النص المفهرس

صفحات 281-300

كِتَابُ العِلك

٢٨٣
كِتَابُ الْعِلَلِ
أَخْبَرَنَا الْكَرُوحِيُّ، نَا الْقَاضِي أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ، وَالشَّيْخُ الْغُورَجِيُّ(١)
كتاب[١] العلل [٢]
[١] ويقال: إن هذا تأليف مستقل للإمام الترمذي، يسمى بـ((العلل الصغرى))، ألحق في آخر
المسند الجامع لمناسبة تامة له بذلك، كما ألحق بعد ذلك في النسخ الهندية تأليف له ثالث
يسمى بـ((الشمائل))، ويدلّ على ذلك ابتداء السند عن الكروخي في النسخ الهندية، ولفظه:
أخبرنا الكروخي، نا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغورجي وأبو المظفر
الدهان، قالوا: نا أبو محمد الجراحي، نا أبو العباس المحبوبي، أنا أبو عيسى الترمذي، قال:
إن جميع ما في هذا الكتاب إلى آخره، ولا يوجد هذا السند في النسخة المصرية، قلت:
ولعل السر في أن الدمنتي لم يذكر هذا الكتاب في تعليقه على الترمذي تبعاً للسيوطي،
أنهما جعلاه كتاباً مستقلاً مستأنفاً.
[٢] العلة في الاصطلاح: عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث، مع أن الظاهر السلامة
منه، ويتطرق إلى الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهراً، وتدرك بتفرد راو وبمخالفة غيره
له مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف على وهم وقع، وتقع في الإسناد وهو الأكثر، وقد
تقع في المتن، وقد تطلق العلة على غير مقتضاها ككذب الراوي وفسقه وغفلته ونحوها
من أسباب ضعف الحديث، وسمى الترمذي النسخ علة، قال العراقي: فإن أراد أنه علة
في العمل بالحديث فصحيح، أو في صحته فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة
منسوخة، وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح في صحة الحديث، وقسم الحاكم في
((علوم الحديث)) أجناس المعلل إلى عشرة، لخصها السيوطي في ((التدريب))(٢).
(١) في نسخة: ((أبو بكر الغورجي)).
(٢) انظر: ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١١٢ - ١١٨)، و((تدريب الراوي)) (١ /٢٩٤).

٢٨٤
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَأَبُو الْمُظَفَّرِ الدَّهَّانُ قَالُوا: نَا أَبُو مُحَمَّدِ الْجَرَّاحِيُّ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ،
أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ: جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ
مَعْمُولُ بِهِ، وَ بِهِ أَخَذَ بَعضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا خَلَا حَدِيثَيْنِ: حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ:
أَن النَّبِيَّ ◌َهِ جَمَعَ بَينَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِالْمَدِينَةِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ
غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ وَلَا مَطَرٍ، وَحَدِيثِ النَّبِيّ ◌َّهِ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ
فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ))، وَقَدَّ بَيَّنَا عِلَّةَ الْحَدِينَيْنِ جَمِيعًا فِي
الْكِتَاب.
والعلة هي السبب، يعني [١] بها علل قبول الروايات وردّها، والمراد التنبيه
على بعضها لا استقصاؤها.
قوله: (وقد بينا علة الحديثين) أي: وجه كونهما لم يعمل بهما، وهو
النسخ(٢)، أو ثبوت خلافه (٣) عن النبي وَثّل، أو عن الراوي، وهذا إذا[٤] حمل لفظ
الحديثين على ظاهر معناهما، وإلا فقد بيّنّاً لك أن الجمع كان بحسب الصورة لا
الحقيقة، وكذلك القتل كان الأمر فيه إذا رأى الإمام ذلك تعزيراً وهو معمول به،
وإنما المتروك كونه تشريعاً وأمر وجوب.
[١] فسر الشيخ بذلك لما أن المذکور في هذا الكتاب ليس مجرد أسباب القدح، بل فيه ما يدل
على التوثيق والصحة أيضاً، فعمم الشيخ الكتاب، ولو فسر الكتاب بالعلل الاصطلاحية
فیو جه ما ذکر فيها بالتبع والاستطراد.
[٢] كما جزم به المصنف في بيان ذكر حديث القتل.
[٣] كما أشار إليه المصنف في حديث الجمع بين الصلاتين، والمصنف وإن حكم على حديث
الخلاف بالضعف لكنه جعله معمولا به عند أهل العلم.
[٤] يعني أن ترك العمل بالحديثين باعتبار ظاهر الألفاظ، وإلا فالحنفية - شكر الله سعيهم -
عملوا بهما أيضاً بعد حملهما على محمل لا يخالف الروايات الأخر جمعاً بين الروايات.

