النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (١) كتاب الإيمان - (٣٦) باب: لا يُغْتَرُّ بعمل عامل حتى يُنْظَرِ بما يُخْتَمُ عليه [٩٠] وعن عمرَ بن الخطّاب، قالَ: لَمَّا كانَ يومُ خيبرَ أقبلَ نفرٌ من صَحَابةِ النبيِّ:﴿ فقالُوا: فلانٌ شهيدٌ، فلانٌ شهيدٌ. حتَّى مَرُّوا على رجلٍ فقالُوا: فلانٌ شهيدٌ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((كَلَّا، إني أُرِيتُه فِي النَّارِ، في بُرْدَةٍ غَلَّها أو عَباءَةٍ)) ثم قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا بنَ الخَطَّابِ! اذهبْ فَنَادٍ في القول: إنما كان تنبيهاً على وجوب الإخلاص في الجهاد، وأعمال البر، وتحذيراً من الرياء والنفاق. و (قوله: حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد) هذا الرجل هو المسمّى: مِدْعَم، وكان عبداً للنبيِوَله، فبينا هو يحطّ رَحْل رسول اللهِ ﴿ إذا أصابه سَهْم فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال النبيُّ ◌َّر هذا الكلام. وكلَّا: رَذْع وزَجْر. والغلول: الخيانة في المغنم، يقال منه: غَلَّ، بفتح الغُلول والغِلّ. الغين، يغُل بضمها في المضارع، قال ابنُ قتيبة وغيره: الغلول من الغلل، وهو الماء الجاري بين الأشجار، فكأنّ(١) الغالَّ سمّي بذلك لأنه يدخل الغلول على أثناء راحلته، فأما الغِلّ بكسر الغين: فهو الحقد والشحناء. والبردة: كساء أسود صغير مربّع، يلبسه الأعراب. قاله الجوهري، وقال غيره: هي الشّملة المخطّطة، وهي كساء يُؤتزر به، والعباءة - ممدود -: الكساء. و (قوله: ((إني أُريته في النار))) ظاهره أنها رؤية عيان ومشاهدة، لا رؤية منام، فهو حجّة لأهل السُّنَّة على قولهم: إن الجنةَ والنَّارَ قد خُلقتا ووُجِدتا، وفيه دليل على أن بعضَ من يعذّب في النار يدخلها، ويعذّب فيها قبل يوم القيامة، ولا حُجّة فيه للمكفّرة بالذنوب؛ لأنا نقول: إنَّ طائفةٌ من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم، ثم يخرجون منهم بتوحيدهم أو بالشّفاعة لهم، كما سيأتي في الأحاديث الصَّحيحة، ويجوزُ أن يكونَ هذا الغالّ منهم، والله تعالى أعلم. الجنة والنار خُلِقتا وُجِدتا. (١) ساقط من (ع). - ٣٢٢ (١) كتاب الإيمان - (٣٧) باب: قتل الإنسان نفسه ليس بكفر النَّاس: إنَّه لا يَدْخُلُ الجنَّةَ إِلَّ المؤمنونَ)) قالَ: فخرجتُ فناديتُ: ((أَلَا إنَّه لا يَدْخُلُ الجنّة إِلَّ المؤمنونَ». رواه أحمد (٣٠/١)، ومسلم (١١٤)، والترمذي (١٥٧٤) من حديث عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم. (٣٧) باب قتل الإنسان نفسه لیس بکفر [٩١] عن جابر، أن الطفيل بن عمرو الدَّوْسيّ أتى النبيَّ وَله فقال: يا رسولَ الله! هل لكَ في حِصْنٍ حَصینٍ ومَنَعَةٍ؟ - قال: حِصْنٌّ كانَ لِدَوْس في الجَاهِلِيَّةِ - فَأَبَى ذلك النبيُّ وَِّ، اللذي ذَخَرَ اللهُ للأنصَارِ. فلمَّا هاجَرَ (٣٧) ومن باب: قتل الإنسان نفسه ليس بكفر (قوله: ((هل لك في حصن حصينٍ ومَنَعة))) الحصنُ واحد الحصون، وهي القصور والقلاع لكي يتحصّن فيها، وحصين: فعيل للمبالغة، أي: شديد المنع لمن فيه، ومنعة: يروى بفتح النون وسكونها، وفي الصحاح يقال: فلان في عزّ ومَنَعة بالتحريك، وقد يسكّن عن ابن السِّكيت، ويقال: المَنَعة - بالتحريك -: جمع مانع، ککافر وكفرة، أي: هو في عزّ وعشيرة يمنعونه. و (قوله: ((وهاجر معه رجل من قومه فاجتوى المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ))) هكذا صوابُ الرواية بتوحيد رجل، وعَطْف ما بعده على ما قَبْله على ٣٢٣ (١) كتاب الإيمان - (٣٧) باب: قتل الإنسان نفسه ليس بكفر النبيُّ ◌َّه إلى المدينةِ، هاجرَ إليه الطفيلُ بنُ عمرو، وهاجرَ معه رَجُلٌ من قومِه، فاجْتَوَى المدينةَ. فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فأخذَ مَشاقِصَ له، فقطعَ بها بَراجِمَهُ، فَشَخَبتْ يَدَاهُ حتَّى ماتَ. فرآه الطفيلُ بنُ عمرو في مَنامِهِ، فرآهُ الإفراد، وهي رواية عبد الغافر(١)، وعند غيره تخليطٌ، فمنهم مَن جَمَع فقال: رجال، فاجتووا المدينة، ثم قال بعده: فمرض فجزع؛ على الإفراد، والأول أصوب. واجتوى المدينة، أي: كرهها، يقال: اجتويتَ المدينة: إذا كرهتَها، وإن كانت موافقةً لك في بدنك. قال الخطابي: أصل الاجتواء استيبال(٢) المكان، وكراهية المقام فيه، لمضرّة لَحِقَتْهُ، وأصله: من الجوى، وهو فساد الجوف. و (قوله: ((فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه))) المشاقص: جمع مشقص، وهو السهم العريض، وقال الداودي : هو السّكين، والبراجم والرواجب: مفاصل الأصابع كلها، وقال أبو مالك في كتاب ((خلق الإنسان)): الرواجب: رؤوس العظام