النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة المُجَازَى حتى يُنَجَّى. حتَّى إذا فرغَ الله مِن القَضَاءِ بينَ العبادِ، وأرادَ أنْ يُخرجَ برحمتِهِ مَنْ أرادَ مِنْ أهلِ النَّار، أمرَ الملائكة أنْ يُخرِجُوا مِن النَّارِ مَنْ كَان لا يُشركُ باللهِ شَيئاً، ممن أرادَ اللهُ تعالى أن يرحمَه، ممن يقولُ: لا إلهَ إِلَّا الله. فيَعرفونَهم في النَّار. يَعرفونَهم بأثرِ السُّجودِ. تأكلُ النَّارُ مِن ابنِ آدَم إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ على النَّارِ أنْ تأكلَ أثرَ السُّجودِ. فَيُخْرَجُونَ مِن النَّارِ وقد امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَيَاة، فَيَنْبُونَ مِنه كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ وروى العذري وغيره: ((ومنهم المخردل)) (١) مكان ((المجازى)) ومعناه: الذي تقطع الكلاليبُ لحمَه. يُقال: خردلت اللحم خراديل، أي: قطعته قطعاً، وهو بالدال المهملة، وحكى يعقوب: أنه يقال بالذال المعجمة، وهو أيضاً بالخاء، بواحدة من فوق، وقد قاله بعضُهم بالجيم. والجردلة: الإشرافُ على الهلاك والسُّقوط فيه. و (قوله: ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد))) أي: تمّم عليهم حِسَابهم فراغ الله من وكمّله، وفَصَل بينهم، لا أن اللهَ يشغلُه شأنٌ عن شأن. يعني: إذا دَخَلَ أهلُ الجنة القضاء بين الجنة وأهلُ النارِ النار وشفعَ كلُّ مَن له شفاعة؛ ألا ترى قوله: ((وأراد أن يُخْرجَ العباد. برحمته من أراد من أهل النار))، واقتصاره على ((لا إلّه إِلَّا الله)) ولم يذكر معها الشَّهادة بالرسالة، إما لأنهما لما تلازمتا في النّطق اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وإما لأنّه لما كانت الرسلُ كثيرين؛ ويجبُ على كلِّ أحدٍ أن يُعرفَ برسالة رسوله؛ كان ذِكْرُ جميعهم يستدعي تطويلاً؛ فسكتَ عن ذِكْرهم علماً بهم واختصاراً لذكرهم، والله أعلم. و (قوله: ((قد امتَحَشوا))) صوابه بفتح التاء والحاء، ومعناه: احترقوا. يقال: امتحش الخبز، أي: احترق. ويُقال: محشته النار، وأمحشته، والمعروف: (١) هذه اللفظة من حديث أبي سعيد الخدري. والحديث في مسلم برقم (١٨٣) ويأتي في التلخیص برقم (١٤٨) باب رقم (٦٢). ٤٢٢ (١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة في حَمِيْلِ السَّيْلِ. ثمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِن القَضاءِ بينَ العِبَادِ. ويَبْقَى رَجُلٌ مُقبلٌ بوجههِ على النَّارِ، وهو آخرُ أهلِ الجنَّةِ دُخُولاً الجنَّةَ. فيقولُ: أيْ ربِّ! اصرفْ وَجْهِي عنِ النَّارِ، فإنَّه قدْ قَشَبَنِي رِيْحُها وأحْرَقَنِي ذَكَاؤُها. فيَدعُو اللهَ أمحشَه، قال صاحبُ العين: وقد رواه بعضُهم: امتُحشوا، مَبْنِيّاً لما لم يُسمَّ فاعله، أي: أحرقوا، والصَّواب الأول. و(الحُمَم)(١) الفحم واحده حممة. و (الحِبة) بكسر الحاء: نَوْرُ العشب، والحَبّة بفتحها: من الحنطة وغيرها مما يُزرع. و (ماء الحياة) هو الذي مَن يشربه أو يطّهر به لم يمتْ أبداً. و (حميل السيل): ما يحمله من طين وغُثاء، فإذا اتَّفق أن يكونَ فيه حبةٌ فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتةٍ نباتاً، فشَبَّه عليه الصلاة والسلام سرعةً نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبة، وهذا معنى ما قاله [الإمام أبو عبد الله](١). وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دلَّ عليه ما في حديث أبي سعيد حيث قال: ((ألا ترونها تكونُ إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض)) وهو تنبيه على أنَّ ما يكونُ إلى الجهة التي تلي الجنّة منهم يسبقُ إليه البياض المستحسَن، وما يكون منهم إلى جهة النار يتأخّر ذلك النُّصوع عنه فيبقى أصيفر وأُخيضر، إلى أن يتلاحقَ البياضُ ويستوي الحسنُ والنّور، ونضارة النّعمة عليهم. ويحتملُ أن يشيرَ بذلك إلى أن ما يباشرُ الماءَ تشتدُّ سرعةُ نصوعه، وأنَّ ما فوق ذلك يتأخّر عنه البياض، لكنه يسري إليه سريعاً، والله أعلم. و (قوله: ((ثم يفرغ اللهُ من القضاء بين العباد))) - ثانياً - يعني: يكمل خروج الموحّدين من النار. و (قوله: ((قَشَبَتِي ريحها))) أي: غيّر جِلْدي وصُورتي، وسّدني، وأحرقني، قاله الحربي. وقال الخطابي: قشبه الدخان؛ إذا(٢) ملأ خياشيَمه وأخذ بكِظَمِه. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (م). (٢) في (ل): أي. ٤٢٣ (١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة ما شاءَ أنْ يَدْعُوَه، ثم يقولُ اللهُ - تباركَ وتَعالى -: هل عَسَيْتَ إنْ فعلتُ ذلكَ بك أن تسألَ غيرَه؟! فيقولُ: لا أسألُكَ غَيْرَهُ. ويُعطي رَبَّهُ مِن عُهودٍ ومَواثِيْقَ ما شاءَ اللهُ. فيصرفُ اللهُ وجهَه عن النَّارِ. فإذَا أقبلَ على الجنَّةِ ورآها، سكتَ ما شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ. ثم يقولُ: أَيْ رَبِّ! قَدِّمْنِي إِلى بابٍ الجَنَّةِ. فيقولُ اللهُ له: أليسَ قدْ أعطيتَ عهودَكَ ومَوَاثيقكَ لا تَسْأَلْنِي غِيرَ الذي أَعْطَيْتُكَ، ويلكَ يا بنَ آدم! مَا أَغْدَرَكَ! فيقولُ: أَيْ رَبِّ! يَدْعُو