٢٨٥
كِتَابُ الْعِلَل
وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنِ اخْتِيَارِ الْفُقَهَاءِ، فَمَا كَانَ فِيْهِ مِنْ
قَولٍ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ فَأَكْثَرُهُ مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا
عُبَيدُ الله بْنُ مُوسَى، عَن سُفْيَانَ، وَمِنْهُ مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو الْفَضْلِ مَكْتُومُ بْنُ
الْعَبَّاسِ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ الْفرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ.
وَمَا كَانَ مِنْ قَولِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَأَكْثَرُهُ مَا حَدَّثَنَا بِهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى
الْأَنْصَارِيُّ، نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّارُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ.
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَبْوَابِ الصَّوْمِ فَأَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو مُصْعَبِ الْمَدِينِيُّ، عَنْ
مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَبَعْضُ كَلَامِ مَالِكِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ حِزَامٍ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ.
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَولِ ابنِ الْمُبَارَكِ فَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ
الْآمُلِيُّ عَنْ أَصْحَابِ ابنِ الْمُبَارَكِ عَنْهِ، مِنْه(١) مَا رَوَى عَنْ أَبِي وَهَبٍ عَنِ
ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْمُبَارَكِ،
قوله: (ومنه ما روى عن أبي وهب)[١] على صيغة المعلوم[٢] وفاعله أحمد
ابن عبدة، وهذه الجملة كالتفصيل لما قبله.
[١] هكذا في جميع النسخ الهندية، وفي المصرية: «منه ما روى عن ابن وهب محمد بن مزاحم
عن ابن المبارك))، والظاهر أن الصواب الأول، لأن محمد بن مزاحم يكنى بأبي وهب لا
بابن وهب.
[٢] توهم بعض من اعتنى بحل الترمذي في حمله على البناء للمجهول نظراً على الظاهر،
والصواب ما أفاده الشيخ كما يومئ إليه النظر الدقيق، لأن المصنف رام بيان إسناد الأقوال =
(١) في نسخة: ((ومنه)).

٢٨٦
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدَانَ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ،
وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ حِبَّنَ بْنِ مُوسَى عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ
ابْنِ زَمْعَةَ عَنْ فَضَالَةَ عَنِ النَّسَوِيّ، عَنْ عَبدِ الله بْنِ الْمُبَارَكِ، وَلَهُ رِجَالٌ
مُسَمَّوْنَ سِوَى مَنْ ذَكَرنَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَولِ الشَّافِعِيّ فَأَكْثَرُهُ مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ
الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيّ، وَمَا كَانَ مِنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو الْوَلِيدِ
الْمَكْيُّ عَنِ الشَّافِعِيّ، وَمِنْهِ مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ، نَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى
الْقُرَشِيُّ الْبُوَيْطِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيّ، وَذَكَرَ فِيهِ أَشْيَاءَ عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيّ،
وَقَدْ أَجَازَ لَنَا الرَّبِيعُ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَيْنَا.
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ قَولِ أَحْمَدَ بْنِ حَتْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ مَا
أَخْبَرَنَا بِهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إِلَّ مَا فِي أَبْوَابِ الْحَجِّ
وَالدِّيَاتِ وَالْحُدُودِ، فَإِنِّي لَمْ أسْمَعْهُ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، أخْبرِنِي بِهِ مُحَمَّدُ
ابْنُ مُوسَى الْأَصَمُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَبَعْضُ كَلَامِ
= التي حكى في ((جامعه)) عن ابن المبارك، فلو كان هذا اللفظ بالبناء للمجهول لا يتمّ
غرضه لانقطاع السند بين الترمذي وبين أبي وهب، ويؤيده أيضاً أن ما ذكر المصنف من
أقوال الشافعي وابن حنبل ذكر أسانيده متصلة كما سيأتي، ويؤيده أيضاً أن الحافظ ذكر
في ((تهذيبه)) محمد بن مزاحم العامري أبا وهب المروزي ورقم عليه للترمذي، وحكى
في مشايخه ابن المبارك، وفي الآخذين عنه أحمد بن عبدة، وهكذا حكى في مشايخ
أحمد بن عبدة حبان بن موسى، وعلي بن الحسن بن شقيق، وعبدان، وغيرهم، فتأمل،
وللتوجيه مجال.

٢٨٧
كِتَابُ الْعِلَل
إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بنُ فُلَيْحٍ عَنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا عَلَى وَجْهِهِ فِي
الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الْمَوْقُوفُ.
وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعِلَلِ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ فَهُوَ مَا
اسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ كِتَابِ التَّارِيخِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مَا نَاظَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ،
وَمِنْهُ مَا نَاظَرْتُ بِهِ عَبْدَ الله بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبا زُرْعَةَ، وَأكْثَرُ ذَلِكَ عَنْ
مُحَمَّدٍ، وَأَقَلُّ شَيْءٍ فِيهِ عَنْ عَبْدِ الله وَأَبِي زُرْعَةَ(١)، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا عَلَى مَا بَيَّنَا
فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ قَولِ الْفُقَهَاءِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّا سُئِلْنَا عَنْ هَذَا، فَلَمْ
نَفْعَلْهُ زَمَاناً، ثُمَّ فَعَلْنَاهُ لِمَا رَجَونَا فِيهِ مِنْ مَنْفَعَةِ النَّاسِ؛ لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ
وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَكَلَّفُوا مِنَ التَّصْنِيفِ مَا لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، مِنْهُم: هِشَامُ بنُ
حَسَّانٍ وَعَبدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَمَالِكُ
ابْنُ أَنَسِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَعَبدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي
زَائِدَةَ وَوَكِيعُ بنُ الْجَرَّاجِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَالْفَضْلِ صَنَّقُوا فَجَعَل الله فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً كَثِيرَةً، وَلَهُمْ (٢) بِذَلِكَ الثَّوَابُ
الْجَزِيلُ عِنْدَ الله لِمَا نَفَعَ الله الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَبِهِمُ الْقَدْوَةُ فِيمَا صَنَّفُوا.
قوله: (ما لم يسبقوا إليه) يعني أني كنت أتردد فيه لكون ذلك لم يسبق إليه
أحد، فكنت أخاف الإقدام على ما ليس له سابقة؛ لئلا أكون صاحب أمر محدث،
ولكني لما رأيت هؤلاء الكرام فعلوا ما لم يفعله من قبلهم قوي بذلك عزمي واندفع
ما كان يختلج فيَّ مِن وهمي.
(١) زاد في نسخة: ((وَلم أر أحداً بالعراق وَلاَ بخراسان فِي معنى الْعِلَل والتاريخ وَمَعْرِفَة
الْأَسَانِيد كبير أحد أعلم من مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، آخر كتاب الجامع، وإلى هنا انتهى السماع
للقوم من أبي يعلى بن أبي علي السبخي، قال أبو عيسى: وإنما حملنا إلخ)).
(٢) في نسخة: ((فنرجو لهم)).