في ظهر الكف، والبراجم: هي المفاصل التي تحتها. و (قوله: ((فشخبت))) بالشين المعجمة (٣)، وهو بالخاء المعجمة وبفتحها في الماضي وضمّها في المضارع، وقد تُفتح، ومعناه: سال، قال ابنُ دريد: كلّ شيءٍ سال فهو شُخب بضم الشين وفتحها، وهو: ما خرج من الضّرع من اللبن، وكأنه الدفعة منه، ومنه المثل: شخب في الأرض وشخب في الإناء، يقال للذي يصيب مرة ويخطىء في أخرى، تشبيهاً له بالحالب الذي يفعل ذلك. (١) هو عبد الغافر بن محمد الفارسي، أبو الحسين: ثقة، صالح. من رواة صحيح مسلم، توفي سنة (٤٤٨ هـ). (سير أعلام النبلاء ١٩/١٨). (٢) في (ل): استثقال. والمثبت من (ع) و(م) ومعنى: استوبل الأرض: لم توافقه في بدنه، وإن كان محبّاً لها. (٣) قوله: (بالشين المعجمة) من (ع). ٣٢٤ (١) كتاب الإيمان - (٣٧) باب: قتل الإنسان نفسه ليس بكفر وهيئتُهُ حسنةٌ، ورآهُ مُغَطَّاً يَدَيْهِ، فقالَ له: ما صنعَ بك رَبُّكَ؟ فقال: غَفَرَ لي بهجرتي إلى نبيِّهِ وَّهِ. فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطَّياً يَدَيْكَ؟ قالَ: قيل لي: لن نُصْلِحَ منكَ ما أفسدتَ. فَقَصَّها الطُّفَيْلُ على رسول اللهِّهِ فقالَ رسولُ الله ◌ِهِ: ((اللَّهُمَّ! وَلِيَدَيْهِ فَاغفرْ)). رواه أحمد (٣٧١/٣)، ومسلم (١١٦). و (قوله: ((غفر لي بهجرتي إلى نبيه))) دليلٌ على أنَّ الكبائرَ قد تُغفر بفعل الكبائر قد تُغفر بفعل القواعد. القواعد، وفيه نظر سيأتي في الطهارة إن شاء الله تعالى. تتناول محل الجناية. و (قوله: ((لن نصلح منك ما أفسدت))) دليل على أن المغفرةَ قد لا تتناول المغفرة قد لا محلّ الجناية، فيحصلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهم وَلِيَدَيْه فاغفرْ)). والظاهر أن هذا الرجلّ أدركته بركةُ دعوة النبي وَهُ فَغُفِر له وليديه، وكمل له ما بقي من المغفرة عليه، وعلى هذا فيكون قولُه: ((لن نصلحَ منك ما أفسدتَ)) ممتداً إلى غاية دعاء النبي ◌َّ له، فكأنه قيل له: لن نصلح منك ما أفسدته ما لم يدع لك النبي وَطهر. وهذا الحديثُ يقتضي: أن قاتلَ نفسه ليس بكافر، وأنه لا يخلدُ في النار، هل قائلُ نفسه كافر ويُخلَّ في وهو موافقٌ لمقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن النار؟ يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وهذا الرجلُ ممّن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشِّرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب؛ فإنه ممن شاء اللهُ أن يعذِّبه. ٣٢٥ (١) كتاب الإيمان - (٣٨) باب: ما يخاف من سرعة سلب الإيمان (٣٨) باب ما يخاف من سرعة سلب الإيمان [٩٢] عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله يَبَعثُ رِيْحاً مِن قِبَلِ اليَمَنِ، أَلَيَنَ مِن الحَرِيرِ، فلا تدعُ أحَداً في قلبهِ مثقالَ حَبَّةٍ - وفي رواية: ذَرَّةٍ - مِن إيمانٍ إِلَّا قَبَضته)). رواه مسلم (١١٧). (٣٨) ومن باب: ما يخاف من سرعة سَلْب الإيمان (وقوله: ((إن الله يبعثُ ريحاً من قبل اليمن(١) ألين من الحرير))) هذه الريحُ الربح التي إنّما تُبْعَثُ بعد نزول عيسى ابن مريم، وقَتْلِهِ الدّجّال، كما يأتي في حديث يرسلها الله من عبدالله بن عمرو، في آخر الكتاب: الفتن(٢)، غير أنه قال هنا: ((ريحاً من قبل قبل الیمن. اليمن)) وفي حديث عبد الله: ((من قبل الشام)) فيجوز أن يكون مبدؤها من قبل اليمن، ثم تمرّ بالشام، فتهب منه على مَن يليه. وقَبْضُ الإيمان في هذا الحديث هو بقبض أهله، كما جاء في حديث ابن عمرو؛ وقال فيه: ((ثم يرسلُ اللهُ ريحاً باردةً من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أنَّ أحدكم(٣) دخَل في كبد جبلٍ لدخلتْ عليه حتى تقبضه)) قال: ((فيبقى شرارُ الناس في خِفّة الطّير وأحلام السّباع)). (١) في (ع): أهل اليمن، ولفظة (قبل) ساقطة من (ل) و(م) و (ط)، والمثبت من كلام المؤلف الآتي بعد قليل. (٢) رواه مسلم (٢٩٤٠). (٣) في (م) و (ل): أحدهم. ٣٢٦ (١) كتاب الإيمان - (٣٨) باب: ما يخاف من سرعة سلب الإيمان [٩٣] وعن أبي هُريرةَ أيضاً، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّرْ قالَ: ((بَادِرُوا بالأعمالِ فِتَناً كِقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً ويُمسِي كَافِراً، ويُمسِي مُؤْمِناً ويُصْبِحُّ كَافِراً. يَبِيْعُ دَينَه بعَرَضٍ من الدُّنْيَا)). رواه أحمد (٣٠٤/٢ و٥٢٣)، ومسلم (١١٨)، والترمذي (٢١٩٦). الحضّ على اغتنام الفرصة. و (قوله: ((بادروا بالأعمالِ فتناً)) أي: سابقوا بالأعمال الصّالحة هجومَ المحن المانعة منها، السّالبة لشرطها، المصحّح لها الإيمان، كما قال: ((يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً) ولا