اللهَ - تعالى - حتَّى يقُولَ له: فهلْ عَسَيْتَ إنْ أعطيتُكَ ذلكَ أنْ تسألَ غيرَه! فيقولُ: لا، وعِزَّتِكَ! فيُعْطِي ربَّه ما شاءَ اللهُ مِن عُهودٍ ومواثيقَ. فَيُقَدِّمُهُ إلى بابِ الجنَّةِ. فإذا قامَ على بابِ الجَنَّةِ انفهمتْ له الجَنَّةُ. فرأى ما فيها مِن الخَيْرِ والشُّرور. فيسكتُ ما شَاءَ اللهُ أنْ يسكتَ. ثم يقولُ: أيْ ربِّ! أَدخلني الجنَّةَ. فيقولُ اللهُ له: أليسَ قدْ أعطيتَ عهودَكَ ومواثيقَكَ أَلَّا تسألَ وقال الجوهري: قشبني، يقشبني، أي: أذابني. كأنه قال: سمّني ريحُه، قال: والقشيب: السّم، والجمع أقشاب، عن أبي عمرو. و (ذَكاء النار) شدّة حرّها بفتح الذال، مقصور، وهو المشهور، وقد حكى أبو حنيفة اللغوي فيه المد، وخطّأه علي بن حمزة، وقد روي هنا بالوجهين مقصوراً وممدوداً. و (قوله: ((انفهقت له الجنة))) أي: اتّسعت وانفتحت. والمتفيهق: المتوسِّع في كلامه المتكلّف فيه. و (قوله: ((فيرى ما فيها من الخير))) كذا مشهورُ الرِّواية فيه(١) وقد روي: ((الحَبر)) بالحاء المهملة مفتوحة والباء بواحدة، وهي إفراطُ التّنعم، ومنه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] أي: ينعمون، ويسرّون، والحِبر: بكسر الحاء: الذي يُكتب به، والعالم، والجمال، ومنه: ذهب حبره وسبره، أي: جماله وبهاؤه. ويقال في العالم: بفتح الحاء. (١) من (ل) و(م). 1 1 1 1 ٤٢٤ (١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة غيرَ ما أُعطيتَ. ويلكَ يا بنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَك! فيقولُ: أَيْ رَبِّ! لا أكونُ أشقى خَلْقِكَ. فلا يزالُ يدعُو اللّهَ حتَّى يضحكَ اللهُ منه. فإذَا ضَحِكَ اللهُ مِنْهُ، قالَ له: ادخلِ الجنَّةَ. فإذا دخلَها قالَ اللهُ له: تمنَّه. فيسألُ ربَّه ويتمثَّى، حتَّى إِنَّ اللهَ لِيُذَكِّرَهُ مِن كذا وكذا، حتَّى إذا انقطعتْ بهِ الأَمَانيُّ. قالَ الله: ذلك لكَ ومِثْلُهُ معَهُ)) . ضحك الله تعالى. و (قوله: ((فلا يزال يدعو اللهَ حتى يضحكَ اللهُ منه فإذا ضحك اللهُ منه قال له: ادخل الجنة))) الضّحك من خواصّ البشر، وهو: تغيرٌ أوجبه سرورُ القلب بحصول كمالٍ لم يكن حاصلاً قبلُ، فتثور من القلب حرارةٌ ينبسط لها الوجه، ويضيق عنها الفم، فينفتح، وهو التبسّم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسانُ نفسه قهقه، وذلك كلّه على الله تعالى مُحال(١)، لكن لما كان دلالةً عندنا على الرّضا، ومظهراً له غالباً؛ عبّر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرضُ من بكاء السماء، أي: يظهر خيرُها، وفي بعض الحديث: ((فيبعث الله سحاباً يضحك أحسن الضّحك)) (٢)، يعني: السحاب، ومنه قولهم: ضحِكَ المشيبُ برأْسِهِ فبكى(٣) وقال : في طعنةٍ تضحك عن نجيع فالضحك في هذه المواضع بمعنى: الظهور. فيكون معناه في هذا الحديث: أشبه التأويلات أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمته وفَضْله ونِعْمته، ولهذا حمله في قول الرجل قومٌ هنا: على أنه تجلَّى لهذا العبد، وظَهَر له. و (قوله في الحديث الآخر: ((أتسخر مني؟))) وفي رواية: ((أتستهزىء مني؟)) (٤) له: ((أنسخر مني؟)). (١) مذهب السلف: إثبات الضحك لله تعالى من غير تأويل، ولا تكييف، ولا تشبيه، وهو الأسلم. (٢) رواه أحمد (٤٣٥/٥). (٣) البيت لِدعْبِل بن علي الخزاعي، وصدره: لا تَعْجبي يا سَلْمُ من رَجُلٍ (٤) رواه مسلم (١٨٧). ٤٢٥ (١) كتاب الإيمان - (٥٩) باب: ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة قال عطاءُ بن يزيد: وأبو سعيد الخدريّ مع أبي هريرةَ لا يَرُدُّ علیه من حديثهِ شيئاً، حتَّى إذا حدَّثَ أبو هريرةَ: إنَّ اللهَ قالَ لذلك الرَّجُلِ: ذلكَ لكَ ومِثْلُه مَعَهُ. قال أبو سعيد الخدريّ: وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ مَعَهُ. يا أبا هريرة! قالَ أبو هريرة: ما حفظتُ إِلَّا قولَه: ذلكَ لكَ ومِثْلُهُ مَعَهُ. قال أبو سعيد: أشهدُ أنّي حفظتُ مِن رسولِ اللهِّهِ قوله: ذلكَ لِكَ وعَشَرَةُ أمثالِهِ مَعَهُ. قال أبو هريرة: وذلكَ الرَّجُلُ آخرُ أهلِ الجنَّة دُخولاً الجنَّةَ». رواه أحمد (٣٦٨/٢)، والبخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢)، والترمذي (٢٥٥٧). قد أكثر الناسُ في تأويله، ومِن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفّه الفرح، وأدهشه، فقال ذلك غير ضابط لما يقول، كما جاء في الحديث الآخر في الذي وَجَد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) قال رسول الله وَلاغير: ((أخطأ من شدة الفرح))(١). وقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة: أنه خاف أن يقابلَه على ما كان منه في الدّنيا من التّساهل في الطّاعات والتّشبّه بأحوال السّاخرين والمستهزئين، فكأنه قال: أتُجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، و: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] أي: يجازيهم جزاءَ استهزائهم وسخريتهم. على أحد التّأويلات. و (قوله في حديث ابن مسعود: ((فيقول اللهُ: يابن آدم ما يَصْريني منك؟)))