُجاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وأَنَا حَائِضٌ.
رواه أحمد (١٨١/٦)، والبخاري (٢٩٥)، ومسلم (٢٩٧)، وأبو
داود (٢٤٦٧ - ٢٤٦٩)، والترمذي (٨٠٤)، والنسائي (١٩٣/١).
[٢٣١] وعنها، قالت: قال لي رسولُ اللهِوَّهِ: ((نَاوِلِيني الخُمْرَةَ مِنَ
المَسْجِدِ)) - قالتْ: فقلتُ: إنِّي حَائِضٌ -. فقالَ: ((إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في
يَدِكِ)).
رواه أحمد (١٠١/٦ و١٠٦ و١٧٣)، ومسلم (٢٩٨)، وأبو داود
(٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١٩٢/١).
و (قولها: ((كان رسولُ اللهِ وَل﴿ يُخرج إليَّ رأسَه من المسجد وهو مجاور)))
أي: معتكف، وکذا جاء في رواية أخرى.
و (قوله: ((ناوليني الخمرة من المسجد))) الخمرة: حصير يُنسجُ من الخوص
يسجد عليه، سُمِّي بذلك؛ لأنه يخمر الوجه، أي: يستره، وهو أصل هذا الحرف،
وقد اختلف في هذا المجرور الذي هو ((من المسجد)) بماذا يتعلق؟ فعلّقته طائفة
حكم دخول بـ (ناوليني) واستدلوا به على جواز دخولِ الحائض المسجد للحاجة تعرضُ لها؛
إذا لم يكن على جسدها نجاسة، ولأنها لا تُمنعُ من المسجد إلا مخافة ما يكونُ
منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا، وبعضُ المتأخرين: إذا
استثفرت، ومتى خرج منها شيء في الثَّفْر (١) لم تدخله، تنزيهاً للمسجد عن
النَّجاسة. وعلّقته طائفةٌ أخرى بقولها: قال لي رسول الله وَلاير: (من المسجد
ناوليني الخمرة)) على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء، أنها
الحائض
المسجد
(١) ((الثفر)): هو ما تشدّه المرأة على فرجها لتمنع سيلان الدم.

٥٥٩
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
[٢٣٢] وعنها، قالت: كنتُ أشربُ - وأنَا حَائِضٌ - ثمَّ أُنَاوِلُهُ
النبيَّ وَّهِ، فَيَضَعُ فَاه على مَوْضِع فيَّ، فيشربُ. وأَتْعَرَّقُ العَرْقَ - وَأَنَا
خَائِضٌ - ثم أَنَاوِلُهُ الَِّي ◌َّهِ، فَيَضَعُ فَاهُ على مَوْضِعٍ فِيَّ.
رواه أحمد (٢١٠/٦)، ومسلم (٣٠٠)، وأبو داود (٢٥٩)،
والنسائي (١٤٨/١).
[٢٣٣] وعنها، أنَّها قالتْ: كانَ رسولُ الله ◌ِوَِّ يَتَّكِىءُ في حِجْرِي
فيقرأُ القُرآنَ، وأَنا حائِضٌ.
رواه أحمد (١١٧/٦ و١٣٥)، والبخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١)،
وأبو داود (٢٦٠)، والنسائي (١/ ١٩١).
لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا أُحلّ
المسجد لحائضٍ ولا جُنُب)) خرجه أبو داود(١)، وبأن حَدَثها أفحشُ من حدث
الجنابة، وقد اثُّفِقَ على أن الجُنُبَ لا يلبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عُبُوره فيه،
والمشهور من مذاهب العلماء مَنْعه، والحائض أولى بالمنع، قال الشيخ
- رحمه الله - ويحتمل: أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي کان یتنفّل فيه.
و (قولها: ((وأتعرق العَرْق))) أي: العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، الحائض
وأتعرّقه: آكل ما عليه من اللحم، وهذه الأحاديثُ متفقةٌ على الدّلالة على أن لا تنجس
الحائضَ لا يَنْجُس منها شيء، ولا يُجتنب منها إلا موضع الأذى فحسب، والله
تعالى أعلم.
و (قولها: ((كان رسول الله وَّله يتكىء في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض))) للقرآن
قراءة الحائض
(١) رواه أبو داود (٢٣٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.

٥٦٠
(٢) كتاب الطهارة - (٢٠) باب: ما يحل من الحائض
[٢٣٤] وعن أنس، أنَّ اليهودَ كَانُوا - إذا حاضَتِ المرأةُ فيهم - لم
يُؤَاكِلُوها ولم يُجَامِعُوهنُّ في البيوتِ. فسألَ أصحابُ النبيِّ وَّهِ النبيَّ وَّه
فأنزلَ الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى
الْمَحِيضِّ ... ) إلى آخر الآية [البقرة: ٢٢٢]. فقالَ رسولُ الله ◌َلته:
كذا صوابه عند الرواة كلُّهم هنا، وفي البخاري. ووقع للعذري: ((في حُجرتي))
بضم الجاء وبالتاء باثنتين من فوق، وهو وهم، وقد استدلَّ بعضُ العلماء: على
جواز قراءة الحائض للقرآن، وحَمْلها المصحف. وفيه بُعْد، لكن جواز قراءة
الحائض للقرآن عن ظهر قلب، أو نظر في المصحف ولا تمسّه، هي إحدى
الروايتين عن مالك، وهي أحسنُها، تمسّكاً بعموم الأوامر بالقراءة، وبأصل ندبية
مشروعيتها. ولا يصحّ ما يذكر في مَنْعها القراءة من نهيه عليه الصلاة والسلام
الحائضَ عن قراءة القرآن، وقياسها على الجُنُب ليس بصحيح؛ فإن أمرَها يطول،
وليست متمكنة من رفع حدثها، فافترقا. ويُؤخذ من قراءته عليه الصلاة والسلام
القرآنَ في حجر الحائض جواز استناد المريض إلى الحائض في صلاته؛ إذا كانت
أثوابُها طاهرةً، وهو أحدُ القولين عندنا، وصحيح الرواية: ((وأنا حائض)) بغير هاء
ووقع عند الصدفي ((حائضة)) والأول أفصح، وهذه جائزةٌ لأنها جاريةٌ على الفعل،
كما قال الأعشى:
أَيَا جَارَتَا بِيْ فَإِنَّكِ طَالِقَةٍ(٢)
وكما قال: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ عَاصِفَةٌ﴾ [الأنبياء: ٨١] وللنحاة في الأول وجهان:
(١) وعجزه: ومَوْمُوقَةٌ ما دُمْتِ فينا ووامِقَه.