٢٨٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَقَدْ عَابَ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ الْكَلَامَ فِي الرِّجَالِ،
وَقَدْ وَجَدْنَا غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ قَدْ تَكَلِّمُوا فِي الرِّجَالِ، مِنْهُم
الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاؤُوسَّ تَكَلَّمَا فِي مَعْبَدٍ الْجُهَنِيّ، وَتَكَلَّمَ سَعِيدُ
ابنُ جُبَيْرٍ فِي طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، وَتَكَلَّمَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَامِرُ الشَّعْبِيُّ فِي
الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيّ وَعَبدِ الله بْنِ عَونٍ
وَسُلَيمَانَ التَّيْمِيّ وَشُعْبَةَ بِنِ الْحَجَّاجِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بنِ أَنَسِ
وَالْأَوْزَاعِيّ وَعَبْدِ الله بْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحِيَّى بْنِ سَعيدِ الْقَطَّانِ وَوَكِيعِ بْنِ
الْجَرَّاجِ وَعَبدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَغَيرِهِمْ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ تَكَلَّمُوا فِي
الرِّجَالِ وَضَعَّفُوا.
قوله: (وقد عاب بعض من لا يفهم) إلخ، فائدة [١] ثالثة، والثانية وجه التصنيف،
[١] يعني أن المصنف ذكر في كتابه هذا ((كتاب العلل)) عدة فوائد: والفائدة الثالثة منها هي
هذه، والفائدة الثانية ما تقدم قبيل ذلك من وجه التصنيف على هذا النهج العجيب مع ذكر
أقوال الفقهاء وبيان علل الحديث، والفائدة الأولى ما تقدم قبل الثانية من ذكر أسانيد أقوال
الفقهاء التي وضعها في هذا الكتاب، وحاصل هذه الفائدة الثالثة أن بعض من لا فهم لهم
عابوا التكلم في حق الرجال ظنًّا منهم أن ذلك غيبة، والحال أن جماعة من أهل العلم
السلف تكلموا وضعّفوا رجالاً، ولا يظن بهم لعُلُوِّ شأنهم أن ارتكبوا الغيبة، بل الأمر أن
ذلك بمنزلة تزكية الشهداء لإظهار الحق.
قال السخاوي: وقد أوجب الله تبارك وتعالى التكشف والتبين عند خبر الفاسق بقوله عز
اسمه: ﴿إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبٍَ فَتَبَيَنُواْ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال النبي ◌َّ في الجرح: ((بئس أخو
العشيرة))، وفي التعديل: ((إن عبد الله رجل صالح))، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة
في الطرفين، ولذا استثنوا هذا من الغيبة المحرمة، وأجمع المسلمون على جوازه، بل عدّ
من الواجبات للحاجة إليه، وتكلم في الرجال جماعة من الصحابة ثم من التابعين، انتهى.