(٢) قال الحربي: إنما هو : يصْريك مني، قال: يقال: صريت الشيء، إذا قطعته. الجوهري: صری الله عنه شرّه: رفعه، وصريته: منعته، وصرَّ قوله صرياً: قطعه. (١) رواه أحمد (٣٨٣/١) و(٣١٦/٢)، والبخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذي (٢٤٩٩) و (٢٥٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٢) رواه مسلم (٣١٠). ٤٢٦ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد وآله من الشفاعة العامة (٦٠) باب ما خُصَّ به نبيًُّا محمد ◌َّه من الشفاعة العامة لأهل المحشر [١٤٦] عن أبي هُريرةَ، قالَ: أُتِّيَ رسولُ اللهِوَّهِ يوماً بلحم، فَرُفِعَ إليه الذِّرَاعُ وكانتْ تُعْجِبُهُ، فنهسَ مِنها نَهْسَةً، فقالَ: ((أنا سَيِّدُ النَّاس يومَ (٦٠) ومن باب: ما خُصَّ به نبينا وَلّ من الشفاعة العامّـ (قوله(١): فنهس منها نهسة) النهسُ بالسين المهملة: أخذُ اللحم بمقدّم الأسنان، وقد يُقال عليه أيضاً: نَهَشَ، بالمثلثة(٢). حكاه الجوهريّ. وقيل: النهش بالأضراس. قاله أبو العباس. وقال غيره: هو نَثْر(٣) اللحم. و (قوله: ((أنا سيد الناس))) أي: المقدّم عليهم. والسيِّد: هو الذي يسودُ قومه، أي: یفوقهم بما جَمَع من الخصال الحميدة، بحیث يلجؤون إليه، ويعولون عليه في مهماتهم. قال الشاعر (٤): * سيد الناس. فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنَا وإِنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخُلْ وقد تحقَّق كمالُ تلك المعاني كلّها لنبينا محمد له في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأوّلون والآخرون، ويشهد له بذلك النبيّون والمرسلون. وهذه حكمة عرض حكمةُ عرض الشّفاعة على خيار الأنبياء، فكلّهم تبرّأ منها ودلّ على غيره إلى أن الشفاعة على بلغتْ محلّها، واستقرّت في نصابها. خيار الأنبياء. ومحبةُ رسول الله وَِّ للذُّراع لِنُضْج لحمها، وسُرعة استمرائها، وزيادة (١) من هنا إلى قوله: (بالتنوين فيهما) ساقط من (ع). (٢) في (ل): بالمعجمة. (٣) في (ل): هرش. (٤) نسبه في اللسان إلى رجل من عبد قيس. ٤٢٧ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد ل من الشفاعة العامة القيامةِ. وهلْ تَدرونَ بِمَ ذلكَ؟ يجمعُ الله يومَ القيامةِ الأَوَّلِينَ والْآخِرِيَنَ في صَعِيْدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُّهُمُ الْبَصَرُ. وتَدْنُو الشَّمْسُ فِيَبَلِغُ النَّاسَ من الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطيقونَ، وما لا يَحْتَمِلُونَ. فيقولُ بعضُ النَّاس لبعضٍ: أَلَا تَرَوْنَ ما أنتُم فيه؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ ألا تَنْظُرونَ مَنْ يشفعُ لكم إلى رَبِّكم؟ فيقولُ بعضُ النَّاس لبعضٍ: أَثْتُوا آدَمَ. فَيَأْتُونَ آدَمَ، فيقولُونَ: يا آدَمُ! أنتَ أبو البَشَرِ، خلقَكَ اللهُ بيدِه، ونفخَ فيكَ من رُوحِهِ، لذّتها، ولِبُعْدِها عن موضع الأثفال(١). و (الصعيد): المستوي من الأرض. الثرى: هو التراب. ثعلب: هو وجه الأرض. و (قوله: ((فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر)) معناه: أنهم مجتمعون مهتمّون بما هم فيه، لا يخفى منهم أحدٌ، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعُوه، وإن نظر إليهم ناظرٌ أدركهم. ويحتملُ أن يكونَ الدّاعي هو الذي يدعُوهم إلى العرض والحساب أو أمرٍ آخر، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُّكُرٍ﴾ [القمر: ٦] .. و (قوله: ((خلقك الله بيده))) اعلم أنَّ الله تعالى مُتَزَّهٌ عن يد الجارحة، كما قد الله تعالى مُنزَّ قدّمناه. واليدُ في كلام العرب تطلق على القُدرة، والنّعمة، والملك. واللائق هنا عن يد الجارحة. خلق الله آدم حَمْلُها على القدرة(٢)، وتكون فائدةُ الاختصاص لآدم: أنه تعالى خَلَقَه بقدرته . ابتداءً من غير سَبَبٍ، ولا واسطة خلق، ولا أطوارٍ قَلَبَهُ فيها، وذلك بخلاف غيره بيده. من ولده. ويحتمل أن يكونَ شرّفه بالإضافة إليه، كما قال: ﴿ بَيْقِىَ ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقد قدّمنا أنَّ التسليم في المشكلات أسلم. و (قوله: ونفخ فيك من روحه) الروح هنا: هو المذكورُ في قوله: ﴿نَغَزَّلُ (١) ((الأثفال)): الرجيع والروث. (٢) مذهب السلف: أنَّ لله تعالى يداً أثبتها لنفسه من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه. وهو الأسلم. ٤٢٨ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد﴾ من الشفاعة العامة وأمرَ الملائكةَ فسَجَدُوا لكَ، اشفعْ لَنَا إلى رَبِّك، ألا تَرى إلى ما نحنُ فيه؟ ألا تَرَى إلى ما قد بلَغَنا؟ فيقولُ آدمُ: إِنَّ رَبِّي - عزَّ وجلَّ - قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَهُ، ولنْ يغضبَ بعدَه مِثْلَهُ، وإنَّه نَهانِي عن الشَّجرةِ فَعَصيتُهُ، نَفْسِي .. نَفْسِي! اذهبُوا إلى غَيْري، اذهبُوا إلى نُوحٍ. فيأتونَ نُوحَاً، فيقولونَ: يا نوحُ! أنتَ أَوَّلُ الرُّسلِ إلى الأرضِ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، اشفعْ لِنَا إلى رَبِّنا. ألا تَرَى ما نحنُ فيه؟ ألا ترَى ما قد بلغَنَا؟ فيقولُ لهم: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يغضبْ قبلَه مِثْلَه، ولنْ اُلْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤]، و: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، وشرّفه بالإضافة كما قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وهو جبريل على قول أكثر المفسرين، أي: كان كلُّ واحدٍ منهما من نفْخَة الملَك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا يُلتفت إلى ما يقال غير هذا. وقد تقدَّم أن غَضَب الله عبارةٌ عن انتقامه، وحُلُولٍ عذابه. والشَّفاعةُ أصلُها: الضُّ والجمع. ومنه: ناقة شفوعٌ؛ إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة. وناقة شافع؛ إذا اجتمع لها حملٌ وولدٌ يتبعها. والشَّفعُ: ضم واحدٍ إلى واحد. والشّفعة: ضم ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعةُ إذن: ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك. فهي على التَّحقيق: إظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفّع، وإيصالُ منفعةٍ إلى المشفوع له. وسيأتي ذِكْرُ أقسامها. الشفاعة. والشّكور: الكثير الشّكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصلُ الشكر: الظّهور. ومنه: دابَّةَ شكُور؛ إذا كانت يظهر عليها من السِّمن فوق ما تأكله من العَلَف. معنى الشكور. وأشكر الضَّرع؛ إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسّماء بالمطر. فكأن الشاكرَ يُظهر القيامَ بحقِّ المنعِم، ولذلك قيل: الشكور: هو الذي ظَهَرَ منه الاعترافُ بالنِّعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحُزْمة . ٤٢٩ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد ﴿ل من الشفاعة العامة يَغْضَبَ بعدَه مِثْلَه. وإنَّه قدْ كانتْ لي دعوةٌ دَعَوْتُ بها على قَوْمِي، نَفْسِي .. نَفْسِي! اذهبُوا إلى إبراهيمَ. فيأتون إبراهيمَ فيقولونَ: أنتَ نبيُّ اللهِ، وخَليلُه مِن أهلِ الأرضِ، اشفعْ لَنَا، إلى رَبِّكَ، ألا تَرى ما نحنُ فيه؟ ألا تَرى ما قَدْ و (قوله: كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) يريدُ قوله: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وإبراهيم، بالسّريانية: هو الأب الرَّحیم، حكاه المفسِّرون. والخليلُ: الصّديق المخلص. والخُلَّة: بضم الخاء؛ الصّداقة والمودّة. ويُقال فيها أيضاً: خلالة - بالضم والفتح والكسر -. والخَلة؛ بفتح الخاء: الفقر والحاجة. والخِلة، بكسرها: واحدة خلل السّيوف، وهي بطائنُ أغشيتها. والخلل: الفُرجة بين الشيئين. والجمع: الخلال. واختلف في الخليل - اسم إبراهيم عليه السلام - من أيِّ هذه المعاني والألفاظ أُخِذ؟ فقيل: إنَّه مأخوذ لِمَ سُمِّ من الخلة بمعنى: الصّداقة، وذلك أنّه صَدَق في محبَّةِ الله تعالى، وأخلصَ فيها إبراهيم خليلاً؟ حتى آثرَ محبَّتَه على كلّ محبوباته، فبذلَ ماله للضِّيفان، ووَلَدَهُ للقُربان، وجَسَدَه للنِيران. وقيل: من الخلة التي بمعنى: الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه، ولجأ إليه في فاقته حتى لم يلتفتْ إلى غيره، بحيث آلتْ حالُه إلى أن قال له جبريلُ وهو في الهواءِ حين رُمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أَمَّا إليك فلا. وقيل: من الخلل بمعنى: الفُرْجة بين الشيئين، ذلك لِمَا تخّل قلبَه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته؛ حتى كأنَّه مُزِجت أجزاءُ قلبه بذلك. وقد أشار إلى هذا المعنى بعضُ الشعراء فقال: قَدْ تخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَلِذا سُمِّيَ الخليلُ خَلِيْلا ولقد جَمَعَ هذه المعاني وأحسنَ من قال في الخلّة: إنّها صفاءُ المودّة التي تُوجب الاختصاصَ بتخلّل الأسرار والغِنى عن الأغيار. و (قوله: إنما كنتُ خليلاً من وراءَ وراء) أي: إنما كنتُ [خليلاً متأخِّراً عن ٤٣٠ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد ﴿ من الشفاعة العامة بلغَنا؟ فيقولُ لهم إبراهيمُ: إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يغضبْ قبلَه غيري. إشارة إلى أن كمالَ الخلّة إنما تصحّ لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقامُ المحمودُ الذي يحمده الأوّلون والآخرون. وذلك لم يصحّ ولا يصحّ إلا لنبينا محمد ﴿. (وراءَ وراءَ) صحيحُ الرّواية فيه بالمدِّ والفتح، وكأنه مبنيّ على الفتح](١) لتضمّنه الحرف. كما قالت العرب: هو جاري بيتَ بيتَ. أي: بيته إلى بيتي. فكأنه قال في الحديث: مِن ورائي إلى ورائي. ونحوه: خمسة عشر، وسائر الأعداد المركّبة. ومنه قولهم: هي همزةُ بينَ بينَ. وأتيتك صباحَ مساءً. ويومَ يومَ. وتركوا البلادَ حيثَ بيثَ. وحاث بات. ونحو ذلك. وقد زعم بعضُ النّحويين المتأخِّرين أنَّ الصَّوابَ الضمّ فيهما. واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصِّحاح: إِذا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤُكَ إِلَّ مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ قلتُ: ولا شك أن السَّماع في هذا البيت بالضمّ فيهما. ووجهه ما نبّه عليه الأخفشُ، حيث قال: لقيتُه من وراءُ، فترفعه على الغاية. كقولك: من قبلُ ومن