النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب وقال أبو حامد بن الشُّرَقي: سمعتُ مسلماً يقول: ما وضعتُ شيئاً في هذا المسند إلا بحُجَّة، وما أسقطتُ منه إلا بحُجَّة. وقال ابنُ سفيان: قال مسلم: ليس كلّ الصحيح وضعت هنا؛ إنما وضعت ما أجمعوا عليه. وقال مسلم: لو أنَّ أهلَ الحديث يكتبون الحديث مئتي سنة فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضتُ كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار إلى أن له علّة تركته، وما قال هو صحيح ليس له علة أخرجته. هذا مع أن الكتاب أحسن الأحاديث مساقاً وأكمل سياقاً، وأقلّ تكراراً، وأتقن اعتباراً، وأيسر للحفظ، وأسرع للضبط، مع أنه ذكر صَدْراً من علم الحديث، وميّز طبقات المحدِّثين في القديم والحديث. ولما كان هذا الكتاب بهذه الصّفة؛ ومصنَّه بهذه الحالة ينبغي أن يُخَصَّ بفضل عناية من تصحيح وضبط ورواية، وحفظ وتفقّه ودراية، إذ الاعتناءُ بحديث رسول الله وَّهِ يُشرِّف الأقدار، وينهض الحجّة، ويسدّد و (قوله: وميز طبقات المحدثين في القديم والحديث) يعني بالقديم: من طبقات تقدم زمان مسلم، وبالحديث زمان من أدركه، وهذا إشارة إلى قول مسلم في المحدثين في صدر كتابه أنه يعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله وَّر فيقسمها على والحديث. القديم ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات؛ قال: ((أما القِسْم الأول: فإنا نتوخى أن نُقَدِّم الأخبار التي هي أسلم من العيوب (من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث وإتقان](١) لما نقلوا. لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليط متفاحش. (١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدركناه من مقدمة مسلم (ص ٥). ١٠٢ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب الاعتبار، وينفع البصائر، ويفتح الأبصار، ويميز عن الجهلة، ويُلْحِق بالأئمة الأبرار، ويدخل الجنة، وينجي من النار. وإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصِّنف، أتبعناها أخباراً في إسنادها بعضُ مَن ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالضَّرب المتقدم، على أنهم - وإن كانوا فيما وصفنا دونهم ــ فإن اسْمَ السِّتْر وتعاطي العلمِ والصِّدقِ يَشْمَلُهم؛ كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سُلَيْم، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يَفْضُلُونهم في المنزلة والحال، ألا ترى أنك إذا وازنتَ هؤلاء الثلاثة: عطاء، ويزيد، وليثاً، بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، وجدتهم مباينين لهم في المنزلة، لا يدانُونهم، لا شك عند العلماء في ذلك)) وذكر كلاماً في معناه إلى أن قال: ((فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم؛ كَعَبد الله بن مسورٍ أبي جعفر المدايني، وعمرو بن خالدٍ، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو، وأبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الحديث وتوليد الأخبار، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثه المنكر، أو الغلط، أمسكنا عنهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهر هذا أن مسلماً أدخل في كتابه الطبقتين المتقدمتين: الأولى، والثانية، غير أنّ أبا عبدالله الحاكم قال: إن مسلماً لم يُدخل في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط(١). وأما الثانية، والثالثة: فكان قد عزم على أن يخرج حديثهما، فلم يقدّر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، واخترمته المنية . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومساق كلامه لا يقبل ما قاله الحاكم، فتأمله. (١) من (م). ١٠٣ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب وقد أعان الكريم الوهاب على الاعتناء بهذا الكتاب، فتلقيتُه روايةً وتقييداً عن جماعة من أعلام العلماء، وثافنت (١) في التفقه فيه بعض سادات الفقهاء. فممن رويت عنه : الشيخ الفقيه القاضي المحدث الثقة الثبت أبو الحسن علي بن الشيخ الزاهد الفاضل المحدث المقيّد أبي عبدالله محمد بن علي بن حفص اليحصبي قراءة عليه، وهو يمسك أصله نحو المرتين، في مدة آخرها شعبان سنة سبع وستمئة. والشيخ الفقيه القاضي الأعدل العَلَم الأعلم أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله؛ قراءة عليه، وسماعاً لكثير منه، وإجازة لسائره. وذلك بقرطبة في مدة آخرها ما تقدّم. قالا جميعاً: حدثنا الشيخ الإمام الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال قراءة عليه عن أبي بحر بن سفيان بن القاضي سماعاً لجميعه إلا ورقات من آخرها أجازها له عن أبي العباس العذري قراءة غير مرة عن أبي العباس بن بندار الرازي سماعاً بمكة. قال و (قوله: وثافنت في التفقه فيه بعض سادات الفقهاء) أي: جالست، وأصله من الثفنات وهو ما يتناثر من الرجلين والركبتين واليدين من تكرار الجلوس والعمل. يقال: ثَفِنَت اليد ثفناً: غلظت من العمل، وواحد الثَّفِنات ثفنة، وأصلها ما يقع من البعير على الأرض، ويغلظ عند الإشاخة. (١) (ثافنت الرجل مثافنةً)): أي: صاحبته بحيث لا يخفى عليَّ شيء من أمره. ١٠٤ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب حدثنا أبو أحمد بن عمرويه بن الجُلُودي عن إبراهيم بن محمد بن سفيان عن أبي الحسين مسلم رحمهم الله. وقد رويته عن غير واحد من الثقات الأعلام قراءة وإجازة بمصر وغيرها، عن الشيخ الشريف أبي المفاخر سعيد بن الحسين المأموني(١) الهاشمي، سماعاً عن الشيخ الإمام أبي عبدالله محمد بن الفضل بن أحمد الصّاعدي الفراوي، سماعاً عن الشيخ أبي الحسين عبد الغافر الفارسي سماعاً عن أبي أحمد كما تقدم. وقد رويته عن جماعة كثيرة بأسانيد عديدة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية . ولما تقاصرت الهممُ في هذا الزمان عن بلوغ الغايات مِن حفظ جميع هذا الكتاب؛ بما اشتمل عليه من الأسانيد والروايات أشار مَنْ إشارته غُنْم، وطاعته حَتْم: إلى تقريبه على المتحفظ وتيسيره على المتفقه؛ بأن نختصرَ أسانيده، ونحذف تكراره، وننبه على ما تضمنته أحاديثه بتراجم تُشْفِر عن معناها، وتدل الطالب على موضعها وفحواها. رواية المصنف و (قولنا: وقد رويته عن غير واحد من الثقات الأعلام قراءة وإجازة): أعني لصحيح مسلم. بذلك: أني قرأته كله على الشيخ الفقيه الزاهد الفاضل تقي الدين أبي إبراهيم عوض بن محمود بمصر، وممن أجازه لي الشيخ الفقيه المحدث ا اهد التلاء الزاهـ للقرآن أبو الحسين مرتضى بن العفيف المقدسي، لقيته بقرافة مصر، وسمعت عليه، وقرأت عليه، وأجاز لي جميع رواياته، ومنهم القاضي فخر القضاة أبو الفضل بن الحباب أجازه لي، وكلّهم يُحدِّث به عن الشيخ أبي المفاخر المأموني بالسند المذکور في أصل التلخيص. (١) هو راوي ((صحيح مسلم)) بمصر، توفي سنة ٥٧٦ هـ. العبر (٢٢٩/٤). / ١٠٥ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (١) ما تضمنته خطبة الكتاب فاستعنت بالله تعالى، وبادرت إلى مقتضى الإشارة، بعد أن قدّمت في ذلك دعاء النفع به والاستخارة، قاقتصرتُ من الإسناد على ذكر الصاحب؛ إلا أن تدعو الحاجة إلى ذكر غيره فأذكره لزيادة فائدة وحصول عائدة، ومن تكرار المتون على أكملها مساقاً وأحسنها سياقاً، مُلحقاً به ما في غيره من الرواية، محافظاً إن شاء الله تعالى ألَّ أُغفل منه شيئاً من مهمات الفوائد، فإذا قلت: عن أبي هريرة مثلاً وأَفْرُغ من مساق متنه، وقلت: وفي رواية، فأعني: أنه عن ذلك الصاحب المتقدم من غير ذلك الطريق، وربما قدمت بعض الأحاديث وأَخَّرْت حيثما إليه اضطررت، حرصاً على ضم الشيء لمشاكِلِه، وتقريباً له على متناوله. وقد اجتهدت فيما رويت ورأيت. ووجه الله الكريم قصدت. وهو المسؤول في أن ينفعني به وكلَّ من اشتغل به، ويبلِّغنا المأمول، وأن يجعلنا وإياه من العلماء العاملين الهُداة المهتدين، وهو المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١٠٧ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات [المقدمة] (٢) باب وجوب الأخذ عن الثقات، والتحذير من الكذب على رسول الله وَالفول قال الله - عز وجل -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلِ فَتَبَيَّنُواْ ... ) الآية، [الحجرات: ٦]، (٢) ومن باب: وجوب الأخذ عن الثقات والتحذير من الكذب على رسول الله إليه الكذب