٢٨٩
كِتَابَ الْعِلَل
فَإِنَّمَا (١) حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَالله أَعْلَمُ - النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ،
لَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الطَّعْنَ عَلَى النَّاسِ وَالْغِيْبَةَ، إِنَّمَا أَرَادُوا عِنْدَنَا أَنْ
يُبَيِّنُوا ضَعْفَ هَؤُلَاءِ لِكَيْ يُعْرَفُوا؛ لِأَنَّ بَعضَ الَّذِينَ ضُعِّفُوا (٢) كَانَ صَاحِبَ
بِدعَةٍ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ مُتَهَمًا فِي الحَدِيثِ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ غَفْلَةٍ
وَكَثْرَةِ خَطَأْ(٣)، فَأَرَادَ هَؤُلاءِ الَأَئِمَّةُ أَن يُبَيِّنُوا أَحْوَالَهُمْ شَفَقَةً على الدِّينِ
وَتَثَّبِّنَا(٤)؛ لَأِنَّ الشَّهَادَةَ فِي الدِّينِ أَحَقُّ أَن يُتَثَبَّتَ فِيهَا مِنَ الشَّهَادَةِ فِي
الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ.
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ الْقِطَّانُ،
والأولى[١] أسانيد المذاهب إجمالاً.
قوله: (من الشهادة في الحقوق والأموال) وظاهر أن التزكية للشهود من
أحكام الشرع حق على القاضي، ولا یمکن أن یعاب بها، فكذلك هاهنا.
[١] ولو عدّ ما في مبدأ الكتاب من قوله: جميع ما في هذا الكتاب معمول به ... إلخ، فائدة
مستقلة فهي أولى الفوائد، والثانية الأسانيد، والثالثة وجه التصنيف، والرابعة هي التي نحن
بصددها.
(١) في نسخة: ((وإنما)).
(٢) في نسخة: ((صنفوا)).
(٣) قال في ((العرف الشذي)) (١٠٠/٥): الغفلة عندي أن يكون الرجل مغفلًا في أخذ الرواية
وإبلاغها، ولا يجب أن يكون سيء الحفظ، ولا يجب فيه وقوع الغلط، بل يكفي شأن عادته
وتوهم الغلط لأن يحكم عليه بالمغفل والغافل، وأما كثرة الخطأ فهي أن يغلط في الرواية
وإن كان يروي بالاحتياط وجمع الخاطر ولا يكون يروي في الغفلة، ولا يحكم بأن فلاناً
كثير الخطأ إلا بعد وقوعها منه.
(٤) في نسخة: ((تثبيتا)).

الكَوْكَبُ الدُّرِّي
٢٩٠
ثَنِي أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَشِعْبَةَ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسِ وَسُفْيَانَ بِنَ عُيَيْنَةَ
◌َنِ الرَّجُلِ يَكُونُ فِيهِ تُهْمَةُ أَوْ ضَعْفٌ أَسْكُتُ أَوْ أَبَيِّنُ؟ قَالُوا: بَيِّنْ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بِنُ رَافِعِ النَّيْسَابُورِيُّ، نَا يَحْبَى بِنُ آدَمَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي
بَكْرِ بنِ عَيَّاشِ: إِنَّ أَنَاسًا يَجْلِسُونَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِم النَّاسُ وَلَا يَسْتَأْهِلُونَ،
فَقَالَ(١) أَبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشِ: كُلُّ مَنْ جَلَسَ جَلَسَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَصَاحِبُ
السُّنَّةِ إِذَا مَاتَ أَحْيَا الله ذِكْرَهُ وَالْمُبْتَدِعُ لَا يُذْكَرُ.
قوله: (والمبتدع لا يذكر) فيه الشاهد[١] لكنه خفي، والمراد أن صاحب
بدعة لا ينبغي أن يأخذ العلماء منه، ولا أن يتركوا العامة يسألون عنه ويجلسون إليه،
فلما كان كذلك لا يتحدث عنه أحد فيموت ذكره، ولا يشتهر أمره، فعلم أن العلماء
يجوز لهم بل يجب أن يظهروا للناس عيبه، ويمنعوهم عن الأخذ عنه.
[١] يعني أن المصنف ذكره أيضاً شاهداً على ما هو بصدده من جواز الجرح، ولذا ذكره في
جملة الشواهد الدالة على ذلك، لكن شهادة هذا الأثر على مدعاه محتاج إلى توضيح،
ولذا فسر الشيخ هذا الأثر ببيان المراد، وحاصله أن المبتدع ينبغي أن لا يذكر في الناس
أصلاً، وفي أخذ الرواية عنه ترويج لذكره في الأسانيد إلى آخر الدهر، فينبغي أن لا تؤخذ
عنه الرواية، ويظهر ابتداعه لينزجر عنه الناس، وعلى هذا يطابق الجواب على السؤال
أيضاً بأحسن مطابقة، والذين منعوا الرواية عن المبتدع عللوا بذلك، قال السيوطي في
((التدريب))(٢): من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، وقيل: دعوى الاتفاق ممنوعة، ومن
لا يكفر ففيه خلاف، قيل: لا يحتج به مطلقاً، ونسبه الخطيب لمالك، لأن في الرواية عنه
ترويجاً لأمره وتنويهًا لذكره، إلى آخر ما بسطه، وهكذا في ((فتح المغيث))(٣)، وقال: أكثر
ما علل به أن في الرواية عنه ترويجاً لأمره وتنويهاً لذكره، انتهى.
(١) في نسخة: ((قال)).
(٢) ((تدريب الراوي)) (١/ ٣٨٣).
(٣) (٦٤/٢).