بعدُ. فنبّه على أن: وراء الأولى إنما بُنيت لقطعها عن الإضافة، وأما الثّانية: فَيُحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف مِنْ، لدلالة الأولى عليها، ويحتمل أن تكونَ الثانيةُ تأكيداً لفظياً للأولى. ويجوز أن تكون بدلاً منها، أو عطف بيان عليها. كما قالوا: يا نصرَ نصرَ - على تكلّف -. وقد وجدتُ في أصل شيخنا أبي الصّبر أيوب بن محمد الفهري السِّبتي: من وراءَ من وراءَ (بتكرار مِنْ وفتح الهمزتين). وكان - رحمه الله تعالى - قد اعتنى بهذا الكتاب غايةَ الاعتناء، وقيّده تقييداً حَسَناً، فلا يصحّ أن يُقال: إن ذلك بناءً على الوجه الأول، لوجود مِنْ المضمّنة في الوجه الأول، وإنما مَحمله على أن وراء قُطِعت عن الإضافة، ولم تقصد قصدَ مضافٍ بعينه، فصارت كأنها اسمُ علم، وهي مُؤنَّئة، فيجتمعُ فيها (١) ما بين حاصرتين ساقط من (م). المقام المحمود. ٤٣١ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد ﴿ من الشفاعة العامة مِثْلَه، ولا يَغْضَبُ بعدَه مِثْلَه. وذكرَ كَذَباتِهِ، نَفْسِي .. نَفْسِي، اذهبُوا إلى التعريفُ والتَّأنيثُ، فيمتنع الصّرف. وإنما قُلنا: إنَّ وراء مؤنثة؛ لما قال الجوهري: إنّها مؤنثة لأنّهم قالوا في تصغيرها: وُرَيِّئَة، وعلى هذا: فهمزتُها ليست للتّأنيث، ولأنَّ همزةَ التأنيث لا تقعُ ثالثة. وقد وُجِدت في بعض المعلقات بخطٌّ معتبر. قال الفرّاء: تقولُ العرب: فلان يكلّمني من وراءَ وراءَ؛ بالنصب على الظرف، ومن وراءَ وراءٍ؛ بجعل الأولى ظرفاً والثانية غاية. ومن وراءٍ وراءٍ، بجعلهما غايتين. ومن وراءِ وراءَ، تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر. ومن وراءَ وراءَ على البناء. وحكى ثعلب عن بعض النّاس: أنهم قالوا: من وراءٍ وراءٍ بالتنوين فيهما(١). و (قوله: ((وذكر كذباته))) قد فسّرها في الرواية الأخرى بما ليس كذباً على كذبات التحقيق، ونحن نذكرها ونبيّتها إن شاء اللهُ تعالى. فمنها: قوله في الكوكب: إبراهيم. ﴿هَذَارَبِ﴾ [الأنعام: ٧٦] ذكر المفسرون: أنَّ ذلك كان منه في حالَ الطفوليّة، في أول حال استدلاله، ثم إنه لما تكامل نَظَرَه؛ وتمّ على السَّداد؛ وَضَح له الحق. قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٩]. قال الشيخ - رحمه الله -: وهذا لا يليق بالأنبياء؛ لأن الله تعالى خصّهم بكمال العقل ما خصَّ الله به والمعرفة بالله عزّ وجلّ، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل باللهِ تعالى والكُفْر من أنبياءه. أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم، إذ لم يُسْمَعْ عن واحدٍ منهم أنه اعتقدَ مع اللهِ إلهاً آخر، ولا اعتقدَ مُحالاً على الله تعالى، ولا ارتكبَ شيئاً من قبائح أُممهم الذين أُرْسِلوا إليهم، لا قبل النبوة، ولا بعدها، ولو كان شيءٌ من ذلك لَقَرّعهم بذلك أممهم لمَّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجّوا عليهم بذلك، ولم يُنْقَلْ شيءٌ من ذلك، وأما بعد إرسالهم؛ فكل(٢) ذلك محالٌ عليهم عقلاً على ما نبيّنه. (١) من قوله: (قوله: فنهس منها نهسة) إلى هنا، ساقط من (ع). (٢) في (م): فكان. ٤٣٢ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد ◌َلز من الشفاعة العامة وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يقصدُ به التَّوبيخَ لهم، والإنكارَ عليهم، وحُذِفت همزةُ الاستفهام اتساعاً، كما قالت العرب: لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَحاسِبٌ بِسَبْعٍ رَمَيْتُ الجمْرَ أَمْ يِثَمَانِ (١) وقال آخر (٢): فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ رَفَوْنِيْ(٣) وَقَالُوا يَا خُوَيْلَدُ لم تُرَغْ أي: أهم أهم. وقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهاً: على أن ما يتغيّر لا يصلح للربوبية . ومنها: قوله لآلهتهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] إنما قاله ممهّداً للاستدلال على أنها ليست آلهة، وقَطْعاً لقومه في قولهم: إنها تضرّ وتنفع، وهذا الاستدلالُ والذي قبله يتحرّر من الشّرط المتصل، ولذلك أردفَ على قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] قوله: ﴿فَتْثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وعند ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنبياء: ٦٦] فحقَّتْ كلمتُه وظهرت حجّته. (١) القائل: هو عمر بن أبي ربيعة. (٢) هو أبو خراش الهذلي. (٣) في (ل) و(م): رموني. والمثبت من (ع) واللسان. و «رفوني)): سگّنوني من الرعب. ٤٣٣ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد﴿ من الشفاعة العامة غَيْرِي، اذهبُوا إلى مُوسى. فيأتونَ مُوسَى، فيقولونَ: يا مُوسى! أنتَ رسولُ الله، فضَّلَكَ اللهُ برسالاتِهِ وبِكَلامِه على النَّاس، اشفعْ لَنَا إلى ربِّك. ومنها: قوله: ﴿ إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] هذا تعريضٌ، وحقيقتُه أنه سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويحتملُ أن يريدَ به أنه سقيمُ الحجّة على الخروج معكم، إذ كان لا يصحّ على جواز ذلك حجّة. ومنها ما جاء في حديث إبراهيم