إحالة ولا بُعْد في حمل هذا الحديث على ظاهره؛ لأن المحنَ والشدائدَ إذا توالتْ على القلوب أفسدتها بغلبتها عليها، وبما تؤثّر فيها من القسوة، ومقصودُ هذا الحديث الحضّ على اغتنام الفرصة، والاجتهاد في أعمال الخير والبرّ عند التمكّن منها قبل هجوم الموانع. و (قوله: ((يبيعُ دينه بعَرَضٍ من الدنيا))) عَرَض الدنيا بفتح العين والراء: هو طمعها وما يعرض منها، ويدخل فيه جميعُ المال. قاله الهروي. فأما العَرْض بإسكان الراء: فهو خلافُ الطول، ويقال على أمور كثيرة، والعِرْض بكسر العين وسكون الراء: هو نَسَب الرجل وجسمه وذاته. ومقصود هذا الحديث الأمرُ بالتمسك بالدّين، والتشدّد فيه عند الفتن، والتحذير من الفتن، ومن الإقبال على الدّنيا وعلى مطامعها. التحذير من الدنيا ومطامعها . ٣٢٧ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُنْ هَدَمَ ما قبله من الآثام (٣٩) باب الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام وأحرز ما قبله من البر [٩٤] عن عبد الله، قال: قالَ أناسٌ لرسولِ الله وَّهِ: يا رسولَ الله! أنؤاخذُ بما عَمِلْنا في الجَاهِليَّةِ؟ قال: ((أمَّا مَنْ أحسنَ مِنكم في الإسلام فلا يُؤاخذُ بها، ومَنْ أَساءَ أُخِذَ بعملهِ في الجاهليةِ والإِسلامِ». وفي رواية: ((مَنْ أساءَ في الإسلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِر)). رواه أحمد (٣٧٩/١ و٤٦٢)، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠). (٣٩) ومن باب: الإسلام إذا حَسُن هدمَ ما قبله من الآثام وأحرز ما قبله من البرّ (قوله: ((أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخِذ من معاني بعمله في الجاهلية والإسلام))) يعني: بالإحسان هنا، تصحيح الدخول في دين والإساءة. الإحسان الإسلام، والإخلاص فيه، والدوام على ذلك من غير تبديل ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان هي الكفر والنّفاق، ولا يصحّ أن يُراد بالإساءة هنا ارتكاب سيئة ومعصية؛ لأنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما قبله من الآثام، إلا لمن عُصِم من جميع السّيئات إلى الموت، وهو باطلٌ قطعاً، فتعيّن ما قلناه. والمؤاخذة، هنا، هي العقاب على ما فَعَله من السيئات في الجاهلية وفي حال الإسلام، وهو المعبّر عنه في الرواية الأخرى بقوله: ((أُخِذَ بالأول والآخر))، وإنما كان كذلك لأن إسلامَه لمّا لم يكنْ صحيحاً ولا خالصاً لله تعالى لم يهدم شيئاً مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثمُ نفاقه وسيئاته التي عملها في حال الإسلام، فاستحقّ العقوبةَ عليها، ومن هنا استحقّ المنافقون أن يكونوا في الدَّرْك الأسفل من الكفار النار، كما قال الله تعالى. ويُستفاد منه أنَّ الكفَّارَ مُخاطبون بالفروع. مخاطبون بالفروع. : ٣٢٨ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُنْ هَدَم ما قبله من الآثام [٩٥] وعن ابن شُمَاسَةَ المَهْرِيِّ، قال: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العاص وهو في سِيَاقَةِ الموتِ، فبكَى طَوِيلاً، وحَوَّلَ وجهَه إلى الجِدَارِ، فجعلَ ابنُه يقول: يا أبتاه! أمَا بَشَّرَكَ رسولُ اللهِ وَهِ بكذا؟ أما بَشَّرَكَ رسولُ اللهِ وَاهـ بكذا؟ قال: فأقبلَ بوجهِه فقالَ: إنَّ أفضلَ ما نُعِدُّ شهادةُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وأنَّ محمداً رسولُ الله. إني كنتُ على أطباقٍ ثلاثةٍ: لقد رأيتُني وما أحدٌ أشدَّ بُغْضاً لرسولِ اللهِ وَ﴿ مِني، ولا أحبّ إليَّ من أن أكونَ قد استمكنتُ منه فقتلتُه، فلو مِتُّ على تلكَ الحالِ لكنتُ من أهل الثَّارِ، فلما جعلَ الله الإسلامَ في قلبي أتيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ فقلتُ: ابسطْ يمينَك فلأُبَابِعْكَ، فبسطَ يمينَه. قال: فقبضتُ يدي. قال: ((ما لكَ يا عمرو؟)) قال: قلتُ: أردتُ أنْ أشترطَ. قال: ((تشترطُ بماذا؟)) قلتُ: أن يُغْفَرَ لي. قالَ: ((أمَا علمتَ أن و ((ابن شماسة)) رويناه بفتح الشين وضمها، واسمه: عبد الرحمن بن شماسة، وأبوه من بني مَهْرَة، قبيل. أفضل العدة : توحيد الله وتصديق الرسول. و (قول عمرو بن العاص: ((إن أفضلَ ما نُعِدّ شهادة أن لا إله إِلَّ الله وأن محمداً رسول الله))) أي: أفضل ما نتّخذه عدة للقاء الله تعالى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وتصديق رسوله وَ﴿، والنطق بذلك، وقد تقدَّمَ أنَّ الإيمانَ أفضلُ الأعمال كلّها، ويتأكّد أمرُ النطق بالشهادتين عند الموت ليكون ذلك خاتمة أمره، وآخر كلامه. و (قوله: ((إني كنتُ على أطباق ثلاثة))) أي: أحوال ومنازل، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: حالاً بعد حال. و (قوله: ((ابسط يمينك فلأبايعك))) بكسر اللام وإسكان العين على الأمر، أي: أمر المتكلم لنفسه، والفاء جواب لما تضمّنه الأمرُ الذي هو ((ابسط)) من الشرط، ويصحّ أن تكون اللامُ لام كي، وبنصب أبايعك، وتكون اللام سببية، والله أعلم. ٣٢٩ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُن هَدَمَ ما قبله من الآثام الإسلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قبلَه؟! وأنَّ الهِجْرةَ تهدمُ ما كانَ قبلَها؟! وأنَّ الحَجَّ يهدمُ ما كانَ قبلَه؟!)) وما كانَ أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله وَّهِ، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنتُ أُطيقُ أنْ أملاً عينيَّ منه إجلالاً له، ولو سُئلتُ أنْ أصفَه ما أطقتُ؛ لأني لم أكنْ أملاً عينيَّ منه، ولو ◌ِتُّ على تلكَ الحالِ الذنوب السابقة للإسلام. و (قوله: ((إن الإسلامَ يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدمُ ما كان قبلها، ما يُشْقِط وإن الحج يهدمُ ما كان قبله))) الهدم هنا: استعارة وتوسّع، يعني به: الإذهاب والإزالة؛ لأنَّ الجدارَ إذا انهدم فقد زال وضعه، وذهب وجوده، وقد عبّر عنه في الرواية الأخرى بالجب فقال: ((يجبّ)) أي: يقطع، ومنه: المجبوب: وهو المقطوع ذَكَره، ومعنى العبارتين واحد، ومقصودها: أنَّ هذه الأعمالَ الثلاثةَ تُسْقِطُ الذنوبَ التي تقدّمتها كلّها صغيرها وكبيرها، فإن ألفاظَها عامّةٌ خرجت على سؤال خاص؛ فإن عَمْراً إنما سأل أن يغفر له ذنوبه السابقة بالإسلام، فأُجيب على ذلك، فالذنوبُ داخلٌ في تلك الألفاظ العامة قطعاً، وهي بحكم عمومها صالحة لتناول الحقوق الشرعية والحقوق الآدمية، وقد ثبت ذلك في حقّ الكافر الحربي إذا حكم ما يملكه أسلم، فإنه لا يطالب بشيء من تلك الحقوق، ولو قتل وأخذ الأموال لم يُقْتَصّ منه الكافر بسبب الحروب. بالإجماع، ولو خرجتِ الأموالُ من تحت يده لم يُطالبْ بشيء منها، ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم، عبيد أو عروض أو عين، فمذهب مالك أنه لا يجبُ عليه ردّ شيء من ذلك تمسّكاً بعموم هذا الحديث، وبأن للكفار شبه مِلْك فيما حازوه من أموال المسلمين وغيرهم؛ لأن الله تعالى قد نسب لهم أموالاً وأولاداً، فقال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥]، وذهب الشافعي إلى أن ذلك لا يحلّ لهم، وأنه يجب عليهم ردها إلى مَن كان يملكها من المسلمين، وأنهم كالغصّاب. وهذا يبعده أنهم لو استهلكوا ذلك في حالة كُفْرهم، ثم أسلموا، لم يضمنوا بالإجماع، على ما حكاه أبو محمد عبدالوهاب(١)، فأما أسر المسلمين (١) هو عبد الوهاب بن محمد الفامي: فقيه شافعي (ت ٥٠٠ هـ). ٣٣٠ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُنْ هَدَمَ ما قبله من الآثام الرجوتُ أن أكونَ من أهل الجنة. ثم وَلِيْنَا أشياءَ ما أَذْري ما حَالي فيها. فإذا أنا مِثُّ، فلا تصحبْني نائحةٌ ولا نارٌ، فإذا دَفنتمُونِي فَشُتُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَّاً، ثم أقيموا حَوْلَ قَبَرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ، ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أستأنس بكم، وأَنْظُرَ ماذا أراجعُ به رُسُلَ رَبِّي. رواه مسلم (١٢١). الأحرار فيجبُ عليهم رَفع أيديهم عنهم؛ لأنَّ الحرَّ لا يُملك، وأما مَن أسلم من أهل الذّمة فلا يُسقط الإسلامُ عنه حقاً وَجَبَ عليه لأحدٍ من مال أو دم أو غيرهما؛ الهجرة والحج لأن أحكامَ الإسلام جاريةٌ عليهم. واستيفاء الفروع في كتب الفقه، وأما الهجرة والحجّ فلا خلافَ في أنهما لا يسقِطان إِلَّ الذنوب والآثام السابقة، وهل يُسْقِطان الكبائرَ والصّغائر فقط؟ موضع نظر، سيأتي في كتاب الطهارة، إن شاء الله تعالى. و (قوله: ((فإذا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار))) إنما وصّى باجتناب هذين الأمرين؛ لأنهما من عَمَلِ الجاهلية، ولنهي النبي ◌َِّ عن ذلك. و (قوله: ((فإذا دفنتموني فشنّوا عليَّ التّراب شنّاً))، رُوي هذا الحديثُ بالسين المهملة والمعجمة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو الصبّ، وقيل: هو صبّ التراب بالمهملة: الصب في سهولة، وبالمعجمة: صبّ في تفريق، وهذه سُنّة في صبّ على الميت في التراب على الميت في القبر، قاله عياض، وقد كره مالك في ((العُشْبِيّة))(١) الترصيص القبر. على القبر بالحجارة والطّوب. و (قوله: ((ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جَزور ويُقسم لحمها))) الجزور - بفتح الجيم -: من الإبل، والجزرة من غيرها، وفي كتاب ((العين)): الجزرة