٢٩١
كِتَابَ الْعِلَل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، نَا النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الله
الْأَصَمُّ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيًّا، عَنْ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ فِي
الزَّمنِ(١) الْأَوَّلِ لاَ يَسْأَلُونَ عَنِ الأسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَّعَتِ الْفِتْنَهُ سَأَلُوا عَنِ الأسْنَادِ؛
لِكَي يَأْخُذُوا حَدِيثَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَدَعُوا حَدِيثَ أَهْلِ الْبِدَعِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ يَقُولُ: قَالَ
عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِسْنَادُ عِنْدِي مِنَ الدِّينِ، لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ
مَا شَاءَ، فَإِذَا قِيلَ: مَنْ حَدَّثَكَ بَقِيَ(٢).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىّ، أَنَا حِبّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ذُكِرَ لِعَبْدِ الله بْنِ
الْمُبَارَكِ حَدِيثٌ، فَقَالَ: يُحْتَأَجُ لِهَذَا أَرْكَانُ مِنْ آجُرٍ، يَعْنِي أَنَّهُ ضَعَّفَ إِسْنَادَهُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، نَا وَهْبُ بْنُ زَمْعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ
أَنَّهُ تَرَكَ حَدِيثَ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ
الْأَسْلَمِيّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَعُثْمَانَ الْبُرِّيّ، وَرَوْحِ بْنِ مُسَافِرٍ، وَأَبِي شَيْبَةَ
الوَاسِطِيّ، وَعَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ،
قوله: (وعمرو بن ثابت) ترك(١) بعده اسم راو
[١] يعني في النسخة الأحمدية، وهو موجود في غيرها من النسخ الهندية والمصرية، لكنها
مختلفة في لفظها، ففي الهندية: أيوب بن خوط، وفي المصرية: أيوب بن خويطة،
والصواب الأول كما يظهر من ملاحظة كتب الرجال من ((التهذيب)) و((الميزان)) وغيرهما،
قال في ((التقريب))(٣): أيوب بن خوط بفتح المعجمة متروك من الخامسة، وفي ((التهذيب)) =
(١) في نسخة: ((الزمان)).
(٢) في نسخة: ((يقي))، أي: يقي نفسه من الكذب، وقوله: ((بقي)) أي: حائراً أو ساكتاً.
(٣) ((تقريب التهذيب)) (ص: ١١٨).

٢٩٢
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
وَأَيُّوبَ بْنِ خُوطٍ، وَأَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، وَنَصْرِ بْنِ طَرِيفٍ أَبِي جَزْءٍ(١)، وَالْحَكَمِ،
وَحَبِيبُ الْحَكَمِ، رَوَى لَهُ حَدِيثاً فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ، ثُمَّ تَرَّكَهُ وَحَبِيبٌ لَا أَدْرِي.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَانَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ
قَرَأْ أَحَادِيثَ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَكَانَ أَخِيرًا إِذَا أَتَى عَلَيْهَا أُعْرَضَ عَنْهَا، وَكَانَ
لَا يَذْكُرُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَثَنَا أَبُوِ وَهْبٍ قَالَ: سَمَّوْا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَجُلاً يَهِمُ
فِي الحَدِيثِ، فَقَالَ: لَأَنْ أَقْطَعَ الطَّرِيقَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ.
وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ حِزَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ
وهو أيوب بن خوط، فليكتب(١].
= عن البخاري: تركه ابن المبارك.
[١] قلت: وكذلك سقط من آخر هذا الكلام عبارة توجد في المصرية وهي: ((حدثنا محمود بن
غيلان، حدثنا أبو يحيى الحماني، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أحداً أكذب من
جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح، قال أبو عيسى: وسمعت الجارود يقول:
لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث، ولولا حماد لكان بغير فقه»، وذكره
الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(٢) في ترجمة إمام الأئمة فقال: وله في كتاب الترمذي من
رواية عبد الحميد الحِمَّاني عنه، قال: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من
عطاء، انتھی.
قلت: وقد علم من ذلك عدة أمور: منها أن الإمام أبا حنيفة من أئمة الجرح والتعديل أيضاً،
استدل بقوله الترمذي في كتابه، ومنها أن إطلاقهم لفظ أهل الكوفة لا يختص بالحنفية، بل
قد يطلقون علی غیرهم أيضاً کما هاهنا، ومنها غير ذلك كما لا يخفى.
(١) في نسخة: ((جُزَيٌّ)).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (١٠ / ٤٥١).

٢٩٣
كِتَابُ الْعِلَل
لِأَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو النَّخَعِيّ الْكُوفِيّ.
وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَذَكَرُوا
مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةِ؟ فَذَكَرُوا فِيهِ عَنْ بَعْضٍ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ
وَغَيْرِهِمْ، فَقُلْتُ: فِيهِ عَنِ النَّبِيّ ◌َّـ﴿ حَدِيثُ، فَقَالَ: عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ؟ قُلْتُ:
نعم، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ، نَا الْمُعَارِكُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌ِِّ: ((الْجُمُعَةُ عَلَى
مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ))، قَالَ: فَغَضِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ مرَّتَيْنِ.
وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا عَنِ النَّبِيّ
است
لِضَعْفٍ إِسْنَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ عَنِ النَّبِيّ ◌ِهِ وَالْحَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ يُضَعَّفُ
فِي الْحَدِيثِ، وَعَبْدُ الله بْنُ سَعِيدِ المَقْبُرِيُّ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ
جِدًّا فِي الْحَدِيثِ.
فَكُلُّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَوْ يُضَعَّفُ لِغَفْلَتِهِ وَكَثْرَةِ خَطَئِهِ،
وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ الحَدِيثُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَا يُحْتَجُ بِهِ، وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ
مِنَ الْأَئِمَّةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَبَيِّئُوا أَحْوَالَهُمْ لِلنَّاسِ.
قوله: (وقد روى غير واحد من الأئمة عن الضعفاء) شروع في الفائدة
الرابعة [١]، وهو أن الأئمة قد يروون عمن يذكر بضعف، وذلك لأسباب [٢]، إما
ثبوت قوته عند من روی عنه، أو تمییز الآخذ صحیحه من سقیمه، أو بيان روايته مع
بيان ضعفه، أو بيان الرواية بعد وجدان المتابع والشاهد لها، لا إذا كانت منفردة.
[١] هذا على ما عده الشيخ ونبه عليه قريباً، وعلى عداد الحاشية هي فائدة خامسة.
[٢] كما أشار إليها المصنف في آثار آتية، أما عدالته عند الراوي عنه فقد جزم بذلك شراح =