أنه قال قوله لزوجه سارة حین دخل أرض الجبار فسُئِل عنها فقال: إنها أختي، وصدق فإنها أُخته في الإسلام. وكذلك جاء عنه مَنْصُوصاً أنه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام، وعلى الجُمْلَة فأوجهُ هذه الأمورِ واضحةٌ، وصِدْقها معلومٌ على الأوجه المذكورة، فليس في شيءٍ منها ما يقتضي عِتاباً ولا عِقاباً، لكنّ هَوْلَ المقام وشدَّة الأمر حَمَله على ذلك(١) الخوفِ منها، وأيضاً فلنتبين درجة من يقول: ((نفسي نفسي) من درجة من يقول: ((أمتي أمتي)). و (موسى) سُمِّ بذلك: لأنه وُجِد بين موشى - بالعبرية - أي: الماء والشجر، لِمَ سُمِّ موسى فعُرِّب، والجمع: موسون في الرّفع، وبالياء في النصب والجرّ عند البصريين، بهذا الاسم؟. وعند الکوفیین موسُون بضم السین، وموسِین بکسرها. و (قوله: ((وفضّلك الله برسالاته وبكلامه))) هذه إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ولا خلاف بين أهلَ السُّنَّة في أنَّ مُوسى سمع كلامَ اللهِ الذي لا يُشبهه كلامُ البشر؛ الذي ليس بصوتٍ ولا سماع موسى حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحّت خصوصيةُ الفضيلة لموسى بذلك، لكلام الله. إذ قد سمع كلامَه تعالى بواسطة الحرف والصّوت المشترك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالاً وجواباً في كُتُب الكلام. - (١) من (ل)، ٤٣٤ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد له من الشفاعة العامة ألا تَرى ما إلى نحنُ فيه؟ ألا تَرى إلى ما قدْ بلغَنا؟ فيقولُ لهم مُوسى: إنَّ ربِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يغضبْ قبلَه مِثْلَه، ولنْ يغضبَ بعدَه مِثْلَه، وإني قتلتُ نَفْساً لم أُومِرْ بقتلِها، نَفْسي .. نَفْسِي! اذهبُوا إلى عِيسى. فيأتونَ عِيسى، فيقولونَ: يا عِيسَى! أنتَ رسولُ الله، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المهدِ، وكَلِمَةٌ مِنه ألقاها إلى مريمَ، ورُوحٌ منه، فاشفعْ لنا إلى رَبِّكَ. ألا تَرى ما نحنُ فيه؟ ألا ترى ما قَدْ بلغَنا؟ فيقولُ لهم عيسى: إنَّ ربِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَباً، لم يغضبْ قبلَه مِثْلَه، ولنْ يَغْضَب بعدَه مِثْلَه. ولم يذكرْ له ذَنْباً، نَفْسِي .. نَفْسِي! اذهبُوا إلى غيري، اذهبُوا إلى محمّد ◌َّلـ فيَأْتُوني، فيقولونَ: يا محمّد! أنتَ رسولُ الله، وخاتمُ الأنبياءِ، وغفَرَ الله لكَ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ. اشفعْ لَا إلى رَبِّك ألا ترَى ما نحنُ فيه؟ و (قوله: وكلّمت الناس في المهد) أي: صغيراً في الحال التي تمهد له فيها موضعه ليضّجع عليه لصغره. لِم ◌ُمِّي عيسى كلمة الله؟. و (قوله: ﴿وكلمة منه﴾) قال ابنُ عباس: سمّاه كلمة، لأنه كان بكلمة ((كن)) من غير أن يتقلّب في أطوار الخَلْق كما تقلّب غيره. و (ألقاها إلى مريم) أي: أبلغها إليها. وقد تقدّم الكلامُ في وصفه عليه السلام بأنه رُوح الله. و (قوله: ((غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر))) اختلفَ الناسُ في عصمة الأنبياء. عصمة الأنبياء من الذُّنوب اختلافاً كثيراً، والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ الأنبياءَ معصومون مما يناقضُ مدلولَ المعجزة عَقْلاً. كالكُفْر بالله تعالى، والكَذِب علیه، والتَّحريف في التَّبليغ، والخَطَأ فيه، ومعصومون من الكبائر، وعن الصّغائر التي وقوع الصغائر تزري بفاعلها، وتحطّ منزلته، وتُشْقِط مروءته إجماعاً، عند القاضي أبي بكر. من الأنبياء. وعند الأستاذ أبي بكر: أن ذلك مقتضى دليل المعجزة. وعند المعتزلة: أنَّ ذلك مُقتضى دليل العقل على أصولهم، واخْتَلَفَ أئمَّتُنا في وقوع الصَّغائر منهم. فمن ٤٣٥ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمدٍ من الشفاعة العامة ألا ترَى ما قدْ بلغنَا؟ فأنطلقُ فآتي تحتَ العَرْشِ فأقعُ سَاجِداً لربِّي، ثم يفتحُ الله عَلَيَّ ويُلْهِمُنِي مِن مَحامدِهِ وحُسْنِ الثَّتَاءِ عليه شيئاً لم يقتحْه لأحدٍ قَبْلِي، ثم يقالُ: يا محمّد! ارفعْ رأسَك، سَلْ تُعْطَةْ، اشفعْ تُشَفَّعْ. فأرفعُ رَأْسِي قائلٍ: بالوقوعِ، ومن قائل: بمنع ذلك، والقولُ الوسطُ في ذلك: أنَّ اللهَ تعالى قد أخبر بوقوعِ ذُنُوبٍ من بعضهم، ونَسَبها إليهم، وعَاتَبهم عليها، وأخبروا بها عن نُفُوسهم، وتَنَصَّلوا منها، واسْتغفروا، وتَابُوا، وكلُّ ذلك وَرَدَ في مواضعَ كثيرةٍ لا تقبلُ التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها. لكن الذي ينبغي أن يُقال: إنَّ الذي أضيفَ إليهم من الذُّنوب ليس من قبيلِ الكبائر، ولا ممّا يزري بمناصبهم على ما تقدَّم، ولا كَثُرَ منهم وقوُ ذلك. وإنما تلك الأمورُ التي وقعتْ منهم؛ وعُوتِبُوا عليها؛ يخفّ أمرُها بالنّسبة إلى غيرهم. وإنما عُدِّدَتْ عليهم، وعُوتبوا عليها بالنّسبة إلى مناصبهم وإلى عُلُوّ أقدارهم؛ إذ قد يُؤَاخَذ الوزير بما يُثاب عليه السَّائس(١)، ولقد أحسنَ الجنيدُ(٢) حيث قال: حسناتُ الأبرار سيّئاتُ المقرّبين، فهم - وإن كانوا قد شهدت النصوصُ بوقوع ذنوبٍ منهم - فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم، ولا