من الضأن والمعز خاصة، وهي مأخوذة من الجزر، وهو القطع. (١) ((العتبية)): مسائل في مذهب الإمام مالك، منسوبة إلى مصنّفها محمد بن أحمد العتبي القرطبي، توفي سنة (٢٥٤ هـ). ٣٣١ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُنْ هَدَمَ ما قبله من الآثام [٩٦] وعن ابن عبّاس أنَّ أناساً من أهل الشِّركِ قَتَلُوا فأكثرُوا، وَزَنَوْا فأكثرُوا، ثم أَتَوْا محمَّداً وَّةِ، فقالُوا: إنَّ الَّذِي تقولُ وتدعُو لَحَسنٌ، ولو تُخْبِرُنا أنَّ لِمَا عَمِلْنا كَفَّارَةً! فنزلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِن رَحْمَةِ اللهِ ... ) الآية [الزمر: ٥٣]. رواه البخاري (٤٨١٠)، ومسلم (١٢٢)، وأبو داود (٤٢٧٣)، والنسائي (٨٦/٧). [٩٧] وعن حكيم بن حِزَام، أنَّه قالَ لرسول الله وَلّهِ: أَيْ رسولَ الله! أرأيتَ أموراً كنتُ أَتَحَنَّثُ بها في الجاهليةِ، مِنْ صَدَقةٍ، أو عَتَاقَةً، أو صِلَةِ رَحِمٍ، أفيها أجرٌ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ مِنْ خَيْرٍ)). و (قوله: ((ولو تخبرنا أن لما عملنا كفّارة))) يحتمل أن تكونَ لو هنا: للامتناع، ويكون جوابها محذوفاً، تقديره: لأسلمنا أو نحوه، ويحتمل أن يكونَ تمنياً بمعنى: ليت، والأول أظهر، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً * يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] الآية، ((ذا)) إشارة إلى واحد في أصل وضعها، غير أن الواحدَ تارة يكون واحداً بالنصّ عليه، وتارة يكونُ بتأويل، وإن كانت أمورٌ متعدّدة في اللفظ كما في هذه الآية، فإنه ذَكَر قبل ((ذا)» أموراً، وأعاد الإشارة إليها من حيث إنها مذكورة أو مقولة، فكأنه قال: ومن يفعل المذكور أو المقول. وفي هذه الآية حُجَّة لمن قال: إن الكفّارَ مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصَّحيح من مذهب مالك، على ما ذكرناه في الأصول. و (قوله: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير))) اختُلِف في تأويله. فقيل: ٣٣٢ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُن هَدَم ما قبله من الآثام وفي رواية: أنَّه أعتقَ في الجاهليةِ مِئة رقبةٍ، وحملَ على مئة بعيرٍ ، ثم أعتقَ في الإسلام مئةَ رقبةٍ، وحملَ على مئةٍ بعيرٍ، ثمَّ أتى النبيَّ ◌َّد ... فذكرَ نحوَه. رواه أحمد (٤٠٢/٣ و٤٣٤)، والبخاري (٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣). معناه: إنك اكتسبت طباعاً جميلةً وخُلُقاً حسنةً في الجاهلية أكسبتك خُلُقاً جميلةً في الإسلام، وقيل: اكتسبت بذلك ثناءً جميلاً فهو باقٍ عليك في الإسلام، وقيل: معناه: ببركة ما سبق لك من خير هداكَ اللهُ للإسلام، وقال الحربيّ: ما تقدّم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمتَ على ألف درهم أي: على أن أُخْرَزَها لنفسه. قال المؤلف - رحمه الله -: وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها، وهو الذي أشرنا إليه في التّرجمة، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث، أعني: حديث عمرو بن العاص فوائد: منها: تبشير المحتضر وتذكيره بأعماله الصالحة؛ ليقوى رجاؤه، ويَحْسُن بالله ظنّه . ما يُستفاد من حدیث عمرو ابن العاص. ومنها: أن الميت تُردّ عليه روحه، ويسمع حسّ مَن هو على قبره وكلامهم، وأن الملائكة تسأله في ذلك الوقت، وهذا كلّه إنما قاله عمرو عن النبي وَّر، لأن مثلَه لا يُدرك إلا من جهة النبي ◌َّ، وعلى هذا فينبغي أن يرشدَ الميت في قبره حين وضعه فيه إلى جواب السؤال ويذكَّر بذلك، فيقال له: قل: الله ربّي، والإسلام ديني، ومحمد رسولي، فإنه عن ذلك يُسأل، كما جاءت به الأحاديث ٣٣٣ (١) كتاب الإيمان - (٣٩) باب: الإسلام إذا حَسُن هَدَم ما قبله من الآثام على ما يأتي إن شاء اللهُ تعالى، وقد جرى العمل عندنا بقرطبة كذلك، فيقال: قل هو محمد رسول الله تعالى، وذلك عند هَيْل التراب عليه، ولا يعارض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَّ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِ اَلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ولا بقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اَلْمَوْقَى﴾ [الروم: ٥٢]؛ لأن النبيَّ ◌َ ◌ّ قد نادى أهلَ القَليب وأسمعهم وقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جواباً))(١). وقد قال في الميت: ((إنه يسمع قرع نعالهم))(٢). وإن هذا يكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، وسيأتي استيفاء هذا المعنى في الجنائز إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث ما كانت الصَّحابةُ عليه من شدّة محبتهم لرسول