٢٩٤
الكَوَكَبُ الدُّرِّي
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ الْمُنْذِرِ الْبَاهِلِيُّ، نَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ
قَالَ: قَالَ لَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: اتَّقُوا الْكَلْبِيَّ(١)، فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّكَ تَرْوِي عَنْهُ،
قَالَ: أَنَا أَعْرِفُ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ.
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنِي عَفَّانُ، عَنْ
أَبِي عَوَانَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ اشْتَهَيْتُ كَلَامَهُ، فَتَتَبَّعْتُهُ عَنْ
أَصْحَابِ الْحَسَنِ، فَأَتَيْثُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشِ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ كُلَّهُ عَنِ
الْحَسَنِ، فَمَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئًا.
وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ
مِنَ الضَّعْفِ وَالْغَفْلَةِ مَا وَصَفَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُهُ، فَلَا يُغْتَرُّ بِرِوَايَة الثِّقَاتِ عَنِ
النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُنِي فَمَا أَنَّهِمُهُ،
وَلَكِنْ أَتَّهِمُ مَنْ فَوْقَهُ.
قوله: (فقرأه عليّ کلَّه عن الحسن) ولما[١] کان فيه بعد ما وهو كونه يروي
عن الحسن قدر ما یرویه جملة تلامذته کان کذباً ظاهراً، فلذلك تركه.
= الصحيحين في الأجوبة عما يرد عليهما، وكتب الحديث مملوءة من ذلك، وأما تمييز
الضعيف من القوي فحكاه المصنف عن الثوري، وهكذا في أمور أخر.
[١] ولفظ مسلم(٢) أوضح من ذلك إذ قال: ما بلغني عن الحسن حديث إلا أتيت به أبان بن
أبي عياش فقرأه عليّ، قال النووي: معنى هذا الكلام أنه كان يحدث عن الحسن بكل ما
يسأل عنه، وهو كاذب فى ذلك.
(١) هو محمد بن السائب الكلبي الكوفي، النسابة المفسر، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، من
السادسة، ((تقريب التهذيب)) (٥٩٠١).
(٢) ((مقدمة صحيح مسلم)) (١/ ٢٥).

٢٩٥
كِتَابُ الْعِلَل
وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله
ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يَقْنُتُ فِي وِتْرِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَرَوَى أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ كَانَ يَقْنُتُ فِي وِتْرِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، هَكَذَا
رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ.
وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ هَذَا، وَزَادَ
فِيهِ: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ مَسْعُودٍ: أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا بَاتَتْ عِنْدَ النَّبِيّ ◌َ فَرَّأَتِ
النَّبِيَّ وَّلَ قَّنَتَ فِي وِتْرِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَأَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وُصِفَ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِجْتِهَادِ، فَهَذَا
حَالُهُ فِي الحَدِيثِ، وَالْقَوْمُ كَانُوا أَصْحَابَ حِفْظِ، فَرُبَّ رَجُلٍ وَإِنْ كَانَ
صَالِحًا لَا يُقِيمُ الشَّهَادَةَ وَلَا يَحْفَظُهَا.
قوله: (وزاد فيه: قال عبد الله) إلخ، وهذا وإن كان ممكناً(١) أن يكون
ابن مسعود رآه ◌ِّ بعينه، وسمعه بأذنه قنت قبل الركوع، وسمع من أمه أيضاً، إلا
[١] بل هو المتعين في هذه القصة، فإن حديث ابن مسعود هذا أخرجه الدار قطني برواية يزيد
ابن هارون عن أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال:
بت مع رسول اللّه ◌َ ل لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد
فقلت: تبيتي مع نسائه وانظري كيف يقنت في وتره، فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع،
ثم ذكره برواية سفيان عن أبان بهذا السند قال: قنت رسول الله عمله في الوتر قبل الركعة،
قال: فأرسلت أمي إليه القابلة، فأخبرتني أنه فعل ذلك، ثم قال: أبان متروك.
قلت: وحديث يزيد بن هارون عن أبان أخرجه البيهقي في ((سننه))(١) نحو ذلك، ثم قال : =
(١) ((السنن الكبرى)) (٥٨/٣).

٢٩٦
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي الْحَدِيثِ بِالْكَذِبِ، أَوْ كَانَ مُغَفَّلًا يُخْطِئُ
الْكَثِيرَ، فَالَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يُشْتَغَلَ بِالرّوَايَةِ
عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ الْمُبَارَكِ حَدَّثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَمَّا
تَبَيِّنَ لَهُ أَمْرُهُمْ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ (١).
أن ذلك لما كان منفرداً[١] بروايته ابن عياش بخلاف سائر الثقات، فإن أحداً منهم
لم یذکره صار متهمًا.
= ورواه سفيان الثوري عن أبان بن أبي عياش، ومدار الحديث عليه، وأبان متروك، انتهى.
قلت: وتعقب ابن التركماني(٢) كلام البيهقي وذكر له متابعة، وذكر الزيلعي في ((نصب
الراية)»(٣) حديث أبان برواية الدار قطني وابن أبي شيبة، وذكر كلام الدارقطني، ثم قال:
طريق آخر رواه الخطيب البغدادي في ((كتاب القنوت)) له، ثم ذكر سنده إلى منصور عن
إبراهيم عن علقمة بنحوه، ثم قال: ذكره ابن الجوزي في ((التحقيق)) من جهة الخطيب
وسكت عنه، إلا أنه قال: أحاديثنا مقدمة، انتهى. قلت: فما أفاده الشيخ من التوجيه احتمالاً
هو الحق المتعين.
[١] يعني على رأي الترمذي والبيهقي ومن وافقهما، ثم ظاهر كلام الترمذي أن رواية سفيان =
(١) زاد في بعض النسخ: ((أَخْبرنِي مُوسَى بن حزام قَالَ: سَمِعت صَالح بن عبد الله يَقُول: كُنَّا عِنْد
أبي مقاتل السَّمر قَنْدِي، فَجعل يروي عَن عون بن أبي شَدَّاد الْأَحَادِيثَ الطَوَالَ الَّذِي كَانَ يروي
فِي وَصِيَّةَ لُقْمَان وَقتل سعيد بن جُبَيْر، وَمَا أشبه هَذِه الْأَحَادِيث، فَقَالَ لَهُ ابن أخ لأبي مقاتل: يَا
عَمِّلَا تقل: حَدثنَا عون، فَإِنَّك لم تسمع هَذِه الْأَشْيَاءِ، قَالَ: يَا بني هُوَ كَلام حسن.
وسمعت الجارود يقول: كنا عند أبي معاوية، فذكر له حديث أبي مقاتل، عن سفيان الثوري،
عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: سئل عليٍّ عن كور الزَّنانير، قال: لا بأس به، هو بمنزلة
صيد البحر، فقال أبو معاوية: ما أقول: إن صاحبكم كذاب، ولكن هذا الحديث كذب)).
(٢) انظر: ((الجوهر النقي)) (٤٢/٣).
(٣) ((نصب الراية)) (١٢٤/٢).

٢٩٧
كِتَابَ الْعِلَل
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي قَوْمٍ مِنْ أَجِلَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ،
وَضَعَّفُوهُمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ، وَوَثَّقَهُمْ آخَرُونَ مِنَ الْأئِمَّةِ بِجَلَالَتِهِمْ وَصِدْقِهِمْ،
وَإِنْ كَانُوا قَدْ وَهِمُوا فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا.
قوله: (وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من أجلة أهل العلم) بيان
لأن في التوثيق مراتب، فبعضهم [١] شدّد في أمر التعديل، فعدّ الجرح القليل الذي
أجرى أن يغضي عليه جرحاً وتركه، وبعضهم جعله عفواً فأخذ عنه، وقد يفعل مثل
ذلك واحد(٢) منهم بأن يبيّن ضعفه إذا اعتبر الشدة، ثم يروي عنه إذا نظر إلى العفو،
والدليل عليه قوله: حدثنا أبو بكر إلخ، وقوله: تكلّم يحيى بن سعيد القطان في
محمد بن عمرو ثم روی عنه.
= توافق رواية الجماعة، وليس فيها ذكر الأم، وقد تقدم عن البيهقي والدار قطني أن رواية
سفيان مثل رواية يزيد بن هارون بذكر الأم أيضاً، فتأمل.
[١] ففي ((زهر الربى)): قال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح(١): ما حكاه عن الباوردي
أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعاً خاصًّا، وذلك
أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى: شعبة وسفيان
الثوري، وشعبة أشدّ منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشدّ
منه، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشدّ منه، ومن الرابعة: أبو حاتم
والبخاري، وأبو حاتم أشدّ منه، انتهى.
[٢] وفي ((الرفع والتكميل)) (٢): كثيراً ما تجد الاختلاف عن ابن معين وغيره من أئمة النقد في
حق راو، وهو قد يكون لتغير الاجتهاد، وقد يكون لاختلاف كيفية السؤال، قال الحافظ
ابن حجر في ((بذل الماعون في فضل الطاعون)»: وقد وثّقه أي: أبا بلح يحيى بن معين =
(١) انظر: ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) (١/ ٤٨٢).
(٢) (ص: ٢٦٢).