لغة: هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، غير أن المحرم شرعاً المستقبح عادة هو العمد المقصود إلا ما اسْتُفْنِي على ما يأتي، ويقال: كذب بمعنى: أخطأ. وأصل الكذب في الماضي، والخلف في المستقبل، قاله ابن قتيبة، وقد جاء الكذب في المستقبل، قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ويقال كذَب الرجل بفتح العين(١) يكذب بكسرها كِذْباً بكسر الكاف وسكون الذال، وكَذِباً بفتح الكاف وكسر الذال، فأمَّا ((كِذَّاب)) المشدد الذال فأحد مصادر کذَّب بالتشدید. قوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبَإٍ فَتَبَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦]. الفاسق في أصل الغاسق لغةً اللغة: هو الخارج مطلقاً، والفسق والفسوق: الخروج، ومنه قولهم: فسقت وشرعاً. الرطبة؛ إذا خرجت من قشرها الأعلى، ومنه سُمِّيت الفأرةُ: فويسقة؛ لأنها تخرج من جحرها للفساد. وهو في الشرع: خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه، فإن كان (١) أي: عين الفعل، وهو حرف الذال. 1 ١٠٨ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات إيماناً فذلك الفسق كفراً، وإن كان غير إيمان فذلك الفسق معصيةً. وقُرىء في السبع: ((فتبينوا)) من البيان و((تثبتوا)) من التثبت، وكلاهما بمعنى متقارب. ولم يختلف النقلة فيما علمت أن هذه الآية نزلت بسبب الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله ويسيء إلى بني المصطلق مصدّقاً، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم لإحنةٍ(١) كانت بينهم في الجاهلية - وقيل: إنهم لم يخرجوا إليه - وأخبر أنهم ارتدوا، ذكره أبو عمر بن عبد البر، فرجع إلى النبي وَل﴿ فأخبره أنهم ارتدوا ومنعوا الزكاة، فبعث النبي * خالد بن الوليد، وأمره بالتثبت في أمرهم، فأتاهم ليلاً فسمع الأذان ووجدهم يُصَلُّون، وقالوا له: قد استبطأنا المصدّق، وخفنا غَضَبَ رسول الله وَّر، فرجع خالد إلى النبي وَل﴾، فأخبره بذلك، فنزلت الآية. الفاسق لا يُقبل خبره. ومقتضى الآية أن الفاسق لا يُقْبَلُ خبره روايةً كان أو شهادةً، وهو مُجْمَعٌ عليه في غير المتأوّل، ما خلا ما حُكي عن أبي حنيفة من حكمه بصحة عقد النكاح الواقع بشهادة فاسقين. وحكمة ذلك أنَّ الخبرَ أمانةٌ، والفسق خيانة، ولا يُوثق بخؤون. من اجترأ على الفسق اجترأ على الكذب. وقال الفقهاء: لا يقبل قوله لأن جرأته على الفسق تخرم الثقة بقوله، فقد يجترى على الكذب كما اجترأ على الفسق، فأما الفاسق المتأوَّل الذي لا يعرف فسق نفسه، ولا يُكَفَّر ببدعته، فقد اخْتُلِف في قبول قوله؛ فقبل الشافعي شهادته(٢)، وردّها القاضي أبو بكر(٣)، وفرّق مالك بين أن يدعوَ إلى بدعة فلا تقبل، أو لا يدعو فتقبل، وروي عنه: أنه لا تقبل شهادتهم مطلقاً، وكلهم اتفقوا على أنَّ من كانت بِدْعَتُه تُجرِّته على الكذب، كالخطابية من الرافضة، لم تقبل روايته ولا شهادته. ولبسط حجج هذه المذاهب موضع آخر . (١) ((الإخنَةُ): الحِقْد والغضب. (٢) في (ع) قبول الشافعي شهادة الفاسق المتأول. (٣) ابن العربي المعافري صاحب ((العواصم). ١٠٩ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِنگٌ﴾ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. و (قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]) دليل على اشتراط العدالة اشتراط العدالة في الشهادة، ومعناها في اللغة: الاستقامة. والاعتدال ضد الاعوجاج، ويقال: في الشهادة. عَذْل من العدالة والعدولة. ويقال: عدل للواحد، وللاثنين، ولجماعة المذكر، والمؤنث بلفظ واحدٍ إذا قصد به قصد المصدر، وإذا قصد به الصفة ثُنِّي وجمع وذُكِّر وأَنْث، وهي عند أئمتنا: اجتناب الكبائر، واتقاء الصغائر وما يناقض المروءة ويزري بالمناصب الدينية، والعبارة الوجيزة عنها هي: حسن السيرة، واستقامة السريرة شرعاً في ظنِّ المعدَّل، وتفصيلها في الفروع، وهل يكتفى في ظن حصول تلك الأحوال في العدل بظاهر الإسلام، مع عدم الاطلاع على فسق ظاهر، أو لا بد من اختبار حاله حتى يظن حصول تلك الأمور في المعدِّل؟ قولان لأهل العلم : الأول: مذهب أبي حنيفة. والثاني: مذهب مالك والشافعي والجمهور، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعلى مذهب أبي حنيفة فشهادة المسلم المجهول الحال مقبولة، وهي على مذهب الجمهور مردودة. وقد ذكرنا حُجَجَ الفريقين في كتابنا ((الجامع لمقاصد علم الأصول)». و (قوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) الظاهر من هذا الخطاب الشاهد المرضى أنه لمن افتتح الكلام معهم في أول الآية في قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمُ شرعاً. بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ وهم المخاطبون بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ١١٠ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات [١] عن المُغيرة بن شُعْبَةَ وسَمُرَةَ بْن جُنْدَبٍ، قالا: قال وبقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رَّجَالِكُمْ﴾ وعلى هذا الظاهر وكل من رضيه المتداينان والمتبايعان فأشهداه، حصل به مقتضى الخطاب، غير أنهما قد يرضيان بمن لا يرضى به الحاكم ولا يسمع شهادته فلا ينتفعان بالإشهاد. ولا يحصل مقصود الشرع من الاستيثاق بالشهادة إذ لم يثبت بما فعلاه عقد، ولا يحفظ به مال، ولما كان ذلك قال العلماء: إنَّ المخاطب بذلك الحكام، إذ هم الذين يعرفون المرضيَّ شرعاً من غيره، فتثبت بمن يرضونه العقود، وتُحفظ الأموال والدماء، والأبضاع، ويحصل الفصل بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق، وذلك هو مقصود الشرع من قاعدة الشهادة قطعاً، ولا يحصل ذلك برضى غيرهم، فتعين الحكام لهذا الخطاب الذي هو قوله: ﴿مِمَّن تَّضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآِ﴾ . وإذا تقرر هذا فالذي يرضاه الحاكم هو العدل الذي انتفت عنه التُّهَمُ القادحةُ يرضاه الحاكم. في الشهادة(١)؛ كالقرابة القريبة، وجرّ المنفعة لنفسه، أو لولده، أو لزوجته، وكالعداوة البينة، والصداقة المفرطة - على تفصيل وخلاف يُعرف في الفقه - فقد أفادت الآیتان معنیین: الشاهد الذي أحدهما: اعتبار اجتماع أوصاف العدالة التي إذا اجتمعت صدق على الموصوف بهما أنه عدل. والثاني: اعتبار نفي القوادح التي إذا انتفت صدق على من انتفت عنه أنه مرضي، فلا بدَّ من اجتماع الأمرين في قبول الشهادة، ولذلك لا يُكتفى عندنا في التزكية بأن يقول المزكي: هو عدل فقط بل(٢) حتى يقول: هو عدل مرضيٍّ، فيجمع بينهما. وأما في الأخبار فلا بد من اعتبار المعنى الأول، ولا يُشترط الثاني (١) في (ع) العدالة، والمثبت من (م) و (ل). (٢) من (ل). ١١١ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات رسول الله وَله: ((من حَدَّثَ عَنِّي بحديث يرى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكذَّابين)). فيها؛ إذ يجوز قبول أخبار رسول الله وَطاهر، من الراوي لها العدل وإن جر لنفسه بذلك نفعاً أو لولده، أو ساق بذلك مضرّة لعدوّه، كأخبار علي رضي الله عنه عن الخوارج، وسِرُّ الفرق أنه لا يتهم أحدٌ من أهل العدالة والدّين بأن يكذبَ على رسول الله ﴿ بشيء من ذلك، فكيف يقتحم أحدٌ من أهل العدالة والدين لشيء من ذلك مع قول(١) رسول الله ◌َّه: ((إنَّ كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدٍ، فمن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار))(٢)! والخبر والشهادة؛ وإن اتفقا في أصل اشتراط العدالة؛ فقد يفترقان في أمور عديدة، كما فصّلناه في الأصول. وعلى الجملة فشوائب المتعبّدات(٣) ومراعاة المناصب في الشهادات أغلب، ومراعاة ظنِّ الصدق في الرواية أغلب، والله تعالى أعلم. و (قوله عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحدیث یری أنه كذب فهو أحد الكذابين))) قيّدناه عن مشايخنا ((يرى)) مبنياً للفاعل والمفعول، فيرى بالفتح بمعنى يعلم المتعدية لمفعولين وأنَّ سدَّت مسدّهما، وماضي يرى: رأى مهموزاً، وإنما تركت العرب همز المضارع لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزاً في قولهم: أَلم ترَ ما لاقيتُ والدهرُ أعصرُ ومن يتمنَّى(٤) العيشَ يَرْأَى ويَسْمَعُ وربما تركوا همز الماضي في قولهم: صاحٍ هل ريْتَ أو سَمِعْتَ براعٍ رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَا في الحِلاب(٥)؟ (١) في (ع) وقد قال، والمثبت من (م) و (ل). (٢) انظره مع تخريجه في التلخيص برقم (٣). (٣) في (ع) العبارات، وفي (ل) التعبدات. (٤) في (م) يتملّی. (٥) في اللسان وحاشية (م): ويُروى: في العلاب. ١١٢ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات رواه أحمد (٢٥٢/٤)، ومسلم (٩/١ - المقدمة)، والترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٣٩). ويحتمل ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي، فيكون ظناً من قولهم: رأيت كذا: أي(١) ظهر لي، وعليهما يكون المقصود بالذم الذي في الحديث: المتعمد للكذب علماً، أو ظناً. وأما يُرى بالضم: فهو مبني لما لم يُسمَّ فاعله، ومعناها الظن وإن كان أصلها مُعدّىّ بالهمزة من (رأى)، إلا أن استعماله في الظن أكثر وأشهر. و (قوله: ((فهو أحد الكذابين))) رويناه بكسر الباء على الجمع فيكون معناه الكذب علی رسول الله كذب أنه أحد الكذابين على رسول الله ﴿ الذين قال الله تعالى في حقّهم: ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ على الله. تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةً﴾ الآية [الزمر: ٦٠]، لأن الكذب على رسول الله وي ثير كذب على الله تعالى. ورويناه أيضاً بفتح الباء على التثنية، ويكون معناه: أن المحدِّث والمحدَّث بما یظنان، أو یعلمان کذبه کاذبان، هذا بما حدّث، والآخر بما تحمل من الكذب مع علمه، أو ظنه لذلك. ويفيد الحديثُ التحذيرَ عن أن يُحَدِّثَ أحد عن رسول اللهِصَلِ إلا بما تحقّق على صِذْقه علماً أو ظناً، إلا أن يحدث بذلك على جهة إظهار الكذب؛ فإنه لا يتناوله الحدیث. التحذير من الكذب النبي ﴾. وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي وَلقر أنه قال: (اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)»(٢) وقال: هذا حديث حسن. (١) من (م). (٢) رواه الترمذي (٢٩٥١). ١١٣ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات [٢] وعن علي بن أبي طالب، قال: قالَ رسولُ الله ◌َله: ((لا تكذبوا عَلَيَّ، فإنه من يكذبْ عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ)). و (قوله: ((لا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار))) أي: يدخلها، الوعيد الشديد وماضيه: وَلَجَ، ومصدره: الوُلوج، ومنه قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ لمن يكلب وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّتْلِ﴾ [الحج: ٦١]. وصدر هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيد على رسول الله. شديد، وهو عام في كلّ كاذب على رسول الله وَ ير، ومطلق في أنواع الكذب، ولما كان كذلك هاب قوم من السلف الحديثَ عن رسول الله ﴿ كعمر، والزبير بن العوام، وأنس بن مالك، وابن هرمز رضي الله عنهم أجمعين، فإن هؤلاء سمعوا كثيراً، وحدَّثوا قليلاً، كما قد صرَّح الزبير رضي الله تعالى عنه بذلك؛ لما قال له ابنُه عبد الله رضي الله عنه: إني لا أسمعك تُحدِّث عن رسول اللهوَ ل كما يُحَدِّث فلان وفلان؟ فقال: أما إني لم أكن أفارقه، ولكنّي سمعته يقول: ((مَن كَذَبَ عليَّ فليتبوأ مقعده من النار))(١)، وقال أنس: إنه يمنعني أن أحدِّثكم حديثاً كثيراً أن رسول الله و ثم قال: ((من كذب عليّ ... ))(٢) الحديث. ومنهم من سمع وسكت كعبد الملك بن إياس، وكأنَّ هؤلاء تخوّفوا من إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب، والغلط، فقلّلوا، أو سكتوا، غير أنَّ الجمهورَ خصّصوا عمومَ هذا الحديث، وقيّدوا مُطْلَقَه بالأحاديث التي ذكر فيها: متعمداً، فإنه يفهم منها: أن ذلك الوعيد الشديد إنما يتوجّه لمن تعمّد الكذبَ على رسول الله وَّه، وهذه الطريقةُ هي المرضية؛ فإنها تجمعُ بين مختلفات الأحاديث؛ إذ هي تخصيصُ العموم، وحَمْل المطلق على المقيّد مع اتّحاد الموجِب والموجَب، كما قرّرناه في الأصول. هذا مع أن القاعدةَ الشرعيةَ القطعية تقتضي: أن المخطىء والناسي غير آثمين ولا مؤاخذين لا سيما بعد التحرّز والحذر. (١) رواه البخاري (١٠٧)، وأبو داود (٣٦٥١). (٢) رواه مسلم (٢)، والترمذي (٢٦٦٣). ١١٤ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، والترمذي (٢٦٦٠)، وابن