الله وَّر، وتعظيمه، وتوقيره. وفيه الخوف من تغير الحال والتقصير في الأعمال في حال الموت، لكن ينبغي أن يكونَ الرجاءُ هو الأغلب في تلك الحال؛ حتى يحسن ظنه بالله تعالى عز وجل: [فيلقاه على ما أمر به رسول الله و ﴿ل حيث قال: ((لا يموتنَّ أحدُكم إلا وهو يحسنُ الظنّ بالله عز وجل))(٣) كما تقدم](٤). (١) رواه أحمد (١١٤/٣)، والبخاري (٣٩٨٠ و٣٩٨١)، ومسلم (٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٢) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٣٢٣١)، والنسائي (٤/ ٩٧ و ٩٨) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٣) رواه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٣٣٤ (١) كتاب الإيمان - (٤٠) باب: ظلم دون ظلم (٤٠) باب ظلم دون ظلم [٩٨] عن عبد الله، قالَ: لما نزلتْ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شقَّ ذلكَ على أصحابِ رسولِ الله وَ له، وقالوا: أيُّنا لا يظلمُ نفسَه؟ فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ليسَ هُو كما تَظُنُّونَ، إنَّما هُو كما قالَ لقمانُ لابنهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣]. (٤٠) ومن باب: ظلم دون ظلم (قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لم يخلطوا. يقال: لبست الأمر بغيره بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المستقبل، لبساً: إذا خلطته، ولبست الثوب بكسر الباء في الماضي وفتحها في المستقبل لبساً ولباساً. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومنه قول النابغة: والتُّؤْيُّ كالْحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلِدِ (١) فسمّى الأرض مظلومة؛ لأن النؤي حفر في الصلب منها، وليس موضع حفر، والمراد به في الآية الشرك، وهو أعظم الظلم، إذ المشرك اعتقد الإلهية لغير مستحقّها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] أي: لا ظلم أعظم منه، ويقال على المعاصي ظلم، لأنها وضعت موضعَ ما يجبُ من الطاعة لله تعالى، وقد يأتي الظلم ويراد به النقص كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] أي: ما نقصونا بكفرهم شيئاً، ولكن نقصوا أنفسهم حظّها من الخير. (١) أوله: إِلَّ الأواريَّ لَأياً ما أُبَيِّنُها. 1 أ ٣٣٥ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ رواه أحمد (٤٤٤/١)، والبخاري (٣٢) و (٤٧٧٦)، ومسلم (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٩). (٤١) باب في قوله عز وجل: ﴿لِلَِّ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة [٩٩] عن أبي هريرة، قالَ لما أَنْزِلَ على رسولِ الله وَلّهِ: ﴿لِلَّهِ مَا فِى وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن النكرةَ في سياق النفي تعمّ؛ لأنَّ الصَّحابةَ فهمت من ذلك العموم كلّ ظلم، وأقرّهم النَّبيُّ وَّهِ على ذلك الفهم، وبيّن لهم أن المراد بذلك ظلم مخصوص، وفي الآية دليلٌ على جواز إطلاق اللفظ العام والمراد جواز إطلاق به الخصوص. اللفظ العام والمراد به الخصوص. (٤١) ومن باب: قوله تعالى: ﴿لِلَِّ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٤] (ما)) هذه التي في أول الآية بمعنى الذي، وهي متناولة لمن يعقل وما لا يعقل، وهي هنا عامة لا تخصيص فيها بوجه، لأن كلّ مَن في السموات والأرض وما فيهما وما بينهما خَلْقِ الله تعالى ومُلْك له، وهذا إنما يتمشّى على مذهب أهل الحق والتحقيق الذين يحيلون على الله تعالى أن يكون في السماء أو في الأرض، إذ لو كان في شيء لكان محصوراً محدوداً، ولو كان كذلك، لكان محدثاً، وعلى هذه القاعدة فقوله تعالى: ﴿وَأَمِثُم مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ [الملك: ١٦]. وقول الأمَةَ 1 ٣٣٦ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ ... ) الآية [البقرة: ٢٨٤]. قالَ: فَاشْتَدَّ ذلكَ على أصحابٍ رسولِ اللهِ وَ ﴿ِ، فَأَتَّوْا رسولَ الله ◌َّةِ، ثمَّ بَرَكُوا على الرُّكَبِ، فقالُوا: أَيْ رسولَ اللهِ! كُلُّفْنا من الأعمالِ ما نُطيقُ؛ الصَّلاةُ والصِّيامُ والجهادُ والصَّدَقَةُ. للنبي وَل﴿ حين قال لها: ((أين الله))؟ فقالت: في السماء(١)، ولم ينكر عليها ذلك. وما قد روي عن بعض السلف أنهم كانوا يطلقون ذلك ليس على ظاهره، بل هو السلف يجتنبون مؤول تأويلات صحيحة قد أبداها كثيرٌ من أهل العلم في كتبهم، لكن السّلف، تأويل المتشابهات. رضي الله عنهم أجمعين، كانوا يجتنبون تأويلَ المتشابهات، ولا يتعرّضون لها، مع علمهم بأن الله تعالى يستحيلُ عليه سمات المحدثات ولوازم المخلوقات، واستيفاء المباحث هذه في علم الكلام. و (قوله: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ما: هذه أيضاً على عمومها، فتتناولُ كلَّ ما يقعُ في نفس الإنسان من الخواطر ما أطيق دفعه منها وما لا يطاق، ولذلك أشفقتِ الصَّحابةُ من محاسبتهم على جميع ذلك ومؤاخذتهم به؛ فقالوا للنّبيّ ◌َه: كلّفنا ما نطيق بالصَّلاة والصيام، وهذه الآية لا نطيقها، ففيه دليلٌ على أن موضوعَ ما: للعموم، وأنه معمولٌ به فيما طريقه الاعتقاد كما هو معمولٌ به، فيما طريقه [العمل، وأنه لا يجبُ التوقّف فيه إلى البحث على المخصص، بل يبادر](٢) إلى استغراق الاعتقاد(٣) فيه، وإن جاز التخصيص، وهذه المسائل اختلف فيها كما بيّناه في ((الأصول)). ولما سمع النبيُّ وَّرِ ذلك القولَ منهم أجابهم بأن قال: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتاب من قبلكم: سمعنا (١) رواه مسلم (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠ و٩٣١)، والنسائي (١٤/٣ - ١٨) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٣) في (ل) و (ط): اعتقاد الاستغراق. ٣٣٧ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ وقد أُنْزِلَ عليكَ هذه الآيةُ، ولا نُطِيْقُهَا. قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَتْرِيدُون أنْ تَقُولُوا كما قالَ أهلُ الكِتَابِينِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بل قولوا: سمعنا وَأَطَعْنا، غُفرانَك ربَّنا وإليكَ المصيرُ)). فلما اقترأها القومُ، وذلَّتْ بها وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا وأطعنا)) فأقرّهم النَّبِيُّ وَ له على ما فهموه، وبيَّن لهم أن لله تعالى أن يكلّف عباده بما يطيقونه وبما لا يطيقونه، ونهاهم عن أن يقعَ لهم الله أن يُكلُّف شيءٌ مما وقعَ لِضُلّال أهل الكتاب من المخالفة، وأمرهم بالسّمع والطّاعة، عباده بما والتّسليم لأمر الله تعالى على ما فهموه، فسلّم القومُ لذلك، وأذعنوا، ووطنوا لا يطيقون یطیقون وما أنفسَهم على أنهم كُلِّفوا في الآية بما لا يطيقونه، واعتقدوا ذلك، فقد عملوا بمقتضى ذلك العموم، وثبت وَوَرَد، فإن قُدِّر رافع لشيء منه فذلك الرفع نسخ النسخ لا تخصيص، وعلى هذا فقول الصحابي: ((فلما فعلوا نسخها الله)) على حقيقة النسخ والتخصيص. لا على جهة التخصيص، خلافاً لمن لم يظهر له ما ذكرناه، وهم كثيرٌ من المتكلِّمین علی هذا الحديث، مِمّن رأی أن ذلك من باب التخصیص لا من باب النسخ، وتأوّلوا قولَ الصحابي إنه نسخ، على أنه أراد بالنسخ التخصيص. وقال: إنهم كانوا لا يفرقون بين النسخ والتخصيص، وقد كنت على ذلك زماناً إلى أن ظهرَ لي ما ذكرتُه، فتأمّله فإنه الصحيح إن شاء الله تعالى. و (قوله: إنهم - يعني الصحابة - إنهم كانوا لا يفرقون بين النسخ والتخصيص) [إن أراد به أنهم لم ينصّوا على الفرق فمسلّم، وكذلك أكثر مسائل علم الأصول، بل كلّه، فإنهم لم ينصّوا على شيءٍ منها، بل فرَّعوا عليها، وعملوا على مقتضاها من غير عبارة عنها، ولا نطق بها، إلى أن جاء مَن بعدهم ففطنوا لذلك، وعبّروا عنه، حتى صنَّقوا فيه التصانيف المعروفة، وأولهم في ذلك الشافعي الشافعي أول رحمه الله فيما علمنا. وإن أراد بذلك أنهم لم يكونوا يعرفون الفرق بين النسخ من صنّف في والتخصيص](١) ولا عملوا عليه. فقد نسبهم إلى ما يستحيل عليهم لثقابة أذهانهم، علم الأصول. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٣٣٨ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ ألسنتُهم، أنزلَ الله في إِثْرِهَا: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فلما فعلُوا ذلك نسخَها الله تعالى؛ فأنزلَ الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَامَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ قال: ((نعم)) وصحة فهومهم، وغزارة علومهم، وأنهم أولى بعلم ذلك من كلّ من بعدهم، كيف لا وهم أئمة الهدى، وبهم إلى كل العلوم يُقتدى، وإليهم المرتجع، وقولهم المتبع، وكيف يخفى عليهم ذلك وهو من المبادىء الظاهرة على ما قرّرناه في «الأصول». لا فَرْق بین أحدٍ من الرسل. و (قوله: ((لا نفرق بين أحد من رسله))) أي: يقولون: لا نفرق بين أحد منهم في العلم بصحة رسالاتهم وصدقهم في قولهم. و(غفرانك) منصوب على المصدر، أي: اغفر غفرانك، وقيل: مفعول بفعل مضمر، أي: هب غفرانك. و (المصير) المرجع. و (التكليف) إلزام ما في فعله كلفة، وهي النصب والمشقة. و (الوسع) الطاقة. وهذه الآية تدلُّ على أن الله تعالى أن يكلِّف عبادَه بما يطيقونه وما لا لم يُكلِّفنا الله ما يطيقونه، ممكناً كان أو غير ممكن، لكنه تعالى تفضّل بأنه لم يكلّفنا ما لا نطيقه، لا نطبقه. وبما لا يمكننا إيقاعه، وكمّل علينا