٢٩٨
الكَوْكَبُ الدُّرِّي
وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَانُ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، ثمَّ رَوَى
عَنْهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدِ الْعَظَّارُ الْبَصْرِيُّ، نَا عَلِيُّ
ابْنُ الْمَدِينِيّ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ
فَقَالَ: تُرِيدُ الْعَفْوَ أَوْ تُشَدِّدُ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ أَشَدِّدُ، قَالَ: لَيْسَ هُوَ مِمَّن تُرِيدُ،
كَانَ يَقُولُ: أَشْيَاخُنَا أَبُو سَلَمَةَ وَيَحْبَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ.
قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍوٍ فَقَالَ فِيهِ نَحْوَ
مَا قُلْتُ، قَالَ عَلِيُّ: قَالَ يَحْيَى: وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَعلَى مِنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحٍ، وَهُوَ عِنْدِي فَوْقَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، قَالَ عَلِيُّ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى
= والنسائي، ومحمد بن سعد والدارقطني، ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعفه، فإن
ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمن فوقه فضعفه بالنسبة إليه، وهذه قاعدة جليلة فيمن
اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليه أبو الوليد الباجي في كتابه «رجال البخاري»، انتهى.
وقال تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث))(١): مما ينبّه عليه أنه ينبغي أن تتأمل أقوال المزكين
ومخارجها، فيقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا یریدون به أنه ممن يحتج بحديثه، ولا ممن
يردّ، وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجّه إلى القائل من السؤال، وأمثلة ذلك
كثيرة لا نطيل بها، منها ما قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن
عن أبيه كيف حديثهما؟ فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال:
سعيد أوثق والعلاء ضعيف، فهذا لم يُرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقاً بدليل أنه قال:
لا بأس به، وإنما أراد به ضعفه بالنسبة لسعيد المقبري، إلى آخر ما بسطه.
(١) ((فتح المغيث)) (١٣٢/٢).

٢٩٩
كِتَابُ الْعِلَل
مَا رَأَيْتَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ؟ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَلَقِّنَهُ لَفَعَلْتُ، قَالَ:
كَانَ يُلَقَّزُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عَلِيُّ: وَلَمْ يَرْوِ يَحْيَى عَنْ شَرِيٍ، وَلَا عَنْ أَبِي
بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ، وَلَا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، وَلَا عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَإِنْ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَدْ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ،
فَلَمْ يَتْرُكِ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَنَّهُ اتَّهَمَهُمْ بِالْكَذِبٍ، وَلَكِنَّهُ تَرَّكَهُمْ لِحَالِ حِفْظِهِمْ.
وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ يُحَدِّثُ عَنْ حِفْظِهِ
مَرَّةٌ هَكَذَا وَمَرَّةٌ هَكَذَا لَا يَثْبُتُ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ تَرَكَهُ.
وَقَدْ حَدَّثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: عَبْدُ الله
ابْنُ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ
الْأَئِمَّةِ.
وَهَكَذَا تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، وَمُحَمَّدُ
ابْنُ إِسْحَاقَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَأَشْبَاهُ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَئِمَّةِ،
إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمْ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُمْ
الْأَئِمَّةُ.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الْحُلْوَانِيُّ، نَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيّ قَالَ: قَالَ
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُنَّا نَعُدُّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحِ ثَبْتًا فِي الحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةُ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ
ثِقَةً مَأْمُونًا فِي الحَدِيثِ.

٣٠٠
الكَوْكَبُ الذُّرِّي
وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عِنْدَنَا فِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدِ بْنِ
عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَلِيّ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: أَحَادِيثُ سَعِيدِ المَقْبُرِيّ
بَعْضُهَا سَعِيدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَعْضُهَا سَعِيدٌ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
فَاخْتَلَطَتْ عَلَيَّ، فَصَيَّرْتُهَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قوله: (فصيرتها عن سعيد عن أبي هريرة) إلخ، وإنما فعل ذلك لأن زيادة
الراوي حيث لا يكون هو مضر[١] للإسناد بخلاف تركه من حيث كان، فإن الغاية
فيه أن يكون مرسلاً، والإرسال مقبول[٢] من هؤلاء سيما في القدماء، وأما قوله:
عن رجل عن أبي هريرة، فليس يعني به أن الرجل كان مجهولاً، بل الوسائط عن
أبي هريرة كانت مختلفة ومعلومة كانت عنده ومعتبرة، لا أنه كان مجهولاً، وإلا لما
صحت روايته عنه [٣].
[١] وبذلك جزم ابن حبان، فقد قال الحافظ في ((تهذيبه))(١): قال يحيى القطان عن ابن عجلان:
كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن
أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة، ولما ذكر ابن حبان في ((كتاب
الثقات)) هذه القصة قال: ليس هذا بوهن يوهن الإنسان به، لأن الصحيفة كلها في نفسها
صحیحة، انتهى.
[٢] وبسط الكلام في قبول المرسل في مقدمة ((الأوجز))(٢)، فارجع إليه.
[٣] وسعيد المقبري من الثقات، ورواة الستة، حتى قال النووي في ((تهذيبه))(٣): اتفقوا على
توثيقه، فالظاهر أنه لا يروي إلا عن الثقة كما لا يخفى.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٩/ ٣٤٢).
(٢) انظر: ((أوجز المسالك)) (٢١٠/١).
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢١٩/١).