قَدَح ذلك في رُتَبتهمٍ، بل قد تلافاهم، واجتباهم، وهداهم، ومدحهم، وزكَّاهم، واختارهم، واصْطَفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدِّين. والكلامُ على هذه المسألة تفصيلاً يَسْتدعي تطويلاً، وفيما ذكرناه كفايةٌ، والله الموفِّقُ للهداية. و (قوله: ((فأنطلقُ فآتي تحتَ العرش فأقعُ ساجداً)) [قد زاد عليه في حديث أنس: ((فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد ثم أخرّ (١) ((السائس)): رائِض الدّواب ومُدَرِّبها. (٢) هو الجُنَيْدُ بن محمد الخزاز، أبو القاسم: من العلماء بالدين، ومن علماء التصوّف المشهورين. توفي سنة (٢٩٧ هـ). ٤٣٦ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد﴿ من الشفاعة العامة ساجداً)](١) وبمجموع الحديثين يكمل المعنى. ويُعلم مراعاة التَّبِي وَّوالآ داب الحضرة العليّة. ثم اعلمْ أنَّ هذا الانطلاقَ من النَّبِي ◌َ﴿ إنما هو إلى جَنَّة الفردوس التي هي أعلى الجنّة، وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصّحيح، بناءً على أنَّ لا محلّ هناك إلا الجنة والنار، وعلى أنَّ العرشَ محيط بأعلى الجنة. والله تعالى أعلم، ولا شكّ في أنّ دخولَ الجنة هو المحلّ الكريم، لا بُدّ فيه من استئذان الخزنة، وعن هذا عبّر بقوله عليه الصلاة والسلام: ((فَأَسْتَأذنُ على ربي))، ولا يفهم من هذا: ما جرت به عاداتنا في أن المستأذَنَ عليه قد احتجبَ بداره، وأحاطتْ به جهاته، فإذا استؤذن عليه فأذن دخلَ المستأذِن معه فيما أحاط به، إذ كلّ ذلك على الله مُحال، فإنه مُتَزّه عن الجسمية ولوازمها على ما تقدّم. العرش. والعرشُ في أصل اللغة: الرفع، ومنه قوله: ﴿مَّعْرُ وشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي: مرفوعات القضبان. قاله ابنُ عباس. أو مرفوعات الحيطان، على قول غيره، ومنه سُمِّ السرير، وسَقْف البيت: عرشاً، ويقال لما يُستظلّ به: عرش وعريش، وإضافته إلى الله تعالى على جهة الملك أو التّشريف، لا لأن اللهَ استقرَّ عليه أو استظلَّ به، كما قد توهّمه بعضُ الجهّال في الاستقرار، وذلك على الله مُحال، إذ يستحيلُ عليه الجسمية ولواحقها(٢). تنبيه: في حديث أبي هريرة: إنَّ المحامدَ كانتْ بعد الشُّجود. وفي حديث أنس: قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدلّ على أنه عليه الصلاة والسلام أكثر من التّحميد والثّناء في هذا المقام كلّه في قيامه وسجوده إلى أن أُسعف في طِلْبته. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) مذهب السلف في الصفات الإلهية إثباتُ ما أثبت الله تعالى لنفسه، دون تأويل، أو تشبيه، أو تكييف. ٤٣٧ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد﴾ من الشفاعة العامة فأقولُ: يا ربِّ! أُمَّتِي .. أُمَّتي. و (قوله: ((فأقول يا ربّ أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك مَن لا حساب عليه))) هذا يدلُّ على أنه شُفْع فيما طَلَبه من تعجيل حسابٍ أهل شفاعته:﴾ في الموقف، فإنه لمَّا أُمر بإدخال مَن لا حسابَ عليه من أمته فقد شرع في حساب من تعجيل حساب عليه حساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرّواية الأخرى: ((فيؤذن له، وتُرسل أهل الموقف. الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصّراط)) هذا المساقُ أحسنُ من مساق حديث معبد عن أنس، فإنه ذكر فيه عقيب استشفاعه لأهل الموقف: أنه أُجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف، وكأن هذا الحديثَ سُكِت فيه عن هذه الشفاعة، فذكرت شفاعته لأمته؛ لأنَّ هذه الشفاعةَ هي التي طلبت من أنس أن يُحَدِّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهلُ البدع، والله أعلم. قال القاضي عياض: شفاعات سيِّدنا محمد له يوم القيامة أربع: الأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف؛ ليعجّل حسابهم، ويُراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصّة به اَ﴾. شفاعاته ﴾ يوم القيامة. الثّانية: في إدخال قومِ الجنَّةَ دون حساب. الثالثة: في قومٍ من مُؤَخِّدي أمته استوجبوا النَّار بذنوبهم فيُخرجون من النار ويَدْخُلون الجنة بشفاعته. وهذه الشّفاعة هي التي أنكرتها المبتدعةُ: الخوارجُ إنكار والمعتزلة. فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاقُ العقلي المبنيّ على التّحسين والتّقبيح العقليين، وتلك الأصولُ قد استأصلها أتمَّتُنا في كُتُبهم أنها مُصادِمة لأدلّة الكتاب والسُّنَّة الدّالة على وقوع الشَّفاعة في الآخرة، ومن تصفّح الشفاعة. الشريعةَ والكتابَ والسُّنة وأقوال الصّحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة، علم على الضرورة صحّة ذلك، وفسادَ قول مَن خالف في ذلك. الخوارج والمعتزلة بعض أنواع الرابعة: في زيادة الدّرجات في الجنّة لأهلها وترفيعها. ٤٣٨ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد عليه من الشفاعة العامة فيُقالُ: يا محمّد! أدخل الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ، مَنْ لا حِسَابَ عليهِ، مِن البابِ الأيمنِ مِن أبوابِ الجنَّةِ، وهم شُركاءُ النَّاس بِسَائِرِ الأبوابِ. والذي نفسُ محمّدٍ بيدِه! إِنَّ ما بينَ المِصْراعينِ مِنْ مَصارِيع الجنَّةِ لكما بين مَكَّةَ وهَجَرٍ . أو كَما بينَ مَّة وبُصْرَى)). و (قوله: أدخل الجنة مِن أمتك مَن لا حساب عليه))) يعني به - والله أعلم -: الأیمن السّبعین ألفاً الذین لا یستزقون، ولا یتطیّرون، وعلى ربهم یتوگّلون. و (من الباب الأيمن) هو الذي عن يمين القاصِد إلى الجنّة بعد جواز الصِّراط، والله أعلم، وكأنّه أفضلُ الأبواب. و (قوله: ((هم شُركاء النّاس بسائر(١) الأبواب))) يحتملُ أن يعودَ هذا الضَّميرُ إلى الذين لا حساب عليهم، وهو الظَّاهر، ويكون معناه: أنهم لا يُلْجَؤُون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أي باب شاؤوا. كما جاء (٢) في حديث أبي بكر حيث قال: فهل على مَن يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا، وأرجو أن تكونَ منهم))(٣). وكما قال عليه الصلاة والسلام فيمن أسبغ الوضوء، وهلّل بعده) ((أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء))(٤)، ويحتمل أن يعود على الأمة، وفيه بُعْدٌ. و (المصراعان): ما بين عضادتي البابين، و (الباب) المغلق. و (قوله: ((لكما بين مكة وهجر، أو: كما بين مكّة وبصرى))) يحتمل: أن (١) في (ل) و(م): في سائر. (٢) في (ل): قال. (٣) رواه البخاري (١٨٩٧)، ومسلم (١٠٢٧)، والنسائي (٤٨/٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤) رواه مسلم (٢٣٤)، والترمذي (٥٥)، وابن ماجه (٤٧٠)، والنسائي في اليوم والليلة (٨٤) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. الباب للجنة. ٤٣٩ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد عليه من الشفاعة العامة زادَ في رواية - في قصَّة إبراهيمَ - قال: ((وذكرَ قولَه في الكَوْكَبِ: ◌ْ هَذَا رَبٍ﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقوله لا لهتِهِم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٦). [١٤٧] وفي أخرى: ((فيقولُ إبراهيمُ: لستُ بصَاحِب ذلكَ. إنَّما كنتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ». وفيها: ((فيأتونَ محمَّداً، فيقومُ فِيُؤْذَنُ لَهُ. وتُرسلُ الأَمانةُ والرَّحِمُ، فتقُومَانِ جَنْبَتَيّ الصِّراطِ يميناً وشِمالاً فيمزُّ أوَّلُكُمْ كالبَرْقِ)) قالَ: قلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي! أيُّ شَيءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قالَ: ((ألمْ تَرَوْا إلى البَرْقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثمَّ كَمَرِّ الرِّيح، ثم كمَرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجال. تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصُّراطِ يقولُ: ربِّ! يكون شكاً من بعض الرواة، ويحتمل: أن يكون تنويعاً، كأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا رأى ما بينهما قدَّره راءٍ بكذا وقدَّره آخر بكذا))، ويصحُ أن يُقال: سَلَك بها مَسْلك التّخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا، وإن شئتم بکذا. و (قوله: ((تجري بهم أعمالهم))) يعني: أنَّ سرعة مَرِّهم على الصِّراط بقدر أعمالهم. أَلَا تراه كيف قال: ((حتى تعجز أعمالُ العباد)». و (شد الرِّجال) جَزْيهم الشّديد، جمع رَجُل. وعند ابن ماهان: الرّحال بالحاء المهملة، وكأنه سُمِّيت الراحلةُ بالرحل ثم جمع، يريد: كجري الرواحل. وفيه بُعْدٌ. و (الزحف) مشي الضّعيف. يقال: زَحَف الصبي، يزحف على الأرض، قبل أن يمشي. وزَحَفَ البعيرُ؛ إذا أعيا فَجَرَّ فِرْسَنَهُ(١). و (الكلاليب) جمع كَلُّوب، على فَقُول، نحو: (١) ((فرسنه)): أي: خفه. ٤٤٠ (١) كتاب الإيمان - (٦٠) باب: ما خُصَّ به نبينا محمد﴿ من الشفاعة العامة سَلِّمْ سَلِّمْ. حتَّى تَعْجِزَ أعمالُ العِبَادِ، حتَّى يَجيءَ الرجلُ فلا يستطيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفاً. قالَ: وفي حافَتَي الصِّراطِ كلاليبُ مُعَلَّقَةٌ، مأمورةٌ بأخْذِ مَنْ أُمِرَتْ به. فمَخْدُوشٌ ناج ومُكَرْدسٌ فِي النَّارِ)). والذي نفسُ أبي هُريرة بيدِه! إنَّ قعرَ جهنّم لسَبْعِيْنَ خَرِيْفاً. ورُوي أيضاً عن حذيفة. رواه مسلم (١٩٥) عن أبي هريرة وعن حذيفة رضي الله عنهما. سَقُّود، وهي: التي سمّاها فيما تقدّم خطاطيف. و (مكردس) بمعنى: مكدوس، يقال: كردس الرجلُ خيلَه؛ إذا جمعها كراديس، أي: قِطَعاً كباراً. ويحتمل: أن يكونَ معناه: المكسور فقار الظهر. ويحتمل: أن يكونَ من الكردسة، وهو الوثاق. يقال: كُرْدِسَ الرَّجُلُ: جُمِعت يداه ورجلاه. حکاه الجوهري. و (قوله: ((لسبعين خريفاً)) تفسيره في الحديث الآخر، إذ قال: ((إنَّ الصخرة العظيمة لَتُلْقى في شَفِير جهنم، فتهوي فيها سبعين عاماً)(١). والخريف: أحد فُصُول السنة، وهو الذي تُخْتَرَفُ(٢) فيه الثمار، والعرب تذكّره كما تذكّر المُساناة والمشاهرة، يقال: عاملته مخارفة. أي: إلى الخريف. والأجودُ رفعٌ ((لسبعون)) على الخبر. وبعضهم يرويه: لسبعين. يتأوّل فيه الظّرف، وفيه بُعْدٌ. (١) رواه الترمذي (٢٥٧٨) من حديث عتبة بن غزوان رضي الله عنه. (٢) (تُخترف)): تُجنى وتقطف.