بفضله برفع الإصْر والمشقّات التي كلّفها غيرنا. واستيفاء مباحث هذه المسألة في علم الكلام والأصول. و (قوله: ((لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ))) أي: ما كسبت من خير فلها ثوابه، وما اكتسبت من شر فعليها عقابه، وكسب، واكتسب: لغتان بمعنى واحد، كقدر، واقتدر، ويمكن أن يُقال: إن هذه التاء تاء الاستفعال والتّعاطي، ودخلت في اكتساب الشر دون كسب الخير؛ إشعاراً بأن الشر لا يُؤاخذ به إلا بعد تعاطيه ٣٣٩ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض} ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال: ((نعم)) ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ،﴾ ((قال: نعم)) ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأَ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: ((نعم)). رواه أحمد (٤١٢/٢)، ومسلم (١٢٥). وفعله دون الهمّ به، بخلاف الخير، فإنه يُكتب لمن هم به وتحدث به في قلبه، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام مخبراً عن الله تعالى: ((إذا تحدّث عبدي بأن التحدث بعمل يعمل [حسنةً فأنا أكتبها له حسنةً ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر الحسنة أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل] (١) سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا والسيئة . أكتبها له سيئة واحدة))(٢) وفي لفظ آخر: ((فإذا هَمَّ)) بدل ((تحدث)) وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر في هذا الحديث(٣). و (الإصر) العهد الذي يعجز عنه، قاله ابن عباس. وقال الرّبيع: هو الثقل العظيم. وقال ابن زيد: هو الذنب الذي لا توبة له ولا كفّارة. و (قوله: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾) قيل: اعف عن الكبائر، واغفر معنى: ﴿واعف الصّغائر، وارحم بتثقيل الموازين. وقيل: اعف عن الأقوال، واغفر الأفعال، عنا واغفر وارحم بتوالي الألطاف وسني الأحوال. قلت: وأصل العفو: التسهيل والمغفرة شا ... ﴾. والسّتر. والرحمة: إيصال النّعمة إلى المحتاج. و (مولانا) ولينا، ومتولّي أمورنا، وناصرنا. و (نعم) حرف جواب وهو هنا إجابة لما دعوا فيه، كما قال في الرواية (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) سيأتي تخريجه برقم (١٠١) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((إذا تحدّث ... )). ورواه أبو عوانة في مسنده (٨٣/١) بلفظ: ((إذا همّ .. )). وانظره في صحيح مسلم (١٦٢) بنحوه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٣) أغفل المؤلف - رحمه الله - شَرْح هذا الحديث. ٣٤٠ (١) كتاب الإيمان - (٤١) باب: في قوله عز وجل: ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ [١٠٠] وعنه، قالَ: قال رسول الله وَله: ((إن الله تجاوزَ لأُمَّتي عمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها ما لم تَعْمَلْ أو تَكَلَّمْ بِهِ)). رواه أحمد (٣٩٣/٢ و٤٢٥ و٤٧٤ و٤٨١)، والبخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧)، وأبو داود (٢٢٠٩)، والترمذي (١١٨٣)، والنسائي (١٥٦/٦ - ١٥٧)، وابن ماجه (٢٠٤٠). # الأخرى عن ابن عباس: ((قد فعلت)) بدل قوله هنا: ((نعم))، وهو إخبارٌ من الله تعالى أنه أجابهم في تلك الدَّعوات، فكلّ داع يشاركهم في إيمانهم وإخلاصهم وعد الله صدق واستسلامهم أجابه(١) الله تعالى كإجابتهم،َ لأنّ وعده تعالى صدق وقوله حق. وقوله حق. وكان معاذ يختمُ هذه السورة بآمين كما يختم الفاتحة(٢)، وهو حسن. و (قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي عمّا حدّثتْ به أنفسَها))) روايتنا نصب أنفسها، على أنه مفعول حدّثت، وفي حدّثت ضمير فاعل عائد على الأمة، وأهل اللغة يقولون: أنفسُها بالرفع، على أنه فاعل حدثت، یریدون بغير اختيار. قاله الطحاوي. قال المؤلف - رحمه الله -: يعني: أن الذي لا يُؤاخذ به هي الأحاديث الطارئة التي لا ثباتَ لها، ولا استقرار في النفس، ولا ركون إليها، وهذا نحو مما قاله القاضي أبو بكر في قوله عليه الصلاة والسلام عن الله: ((إذا همّ عبدي بحسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها له عشراً، وإذا همّ بسيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له سيئةً واحدة)). قال القاضي: إن الهمّ ها هنا: ما يمرّ بالفكر من غير استقرار ولا توطين، فلو استمرّ ووطّن نفسه عليه لكان ذلك هو العزمَ المؤاخَذُ به، أو المثاب عليه، بدليل قوله عليه الصلاة الهمّ بالحسنة والسيئة. (١) في (ل): أجابوا. (٢) رواه أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر. (الدر المنثور ١٣٧/٢).