ماجه (٣١). [٣] وعن المغيرة، قال: سمعت رسول الله - *- يقول: ((إنَّ كذباً عَلَيَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النَّار)). رواه أحمد (٢٤٥/٤ و٢٥٢)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤). الكذب على و (قوله: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحدٍ))) أي: إن العقاب عليه أشدّ؛ رسول الله من لأن الجرأةً منه على الكذب أعظم، والمفسدة الحاصلة بذلك أشد، فإنه كَذِبٌ على أعظم الكذب. الله وَوَضْع شرع أو تغييره. و (قوله: ((فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النار))) أي: ليتّخذ فيها منزلاً فإنها مقرّه ومَسْكَنه؛ يقال: تبوّأت منزلاً؛ أي اتخذته ونزلته، وبَوَّأْتُ الرجلَ منزلاً؛ أي: هيأته له، ومصدره: باءة ومباءة (١). وهذه صيغة أمر، والمراد بها: التهديد والوعيد، وقيل: معناها: الدعاء؛ أي: بوّأه الله ذلك. وقيل: معناها: الإخبار بوقوع العذاب به في نار جهنم. وكذلك القول في حديث عليٍّ الذي قال جهالة من كذب فيه: ((يلج (٢) النار)). وقد رَوَى أبو بكر البزار هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن بقصد الترغيب مسعود، وزاد: ((ليضل به))(٣). وقد اغتر بهذه الزيادة أناس ممن يقصد الخير ولا في الخير. (١) في هامش (م): جعلهما صاحب القاموس اسماً كالبينة. (٢) في (ع) و (م): فليلج، وأثبتنا ما في صحيح مسلم والتلخيص. (٣) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢٠٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٤٤/١): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. ١١٥ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٢) باب: وجوب الأخذ عن الثقات يعرفه؛ فظن أن هذا الوعيد إنما يتناول من قصد الإضلال بالكذب على رسول الله وَل﴿؛ فأما من قصد الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقوية مذاهب أهل السنة، فلا يتناوله فوضع الأحاديث لذلك، وهذه جهالة، لأن هذه الزيادة تُروى عن الأعمش ولا تصحّ عنه، وليست معروفة عند نقلة ذلك(١) الحديث مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكم المعروف بابن البيّع من طرق كثيرة وقال: إنها واهية، لا يصح منها شيء. قال الشيخ رحمه الله تعالی: ولو صحّت لما كان لها دليلُ خطاب، وإنما كانت تكون تأكيداً لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وافتراء الكذب على الله مُحَرَّمٌ مطلقاً، قُصِد به الإضلال أو لم يُقْصّد، قاله الكذب على الله الطحاوي، ولأن وَضْعَ الخبر الذي يُقصد به الترغيب كذب على الله تعالى في وضع محرم مطلقاً. الأحكام، فإن المندوب قسم من أقسام الأحكام الشرعية، وإخبار عن أن الله تعالى وَعَد على ذلك العمل بذلك الثواب، فكل ذلك كذب وافتراء على الله تعالى، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اَفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. وقد استجاز بعضُ فقهاء العراق نسبةً الحكم الذي دلّ عليه القياسُ إلى ما استجازه رسول الله ﴿ نسبة قولية وحكاية نقلية، فيقول في ذلك: قال رسولُ الله وَّه كذا بعض فقهاء وكذا. ولذلك ترى كتبَهم مشحونةً بأحاديث مرفوعة تشهد متونها بأنها موضوعة؛ العراق. لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولا تليق بجزالة سيد الأنبياء، مع أنهم لا يقيمون لها صحيحَ سندٍ، ولا يسندونها من أئمة النقل إلى كبير أحد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشملهم ذلك الذمّ والوعيد، ولا شك في أن تكذيبَ رسول الله وله كفرٌ، وأما الكذبُ عليه فإن كان ذلك الكاذبُ مستحلاً لذلك فهو كافر، وإن کان غير مُسْتَحِلّ فهو مرتكبُ كبيرة، وهل يكفر أم لا؟ اخْتُلف فيه على ما مرّ. (١) من (م). ١١٦ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٣) باب: النهي عن أن يُحدِّث محدِّثٌ بكل ما سمع (٣) باب النَّهْي عن أَنْ يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بكلِّ مَا سَمِعَ [٤] عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي وَليفي قال: («كفى بالمرء كذباً أن يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمعَ)). قلت: أكثر الناس يرسله عن حفص، لا يذكر أبا هريرة، فأسنده الرازي وحده وهو ثقة. - وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود: بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع. - وقال مالك: اعلم أنه ليس يَسْلَمُ رجل حَدَّثَ بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً وهو يُحَدِّثُ بكل ما سمع. (٣) ومن باب: النهي عن أن يحدث محدِّث بكل ما سمع (قوله عليه الصلاة والسلام: ((كفى بالمرء كَذِباً أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع))) هذا الحدیثُ رواه مسلم في کتابه من طریقین: أحدهما: طريق عبد الرحمن بن مهدي عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم قال: قال رسول الله صلحه: ((كفى بالمرء كذباً ... )) الحديث؛ مرسلاً عن حفص، ولم يذكر أبا هريرة، هكذا وقع عند كافة رواة كتاب مسلم، ووقع عند أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد عن أبي هريرة، فأسنده، ثم أردف مسلمٌ الطريقَ الآخر عن علي بن حفص المدائني، عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ ﴿ مثله. قال علي بن عمر الدار قطني: والصواب المرسل. ١١٧ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٣) باب: النهي عن أن يُحدِّث محدِّثٌ بكل ما سمع - وعن سفيان بن حسين، قال: سألني إياس بن معاوية، قال: إني أراكَ قد كَلِفْتَ بعلم القرآن، فاقرأْ عَلَيَّ سورةً وَفَسِّر حتى أنظرَ فيما عَلِمْتَ. قال: ففعلتُ، فقال لي: احفظْ عَلَيَّ ما أقول لك: إياك والشَّناعَةَ في الحديث، فإنه قلَّما حملَها أحدٌ إلا ذَلَّ في نفسه وکذبَ في حديثه. والباء في ((بالمرء)) زائدة هنا على المفعول، وفاعل كفى: أن يحدث، وقد تَرِدُ هذه الباء على فاعل كفى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] وكذباً، وشهيداً منصوبان على التمييز. ومعنى الحديث: أن من حدث بكل ما سمع حصل له الحظ الكافي من مَن حدث بكل الكذب؛ فإن الإنسانَ يسمع الغثّ والسمين، والصحيحَ والسقيم، فإذا حدَّث بكل ما سمع. ذلك حَدَّث بالسّقيم وبالكذب، ثم يُحْمَل عنه فيكذب في نفسه أو يكذَّب بسببه، ولهذا أشار مالك بقوله: ليس يَسْلَم رجلٌ حدَّث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً. أي: إذا وُجِد الكذبُ في روايته لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحه فيه فلا يصلح ليقتدي به أحدٌ - ولو كان عالماً -، فلو بين الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب، سلم من ذلك، وتقصّى عن عهدة ما يجبُ عليه من النصيحة الدينية. و (قوله: ((إني أراك قد كلِفت بعلم القرآن))) هو بكسر اللام؛ من الكَلَفِ التحذير من بالشيء، وهو الولوع به، والمحبة له، والاعتناء به، وهكذا صحّت روايتنا فيه، رواية الحديث وقد روي من طريق الطبري: علقت وهو من العلاقة، وهي المحبة. والشناعة في المنكر. الحديث: هو ما يستقبح ويستنكر، يقال: شنِعتُ بالشيء، أي: أنكرته، بكسر النون، وشنُع الشيء، بضمها: قبح في نفسه. وشنّعت على الرجل - مشدداً -: إذا ذكرت عنه قبيحاً، حذره بهذا القول عن أن يحدث الأحاديث المنكرة فيكذب ویزِلُ. 1 ١١٨ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٤) باب: التحذير من الكذابين - وعن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ما أنتَ بِمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغُه عقولُهم إلا كان لبعضِهم فتنةً. رواه مسلم (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢). ومعنى ((بحسب المرء)»: يكفيه ذلك من الكذب. (٤) باب التحذير من الكذابين [٥] عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله مصادر: ((يكون في آخر الزمان، دَجَالُون كَذَّابُون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم حدِّثوا الناس بما يفهمون. و (قوله: ((ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)») أي: حديثاً لا يفهمونه، ولا يدركون معناه. والفتنة هنا: الضلال والخَيْرة. وهي تتصرّف في القرآن على أوجهٍ مُتعددة، وأصلها: الامتحان والاختبار. ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار؛ إذا اختبرته بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: ((حدِّثوا الناسَ بما يفهمون؛ أَتُريدون أن يُكذَّبَ الله ورسوله))(١)؟ !. (٤) ومن باب: التّحذير من الكذّابين و (قوله: ((يكون في آخر الزمان دجَّالون كذابون))) الحديث. الدجال: هو الكذّاب المموّه بكذبه الملبّس به. يقال: دجل الحق بباطله؛ أي: غطّاه، ودجل؛ أي: موّه وكذب به، وبه سُمِّ الكذاب الأعور. وقيل: سُمِّي بذلك لضربه في (١) رواه البخاري تعليقاً (٢٢٥/١) من حديث علي (رضي الله عنه)؛ بلفظ: ((حدِّثوا الناس بما یعرفون .. )). ١١٩ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٤) باب: التحذير من الكذابين ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم، لا يُضِلُّونكم، ولا يَفْتِنُونكم)). - وقال عبد الله: إن الشيطانَ ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدِّثهم بالحديث من الكذب، فيتفرَّقون فيقولُ الرجل منهم: سمعتُ رجلاً - أعرفُ وجهَه ولا أدري ما اسمُه - يُحدِّث. الأرض وقَطْعه نواحيها، يقال: دجل الرجل، بالفتح والضم؛ إذا فعل ذلك. حكاه تعلب. هذا الحديثُ إخبارٌ من النبي ◌َّه: بأنه سيوجد بعده كذّابون عليه، يُضِلُّون سيوجد بعد الناسَ بما يضعونه ويختلقونه. وقد وُجِد ذلك على نحو ما قاله، فكان هذا النبي كذابون الحديثُ من دلائل صدقه. ذكر أبو عمر بن عبد البر عن حماد بن زيد أنه قال: عليه. وضعت الزنادقةُ على رسول اللهِوَلجر اثني عشر ألف حديث، بثّوها في الناس. وحكى عن بعض الوضّاعين: أنه تاب فبكى وقال: أنَّى لي بالتوبة؟! وقد وضعتُ اثني عشر ألف حديث على رسول الله وَ﴿ كلّها يُعمل بها؟! وقد كتب أئمةُ الحديث كُتُباً كثيرة بيّنوا فيها كثيراً من الأحاديث الموضوعة المنتشرة في الوجود، قد عَمِل بها كثيرٌ من الفقهاء الذين لا عِلْم عندهم(١) برجال الحديث. و (قوله: ((فإياكُم وإياهم لا يضلّونكم ولا يفتنونكم))) كذا صحّت الروايةُ فيه بإثبات النون، والصواب حذفها؛ لأنَّ ثبوتها يقتضي أن تكون خبراً عن نفي وقوع الإضلال والفتنة؛ وهو نقيضُ المقصود؛ فإذا حذفت احتمل حذفها وجهین: أحدهما: أن يكون ذلك مجزوماً على جواب الأمر الذي تضمّنه إياكم، فكأنه قال: أحذركم لا يضلوكم ولا يفتنوكم. وثانيهما: أن يكونَ قوله: لا يضلوكم، نهياً، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينَّك ها هنا؛ أي: لا تتعرضوا لإضلالهم ولا لفتنتهم. (١) في (م): لهم. ١٢٠ مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم - (٤) باب: التحذير من الكذابين - وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في البحر شياطينَ مسجونةً، أَوْتَقَها سليمانُ، يُوشِكُ أن تَخْرُجَ فَتَقْرَأْ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًاً. رواه مسلم (٧). في البحر شیاطین مسجونة. و (قوله: ((إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان))) الحديث، هذا ونحوه لا يتوصل إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع، والظاهرُ أنَّ الصحابةَ إنما تستندُ في هذا للنبي ﴾، مع أنه يحتملُ أن يحدّث به(١) عن بعض أهل الكتاب. و (قوله: ((يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآناً))) يوشك، بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها: أوشك، ومعناه: مقاربة وقوع الشيء وإسراعه، والوَشَك، بفتح الواو: السرعة، وأنكر الأصمعيُّ الكسرَ فيها، وحكى الجوهريُّ الضمَّ فيها. ويُستعمل يوشك على وجهين: ناقصة تفتقر إلى اسم وخبر، وتامة تستقل باسم واحد. فالناقصة يلزم خبرها ((أنْ)) غالباً لما فيها من تراخي الوقوع، وتكون بتأويل المصدر کقولك: یوشك زید أن يذهب، أي: قارب زید الذهاب. وربما حذفت ((أنْ)) تشبيهاً لها بكاد، كقول الشاعر: في بعض غِرَّتِه يُوافِقُها يُوشِك مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِه والتامة تكتفي باسم واحد وهو: أن مع الفعل، بتأويل المصدر، بمعنى: قرب، کما في خبر عمرو. هذا والقرآن أصله الجمع، ومنه قول من مدحَ نَاقَتَهُ فقال: هجان اللَّون لم تَقْرَأْ جَنِينَا(٢) (١) في (م): بذلك. (٢) هذا عجز بيت لعمرو بن كلثوم، وصدره: ذِراعي عَيْطَلٍ أَدْماءَ بِكْرٍ .